سعد الشديد - هل أخطأ علي الوردي أم أصاب؟ قراءة في مفهوم الشخصية العراقية

في كل مرة يعود فيها العراقيون إلى كتب علي الوردي يعودون وفي ذهنهم سؤال يزداد إلحاحًا: لماذا لم يظهر علي الوردي جديد؟ ولماذا لا نجد اليوم من يشرح لنا ما يحدث في العراق كما كان يفعل الوردي قبل نصف قرن؟ لكن قبل البحث عن الوردي الجديد ربما علينا أن نعيد قراءة الوردي نفسه وأن نطرح السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي: هل أخطأ الوردي أم أصاب؟ ليس لأننا نريد محاكمته بل لأننا نريد فهمه فهمًا جديدًا بعيدًا عن التبجيل وقريبًا من النقد الذي كان الوردي نفسه يدعو إليه.
علي الوردي لم يكن معصومًا ولم يقدّم مشروعًا مكتملًا ولم يدّعِ امتلاك الحقيقة النهائية. كان ابن لحظة تاريخية محددة وابن أدوات معرفية كانت متاحة في منتصف القرن العشرين وابن مجتمع يعيش صراعًا بين قيم البداوة والحضر وبين المثاليات والسلوك الواقعي وبين الخطاب الأخلاقي والممارسة اليومية. لكن بعض مفاهيمه حين تُقرأ اليوم تبدو بحاجة إلى مراجعة لا رفضًا ولا تقديسًا بل لأن الزمن تغيّر ولأن المجتمع تغيّر ولأن أدوات التحليل نفسها تغيّرت.
أول ما يُؤخذ على الوردي هو لغته حين يتحدث عن «الشخصية العراقية». هذه العبارة رغم انتشارها تحمل إشكالًا منهجيًا واضحًا. فهي توحي بأن العراقيين كتلة واحدة متجانسة بينما الواقع الاجتماعي العراقي متعدد الطبقات متناقض متحوّل ولا يمكن اختزاله في قالب واحد. الوردي لم يقصد هذا التوحيد حرفيًا لكنه استخدم لغة مكثّفة كانت شائعة في علم الاجتماع في زمنه حيث كان الباحثون يتحدثون عن «الشخصية القومية» أو «الذهنية الجماعية» كأدوات تحليلية. المشكلة ليست في الفكرة بل في العبارة نفسها التي قد تُفهم اليوم على أنها تعميم ثقافي بينما هي في الأصل محاولة لفهم البنى الاجتماعية لا الأفراد.
المأخذ الثاني يتعلق بثنائية “البداوة والحضارة” التي اعتمد عليها الوردي في تفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية. هذه الثنائية كانت مفيدة في زمنه لأنها تشرح التوتر بين القيم التقليدية والقيم الحديثة لكنها اليوم تبدو غير كافية لفهم مجتمع يعيش تحولات سياسية واقتصادية وثقافية أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين البداوة والحضر. العراق اليوم ليس مجتمعًا بدويًا ولا حضريًا فقط بل مجتمعًا مدينيًا ريفيًا عشائريًا طائفيًا طبقيًا رقميًا عالميًا وكل هذه الطبقات تتداخل بطريقة لا يمكن اختزالها في ثنائية واحدة. الوردي كان يملك شجاعة التشخيص لكنه لم يكن يملك الأدوات النظرية التي ظهرت لاحقًا في علم الاجتماع لفهم هذا التعقيد.
المأخذ الثالث هو ميل الوردي إلى تعميم بعض الأنماط السلوكية مثل ازدواجية الشخصية أو التناقض بين المثاليات والسلوك الواقعي. هذه الأنماط موجودة فعلًا ولا يمكن إنكارها لكنها ليست شاملة لكل العراقيين ولا يمكن تقديمها بوصفها “سمات عامة”. الوردي كان يكتب بلغة تحاول أن تصدم القارئ وهذا جزء من قوته لكنه كان يقدّم أحيانًا الأنماط الاجتماعية بوصفها أقرب إلى القوانين بينما هي في الحقيقة ظواهر متكررة لا صفات ثابتة. هذا لا ينتقص من قيمة تحليلات الوردي لكنه يشير إلى حدود أدواته في زمنه ويدعونا اليوم إلى قراءة أكثر دقة قراءة ترى المجتمع العراقي في تعدديته وتعقيده لا بوصفه كتلة واحدة بل فسيفساء واسعة من التجارب الفردية والجماعية.
ومع ذلك فإن نقد الوردي لا يعني التقليل من شأنه ككاتب متمرد وباحث أكاديمي جادّ بل يعني تحريره من القراءة التبجيلية التي تحوّله إلى أيقونة. الوردي لم يكن يريد أن يكون أيقونة بل كان يريد أن يكون مثقفًا عضويًا يربط المعرفة بالفعل ويكتب من داخل المجتمع لا من فوقه. ولهذا فإن نقده اليوم ليس إساءة له بل وفاء لمشروعه.
لكن السؤال الأكبر يبقى: لماذا لم يظهر علي الوردي جديد؟ لماذا لا نجد اليوم مثقفًا قادرًا على قراءة المجتمع العراقي كما قرأه الوردي؟ هذا السؤال يشبه سؤالًا آخر: لماذا لم يظهر شاعر بوزن المتنبي؟ أو قائد عسكري بقدرات الإسكندرالأكبر؟ أو مغنٍ بموهبة أم كلثوم؟ أو فنان بفرادة ألفيس بريسلي؟ هذه الأسئلة ليست أسئلة عن الأشخاص بل عن اللحظة التاريخية التي تسمح بظهور أشخاص من هذا النوع.
الوردي لم يكن معجزة بل كان ابن لحظة سمحت بظهوره. ظهر في زمن كانت فيه الدولة المركزية قوية والمجتمع يعيش تحوّلًا اجتماعيًا هائلًا والجامعة العراقية في بداياتها والفضاء العام مفتوحًا بما يكفي ليظهر صوت نقدي دون أن يُسحق فورًا. ظهر في زمن يمكن فيه للمثقف أن يكون «صوتًا واحدًا» وأن يقدّم مشروعًا شاملًا وأن يكتب من موقع يسمح له برؤية المجتمع من الأعلى دون أن يكون جزءًا من صراعاته اليومية.
لكن الزمن تغيّر. المجتمع العراقي اليوم يعيش تعقيدًا أكبر بكثير مما عاشه الوردي. لم يعد الصراع بين البداوة والحضر فقط بل بين الطوائف والطبقات والهويات والولاءات والاقتصاد الريعي والسلطة السياسية والإعلام الجديد والفضاء الرقمي والعولمة والذاكرة الجمعية المثقلة بالحروب. هذا التعقيد لا يمكن لشخص واحد أن يشرحه ولا يمكن لمثقف واحد أن يحمل عبء تفسيره. الوردي كان يكتب في زمن يمكن فيه للمثقف أن يكون «صوتًا واحدًا» أما اليوم فالمجتمع يحتاج إلى شبكة من الأصوات لا إلى صوت واحد.
وهنا يظهر السؤال الذي أثار التباسًا لدى البعض: هل يتحمّل الجيل المعاصر مسؤولية عدم ظهور الوردي جديد؟ الجواب ليس نعم ولا لا بل هو أكثر تعقيدًا. لا يمكن تحميل الجيل المعاصر مسؤولية كاملة لأن ظهور مفكر استثنائي ليس حدثًا يمكن صناعته بإرادة جيل بل هو نتيجة لحظة تاريخية تتقاطع فيها الظروف والمؤسسات والفرص. لكن الأجيال تشارك دائمًا في تشكيل البيئة الثقافية التي تسمح أو لا تسمح بظهور مفكرين كبار. الوردي ظهر في زمن كانت فيه الدولة المركزية قوية والجامعة في بداياتها والفضاء العام مفتوحًا بما يكفي لظهور صوت نقدي. أما اليوم فالمجتمع يعيش تفككًا أعمق وضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا يجعل التفكير العميق مهمة شبه مستحيلة.
أنّ غياب الوردي الجديد ليس فشلًا فرديًا بل نتيجة تغيّر الزمن نفسه. نحن لا نحتاج إلى نسخة جديدة من الوردي بل إلى نموذج جديد للمثقف يناسب زمنًا أكثر تعقيدًا مما عاشه الوردي. نموذج لا يعتمد على شخص واحد بل على شبكة من المثقفين القادرين على قراءة المجتمع من زوايا متعددة لا من زاوية واحدة. نموذج لا يقدّم «شخصية عراقية» بل يقدّم قراءة للبنى الاجتماعية المتعددة التي تشكّل هذا المجتمع. نموذج لا يقدّم ثنائية البداوة والحضر بل يقدّم فهمًا للطبقات والهويات والتحولات التي تعيد تشكيل العراق كل يوم.
علي الوردي لم يكن كاملًا لكنه كان ضروريًا. والمفكر الضروري هو الذي ننتقده لكي نطوّره لا لكي نهدمه. والبحث عن الوردي الجديد ليس بحثًا عن شخص بل بحثًا عن لحظة تسمح بظهور مثقف قادر على أن يرى المجتمع كما هو لا كما يريد أن يكون.

11 تموز /يوليو 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى