١
فتاة نابلس ١٥ :
تساؤل أمير وجوزيف كونراد " المال " :
كنت أتيت على " دبي في الرواية العربية " ورؤية بعض الغربيين إليها . لا شيء فيها إلا المال .
تبدو تلك الرؤية غير مقتصرة على الشخصيات الغربية ، فالنابلسي أمير الذي سرعان ما يعود إلى دبي ليأخذ دورة عمل ويحصل على وظيفة في مصرف آخر يثير السؤال نفسه ويرى الرؤية نفسها .
تدعوه Fiona السيدة الأجنبية التي تشرف على تدريبه ، بعد ثلاثة أسابيع من بداية الدورة ، إلى عشاء في شقتها ، فيعرف عنها أكثر ؛ يعرف من أين أتت فيتعجب :
" why such a women would abandon Belgravia for the desolation of a desert kingdom , particularly Dubai where inauthenticity was the defining virtue " .
لماذا تتخلى امرأة كهذه عن بلغرافيا وتأتي إلى مملكة صحراوية ، تحديدا دبي ، حيث الزيف هو ما يحدد الفضيلة " .
و " بلغرافيا منطقة غنية جدا في لندن .
هل يتذكر قراء الأدب الإنجليزي رواية ( جوزيف كونراد ) " قلب الظلام " التي نقلها ، في نهاية سبعينيات القرن العشرين إلى العربية صلاح حزين ؟
كان ( كروتز ) الشخصية الإنجليزية اللندنية ترك لندن ، وخطيبته فيها ، وسافر إلى أدغال أفريقية بحثا عن الذهب والعاج ، فتأفرق لذلك ممارسا طقوس الأفارقة حتى يثقوا به ويحصل على ما يريد ، ثم مات هناك ، فيم ظلت خطيبته تنتظر عودته حتى استلمت ورقة نعيه .
المال المال المال !
٧ / ٧ / ٢٠٢٣ .
٢
كم هو سهل إصدار الهويات !
اليوم أصدرت هوية شخصية جديدة بدل تلك التي بقي على انتهائها شهران ، وخلافا لجوازات السفر منتهية الصلاحية ، تسلم الموظف الهوية القديمة ولم تبق معي .
لم أكن أعرف أن الهوية صالحة لمدة عشر سنوات ويجب أن تجدد بعد المدة المذكورة .
لا أزمة على الإطلاق . كل شيء ميسر .
تاريخ إصدار الهوية الجديدة ٧ / ٧ / ٢٠٢٥ ، ويبدو أن انتهاء أجلي سيكون قبل تاريخ انتهائها . إنني ، مثل دولة إسرائيل ، في العقد الثامن .
ننتظر ونرى !
اللهم عجل بنهايتينا معا : أنا والدولة !!
قولوا : آمين !!
٧ / ٧ / ٢٠٢٥
٣
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
(9)
هل النماذج اليهودية في رواية السيدة من تل أبيب جديدة كل الجدة؟
ربما يكون ربعي المدهون قدم الشخصية اليهودية تقديما جديدا وهو ما يتجسد تحديدا في شخصية دانا،فقد أعطاها المجال لتعبر عن نفسها وكانت شخصية تعبر عن الواقع اﻷسرائيلي في 90ق20 وما بعده تقريبا ،ومع ذلك فإن نظرة الإنسان العربي الشرقي إليها لن تجعل منها نموذجا جديدا كليا لم تألفه الرواية العربية ،فهي خارجة من معطف سارة في رواية ممدوح عدوان " أعدائي "2000 وإن اختلف الزمن الروائي واختلفت تبعا لذلك المعطيات فدانا تعيش في عالم ما بعد الصهيونية ،خلافا لسارة التي عاشت في بدايات ق20_اي فترة الصعود الصهيوني ان دانا امراة حامل وهي تقيم علاقة مع اثنين في الوقت نفسه،ولا تعرف من والد جنينها اهو ابن الزعيم العربي الذي تلتقيه في لندن ام انه صديقها ايهود الذي تلتقيه في تل ابيب.كانت سارة في رواية ممدوح عدوان تقيم علاقة مع جمال باشا السفاح ،وكانت في الوقت نفسه تقيم علاقة مع صديقها اليهودي الشاعر افشالوم،وان كان هناك من خلاف فهو خلاف في الرؤية ،أي في موقف كل منهما للمشروع الصهيوني،ففي حين وظفت سارة جسدها لخدمة المشروع الصهيوني ،فان دانا لا تكترث اكتراث سارة لهذا المشروع،بل انها ترى المشروع الصهيوني ،وقد اكتمل،تراه في وضع مختلف،حيث يتحول الصهيونيون الى محتلين وقتلة..
والمرء يقرأ النماذج اليهودية في الرواية يستذكر قصيدة محمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" فثمة جنود في الرواية يحلمون بالزنابق البيض ،بل إن المرء يتذكر روايات فلسطينية سابقة كتبت في 70 ق20 مثل رواية محمود شاهين "الهجرة إلى الجحيم " حيث تطالعه شخصية اليهودي الذي يستدرج إلى فلسطين ثم يكتشف أنها ليست المكان الذي يروق له فيهاجر.حدث هذا مع داني صديق دانا وهو يهودي أوكراني استدرجته دانا إلى فلسطين ثم سرعان ما عاد إلى بريطانيا
(10)
الاستاذ الدكتور محمد البوجي علق على ما نشرته عن الرواية وقال انها من حيث الموضوع لا جديد فيها،ولكنها من حيث الشكل تستحق الدراسة.كتبت للاستاذ الدكتور معقبا:لا ادري ان كنت قرات رواية أنطون شماس " عربسك " ولا أدري إن كانت (عربسك )من قراءات ربعي المدهون،ولا أدري إن كان أحد قراء الرواية " السيدة من تل أبيب " ومن نقادها أجرى مقارنة بين الروايتين،ورواية شماس كتبت بالعبرية،وترجمت إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية،وأنا قرأتها بالألمانية ،ولدي الترجمة الإنجليزية.
أعتقد أن مقارنة بين الروايتين من حيث الشكل والمضمون وتقديم شخصية الآخر جديرة بالدراسة،ولعلني أقترح الموضوع على طالب دراسات عليا يجيد العبرية أو الإنجليزية.
كما قدم ربعي شخصية يهودية محورية وجعلها تتكلم ،فإن أنطون شماس فعل هذا من قبل،وحفلت روايته بشخصيات يهودية ترك المؤلف لها المجال لأن تعبر عن نفسها.
وأعتقد أن هناك تقاربا أيضآ في الشكل.
(11)
تذكرت وأنا أقرأ السيدة من تل أبيب قصيدة محمود درويش " خلاف ،غير لغوي ،مع امريء القيس " (1995) وفيها يقول الشاعر:
أغلقوا المشهد
تاركين لنا فسحة للرجوع إلى غيرنا
ناقصين.صعدنا على شاشة السينما
باسمين،كما ينبغي أن نكون على
شاشة السينما،وارتجلنا كلاما أعد
لنا سلفا على فرصة
الشهداء الأخيرة.ثم انحنينا نسلم
اسماءنا للمشاة على الجانبين وعدنا
إلى غدنا ناقصين.
لماذا تذكرت هذه الأسطر الشعرية لمحمود درويش؟ ببساطة لأن بطل الرواية وليد دهمان سلم اسم فلسطين لدانا وأخذ يتحدث عن إسرائيل،فقد ارتجل كلاما أعد له سلفا.
في العام 1993كنت كتبت كراسا نشرته في مجلة كنعان تساءلت فيه عن الأدب الفلسطيني واتفاقية السلام،ومما كتبته في حينه أن علينا أن نقبل الرواية الإسرائيلية من الآن فصاعدا:حيفا هي حيفو ،وعكا هي عكو ،ويافا هي يافو.أعتقد أن وليد دهمان فعل هذا باستسلام كامل.لقد عاد إلى خان يونس ،غده،ناقصا.
هل أقسو على وليد دهمان؟
ثمة في الرواية إقرار باسرائيل واعتراف بها حتى قبل أن ينجز الفلسطيني أدنى ما يطمح إليه:دولة هزيلة على حدود الرابع من حزيران.
(12)
وأنا أتابع الشخصيات اليهودية في الرواية تذكرت قصيدة محمود درويش الشهيرة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء" .كانت السيدة دانا التقت يهوديا أوكرانيا في لندن وأقامت معه علاقة وحثته على السفر إلى إسرائيل وقد شجعه على هذا انهيار الدول الإشتراكية ومآل والده الشيوعي الكبير ذي النفوذ أيام الاتحاد السوفيتي.
يذهب يوريس إلى فلسطين ويغدو جنديا في الدولة العبرية ولا يروق له اضطهاد الفلسطينيين -كان له في معهد تعلم اللغة في لندن صديق فلسطيني - وهكذا يقرر يورييس -داني-العودة من حيث أتى رافضا الاستمرار في الخدمة العسكرية بل وفي الدولة العبرية.
طبعا يأتي المؤلف على جنود اسرائيليين حقيقيين رفضوا الخدمة في الانتفاضة اﻷولى في المناطق المحتلة ويعتمد كتاب (ديفيد غروسمان )"الزمن اﻷصفر "مرجعا له.
حقا هل تختلف صورة الجندي يوريس/داني عن الجندي الذي كتب عنه محمود درويش؟
النموذج اليهودي هنا ليس جديدا .إنه مجرد تفصيل نثري لقصيدة شعرية والنثر أرحب مجالا من الشعر في تقديم الشخصيات ولكن النموذج اليهودي هنا تكرار بكل معنى الكلمة وربما ما يجدر الالتفات إليه في الرواية هو ظاهرة التناص.
٢٠١٥
٤
خربشات ضمير المخاطب والسيدة من تل أبيب :
في صيف العام 1996 سافرت إلى ألمانيا ، ثانية ، من مطار اللد ، وكنت سافرت في المرة الأولى في العام 1987 ، وكان السفر ، عبر مطار اللد ، أمرا عاديا ولم يكن ينظر إليه على أنه تطبيع مع العدو ، فقد كنا بين نارين ؛ نار الإخوة العرب ونار الاحتلال ، وأحيانا ، للأسف ، كانت نار الاحتلال محتملة _ ألم يفر الفدائيون في 1970 من الأردن إلى الضفة مسلمين أنفسهم للجيش الإسرائيلي هربا من الجيش الأردني ؟ وقد تكرر الأمر في 2007 ، حيث فر الفتحاويون من عسكر حماس ، وسلموا أنفسهم لجيش أبناء العمومة ورأوا فيه جيشا أرحم من عساكر الإخوة .
المهم أنني في 1996مررت بما مر به بطل رواية " السيدة من تل أبيب " ،وكنت أتيت على العودة إلى مطار اللد في روايتين لي هما " تداعيات ضمير المخاطب " و" خربشات ضمير المخاطب " ، وفي الثانية جلست إلى جانب إسرائيلين ذهابا وإيابا ، ونادرا ما تكلمنا.
ولأنني أعرف قلقيلية وحوارة فلم اخطيء في الجغرافية ، وهذا موضوع آخر .
هل كنت مطبعا حين سافرت من مطار اللد؟
٥
( حزيران الذي لا ينتهي ) 33 :
( في حزيران اسلم البندقية ، وفي حزيران يسحرني صوت أم كلثوم : أصبح عندي الآن بندقية )
في حزيران ، كما كتبت من قبل ، حملت بندقية أبي ، وحمل ابن خالتي بندقية أخيه ، وسرنا ، وفي أعلى كل بندقية شارة بيضاء ، دلالة على الاستسلام ورغبة في التسليم وعدم المقاومة ، وذهبنا ،معا ، إلى مبنى البلدية الجديد ، ووضعنا البندقيتين فوق البنادق التي سلمت ، للتو ، وعدنا سالمين فرحين بالسلامة ، وبتأدية المهمة التي خاف من تأديتهاالكبار ، وأيضا بأننا أصبحنا موضع أسئلة هؤلاء : هل نظر اليهود في كشوف ما ؟هل سألاكما عن الأسماء ولمن تعود البندقية ؟ هل هناك جيش على دوار المدينة ؟
وفي حزيران الطويل وجدتني أصغي إلى صوت أم كلثوم ، أيضا من إذاعة صوت العرب واذاعات الجمهورية العربية المتحدة : ( أصبح عندي ، الآن ، بندقية ) .
كانت الكلمات تتحدث عن رغبة كاتبها في الذهاب ، إلى فلسطين ، مع الثوار ، ليقاتل ، فهو ، أي نزار ومن يتحدث باسمهم ، منذ عشرين عاما يبحث عن البندقية ، ولم يعرف أن البنادق سلمت يوم سلم الوطن .( سلموها مفروشة ) قال بعض الناس ساخرين .
ولم أكن ، وأنا أكرر كلمات الأغنية ، ألتفت إلى أنني ، قبل أشهر ، قمت بتسليم البندقية ، في فلسطين التي أقيم فيها . كيف أكرر كلمات أغنية تدعو إلى الذهاب إلى فلسطين ، وأنا فيها ؟ وكيف اتغنى ببندقية لا املكها ، بندقية قمت ، قبل فترة ، بتسليمها ؟ ربما هو عدم الوعي ، وربما هو سحر الإيقاع ،وربما هو التأييد غير المعلن ، والخفي ، لرجال المقاومة ، أي الفدائيين ، الذين نطق نزار باسمهم ، وربما ... ربما .
في تلك الأيام انضم كثيرون إلى رجال المقاومة ، ومن الشباب من تسلل إلى الاردن ، عبر النهر ، لينضم إلى الفدائيين الذين بدؤوا يتسللون ، أيضا عبر النهر ، ليقوموا بعمليات مقاومة الاحتلال ، وهذا ما انعكس في أدبيات تلك المرحلة ، الأدبيات التي لم يعد أحد يذكرها إلا مؤلفها - وربما تجاهلها - وباحث ما يكتب رسالة ماجستيرعن ذلك الأديب ، ومشرف على الطالب كان قرأ القصص في أثناء صدورها ، أو بعد صدورها بفترة ، ومنها مثلا مجموعة يحيى يخلف " المهرة "، ولكن المثال الأبرز والأسطع والذي مازال حاضرا هو رواية اميل حبيبي ( الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل )( 1974 ) ففيها يأتي حبيبي على سعيد ابن يعاد الذي تسلل ليقاوم ، فأسر في العملية القتالية ، وهو من مواليد المنفى ، وفيها يكتب اميل عن ولاء ابن سعيد المتشائل الباقي في فلسطين ، بعد أن عاد إليها في 1948تسللا ، وابن باقية التي لم تهاجر في عام النكبة ، فقد آثر ولاء أن يتمرد على الدولة الإسرائيلية ، وأن يلتحق بالمقاومة .
.
في تلك الأيام أخذ أخي الكبير درويش يتحدث عن صديقه في العمل ، حسين ابو حاشية ، الذي ذهب إلى الأردن والتحق بالفدائيين . وسيقوم حسين بالتسلل ، عبر النهر ، ليقوم مع فدائيين آخرين ، من حركة فتح ، بعملية يؤسر فيها ، ويمكث في السجن سنوات طويلة ، وسيخرج بعملية تبادل أسرى ، وسيغدو ، زمن السلطة ، مسؤولا عن دائرة السير في نابلس ، وغالبا ما أراه ونتحدث معا ، وأسأله عن أحواله ، و ..
في حزيران سلمت بندقية أبي ، وكانت من النوع الانجليزي الذي يعود إلى فترة الحرب العالمية الاولى ، البندقية - الخشبة ، كما أخذ الناس يسمونها ساخرين ، فماذا ستفعل هذه أمام الدبابة والطائرة والسلاح الإسرائيلي المطور الذي أهدي في العام 1966 ، كما ابرزت الصور لاحقا ، إلى أحد الملوك العرب . ولم يعد إلى هذه البندقية مجدها إلا عملية عيون الحرامية في انتفاضة الأقصى 28/9/2000-2007 ، حيث تمكن فلسطيني واحد ، بالبندقية - الخشبة ، من قتل أكثر من عشرة جنود إسرائيليين .
في حزيران سلمت البندقية ، وفيه أخذت أكرر مع أم كلثوم ( أصبح عندي الآن بندقية ) ولم أفهم قصيدة فدوى طوقان ( تفاءل معي ) وسخريتها فيها من الأغنية والمعنية ، إلا في وقت لاحق . لقد كنت ، مثل كثيرين ، أكرر كلاما كبيرا ، متأثرا ، ربما ، بالإعلام العربي ، وباحمد سعيد و ..و ..
7/7/2016
٦
( حزيران الذي لا ينتهي ) 34 :
( ورأيت من منع الرقيق وبيعه
نادى على الأحرار :يا من يشتري )
أخذ الفلسطينيون أكثرهم ، في تلك السنوات التي تلت الهزيمة /النكسة ، أخذوا يعملون لدى الإسرائيليين زرافات ووحدانا ، ولم يعد الإسرائيليون بحاجة إلى سماسرة عمل ، كما كان الحال عليه إثر الأيام الأولى بعد انتصارهم وهزيمتنا ، فالليرات الإسرائيلية ، مقارنة مع القروش الأردنية التي يدفعها أصحاب المصانع والمحلات الوطنية ، كان لها مفعول سحري و ( اللي بوخذ امي هو عمي ) ، وصار اليهود أعمامنا ، لا أبناء أعمامنا ، وصاروا أزواج أمهاتنا ، ولم يقتصر الأمر على عرض قوة عضلاتنا عليهم ، في مدنهم وورشاتهم ومصانعهم وعماراتهم .
لقد أخذ الإسرائيليون يتسللون إلى مدننا وبيوتنا ومصانعنا ، فلقد افتتحت في نابلس محلات خياطة ، كما لم تفتتح من قبل ، وصارت بعض البيوت تعج بماكينات الخياطة ، والعاملات والعمال في هذا المجال ، وغدا أصحاب هذه الماكينات يذهبون إلى أرباب العمل الإسرائيلي مرة في الأسبوع ، أو مرة كل أسبوعين ، يأخذون معهم ، في شاحنات صغيرة ،من نوع ( فولكس فاجن ) ( كابينا ) ما انجزوا ، ويعودون بال( شيكات ) التي يصرفونها من فرع بنك ( ليئومي ) في نابلس . وتبحبحت أحوال فقراء كثر ، صورتهم سحر خليفة في روايتها ( عباد الشمس ) 1979 / 1980 .
أصبحت مهنة الخياطة الأكثر ازدهارا ، وأعرف خالا لي أثرى ، لفترة ،من ورائها ، وساءت أحواله لاحقا ، حين ساءت أحوال الخياطة ، في فترة لاحقة .
الخياطون القدامى الذين اثروا ألا يتعاملوا مع الإسرائيليين ، وظلوا على سابق عهدهم ، تردت أحوالهم ،بخاصة حين أخذت الملابس الإسرائيلية تغزو محلات الضفة ، وحل اللباس الجاهز محل الملابس المفصلة تفصيلا عند الخياط . وعرفنا يومها بلاطين شركة ( باجير )الإسرائيلية وبدلاتها ، وفضلناها ، كما فضل سبحانه ، بني اسرائيل على العالمين . وغدا الشخص الذي يرتدي بنطالا من بنطالات تلك الشركة يشعر بالفخر ، كما لو أنه يقول ( كل افرنجي ابرنجي ) ، وأما الخياطون العرب وملابسهم فهي ( بزونك ) . وهذه كلمة شاعت شيوعا كبيرا في تلك السنوات ، علما بأن أصلها ، كما عرفت ، تركي ، لا عبري .
لقد غدونا نسأل عن البضاعة الإسرائيلية في مواعيد محددة من السنة ، واختصت بها محلات دون غيرها ، وكان سعر الملابس مرتفعا ، ومع ذلك كنا نشتريها ، ولم يخف الإقبال عليها إلا بعد أن أصبح الاستيراد من تركيا والصين ممكنا ، وتحديدا بعد مجيء السلطة واتفاقات ( اوسلو ) .
وحيثما يممت وجهك ، في تلك السنوات ، كنت تجد مخيطة أو اثنتين أو ثلاثا ، عدا ما افتتح في البيوت .
فرص العمل غدت وفيرة ، والشباب يقبلون عليه ، والليرات مغرية ، وأصبح الذين يترددون على النوادي والمقاهي قليلي عدد ، باستثناء أيام السبت .
في تلك الأيام غدوت رياضيا . نعم غدوت رياضيا من قلة الرياضيين ، وما كنت يوما .
كانت وكالة غوث اللاجئين تنسق مع جمعية الشبان المسيحيين ( واي ام سي ايه ) لإقامة نواد رياضية صيفية في حقل الرعاة في بيت ساحور ، وكانت مدة الدورة عشرة أيام فقط ، يذهب شابان ثلاثة من المخيم ، ممن هم في سن السادسة عشرة أو الثامنة عشرة إلى بيت ساحور لعشرة أيام . ولما كان الشباب عمالا في المصانع الإسرائيلية ، أو خياطين في محلات الخياطة في نابلس أو المخيم ، فلم يتمكن نادي المخيم من تأمين ثلاثة شباب للذهاب إلى بيت ساحور ، وبينا أنا في الشارع ، وكنت بلا عمل ، وإذا بمدير المخيم المرحوم عدنان عبدالله يناديني ويعرض علي المشاركة في الدورة ، ولم اعص له أمرا ، وساشارك مرتين في تلك الأيام ، في صيفين متتاليين ، رغبة في الإقامة في بيت ساحور وزيارة بيت جالا وبيت لحم ، والسباحة في بركة ال ( واي ام سي ايه ) النظيفة البراقة -ولو كنت سمعت بال( سي اي ايه ) لربما ما ذهبت .
لقد غدوت رياضيا ، دون أن أكون ، ولكني أحاول .
في أثناء الدورة كنا نذهب إلى القدس لنتدرب على السباحة ، ثم كنا نصيع في شوارع المدينة التي كانت تكتظ باليهود ، ولم نكن نخشاهم ، فقد اعتدنا عليهم واعتادوا علينا ، وأما بنعمتهم فحدث ( شكديم توف . ارتيكا توف .كله بليرة يا خواجة ) . وكنا نتنقل ما بين القدس وبيت لحم بسهولة ، فلم يكن ( كولمبوس ) اكتشف طريق وادي النار ، ليقرر الاحتلال ، في أثناء الانتفاضة الأولى 1987/1993 حرماننا من دخول القدس ، ومن إلغاء طريق القدس بيت لحم،ليجعلها مقتصرة على الذين فضلهم رب العباد على العالمين .
اتذكرني في شوارع المخيم أسير وحيدا ، والشباب في مصانع المخلل الإسرائيلية أو وراء ماكينات الخياطة ، ولا بد من ثلاثة شباب ليشاركوا في الدورات الرياضية ، وكان المرحوم عدنان العبدالله يبحث عن حر ، ينادي عليه : يا ريمون زبانة - وكان المسؤول عن ال( واي ام سي ايه ) لا عن ( السي اي ايه ) : ها قد وجدناه . هل تشتري ؟ وكان ريمون يرحب بالأحرار .
كنت أذهب إلى البيت وأجهز قطعتي ملابس داخلية وقميصا وبنطالا ، ولم أكن املك اكثر من هذ - كنت في هذا مثل أنور السادات وحسني مبارك وصدام حسين ، قبل أن يصبح هؤلاء رؤساء ، بل ومثل محمد دحلان قبل أن يثرى كلانا ، هو من الثورة وأنا من الوظيفة - أعد ملابسي واهييء نفسي للسفر ، لأغدو لاعبا رياضيا . وسرعان ما أجد نفسي في بيت ساحور .
7/7/2016
٧
رحم الله ماهر شرف :
أمس في الثامنة مساء رغبت في تناول ساندويش فلافل ، وهكذا مررت بمطعم شرف على الدوار . المطعم مغلق وعلى بابه كرتونة تنعى أحد أصحابه .
منذ أصبت بالسكر لا حديث لي مع ماهر إلا عن السكر فهو أيضا مصاب بهذا الداء . نسبة السكر وارتفاعه ونوع الدواء وتأثيره على العين والشبكية و .. و ... ولقد جعلنا داء السكر صديقين .
أمس قرأت نعي ماهر ولم أتناول ساندويشة الفلافل ولم أتحدث مع أخيه الطبيب .
أول أمس التقيت بصديقي حسن العارضة وكان السكر وما ألم مع أخيه طلعت بسببه قد شغل جانبا من حديثنا.
رحم الله ماهر شرف وأدخله فسيح جناته .
هل سيكون هناك داء اسمه السكر - أعني في العالم الآخر ؟ وهل ستكون هناك دولة اسمها إسرائيل وأخرى اسمها قطر والسعودية وإيران وبشار الأسد والسيسي ؟
ما أندم عليه أنني لم أدون يوميا ما سببه لي هذا الداء من الآلام وكم شغل بالي وفكري!
7/7/2017
٨
" " قلت :
"وأنت "؟
قال :
"فدائي ولاجيء ،
وأنت ؟ "
فتحيرت في هويتي كيف انتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ويتكلم حتى لا يئن . هل أقول له " إنني كبش ومقيم " ؟ أم أقول له إنني دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟
اميل حبيبي في " المتشائل " /الكتاب الثالث/ يعاد الثانية/ سعيد في بلاط ملك.
٩
على هامش المؤتمر :
على هامش مؤتمر " المابعد " ؛ ما بعد البنيوية والتفكيكية والكولونيالية تذكرت ما كتبه فيصل دراج ونشره في أحد أعداد مجلة " الكرمل " - إن لم تخني الذاكرة .
كيف نناقش ما بعد الحداثة في مجتمع بلا حداثة ؟
وتذكرت قصيدة مريد البرغوثي " قبائل " :
" قبائلنا تسترد مفاتنها
في زمان انقراض القبائل ".
كنا نناقش " ما بعد " ونحن نرسخ في " ما قبل الماقبل " - إذا صح التعبير .
أردت أن اسأل ثم وجدتني أبتسم وأصمت ، فقد خشيت أن اسأل :
- ولماذا حضرت وشاركت؟
ربما ما ناسب فكرة " ما بعد " هو " مابعد "الكولونيالية ، فما زلنا ، والحمد لله، نعيش زمن الاستعمار والاستقلال الشكلي وحرب القبائل - سوريا والعراق/ السعودية ودول الخليج/ اليمن .
لعلني مخطيء . لعلني .
7/7/2018
١٠
فول حمص فلافل فتة :
في عمان ، في 70 ق 20 كنا نأكل الفلافل من محل فؤاد وسط البلد . كان محله يومها هو الأشهر والآن لا أظنه معروفا .
الكاتب محمد داودية دعاني إلى مطعم أبو جبارة قرب دوار الواحة في الشميساني ولبيت دعوته وأفطرت بصحبته وبصحبة الشاعرين د.راشد عيسى وموسى حوامدة .
مطعم أبو جبارة الآن هو الأشهر ولكل " فترة/ زمان " دولة / مطعم ورجال / أكيلة " ، مع يقيني أنني والكتاب الثلاثة شهدنا زمن مطعمي فؤاد وأبو جبارة .
أي الطعام أزكى؟
فلافل فؤاد وتناوله على الواقف أم فتة أبو جبارة وفوله وحمصه وفلافله وتناول الطعام فيه في مكان واسع مكيف؟
زمن محل فؤاد كنت شابا وقويا وغير مصاب بالسكري ولم يكن الطبيب حذرني من تناول أكثر من قرص فلافل في الشهر ، خوفا على الكلى ، والآن أنا مدعو لمطعم فاخر والصديق محمد الآن ، وأنا الآن ، ميسورا الحال ، ولكن الفلافل والفول والحمص والفتة يجب تناولها بمقدار : ملعقة واحدة اسبوعيا .
الأشياء تأتي في غير مواعيدها .
سبحان مغير الأحوال : شهية وقلة يد ، ومنع ووفرة مال ، والحمد لله أنني أملك ساقين تحرقان السكر على الرغم من آلام تلم بهما .
ما علينا .
أكلنا الفول والفلافل والحمص والفتة وغلب على تذوقها الحديث في الأدب .
7/7/2018
١١
احتضار النقد الأدبي :
هل يحق لنا أن نقر بموت النقد الأدبي أسوة بما ذهب إليه نيتشه " موت الإله " و رولان بارت " موت المؤلف " و ألن روب غرييه " موت الشخصية " في الرواية ، أم نأخذ بالمقولة الماركسية التي ترى أن المادة تتحول من شكل إلى آخر ؟
إنني أتأمل في الكلاسيكية والرومانسية والواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية ، وأتأمل في النقد غير النصي والنقد النصي والنقد التأثري وما آل إليه هذا كله ، فماذا أرى ؟
جورج لوكاتش واجتماعية الأشكال الأدبية . موت أجناس وولادة أجناس أخرى .
تطبيق ذلك على النقد والمذاهب النقدية .
نازك الملائكة والأسباب التي أدت إلى شيوع/ظهور قصيدة التفعيلة .
١٢
صورة أهل غزة في أدبيات الضفة الغربية :
بدأت أدبيات كتاب الضفة الغربية تحفل بكتابات تصور شخصيات من غزة .
الكتابة عن غزة والصورة المشرقة لأهلها ظهرت في رواية اميل حبيبي "المتشائل " حيث كتب عن معاناة العمال .وصور أيضا الروائي مشهور البطران Mashhour Batran معاناتهم في رواية " آخر الحصون المنهارة "
محمود درويش كتب شعرا ونثرا عن غزة التي لا تبيع البرتقال لأنه دمها المعلب وصلى لأجل غزة .
هناك روايات عديدة ظهرت في السنوات العشرة الأخيرة تصور شخصيات من غزة تقيم في الضفة ، منها روايات لغزيين أقاموا في الضفة مثل سامح خضر "يعدو بساق واحدة " ، ومنها روايات لكتاب عائدين تنقلوا بين غزة والضفة مثل زياد عبد الفتاح في " الرتنو " .
الموضوع حساس والخوض فيه مزعج ولكنه يحضر في الرواية .
اليوم كنت أعيد قراءة فقرة من شظايا سيرتي " حزيران الذي لا ينتهي " فوجدتني أتوقف أمام عائلات غزية أقامت بعد ١٩٦٧ في مخيم عسكر .
كنت أقرأ في رواية Ziad Abedelfattah " الرتنو " فقرأت ما لا يسر الخاطر .
قبل فترة آثار الموضوع ناشط هو Atef Atatrah وكانت الردود تقول :" يفضل إغلاق الموضوع وعدم الخوض فيه " .
الكتابة ستكون مزعجة حقا .
كان الله في عون أهل غزة واليوم مقال Hasan Albatal البطل عن كوثر الغزية .
هل أكتب عن الموضوع في رواية زياد عبد الفتاح أم أنام مبكرا ؟
٧تموز ٢٠١٩
١٣
الست كورونا : وصفات جديدة لأطباء شعبيين ساخرين أو متساخرين ( ١٤ ) :
أمس مساء تم تمديد الإغلاق إلى يوم آخر ؛ إلى يوم سادس ، وتزايدت نغمة الشكوى من الجلوس في البيت وقلة الأعمال وضيق الصدور وتناقص ما في اليد ونفاده وتأجيل الأفراح وبؤس الجنازات وانتقال الفايروس من خلال الأعراس وتدخين النراجيل و .. و ..
شخصيا واصلت متابعة العمل في ترميم البيت والجلوس مع العمال وتناول الفطور معهم ، وبين فترة وأخرى أخذت أتصفح الماسنجر وأتابع الأشرطة التي يرسلها لي الأصدقاء .
أطرف وصفة شعبية سمعتها لطرد الفايروس تكونت من ماء وليمون وعسل . اتصل الطبيب الشعبي الساخر ، والأصح المتساخر ، بالمذيعة وقدم بلهجته الخليلية وصفته على النحو الآتي :
ماء وليمون وعسل يشرب معا في اليوم الأول
وفي اليوم الثاني يشرب الماء والليمون وكذلك الأمر في اليوم الثالث وفيه سيخرج الفايروس يسأل عن العسل ، وهنا تضربينه على رأسه فيموت .
أهي سخرية أم سماجة وسخف ؟
شريط مسجل آخر تحدث فيه مواطن يبدو من الخليل عن نقل العدوى لمائة وخمسين شخصا آخر ، والسبب أن امرأة أرجلت من وراء سلفها - يعني أرجلت من النارجيلة نفسها التي نرجل فيها سلفها - وبشتيمة خليلية من قاع الدست أنهى صاحب الشريط حديثه .
وماذا عن التعليم الإلكتروني ؟
المهندسة المعمارية الشابة التي تخرجت حديثا من كلية الهندسة وأتمت دراستها عبر ال ( On line ) تقف في الورشة وتسأل أستاذها :
- كم ملعقة شومنتو - اسمنت - أضع في الخلطة .
مرة كتبت قصة عنوانها " كأس نبيذ حزنا على موت الكلب " صورت فيها الحزن الذي ألم بالعائلة الألمانية التي أقمت معها لموت كلبها .
ما الذي ذكرني بالقصة ؟
أرسل إلي ابن أختي Anwar Mazen خبرا عن كلبة عائلة إيطالية اسمها ( ليزلي ) تعرضت لأزمة نفسية نتيجة حبسها في البيت بسبب جائحة الكورونا ، فقررت العائلة السفر بها إلى ثلاث جزر مختلفة للترفيه عنها حتى تتعالج نفسيا ويروق مزاجها . دقوا على الخشب ومن المؤكد أن قسما منا سيتمنى لو أنه كلب أو كلبة في بلاد الطليان . صلوا على النبي ففي بريطانيا قررت الحكومة البريطانية ، كما أرسل إلي الكاتب Osama Moghrabi ، قررت اعتبار الكورونا مثل أوبئة أخرى عادية وعليه يجب أن تعود الحياة إلى طبيعتها .
ما شاء الله علينا ! ما شاء الله !
واليوم سوف أواصل التنظيف المنزلي .
٧ تموز ٢٠٢٠
١٤
يحيى السنوار ٢
غسان كنفاني ويحيى السنوار :
كان أمس يوم حزن آخر يمر على الفلسطينيين ، وليس هذا بمستغرب ، فمن من قراء محمود درويش لا يتذكر ما كتبه عن الحزن الفلسطيني ؟
إن لم يقرأ القراء ما كتبه درويش في ديوانه ، فمن المؤكد أنهم قرؤوه من مقالاتي وخربشاتي ، لكثرة استشهادي به .
" من أي عام جاء هذا الحزن ؟
- من سنة فلسطينية لا تنتهي ،
وتشابهت كل الشهور ، تشابه الموتى " .
كان الخبر الباعث على الحزن قادما من غزة ، فقد خلف شادي نوفل الذي مات أو قتل أو ... ، خلف ثلاث طفلات صغيرات سيحرمن من حنان الأب ... إلخ .. إلخ ، ولنزار بنات أربعة أولاد منهم طفلة لم يتجاوز عمرها الشهرين . ( لماذا لا تكتفي السلطة أو حماس بسجن معارضيها ؟ لماذا القتل ؟ )
لم ننته بعد من مضاعفات قتل نزار بنات في الضفة الغربية حتى صرنا نقرأ عن مأساة جديدة في غزة لم تقتصر على شادي وحسب ، فثمة إطلاق نار على محام أيضا .
لا أمن ولا أمان ولا استقرار أيضا . هنا وفي غزة وهناك في المنافي وأيضا في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ ، وتعددت الأسباب والقتل بالرصاص واحد . رصاص مافيا ورصاص سياسي وجنازير وعتلات وتعذيب و ... وكان الله في عون الفلسطينيين .
وأنا أقرأ في رواية السيد يحيى السنوار تذكرت غسان كنفاني ، ويوم غد تمر الذكرى التاسعة والأربعون لاغتياله ، فقد فجر الموساد الإسرائيلي سيارته في حي الحازمية في بيروت في صبيحة الثامن من تموز من العام ١٩٧٢ عن عمر يناهز السادسة والثلاثين عاما .
أما لماذا تذكرت غسان وأنا أقرأ السيد السنوار ، فالسبب يعود إلى الكتابة عن العملاء وقتلهم .
أول أمس كتبت أن إبراهيم في رواية السنوار لم يتردد في قتل أخيه حسن ، لأن حسن تعامل مع الاحتلال . لقد أقسم إبراهيم أن يقتله وأبر بقسمه . ما علاقة هذا بغسان كنفاني ؟
في العام ١٩٥٧ كتب غسان قصة عنوانها " درب إلى خائن " أتى فيها على قصة لاجيء فلسطيني يعمل في الكويت وأراد التسلل إلى اللد ليقتل أخاه الذي وشى إلى اليهود بأبناء عمه .
كان محمود أراد أن يقتل أخاه وهو في اللد ، ولكنه لم يفعل من أجل أمه ، وعندما ماتت الأم وعرف ، وهو في المنفى ، بالخبر قرر أن يتسلل إلى هناك - أي إلى اللد - ليقتل أخاه الخائن .
لقد فرح محمود لخبر موت الأم أكثر مما حزن . هكذا قال ، فيجب أن يتخلص من عار الخيانة .
هل فعل محمود هذا ؟
عندما وصل من العراق إلى الحدود الأردنية أعادته الشرطة من حيث أتى ، والسبب أنه كان أيام " أبو حنيك " - أي كلوب باشا - مشاغبا ، ومن خلف ما مات . فقد ظل اسمه مدرجا في سجلات الحكومات .
" سأتسلل إلى الأردن أولا " .
محمود في قصة غسان مثل إبراهيم في رواية السنوار ، و " العرب الطيبون " - حسب عنوان كتاب ( هلل كوهين ) - موجودون باستمرار .
يقال إن السيد يحيى السنوار مصاب بهوس اسمه العملاء ، ولقد صرت مثله مصابا بالهوس ذاته ، فلم أعد أثق بكثيرين . لقد قتل إبراهيم بطل رواية " الشوك والقرنفل " أخاه حسن ، وصفى صديقه فايز . ببساطة إن أقرب المقربين لك قد يخونك ويكون جاسوسا عليك ، إن ليس للاحتلال فللسلطة الوطنية أو لحركة حماس أو لنظام الدولة المجاورة أو لأخيك أو ..
عالم مخابراتي بامتياز تفقس فيه " العثة بين الإنسان وثوب النوم وزوجته " والعبارة الأخيرة للشاعر مظفر النواب عافاه الله وشافاه ، فآخر صورة له أظهرته منهكا حتى أن أحد مشاهديها اعترض على إدراجها وطلب من مدرجها أن يدرج للشاعر صورة في عنفوان شبابه تناسب عنفوان شعره ، ووافقته الرأي .
أعتقد أن الكتابة عن رواية يحيى السنوار ضرورة لفهم الرجل ، فكيف لم ينتبه الدارسون إليها ؟
هل يعود السبب إلى أنهم لم يروا فيها رواية ذات قيمة فنية أم يعود إلى أنهم لم يقرؤوها أصلا ؟ وأرجح القسم الثاني من السؤال ، فأنا لم أعرف عنها إلا مؤخرا والفضل يعود إلى متابعتي صفحة الشاعر Zakaria Mohammed .
هل ستعيد هذه الكتابة حركة حماس إلى رشدها فتعيد النظر في قرار اتخذته بشطب اسم غسان كنفاني عن المدرسة التي حملت اسمه في غزة ؟
زبطها يا أبو إبراهيم وبادر !!
٧ تموز ٢٠٢١
١٥
غزة ( ٢٧٥ ) :
إن عشرت الحرب دشرت :
اليوم الأحد يبدأ شهر جديد من شهور الحرب . إنه الشهر العاشر ، وخاب رجاء من تمنى أن تضع حملها في الشهر التاسع كما لو أنها امرأة حامل ، علما بأن الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى أتى في معلقته على تشخيص الحرب وقال إنها تلقح كشافا - أي مرتين في العام ، ثم تنتج فتتئم ، وكنت أوردت أبياته في يوميات سابقة .
إن لم تتوقف الحرب فسوف يكون الخطر كبيرا ؛ على الوالدة والمولود ، وإن أمعنت في التشبيه فإن المرأة التي يدخل حملها في الشهر العاشر تعاني من صعوبات تشكل خطرا على صحة الوالدة والمولود واستمد هذا من تجربة مرت بها أمي - رحمها الله - في العام ١٩٧٦ ، إذ كادت تفقد حياتها وهي تلد ، ولكن الله نجاها وفقدت الوليد .
أمس قصفت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مدرسة تؤوي اللاجئين هي مدرسة الجاعوني وراح ضحيتها أكثر من أربعة عشر فلسطينيا وفلسطينية ، ما ذكرني بما جرى في شهر نيسان من العام ١٩٧٠ حيث قصفت طائرات الفانتوم الأمريكية الإسرائيلية مدرسة بحر البقر في مصر ، مرتكبة مجزرة دموية .
لا وصف لهذه الحرب غير " حرب إبادة وحرب محو " أو على حد تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي " حرب وجود " .
" تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى السيل حتى غاصت الركب "
قال الشاعر العربي قبل مائة عام وأكثر ، ولكن العرب ينامون نوم الهنا ، كما غنى الطفل مقلدا الأغنية التي غنتها فرقة العاشقين الفلسطينية اثر حرب بيروت ١٩٨٢ " اشهد يا عالم علينا و ع بيروت " :
" اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت
والعرب ف نومة هنية " .
٧ / ٧ / ٢٠٢٤
اليوم الأول من الشهر العاشر ولعله اليوم الأخير للحرب .
١٦
غزة 640 :
شكرا لحمير غزة
اليوم يدخل الشهر الثاني والعشرون لطوفان الأقصى ، ومن المحتمل أن تتوقف الحرب ولو مؤقتا ؛ الحرب التي لا تنتهي والحرب التي لم تسو الأمور منذ العام ١٩٦٩ ، وهو ما كتبت عنه في مقالي أمس في جريدة الأيام الفلسطينية " هوامش من وحي ما يجري في غزة : لقد تعقدت الأمور كثيرا يا غسان كنفاني ! " .
في صفحة مجدي أبوغربية قرأت منشورا عن الحمير نقله فقد رأى فيه منشورا معبرا أعجبه :
" شكرا لحمير غزة على وقفتكم معنا ، فقد أثبتم أنكم أشرف من كل مؤتمرات القمم ، وأصدق من كل بيانات الشجب ، وأقوى من كل الجيوش المدججة التي لم تحرك سوى السنتها .. أنتم من بقيتم واقفين حين انبطح الكبار . أعجزتم العالم بما قدمتموه لنا من وقفة بطولية جانبنا ...
شكرا لكم " .
أول أمس قرأت في صفحة مصباح شاهين تقريرا يروي أن إسرائيل تنهب الحمير من غزة وتصدرها إلى فرنسا حيث تستقبلها مؤسسات فرنسية . التقرير نشرته قناة " كان " العبرية . النهب منظم بمشاركة جمعيات إسرائيلية ويتم الشحن الجوي عبر مطارات الاحتلال والمؤسسات الفرنسية تتواطأ تواطؤا كاملا . التقرير لم يقتصر على قطاع غزة " فقد نشرت وسائل إعلام عبرية كذلك قصة سرقة تحت عنوان " حمار تم إنقاذه من الخليل " .. " .
صورت العملية كما لو أنها " حملة إنقاذ بيطري طارئة ... " ... .
ينقذون الحمير لأنها " تعاني من صدمات نفسية " وتظهر علامات خوف من البشر وتحتاج إلى عناية خاصة .
مناظر أطفال غزة الذين فقدوا آباءهم تفتت الأكباد وقد نشرت أمس عدة أشرطة فيديو حديثة ، وهذه تحتاج إلى كتابة خاصة على الأرجح أنني سأخص بها مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٧ / ٢٠٢٥ .
٧ / ٧ / ٢٠٢٥
فتاة نابلس ١٥ :
تساؤل أمير وجوزيف كونراد " المال " :
كنت أتيت على " دبي في الرواية العربية " ورؤية بعض الغربيين إليها . لا شيء فيها إلا المال .
تبدو تلك الرؤية غير مقتصرة على الشخصيات الغربية ، فالنابلسي أمير الذي سرعان ما يعود إلى دبي ليأخذ دورة عمل ويحصل على وظيفة في مصرف آخر يثير السؤال نفسه ويرى الرؤية نفسها .
تدعوه Fiona السيدة الأجنبية التي تشرف على تدريبه ، بعد ثلاثة أسابيع من بداية الدورة ، إلى عشاء في شقتها ، فيعرف عنها أكثر ؛ يعرف من أين أتت فيتعجب :
" why such a women would abandon Belgravia for the desolation of a desert kingdom , particularly Dubai where inauthenticity was the defining virtue " .
لماذا تتخلى امرأة كهذه عن بلغرافيا وتأتي إلى مملكة صحراوية ، تحديدا دبي ، حيث الزيف هو ما يحدد الفضيلة " .
و " بلغرافيا منطقة غنية جدا في لندن .
هل يتذكر قراء الأدب الإنجليزي رواية ( جوزيف كونراد ) " قلب الظلام " التي نقلها ، في نهاية سبعينيات القرن العشرين إلى العربية صلاح حزين ؟
كان ( كروتز ) الشخصية الإنجليزية اللندنية ترك لندن ، وخطيبته فيها ، وسافر إلى أدغال أفريقية بحثا عن الذهب والعاج ، فتأفرق لذلك ممارسا طقوس الأفارقة حتى يثقوا به ويحصل على ما يريد ، ثم مات هناك ، فيم ظلت خطيبته تنتظر عودته حتى استلمت ورقة نعيه .
المال المال المال !
٧ / ٧ / ٢٠٢٣ .
٢
كم هو سهل إصدار الهويات !
اليوم أصدرت هوية شخصية جديدة بدل تلك التي بقي على انتهائها شهران ، وخلافا لجوازات السفر منتهية الصلاحية ، تسلم الموظف الهوية القديمة ولم تبق معي .
لم أكن أعرف أن الهوية صالحة لمدة عشر سنوات ويجب أن تجدد بعد المدة المذكورة .
لا أزمة على الإطلاق . كل شيء ميسر .
تاريخ إصدار الهوية الجديدة ٧ / ٧ / ٢٠٢٥ ، ويبدو أن انتهاء أجلي سيكون قبل تاريخ انتهائها . إنني ، مثل دولة إسرائيل ، في العقد الثامن .
ننتظر ونرى !
اللهم عجل بنهايتينا معا : أنا والدولة !!
قولوا : آمين !!
٧ / ٧ / ٢٠٢٥
٣
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
(9)
هل النماذج اليهودية في رواية السيدة من تل أبيب جديدة كل الجدة؟
ربما يكون ربعي المدهون قدم الشخصية اليهودية تقديما جديدا وهو ما يتجسد تحديدا في شخصية دانا،فقد أعطاها المجال لتعبر عن نفسها وكانت شخصية تعبر عن الواقع اﻷسرائيلي في 90ق20 وما بعده تقريبا ،ومع ذلك فإن نظرة الإنسان العربي الشرقي إليها لن تجعل منها نموذجا جديدا كليا لم تألفه الرواية العربية ،فهي خارجة من معطف سارة في رواية ممدوح عدوان " أعدائي "2000 وإن اختلف الزمن الروائي واختلفت تبعا لذلك المعطيات فدانا تعيش في عالم ما بعد الصهيونية ،خلافا لسارة التي عاشت في بدايات ق20_اي فترة الصعود الصهيوني ان دانا امراة حامل وهي تقيم علاقة مع اثنين في الوقت نفسه،ولا تعرف من والد جنينها اهو ابن الزعيم العربي الذي تلتقيه في لندن ام انه صديقها ايهود الذي تلتقيه في تل ابيب.كانت سارة في رواية ممدوح عدوان تقيم علاقة مع جمال باشا السفاح ،وكانت في الوقت نفسه تقيم علاقة مع صديقها اليهودي الشاعر افشالوم،وان كان هناك من خلاف فهو خلاف في الرؤية ،أي في موقف كل منهما للمشروع الصهيوني،ففي حين وظفت سارة جسدها لخدمة المشروع الصهيوني ،فان دانا لا تكترث اكتراث سارة لهذا المشروع،بل انها ترى المشروع الصهيوني ،وقد اكتمل،تراه في وضع مختلف،حيث يتحول الصهيونيون الى محتلين وقتلة..
والمرء يقرأ النماذج اليهودية في الرواية يستذكر قصيدة محمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" فثمة جنود في الرواية يحلمون بالزنابق البيض ،بل إن المرء يتذكر روايات فلسطينية سابقة كتبت في 70 ق20 مثل رواية محمود شاهين "الهجرة إلى الجحيم " حيث تطالعه شخصية اليهودي الذي يستدرج إلى فلسطين ثم يكتشف أنها ليست المكان الذي يروق له فيهاجر.حدث هذا مع داني صديق دانا وهو يهودي أوكراني استدرجته دانا إلى فلسطين ثم سرعان ما عاد إلى بريطانيا
(10)
الاستاذ الدكتور محمد البوجي علق على ما نشرته عن الرواية وقال انها من حيث الموضوع لا جديد فيها،ولكنها من حيث الشكل تستحق الدراسة.كتبت للاستاذ الدكتور معقبا:لا ادري ان كنت قرات رواية أنطون شماس " عربسك " ولا أدري إن كانت (عربسك )من قراءات ربعي المدهون،ولا أدري إن كان أحد قراء الرواية " السيدة من تل أبيب " ومن نقادها أجرى مقارنة بين الروايتين،ورواية شماس كتبت بالعبرية،وترجمت إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية،وأنا قرأتها بالألمانية ،ولدي الترجمة الإنجليزية.
أعتقد أن مقارنة بين الروايتين من حيث الشكل والمضمون وتقديم شخصية الآخر جديرة بالدراسة،ولعلني أقترح الموضوع على طالب دراسات عليا يجيد العبرية أو الإنجليزية.
كما قدم ربعي شخصية يهودية محورية وجعلها تتكلم ،فإن أنطون شماس فعل هذا من قبل،وحفلت روايته بشخصيات يهودية ترك المؤلف لها المجال لأن تعبر عن نفسها.
وأعتقد أن هناك تقاربا أيضآ في الشكل.
(11)
تذكرت وأنا أقرأ السيدة من تل أبيب قصيدة محمود درويش " خلاف ،غير لغوي ،مع امريء القيس " (1995) وفيها يقول الشاعر:
أغلقوا المشهد
تاركين لنا فسحة للرجوع إلى غيرنا
ناقصين.صعدنا على شاشة السينما
باسمين،كما ينبغي أن نكون على
شاشة السينما،وارتجلنا كلاما أعد
لنا سلفا على فرصة
الشهداء الأخيرة.ثم انحنينا نسلم
اسماءنا للمشاة على الجانبين وعدنا
إلى غدنا ناقصين.
لماذا تذكرت هذه الأسطر الشعرية لمحمود درويش؟ ببساطة لأن بطل الرواية وليد دهمان سلم اسم فلسطين لدانا وأخذ يتحدث عن إسرائيل،فقد ارتجل كلاما أعد له سلفا.
في العام 1993كنت كتبت كراسا نشرته في مجلة كنعان تساءلت فيه عن الأدب الفلسطيني واتفاقية السلام،ومما كتبته في حينه أن علينا أن نقبل الرواية الإسرائيلية من الآن فصاعدا:حيفا هي حيفو ،وعكا هي عكو ،ويافا هي يافو.أعتقد أن وليد دهمان فعل هذا باستسلام كامل.لقد عاد إلى خان يونس ،غده،ناقصا.
هل أقسو على وليد دهمان؟
ثمة في الرواية إقرار باسرائيل واعتراف بها حتى قبل أن ينجز الفلسطيني أدنى ما يطمح إليه:دولة هزيلة على حدود الرابع من حزيران.
(12)
وأنا أتابع الشخصيات اليهودية في الرواية تذكرت قصيدة محمود درويش الشهيرة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء" .كانت السيدة دانا التقت يهوديا أوكرانيا في لندن وأقامت معه علاقة وحثته على السفر إلى إسرائيل وقد شجعه على هذا انهيار الدول الإشتراكية ومآل والده الشيوعي الكبير ذي النفوذ أيام الاتحاد السوفيتي.
يذهب يوريس إلى فلسطين ويغدو جنديا في الدولة العبرية ولا يروق له اضطهاد الفلسطينيين -كان له في معهد تعلم اللغة في لندن صديق فلسطيني - وهكذا يقرر يورييس -داني-العودة من حيث أتى رافضا الاستمرار في الخدمة العسكرية بل وفي الدولة العبرية.
طبعا يأتي المؤلف على جنود اسرائيليين حقيقيين رفضوا الخدمة في الانتفاضة اﻷولى في المناطق المحتلة ويعتمد كتاب (ديفيد غروسمان )"الزمن اﻷصفر "مرجعا له.
حقا هل تختلف صورة الجندي يوريس/داني عن الجندي الذي كتب عنه محمود درويش؟
النموذج اليهودي هنا ليس جديدا .إنه مجرد تفصيل نثري لقصيدة شعرية والنثر أرحب مجالا من الشعر في تقديم الشخصيات ولكن النموذج اليهودي هنا تكرار بكل معنى الكلمة وربما ما يجدر الالتفات إليه في الرواية هو ظاهرة التناص.
٢٠١٥
٤
خربشات ضمير المخاطب والسيدة من تل أبيب :
في صيف العام 1996 سافرت إلى ألمانيا ، ثانية ، من مطار اللد ، وكنت سافرت في المرة الأولى في العام 1987 ، وكان السفر ، عبر مطار اللد ، أمرا عاديا ولم يكن ينظر إليه على أنه تطبيع مع العدو ، فقد كنا بين نارين ؛ نار الإخوة العرب ونار الاحتلال ، وأحيانا ، للأسف ، كانت نار الاحتلال محتملة _ ألم يفر الفدائيون في 1970 من الأردن إلى الضفة مسلمين أنفسهم للجيش الإسرائيلي هربا من الجيش الأردني ؟ وقد تكرر الأمر في 2007 ، حيث فر الفتحاويون من عسكر حماس ، وسلموا أنفسهم لجيش أبناء العمومة ورأوا فيه جيشا أرحم من عساكر الإخوة .
المهم أنني في 1996مررت بما مر به بطل رواية " السيدة من تل أبيب " ،وكنت أتيت على العودة إلى مطار اللد في روايتين لي هما " تداعيات ضمير المخاطب " و" خربشات ضمير المخاطب " ، وفي الثانية جلست إلى جانب إسرائيلين ذهابا وإيابا ، ونادرا ما تكلمنا.
ولأنني أعرف قلقيلية وحوارة فلم اخطيء في الجغرافية ، وهذا موضوع آخر .
هل كنت مطبعا حين سافرت من مطار اللد؟
٥
( حزيران الذي لا ينتهي ) 33 :
( في حزيران اسلم البندقية ، وفي حزيران يسحرني صوت أم كلثوم : أصبح عندي الآن بندقية )
في حزيران ، كما كتبت من قبل ، حملت بندقية أبي ، وحمل ابن خالتي بندقية أخيه ، وسرنا ، وفي أعلى كل بندقية شارة بيضاء ، دلالة على الاستسلام ورغبة في التسليم وعدم المقاومة ، وذهبنا ،معا ، إلى مبنى البلدية الجديد ، ووضعنا البندقيتين فوق البنادق التي سلمت ، للتو ، وعدنا سالمين فرحين بالسلامة ، وبتأدية المهمة التي خاف من تأديتهاالكبار ، وأيضا بأننا أصبحنا موضع أسئلة هؤلاء : هل نظر اليهود في كشوف ما ؟هل سألاكما عن الأسماء ولمن تعود البندقية ؟ هل هناك جيش على دوار المدينة ؟
وفي حزيران الطويل وجدتني أصغي إلى صوت أم كلثوم ، أيضا من إذاعة صوت العرب واذاعات الجمهورية العربية المتحدة : ( أصبح عندي ، الآن ، بندقية ) .
كانت الكلمات تتحدث عن رغبة كاتبها في الذهاب ، إلى فلسطين ، مع الثوار ، ليقاتل ، فهو ، أي نزار ومن يتحدث باسمهم ، منذ عشرين عاما يبحث عن البندقية ، ولم يعرف أن البنادق سلمت يوم سلم الوطن .( سلموها مفروشة ) قال بعض الناس ساخرين .
ولم أكن ، وأنا أكرر كلمات الأغنية ، ألتفت إلى أنني ، قبل أشهر ، قمت بتسليم البندقية ، في فلسطين التي أقيم فيها . كيف أكرر كلمات أغنية تدعو إلى الذهاب إلى فلسطين ، وأنا فيها ؟ وكيف اتغنى ببندقية لا املكها ، بندقية قمت ، قبل فترة ، بتسليمها ؟ ربما هو عدم الوعي ، وربما هو سحر الإيقاع ،وربما هو التأييد غير المعلن ، والخفي ، لرجال المقاومة ، أي الفدائيين ، الذين نطق نزار باسمهم ، وربما ... ربما .
في تلك الأيام انضم كثيرون إلى رجال المقاومة ، ومن الشباب من تسلل إلى الاردن ، عبر النهر ، لينضم إلى الفدائيين الذين بدؤوا يتسللون ، أيضا عبر النهر ، ليقوموا بعمليات مقاومة الاحتلال ، وهذا ما انعكس في أدبيات تلك المرحلة ، الأدبيات التي لم يعد أحد يذكرها إلا مؤلفها - وربما تجاهلها - وباحث ما يكتب رسالة ماجستيرعن ذلك الأديب ، ومشرف على الطالب كان قرأ القصص في أثناء صدورها ، أو بعد صدورها بفترة ، ومنها مثلا مجموعة يحيى يخلف " المهرة "، ولكن المثال الأبرز والأسطع والذي مازال حاضرا هو رواية اميل حبيبي ( الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل )( 1974 ) ففيها يأتي حبيبي على سعيد ابن يعاد الذي تسلل ليقاوم ، فأسر في العملية القتالية ، وهو من مواليد المنفى ، وفيها يكتب اميل عن ولاء ابن سعيد المتشائل الباقي في فلسطين ، بعد أن عاد إليها في 1948تسللا ، وابن باقية التي لم تهاجر في عام النكبة ، فقد آثر ولاء أن يتمرد على الدولة الإسرائيلية ، وأن يلتحق بالمقاومة .
.
في تلك الأيام أخذ أخي الكبير درويش يتحدث عن صديقه في العمل ، حسين ابو حاشية ، الذي ذهب إلى الأردن والتحق بالفدائيين . وسيقوم حسين بالتسلل ، عبر النهر ، ليقوم مع فدائيين آخرين ، من حركة فتح ، بعملية يؤسر فيها ، ويمكث في السجن سنوات طويلة ، وسيخرج بعملية تبادل أسرى ، وسيغدو ، زمن السلطة ، مسؤولا عن دائرة السير في نابلس ، وغالبا ما أراه ونتحدث معا ، وأسأله عن أحواله ، و ..
في حزيران سلمت بندقية أبي ، وكانت من النوع الانجليزي الذي يعود إلى فترة الحرب العالمية الاولى ، البندقية - الخشبة ، كما أخذ الناس يسمونها ساخرين ، فماذا ستفعل هذه أمام الدبابة والطائرة والسلاح الإسرائيلي المطور الذي أهدي في العام 1966 ، كما ابرزت الصور لاحقا ، إلى أحد الملوك العرب . ولم يعد إلى هذه البندقية مجدها إلا عملية عيون الحرامية في انتفاضة الأقصى 28/9/2000-2007 ، حيث تمكن فلسطيني واحد ، بالبندقية - الخشبة ، من قتل أكثر من عشرة جنود إسرائيليين .
في حزيران سلمت البندقية ، وفيه أخذت أكرر مع أم كلثوم ( أصبح عندي الآن بندقية ) ولم أفهم قصيدة فدوى طوقان ( تفاءل معي ) وسخريتها فيها من الأغنية والمعنية ، إلا في وقت لاحق . لقد كنت ، مثل كثيرين ، أكرر كلاما كبيرا ، متأثرا ، ربما ، بالإعلام العربي ، وباحمد سعيد و ..و ..
7/7/2016
٦
( حزيران الذي لا ينتهي ) 34 :
( ورأيت من منع الرقيق وبيعه
نادى على الأحرار :يا من يشتري )
أخذ الفلسطينيون أكثرهم ، في تلك السنوات التي تلت الهزيمة /النكسة ، أخذوا يعملون لدى الإسرائيليين زرافات ووحدانا ، ولم يعد الإسرائيليون بحاجة إلى سماسرة عمل ، كما كان الحال عليه إثر الأيام الأولى بعد انتصارهم وهزيمتنا ، فالليرات الإسرائيلية ، مقارنة مع القروش الأردنية التي يدفعها أصحاب المصانع والمحلات الوطنية ، كان لها مفعول سحري و ( اللي بوخذ امي هو عمي ) ، وصار اليهود أعمامنا ، لا أبناء أعمامنا ، وصاروا أزواج أمهاتنا ، ولم يقتصر الأمر على عرض قوة عضلاتنا عليهم ، في مدنهم وورشاتهم ومصانعهم وعماراتهم .
لقد أخذ الإسرائيليون يتسللون إلى مدننا وبيوتنا ومصانعنا ، فلقد افتتحت في نابلس محلات خياطة ، كما لم تفتتح من قبل ، وصارت بعض البيوت تعج بماكينات الخياطة ، والعاملات والعمال في هذا المجال ، وغدا أصحاب هذه الماكينات يذهبون إلى أرباب العمل الإسرائيلي مرة في الأسبوع ، أو مرة كل أسبوعين ، يأخذون معهم ، في شاحنات صغيرة ،من نوع ( فولكس فاجن ) ( كابينا ) ما انجزوا ، ويعودون بال( شيكات ) التي يصرفونها من فرع بنك ( ليئومي ) في نابلس . وتبحبحت أحوال فقراء كثر ، صورتهم سحر خليفة في روايتها ( عباد الشمس ) 1979 / 1980 .
أصبحت مهنة الخياطة الأكثر ازدهارا ، وأعرف خالا لي أثرى ، لفترة ،من ورائها ، وساءت أحواله لاحقا ، حين ساءت أحوال الخياطة ، في فترة لاحقة .
الخياطون القدامى الذين اثروا ألا يتعاملوا مع الإسرائيليين ، وظلوا على سابق عهدهم ، تردت أحوالهم ،بخاصة حين أخذت الملابس الإسرائيلية تغزو محلات الضفة ، وحل اللباس الجاهز محل الملابس المفصلة تفصيلا عند الخياط . وعرفنا يومها بلاطين شركة ( باجير )الإسرائيلية وبدلاتها ، وفضلناها ، كما فضل سبحانه ، بني اسرائيل على العالمين . وغدا الشخص الذي يرتدي بنطالا من بنطالات تلك الشركة يشعر بالفخر ، كما لو أنه يقول ( كل افرنجي ابرنجي ) ، وأما الخياطون العرب وملابسهم فهي ( بزونك ) . وهذه كلمة شاعت شيوعا كبيرا في تلك السنوات ، علما بأن أصلها ، كما عرفت ، تركي ، لا عبري .
لقد غدونا نسأل عن البضاعة الإسرائيلية في مواعيد محددة من السنة ، واختصت بها محلات دون غيرها ، وكان سعر الملابس مرتفعا ، ومع ذلك كنا نشتريها ، ولم يخف الإقبال عليها إلا بعد أن أصبح الاستيراد من تركيا والصين ممكنا ، وتحديدا بعد مجيء السلطة واتفاقات ( اوسلو ) .
وحيثما يممت وجهك ، في تلك السنوات ، كنت تجد مخيطة أو اثنتين أو ثلاثا ، عدا ما افتتح في البيوت .
فرص العمل غدت وفيرة ، والشباب يقبلون عليه ، والليرات مغرية ، وأصبح الذين يترددون على النوادي والمقاهي قليلي عدد ، باستثناء أيام السبت .
في تلك الأيام غدوت رياضيا . نعم غدوت رياضيا من قلة الرياضيين ، وما كنت يوما .
كانت وكالة غوث اللاجئين تنسق مع جمعية الشبان المسيحيين ( واي ام سي ايه ) لإقامة نواد رياضية صيفية في حقل الرعاة في بيت ساحور ، وكانت مدة الدورة عشرة أيام فقط ، يذهب شابان ثلاثة من المخيم ، ممن هم في سن السادسة عشرة أو الثامنة عشرة إلى بيت ساحور لعشرة أيام . ولما كان الشباب عمالا في المصانع الإسرائيلية ، أو خياطين في محلات الخياطة في نابلس أو المخيم ، فلم يتمكن نادي المخيم من تأمين ثلاثة شباب للذهاب إلى بيت ساحور ، وبينا أنا في الشارع ، وكنت بلا عمل ، وإذا بمدير المخيم المرحوم عدنان عبدالله يناديني ويعرض علي المشاركة في الدورة ، ولم اعص له أمرا ، وساشارك مرتين في تلك الأيام ، في صيفين متتاليين ، رغبة في الإقامة في بيت ساحور وزيارة بيت جالا وبيت لحم ، والسباحة في بركة ال ( واي ام سي ايه ) النظيفة البراقة -ولو كنت سمعت بال( سي اي ايه ) لربما ما ذهبت .
لقد غدوت رياضيا ، دون أن أكون ، ولكني أحاول .
في أثناء الدورة كنا نذهب إلى القدس لنتدرب على السباحة ، ثم كنا نصيع في شوارع المدينة التي كانت تكتظ باليهود ، ولم نكن نخشاهم ، فقد اعتدنا عليهم واعتادوا علينا ، وأما بنعمتهم فحدث ( شكديم توف . ارتيكا توف .كله بليرة يا خواجة ) . وكنا نتنقل ما بين القدس وبيت لحم بسهولة ، فلم يكن ( كولمبوس ) اكتشف طريق وادي النار ، ليقرر الاحتلال ، في أثناء الانتفاضة الأولى 1987/1993 حرماننا من دخول القدس ، ومن إلغاء طريق القدس بيت لحم،ليجعلها مقتصرة على الذين فضلهم رب العباد على العالمين .
اتذكرني في شوارع المخيم أسير وحيدا ، والشباب في مصانع المخلل الإسرائيلية أو وراء ماكينات الخياطة ، ولا بد من ثلاثة شباب ليشاركوا في الدورات الرياضية ، وكان المرحوم عدنان العبدالله يبحث عن حر ، ينادي عليه : يا ريمون زبانة - وكان المسؤول عن ال( واي ام سي ايه ) لا عن ( السي اي ايه ) : ها قد وجدناه . هل تشتري ؟ وكان ريمون يرحب بالأحرار .
كنت أذهب إلى البيت وأجهز قطعتي ملابس داخلية وقميصا وبنطالا ، ولم أكن املك اكثر من هذ - كنت في هذا مثل أنور السادات وحسني مبارك وصدام حسين ، قبل أن يصبح هؤلاء رؤساء ، بل ومثل محمد دحلان قبل أن يثرى كلانا ، هو من الثورة وأنا من الوظيفة - أعد ملابسي واهييء نفسي للسفر ، لأغدو لاعبا رياضيا . وسرعان ما أجد نفسي في بيت ساحور .
7/7/2016
٧
رحم الله ماهر شرف :
أمس في الثامنة مساء رغبت في تناول ساندويش فلافل ، وهكذا مررت بمطعم شرف على الدوار . المطعم مغلق وعلى بابه كرتونة تنعى أحد أصحابه .
منذ أصبت بالسكر لا حديث لي مع ماهر إلا عن السكر فهو أيضا مصاب بهذا الداء . نسبة السكر وارتفاعه ونوع الدواء وتأثيره على العين والشبكية و .. و ... ولقد جعلنا داء السكر صديقين .
أمس قرأت نعي ماهر ولم أتناول ساندويشة الفلافل ولم أتحدث مع أخيه الطبيب .
أول أمس التقيت بصديقي حسن العارضة وكان السكر وما ألم مع أخيه طلعت بسببه قد شغل جانبا من حديثنا.
رحم الله ماهر شرف وأدخله فسيح جناته .
هل سيكون هناك داء اسمه السكر - أعني في العالم الآخر ؟ وهل ستكون هناك دولة اسمها إسرائيل وأخرى اسمها قطر والسعودية وإيران وبشار الأسد والسيسي ؟
ما أندم عليه أنني لم أدون يوميا ما سببه لي هذا الداء من الآلام وكم شغل بالي وفكري!
7/7/2017
٨
" " قلت :
"وأنت "؟
قال :
"فدائي ولاجيء ،
وأنت ؟ "
فتحيرت في هويتي كيف انتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ويتكلم حتى لا يئن . هل أقول له " إنني كبش ومقيم " ؟ أم أقول له إنني دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟
اميل حبيبي في " المتشائل " /الكتاب الثالث/ يعاد الثانية/ سعيد في بلاط ملك.
٩
على هامش المؤتمر :
على هامش مؤتمر " المابعد " ؛ ما بعد البنيوية والتفكيكية والكولونيالية تذكرت ما كتبه فيصل دراج ونشره في أحد أعداد مجلة " الكرمل " - إن لم تخني الذاكرة .
كيف نناقش ما بعد الحداثة في مجتمع بلا حداثة ؟
وتذكرت قصيدة مريد البرغوثي " قبائل " :
" قبائلنا تسترد مفاتنها
في زمان انقراض القبائل ".
كنا نناقش " ما بعد " ونحن نرسخ في " ما قبل الماقبل " - إذا صح التعبير .
أردت أن اسأل ثم وجدتني أبتسم وأصمت ، فقد خشيت أن اسأل :
- ولماذا حضرت وشاركت؟
ربما ما ناسب فكرة " ما بعد " هو " مابعد "الكولونيالية ، فما زلنا ، والحمد لله، نعيش زمن الاستعمار والاستقلال الشكلي وحرب القبائل - سوريا والعراق/ السعودية ودول الخليج/ اليمن .
لعلني مخطيء . لعلني .
7/7/2018
١٠
فول حمص فلافل فتة :
في عمان ، في 70 ق 20 كنا نأكل الفلافل من محل فؤاد وسط البلد . كان محله يومها هو الأشهر والآن لا أظنه معروفا .
الكاتب محمد داودية دعاني إلى مطعم أبو جبارة قرب دوار الواحة في الشميساني ولبيت دعوته وأفطرت بصحبته وبصحبة الشاعرين د.راشد عيسى وموسى حوامدة .
مطعم أبو جبارة الآن هو الأشهر ولكل " فترة/ زمان " دولة / مطعم ورجال / أكيلة " ، مع يقيني أنني والكتاب الثلاثة شهدنا زمن مطعمي فؤاد وأبو جبارة .
أي الطعام أزكى؟
فلافل فؤاد وتناوله على الواقف أم فتة أبو جبارة وفوله وحمصه وفلافله وتناول الطعام فيه في مكان واسع مكيف؟
زمن محل فؤاد كنت شابا وقويا وغير مصاب بالسكري ولم يكن الطبيب حذرني من تناول أكثر من قرص فلافل في الشهر ، خوفا على الكلى ، والآن أنا مدعو لمطعم فاخر والصديق محمد الآن ، وأنا الآن ، ميسورا الحال ، ولكن الفلافل والفول والحمص والفتة يجب تناولها بمقدار : ملعقة واحدة اسبوعيا .
الأشياء تأتي في غير مواعيدها .
سبحان مغير الأحوال : شهية وقلة يد ، ومنع ووفرة مال ، والحمد لله أنني أملك ساقين تحرقان السكر على الرغم من آلام تلم بهما .
ما علينا .
أكلنا الفول والفلافل والحمص والفتة وغلب على تذوقها الحديث في الأدب .
7/7/2018
١١
احتضار النقد الأدبي :
هل يحق لنا أن نقر بموت النقد الأدبي أسوة بما ذهب إليه نيتشه " موت الإله " و رولان بارت " موت المؤلف " و ألن روب غرييه " موت الشخصية " في الرواية ، أم نأخذ بالمقولة الماركسية التي ترى أن المادة تتحول من شكل إلى آخر ؟
إنني أتأمل في الكلاسيكية والرومانسية والواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية ، وأتأمل في النقد غير النصي والنقد النصي والنقد التأثري وما آل إليه هذا كله ، فماذا أرى ؟
جورج لوكاتش واجتماعية الأشكال الأدبية . موت أجناس وولادة أجناس أخرى .
تطبيق ذلك على النقد والمذاهب النقدية .
نازك الملائكة والأسباب التي أدت إلى شيوع/ظهور قصيدة التفعيلة .
١٢
صورة أهل غزة في أدبيات الضفة الغربية :
بدأت أدبيات كتاب الضفة الغربية تحفل بكتابات تصور شخصيات من غزة .
الكتابة عن غزة والصورة المشرقة لأهلها ظهرت في رواية اميل حبيبي "المتشائل " حيث كتب عن معاناة العمال .وصور أيضا الروائي مشهور البطران Mashhour Batran معاناتهم في رواية " آخر الحصون المنهارة "
محمود درويش كتب شعرا ونثرا عن غزة التي لا تبيع البرتقال لأنه دمها المعلب وصلى لأجل غزة .
هناك روايات عديدة ظهرت في السنوات العشرة الأخيرة تصور شخصيات من غزة تقيم في الضفة ، منها روايات لغزيين أقاموا في الضفة مثل سامح خضر "يعدو بساق واحدة " ، ومنها روايات لكتاب عائدين تنقلوا بين غزة والضفة مثل زياد عبد الفتاح في " الرتنو " .
الموضوع حساس والخوض فيه مزعج ولكنه يحضر في الرواية .
اليوم كنت أعيد قراءة فقرة من شظايا سيرتي " حزيران الذي لا ينتهي " فوجدتني أتوقف أمام عائلات غزية أقامت بعد ١٩٦٧ في مخيم عسكر .
كنت أقرأ في رواية Ziad Abedelfattah " الرتنو " فقرأت ما لا يسر الخاطر .
قبل فترة آثار الموضوع ناشط هو Atef Atatrah وكانت الردود تقول :" يفضل إغلاق الموضوع وعدم الخوض فيه " .
الكتابة ستكون مزعجة حقا .
كان الله في عون أهل غزة واليوم مقال Hasan Albatal البطل عن كوثر الغزية .
هل أكتب عن الموضوع في رواية زياد عبد الفتاح أم أنام مبكرا ؟
٧تموز ٢٠١٩
١٣
الست كورونا : وصفات جديدة لأطباء شعبيين ساخرين أو متساخرين ( ١٤ ) :
أمس مساء تم تمديد الإغلاق إلى يوم آخر ؛ إلى يوم سادس ، وتزايدت نغمة الشكوى من الجلوس في البيت وقلة الأعمال وضيق الصدور وتناقص ما في اليد ونفاده وتأجيل الأفراح وبؤس الجنازات وانتقال الفايروس من خلال الأعراس وتدخين النراجيل و .. و ..
شخصيا واصلت متابعة العمل في ترميم البيت والجلوس مع العمال وتناول الفطور معهم ، وبين فترة وأخرى أخذت أتصفح الماسنجر وأتابع الأشرطة التي يرسلها لي الأصدقاء .
أطرف وصفة شعبية سمعتها لطرد الفايروس تكونت من ماء وليمون وعسل . اتصل الطبيب الشعبي الساخر ، والأصح المتساخر ، بالمذيعة وقدم بلهجته الخليلية وصفته على النحو الآتي :
ماء وليمون وعسل يشرب معا في اليوم الأول
وفي اليوم الثاني يشرب الماء والليمون وكذلك الأمر في اليوم الثالث وفيه سيخرج الفايروس يسأل عن العسل ، وهنا تضربينه على رأسه فيموت .
أهي سخرية أم سماجة وسخف ؟
شريط مسجل آخر تحدث فيه مواطن يبدو من الخليل عن نقل العدوى لمائة وخمسين شخصا آخر ، والسبب أن امرأة أرجلت من وراء سلفها - يعني أرجلت من النارجيلة نفسها التي نرجل فيها سلفها - وبشتيمة خليلية من قاع الدست أنهى صاحب الشريط حديثه .
وماذا عن التعليم الإلكتروني ؟
المهندسة المعمارية الشابة التي تخرجت حديثا من كلية الهندسة وأتمت دراستها عبر ال ( On line ) تقف في الورشة وتسأل أستاذها :
- كم ملعقة شومنتو - اسمنت - أضع في الخلطة .
مرة كتبت قصة عنوانها " كأس نبيذ حزنا على موت الكلب " صورت فيها الحزن الذي ألم بالعائلة الألمانية التي أقمت معها لموت كلبها .
ما الذي ذكرني بالقصة ؟
أرسل إلي ابن أختي Anwar Mazen خبرا عن كلبة عائلة إيطالية اسمها ( ليزلي ) تعرضت لأزمة نفسية نتيجة حبسها في البيت بسبب جائحة الكورونا ، فقررت العائلة السفر بها إلى ثلاث جزر مختلفة للترفيه عنها حتى تتعالج نفسيا ويروق مزاجها . دقوا على الخشب ومن المؤكد أن قسما منا سيتمنى لو أنه كلب أو كلبة في بلاد الطليان . صلوا على النبي ففي بريطانيا قررت الحكومة البريطانية ، كما أرسل إلي الكاتب Osama Moghrabi ، قررت اعتبار الكورونا مثل أوبئة أخرى عادية وعليه يجب أن تعود الحياة إلى طبيعتها .
ما شاء الله علينا ! ما شاء الله !
واليوم سوف أواصل التنظيف المنزلي .
٧ تموز ٢٠٢٠
١٤
يحيى السنوار ٢
غسان كنفاني ويحيى السنوار :
كان أمس يوم حزن آخر يمر على الفلسطينيين ، وليس هذا بمستغرب ، فمن من قراء محمود درويش لا يتذكر ما كتبه عن الحزن الفلسطيني ؟
إن لم يقرأ القراء ما كتبه درويش في ديوانه ، فمن المؤكد أنهم قرؤوه من مقالاتي وخربشاتي ، لكثرة استشهادي به .
" من أي عام جاء هذا الحزن ؟
- من سنة فلسطينية لا تنتهي ،
وتشابهت كل الشهور ، تشابه الموتى " .
كان الخبر الباعث على الحزن قادما من غزة ، فقد خلف شادي نوفل الذي مات أو قتل أو ... ، خلف ثلاث طفلات صغيرات سيحرمن من حنان الأب ... إلخ .. إلخ ، ولنزار بنات أربعة أولاد منهم طفلة لم يتجاوز عمرها الشهرين . ( لماذا لا تكتفي السلطة أو حماس بسجن معارضيها ؟ لماذا القتل ؟ )
لم ننته بعد من مضاعفات قتل نزار بنات في الضفة الغربية حتى صرنا نقرأ عن مأساة جديدة في غزة لم تقتصر على شادي وحسب ، فثمة إطلاق نار على محام أيضا .
لا أمن ولا أمان ولا استقرار أيضا . هنا وفي غزة وهناك في المنافي وأيضا في فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ ، وتعددت الأسباب والقتل بالرصاص واحد . رصاص مافيا ورصاص سياسي وجنازير وعتلات وتعذيب و ... وكان الله في عون الفلسطينيين .
وأنا أقرأ في رواية السيد يحيى السنوار تذكرت غسان كنفاني ، ويوم غد تمر الذكرى التاسعة والأربعون لاغتياله ، فقد فجر الموساد الإسرائيلي سيارته في حي الحازمية في بيروت في صبيحة الثامن من تموز من العام ١٩٧٢ عن عمر يناهز السادسة والثلاثين عاما .
أما لماذا تذكرت غسان وأنا أقرأ السيد السنوار ، فالسبب يعود إلى الكتابة عن العملاء وقتلهم .
أول أمس كتبت أن إبراهيم في رواية السنوار لم يتردد في قتل أخيه حسن ، لأن حسن تعامل مع الاحتلال . لقد أقسم إبراهيم أن يقتله وأبر بقسمه . ما علاقة هذا بغسان كنفاني ؟
في العام ١٩٥٧ كتب غسان قصة عنوانها " درب إلى خائن " أتى فيها على قصة لاجيء فلسطيني يعمل في الكويت وأراد التسلل إلى اللد ليقتل أخاه الذي وشى إلى اليهود بأبناء عمه .
كان محمود أراد أن يقتل أخاه وهو في اللد ، ولكنه لم يفعل من أجل أمه ، وعندما ماتت الأم وعرف ، وهو في المنفى ، بالخبر قرر أن يتسلل إلى هناك - أي إلى اللد - ليقتل أخاه الخائن .
لقد فرح محمود لخبر موت الأم أكثر مما حزن . هكذا قال ، فيجب أن يتخلص من عار الخيانة .
هل فعل محمود هذا ؟
عندما وصل من العراق إلى الحدود الأردنية أعادته الشرطة من حيث أتى ، والسبب أنه كان أيام " أبو حنيك " - أي كلوب باشا - مشاغبا ، ومن خلف ما مات . فقد ظل اسمه مدرجا في سجلات الحكومات .
" سأتسلل إلى الأردن أولا " .
محمود في قصة غسان مثل إبراهيم في رواية السنوار ، و " العرب الطيبون " - حسب عنوان كتاب ( هلل كوهين ) - موجودون باستمرار .
يقال إن السيد يحيى السنوار مصاب بهوس اسمه العملاء ، ولقد صرت مثله مصابا بالهوس ذاته ، فلم أعد أثق بكثيرين . لقد قتل إبراهيم بطل رواية " الشوك والقرنفل " أخاه حسن ، وصفى صديقه فايز . ببساطة إن أقرب المقربين لك قد يخونك ويكون جاسوسا عليك ، إن ليس للاحتلال فللسلطة الوطنية أو لحركة حماس أو لنظام الدولة المجاورة أو لأخيك أو ..
عالم مخابراتي بامتياز تفقس فيه " العثة بين الإنسان وثوب النوم وزوجته " والعبارة الأخيرة للشاعر مظفر النواب عافاه الله وشافاه ، فآخر صورة له أظهرته منهكا حتى أن أحد مشاهديها اعترض على إدراجها وطلب من مدرجها أن يدرج للشاعر صورة في عنفوان شبابه تناسب عنفوان شعره ، ووافقته الرأي .
أعتقد أن الكتابة عن رواية يحيى السنوار ضرورة لفهم الرجل ، فكيف لم ينتبه الدارسون إليها ؟
هل يعود السبب إلى أنهم لم يروا فيها رواية ذات قيمة فنية أم يعود إلى أنهم لم يقرؤوها أصلا ؟ وأرجح القسم الثاني من السؤال ، فأنا لم أعرف عنها إلا مؤخرا والفضل يعود إلى متابعتي صفحة الشاعر Zakaria Mohammed .
هل ستعيد هذه الكتابة حركة حماس إلى رشدها فتعيد النظر في قرار اتخذته بشطب اسم غسان كنفاني عن المدرسة التي حملت اسمه في غزة ؟
زبطها يا أبو إبراهيم وبادر !!
٧ تموز ٢٠٢١
١٥
غزة ( ٢٧٥ ) :
إن عشرت الحرب دشرت :
اليوم الأحد يبدأ شهر جديد من شهور الحرب . إنه الشهر العاشر ، وخاب رجاء من تمنى أن تضع حملها في الشهر التاسع كما لو أنها امرأة حامل ، علما بأن الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى أتى في معلقته على تشخيص الحرب وقال إنها تلقح كشافا - أي مرتين في العام ، ثم تنتج فتتئم ، وكنت أوردت أبياته في يوميات سابقة .
إن لم تتوقف الحرب فسوف يكون الخطر كبيرا ؛ على الوالدة والمولود ، وإن أمعنت في التشبيه فإن المرأة التي يدخل حملها في الشهر العاشر تعاني من صعوبات تشكل خطرا على صحة الوالدة والمولود واستمد هذا من تجربة مرت بها أمي - رحمها الله - في العام ١٩٧٦ ، إذ كادت تفقد حياتها وهي تلد ، ولكن الله نجاها وفقدت الوليد .
أمس قصفت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مدرسة تؤوي اللاجئين هي مدرسة الجاعوني وراح ضحيتها أكثر من أربعة عشر فلسطينيا وفلسطينية ، ما ذكرني بما جرى في شهر نيسان من العام ١٩٧٠ حيث قصفت طائرات الفانتوم الأمريكية الإسرائيلية مدرسة بحر البقر في مصر ، مرتكبة مجزرة دموية .
لا وصف لهذه الحرب غير " حرب إبادة وحرب محو " أو على حد تعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي " حرب وجود " .
" تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى السيل حتى غاصت الركب "
قال الشاعر العربي قبل مائة عام وأكثر ، ولكن العرب ينامون نوم الهنا ، كما غنى الطفل مقلدا الأغنية التي غنتها فرقة العاشقين الفلسطينية اثر حرب بيروت ١٩٨٢ " اشهد يا عالم علينا و ع بيروت " :
" اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت
والعرب ف نومة هنية " .
٧ / ٧ / ٢٠٢٤
اليوم الأول من الشهر العاشر ولعله اليوم الأخير للحرب .
١٦
غزة 640 :
شكرا لحمير غزة
اليوم يدخل الشهر الثاني والعشرون لطوفان الأقصى ، ومن المحتمل أن تتوقف الحرب ولو مؤقتا ؛ الحرب التي لا تنتهي والحرب التي لم تسو الأمور منذ العام ١٩٦٩ ، وهو ما كتبت عنه في مقالي أمس في جريدة الأيام الفلسطينية " هوامش من وحي ما يجري في غزة : لقد تعقدت الأمور كثيرا يا غسان كنفاني ! " .
في صفحة مجدي أبوغربية قرأت منشورا عن الحمير نقله فقد رأى فيه منشورا معبرا أعجبه :
" شكرا لحمير غزة على وقفتكم معنا ، فقد أثبتم أنكم أشرف من كل مؤتمرات القمم ، وأصدق من كل بيانات الشجب ، وأقوى من كل الجيوش المدججة التي لم تحرك سوى السنتها .. أنتم من بقيتم واقفين حين انبطح الكبار . أعجزتم العالم بما قدمتموه لنا من وقفة بطولية جانبنا ...
شكرا لكم " .
أول أمس قرأت في صفحة مصباح شاهين تقريرا يروي أن إسرائيل تنهب الحمير من غزة وتصدرها إلى فرنسا حيث تستقبلها مؤسسات فرنسية . التقرير نشرته قناة " كان " العبرية . النهب منظم بمشاركة جمعيات إسرائيلية ويتم الشحن الجوي عبر مطارات الاحتلال والمؤسسات الفرنسية تتواطأ تواطؤا كاملا . التقرير لم يقتصر على قطاع غزة " فقد نشرت وسائل إعلام عبرية كذلك قصة سرقة تحت عنوان " حمار تم إنقاذه من الخليل " .. " .
صورت العملية كما لو أنها " حملة إنقاذ بيطري طارئة ... " ... .
ينقذون الحمير لأنها " تعاني من صدمات نفسية " وتظهر علامات خوف من البشر وتحتاج إلى عناية خاصة .
مناظر أطفال غزة الذين فقدوا آباءهم تفتت الأكباد وقد نشرت أمس عدة أشرطة فيديو حديثة ، وهذه تحتاج إلى كتابة خاصة على الأرجح أنني سأخص بها مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٧ / ٢٠٢٥ .
٧ / ٧ / ٢٠٢٥