د. حسين عبدالبصير - بين الأسطورة والعلم: هل زارت الكائنات الفضائية مصر وبلاد الرافدين القديمة

منذ سنوات، تنتشر على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي صور لعملات ونقوش وتماثيل قديمة يُزعم أنها تُظهر “كائنات فضائية” أو “مركبات قادمة من عوالم أخرى”، وتُقدَّم هذه الصور بوصفها أدلة على أن حضارات الشرق القديم، خاصة مصر وبلاد الرافدين، قد شهدت اتصالات مع مخلوقات من خارج الأرض. وتزداد هذه الروايات إثارة عندما ترتبط بقطع أثرية غامضة أو اكتشافات غير موثقة، فتتحول بسرعة إلى مادة خصبة لنظريات المؤامرة والخيال الشعبي.

ومن بين أكثر الأمثلة تداولًا ما يُقال عن العثور على عملات في مصر تحمل صورًا لكائنات ذات رؤوس طويلة وملامح غير مألوفة، أو رموز تشبه “الأطباق الطائرة”. والحقيقة أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أي أساس أثري أو علمي حقيقي. فلا توجد قطعة موثقة رسميًا في أي متحف أو بعثة أثرية مصرية معروفة تثبت وجود مثل هذه الصور بوصفها دليلًا على كائنات فضائية. وغالبًا ما تكون هذه القطع إما حديثة الصنع، أو مشوهة بسبب التآكل، أو أُسيء فهم رموزها الفنية والدينية.

إن المشكلة الأساسية تكمن في قراءة الفن القديم بعين حديثة مبهورة بالخيال العلمي. فالإنسان المعاصر، المتأثر بأفلام الفضاء والكائنات الغريبة، قد يرى في بعض الرموز القديمة أشكالًا “فضائية”، بينما يعرف علماء الآثار أن هذه الرموز تحمل معاني دينية وفلكية واضحة داخل سياقها الحضاري.

وفي حضارات بلاد الرافدين، على سبيل المثال، يظهر كثيرًا رمز “قرص شمش” أو “شمس الإله شمش”، وهو رمز ديني معروف يمثل إله الشمس والعدالة عند البابليين والآشوريين. كما تظهر النجمة ذات الثمانية رؤوس، وهي الرمز الأشهر للإلهة إنانا أو عشتار، المرتبطة بالحب والحرب والخصوبة وكوكب الزهرة. هذه الرموز ليست ألغازًا غامضة، بل عناصر موثقة في آلاف النقوش والأختام والأسطوانات الطينية التي درسها الباحثون منذ أكثر من قرن.

كذلك فإن الخطوط المتموجة أو الأشعة الخارجة من الأقراص السماوية ليست رسومات لمركبات فضائية، بل تعبيرات فنية عن الضوء والإشعاع الإلهي والسماء وحركة الأجرام السماوية. وقد استخدم الفن القديم لغة رمزية غنية يصعب أحيانًا على غير المتخصصين فهمها دون معرفة الخلفية الدينية والأسطورية للحضارات القديمة.

والأمر نفسه ينطبق على الحضارة المصرية القديمة. فالمصريون القدماء امتلكوا رؤية كونية عميقة، وربطوا بين السماء والآلهة والنظام الكوني، واستخدموا رموزًا معقدة للتعبير عن الخلق والشمس والحياة الأبدية. لكن بعض القراءات السطحية تحاول تحويل هذه الرموز إلى “أدلة” على زيارات فضائية، متجاهلة آلاف النصوص والنقوش التي تفسر هذه المعاني بوضوح داخل العقيدة المصرية القديمة نفسها.

إن خطورة هذه النظريات لا تكمن فقط في بعدها الخيالي، بل في أنها تنتقص من عبقرية الإنسان القديم. فعندما يُقال إن الأهرامات أو المعابد أو الإنجازات الفلكية لم يكن الإنسان قادرًا على تحقيقها وحده، فإن ذلك يُعد تجاهلًا لقدرات المصريين القدماء وعلومهم وتنظيمهم وإبداعهم الحضاري الفريد.

لقد بنت الحضارات القديمة عظمتها بجهد الإنسان، وبالملاحظة الدقيقة للطبيعة والسماء، وبالخيال الديني والأسطوري الذي شكّل وجدانها وثقافتها. وليس هناك ما يدعو إلى استحضار الكائنات الفضائية لتفسير ما نستطيع فهمه من خلال العلم والتاريخ والآثار.

ويبقى الفرق كبيرًا بين العلم والأسطورة. فالعلم يقوم على الدليل والتوثيق والتحليل، بينما تقوم الأسطورة الحديثة على الإثارة والانتشار السريع عبر الإنترنت. وبين هذا وذاك، تظل حضارات مصر وبلاد الرافدين أكثر إدهاشًا وعظمة عندما ننظر إليها باعتبارها إنجازًا إنسانيًا خالصًا، لا لغزًا فضائيًا غامضًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى