هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟

هل يطيح ممر السلام عبر سوريا بحلم ميناء حيفا؟

قراءة في التحولات الجيوسياسية والاقتصادية للشرق الأوسط الجديد

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة لخرائط النفوذ السياسي والاقتصادي، تتجاوز حدود الصراعات العسكرية إلى التنافس على الممرات التجارية وشبكات النقل والطاقة. فالحروب التي شهدتها المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما تبعها من تحولات في سوريا ولبنان وإيران، أطلقت سباقًا محمومًا لإعادة رسم طرق التجارة العالمية، في ظل تنافس بين مشاريع متعددة تسعى كل منها إلى احتلال موقع القلب في حركة الربط بين آسيا وأوروبا.

في هذا السياق، يبرز حديث متزايد عن مشروع ممر بري يمتد من دول الخليج عبر الأراضي السورية إلى تركيا ثم أوروبا، بوصفه مشروعًا قد يعيد الاعتبار للموقع الجغرافي السوري، ويغير معادلات النقل الإقليمي، ويضع تحديات جديدة أمام الرؤية الإسرائيلية التي راهنت خلال السنوات الماضية على تحويل ميناء حيفا إلى البوابة الرئيسية للتجارة بين الشرق والغرب.

لقد كان مشروع "الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا" (IMEC) أحد أهم المشاريع التي دعمتها الولايات المتحدة والهند والاتحاد الأوروبي، وكان يقوم على ربط الموانئ الخليجية بميناء حيفا ثم أوروبا عبر البحر المتوسط، بما يمنح إسرائيل دورًا اقتصاديًا واستراتيجيًا غير مسبوق، ويكرس اندماجها في المنظومة الاقتصادية الإقليمية.

إلا أن المتغيرات التي فرضتها الحرب، وتعطل الملاحة في البحر الأحمر، وتصاعد المخاطر الأمنية، دفعت العديد من الدول إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا وأقل كلفة، الأمر الذي أعاد الاهتمام بالممرات البرية عبر سوريا وتركيا، خاصة في ظل الانفتاح العربي على دمشق، والتقارب التركي مع عدد من الدول العربية، وتزايد الحديث عن مشاريع لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية وربطها بشبكات السكك الحديدية والطرق الدولية.

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن حالة التقارب السياسي والاقتصادي بين مصر وتركيا والسعودية وقطر وباكستان، وهي دول تمتلك ثقلاً سكانياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً، وتدرك أن مستقبل المنطقة لن يُبنى على الصراع الدائم، وإنما على التكامل الاقتصادي وربط الأسواق والموانئ وخطوط الطاقة.

ورغم تداول بعض المحللين والإعلاميين وصف "التحالف السني الخماسي"، فإنه لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن قيام تحالف بهذا الاسم أو بهذه الصيغة، غير أن المؤشرات تدل على تنسيق متزايد بين هذه الدول في ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن الإقليمي.

إذا نجح مشروع الممر عبر سوريا، فإن تداعياته ستكون عميقة على ميزان القوى الاقتصادية في المنطقة، إذ سيمنح سوريا فرصة لاستعادة دورها التاريخي كحلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، وسيعزز مكانة تركيا كمركز لوجستي عالمي، كما سيمنح الأردن فرصة للتحول إلى عقدة نقل رئيسية، في حين ستستفيد دول الخليج من تنويع مسارات تجارتها بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية.

في المقابل، فإن إسرائيل ستكون أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في تراجع الميزة النسبية التي كانت تعول عليها لتحويل ميناء حيفا إلى المركز الرئيسي لحركة التجارة الإقليمية. فالموقع الجغرافي وحده لم يعد كافيًا، بل أصبحت الاستقرار السياسي والأمني، وكلفة النقل، وسهولة العبور، عوامل حاسمة في اختيار الممرات التجارية.

لقد راهنت حكومة بنيامين نتنياهو على أن يؤدي التطبيع العربي إلى إدماج إسرائيل في شبكة الاقتصاد الإقليمي، وأن تتحول الموانئ الإسرائيلية إلى البوابة الطبيعية بين آسيا وأوروبا، إلا أن الحرب في غزة، والتوترات المتواصلة في الإقليم، أضعفت هذه الرؤية وأثارت تساؤلات لدى المستثمرين وشركات النقل حول استدامة هذا المسار.

في المقابل، فإن إعادة تأهيل سوريا اقتصاديًا قد تفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وربط الموانئ والطرق والسكك الحديدية، بما يعيد إحياء طريق التجارة التاريخي الذي ربط الخليج وبلاد الشام والأناضول منذ قرون.

ومن منظور استراتيجي، فإن التنافس الحالي لا يدور حول ميناء أو طريق بعينه، وإنما حول من يمتلك القدرة على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. فالدول التي تنجح في استقطاب حركة التجارة والاستثمار ستكون الأكثر تأثيرًا في معادلات السياسة الدولية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن "انتهاء حلم ميناء حيفا" يبقى سابقًا لأوانه، لأن نجاح أي مشروع بديل يتطلب استقرارًا سياسيًا طويل الأمد، واستثمارات بمليارات الدولارات، وتوافقات إقليمية ودولية معقدة، فضلًا عن إعادة بناء البنية التحتية في سوريا، وتوفير ضمانات أمنية للمستثمرين وشركات النقل.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي بصورة مختلفة عما كان مخططًا له قبل سنوات. وإذا نجحت مشاريع الربط البري عبر سوريا وتركيا، فإن المنطقة قد تدخل عصرًا جديدًا من التنافس الاقتصادي، يكون عنوانه السيطرة على الممرات التجارية لا على ساحات القتال.

وفي المحصلة، فإن الصراع الحقيقي في الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على الحدود أو الموارد الطبيعية، بل أصبح صراعًا على الجغرافيا الاقتصادية، وعلى من يمتلك مفاتيح التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين. ومن ينجح في بناء الممرات الآمنة والمستقرة سيملك قدرة أكبر على التأثير في مستقبل المنطقة، بغض النظر عن التفوق العسكري أو حجم القوة التقليدية. ومن هنا، فإن السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان ممر السلام عبر سوريا سيصبح واقعًا يعيد تشكيل اقتصاد الشرق الأوسط، أم أن مشروع ميناء حيفا سيستعيد زخمه ضمن ترتيبات إقليمية ودولية جديدة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى