عائشة أبو ليل - "حين يصبح الظلام وطنًا" قراءة في «النفق المظلم» لعمرو زين

ثمة قصص نقرأها ثم نغلق صفحتها، وثمة قصص أخرى تظل مفتوحة في داخلنا، كجرحٍ لا يريد أن يلتئم، أو كسؤالٍ يرفض أن يجد له جوابًا. وقصة «النفق المظلم» للكاتب عمرو زين من ذلك النوع الذي لا ينتهي حين نصل إلى السطر الأخير؛ بل ربما هناك، تحديدًا، تبدأ القصة الحقيقية.

منذ العتبة الأولى، يدفعنا الكاتب إلى نفق لا نعرف لماذا دخلناه، ولا إلى أين يقودنا، ولا من الذي أقنعنا بأن الخطر ينتظرنا خارجه. نندفع مع الجموع، كما اندفعوا، حاملين خوفنا، تاركين عيوننا في عهدة عصابة سوداء، ومكتفين بتلك الجملة التي تتكرر كتعويذة تُخدّر العقل: «سنخرجكم عندما يزول الخطر».

لكن أي خطر؟

هنا يبدأ السؤال الذي يفتح في جدار النص شقًا من نور.

فالخطر في «النفق المظلم» ليس بالضرورة وحشًا ينتظر في الخارج، بل قد يكون فكرةً تُزرع في الوعي، ثم تكبر حتى يصبح الخوف منها أقوى من الخطر نفسه. وربما يكون النفق هو ذلك المكان الذي ندخله بأقدامنا، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أننا لم نعد نعرف الطريق إلى الخارج؛ لأننا، طوال إقامتنا فيه، فقدنا القدرة على رؤية الأشياء كما هي.

العصابة السوداء ليست مجرد قطعة قماش تحجب البصر؛ إنها رمزٌ كثيف لكل ما يُعطّل بصيرة الإنسان: الخوف، الطاعة العمياء، الوهم، الشائعة، السلطة حين تتحول إلى وصيّ على الحقيقة، والجماعة حين تتنازل عن سؤالها الفردي لصالح صوتٍ واحد لا يُناقش.

والأكثر إيلامًا أن الإنسان في القصة لا يُجبر وحده على العمى؛ بل يتواطأ معه.

يدخل النفق مع الآخرين، يزحف معهم، يجوع معهم، يخاف معهم، ويصدق معهم. وحين يسأل: «إلى متى؟» لا يبحث عن الحقيقة كاملة، بل يبحث فقط عن موعدٍ لانتهاء عذابه. كأن الإنسان، حين يشتد خوفه، قد يتخلى عن حقه في معرفة الحقيقة، مكتفيًا بوعدٍ مؤجل بالخلاص.

وهنا تكمن إحدى أكثر طبقات القصة قسوة:
أن يتحول الانتظار إلى عقيدة، والخوف إلى نظام حياة، والنفق من مكان مؤقت إلى وطن.

في ذلك العالم السفلي، تُطعَم الجموع خوفًا فوق خوفها كلما شعرت بالجوع، ويُقابل السؤال بالتهديد، ويصبح الصمت شرطًا للبقاء. حتى الجثث المعلقة في سقف الممر لا تعود كافية لإيقاظ أحد؛ فحين يطول العيش في الظلام، يتعلم الإنسان كيف يتعايش مع الرعب، بل كيف يجعل منه جزءًا من يومه العادي.

لكن القصة لا تتركنا في العتمة تمامًا.

يظهر الفتى.

ذلك الكائن الصغير الذي يزحف في الاتجاه المعاكس، أو ربما في الاتجاه الصحيح، لا نعرف. يمد يده، وينزع العصابة عن عيني الراوي. لا يقول له شيئًا. لا يلقي خطابًا. لا يشرح له الحقيقة. فقط يمنحه القدرة على الرؤية.

وهنا يتجلى المعنى الروحي الأعمق في النص:

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يقوده إلى النور، بل إلى من يحرره من العصابة التي تمنعه من رؤيته.

فالفتى ليس مجرد شخصية عابرة؛ يمكن أن يكون رمزًا للوعي الأول، للضمير، للحقيقة حين تأتي بلا ضجيج، أو لذلك الجزء النقي في الإنسان الذي لم تستطع العتمة أن تبتلعه.

وبمجرد أن يرى الراوي، يرى الآخرين.

وهذه لحظة شديدة الدلالة؛ لأن الوعي الفردي لا يبقى فرديًا طويلًا. عين واحدة تُفتح، فيبدأ الظلام كله بالارتباك. وحين تُرفع العصابات، تتحرك الجموع نحو الضوء، كأنهم كانوا يعرفون الطريق طوال الوقت، لكنهم كانوا يحتاجون فقط إلى أول عين تجرؤ على أن ترى.

غير أن عمرو زين لا يمنحنا خلاصًا سهلًا.

ففي اللحظة التي نظن فيها أن الحكاية ستنتصر للنور، ينقلب المشهد.

يخرج الراوي من النفق، فيرى شبحًا يحمل ملامحه.

وهنا تبلغ القصة ذروتها الفلسفية.

فالوحش الذي يخيفه ليس غريبًا عنه؛ إنه هو.

أو ربما هو صورته التي تركها في الظلام طويلًا.

ذلك الشبح الذي يفترس الفتى، ويبتلع النور الخارج منه، يمكن قراءته بوصفه الوجه الآخر للإنسان حين يرفض الحرية؛ ذلك الكائن الذي ينشأ من الخوف الطويل، ويتغذى على الجهل، ويخاف من النور لأنه يفضح حقيقته.

والأشد رعبًا أن الراوي، حين يراه، لا يقاتله.

بل يعود.

يعود إلى النفق.

وهنا يضع الكاتب إصبعه على أكثر مناطق النفس الإنسانية هشاشةً ووجعًا:

ليس كل من خرج من الظلام قادرًا على احتمال النور.

قد يكون الظلام مؤلمًا، لكنه مألوف.
أما النور، فعلى الرغم من خلاصه، يحمل مسؤولية الرؤية.

وفي الظلام لا نرى أنفسنا، ولذلك يمكننا أن نعيش بلا محاسبة. أما حين يسقط الضوء علينا، فإننا نرى وجوهنا الحقيقية، ونرى ما صنعناه، وما سمحنا له أن يحدث، وما أصبحنا عليه.

لهذا يعود الراوي إلى النفق.

لا لأن النفق أكثر أمانًا، بل لأن العتمة أصبحت أكثر ألفة من الحقيقة.

وحين يلتقط العصابة السوداء، ويربطها حول عينيه من جديد، لا يكون قد عاد إلى نقطة البداية؛ بل يكون قد وصل إلى أكثر لحظات الوعي مرارة: لقد عرف أن بإمكانه أن يرى، ثم اختار ألا يرى.

وهذه، ربما، هي المأساة الكبرى.

أن يعرف الإنسان طريق النور ثم يختار العتمة.

أن يكتشف أن القيد كان حول عينيه، لا حول قدميه.

أن يدرك أن النفق لم يكن سجنًا فحسب، بل كان أيضًا فكرةً سكنت داخله.

من هذه الزاوية، تبدو قصة «النفق المظلم» أكبر من حكاية عن جماعة تهرب من خطر مجهول. إنها رحلة في أعماق الإنسان حين يسلم بصره للخوف، وعقله للجماعة، ومصيره لمن يَعِده بالخلاص المؤجل.

إنها قصة عن السلطة التي لا تحتاج دائمًا إلى سلاسل؛ يكفيها أن تقنعك بأنك في خطر.

وعن الجموع التي قد تسير نحو الهاوية لا لأنها لا ترى الطريق، بل لأنها لم تتوقف يومًا لتسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟

وعن الإنسان الذي قد يقضي عمره يبحث عن مخرج، ثم حين يجده، يخاف من نفسه خارج القفص.

لكن في قلب هذه العتمة كلها، يترك عمرو زين لنا شعاعًا صغيرًا، ربما هو أهم ما في القصة: الفتى الذي نزع العصابة.

فكل نفق، مهما طال، لا بد أن يكون له شقّ في سقفه.

وكل ظلام، مهما ادّعى الخلود، يحمل في داخله احتمال الضوء.

وربما لا تكون مهمة الكاتب أن يدلنا على الطريق، بل أن يمد يده إلى أعيننا، وينزع العصابة للحظة واحدة، ثم يتركنا أمام السؤال الأصعب:

ماذا سنفعل إذا رأينا؟

هل سنمضي نحو الضوء؟

أم سنعود، طائعين، إلى المكان الذي اعتدنا فيه ألا نرى؟

هنا تنتهي قصة عمرو زين…
وهنا، في الحقيقة، تبدأ قصتنا نحن.

عائشة أبو ليل
ماذا سنفعل إذا رأينا؟

هل سنمضي نحو الضوء؟

أم سنعود، طائعين، إلى المكان الذي اعتدنا فيه ألا نرى؟

هنا تنتهي قصة عمرو زين…
وهنا، في الحقيقة، تبدأ قصتنا نحن.

عائشة أبوليل
النَّفَقُ المُظلِم


تدافعوا نحو النفق، سمعتهم يتهامسون فيما بينهم أثناء سيرهم:
- ليس لنا من ملجأ آخر نحتمي به.
رأيتُ الحرّاس المتجهّمين، وقوفًا أمام فتحة النفق التي تسع بالكاد لمرور شخص بمفرده، يسحبون الواحد منّا عقب الآخر ويثبتون الرابطة السوداء على عينيه قبل أن يدفعوا به عبر الفتحة الضيقة، حرّكتُ لساني بالسؤال:
- إلى متى؟
- سنخرجكم عندما يزول الخطر، قالها قائد الحرس.
هممتُ أن أسأل:
- لماذا تضعون العصابة السوداء على أعيننا؟
لولا أن صوتًا جاءني محذّرًا:
- إياك أن ترفعها عن عينيك!
دفعوني عبر الفتحة، وجدت نفسي بين أكوام من اللحم التي تزحف في كلّ اتجاه، على غير هدى، همهمات تداعب أذني من وقت إلى آخر، تحمل البشرى بقرب النجاة والوصول.
" الوصول إلى أين؟"
كلما شعرنا بالجوع، أطعمونا خوفًا فوق خوفنا، وكلما أراد أحدنا أن يفتح فمه، سمعنا صوتًا يصيح في قلب الممر:
إعدام!
تخترق مسامعنا صرخات الجثث المتدلية من سقف الممر، ونحن نتخبّط بها في زحفنا على بطوننا الخاوية.
"إلى متى؟ إني أذكر الآن قول كبير الحرس: «إلى أن يزول الخطر»، لكن أي خطر؟ لقد انتشرت الإشاعات في ذلك اليوم بين أهل البلدة وخرجوا عن بكرة أبيهم، وأنا معهم. لم يتوقّف أيٌّ منا ليسأل ما الخطر المحدق بالبلدة وأهلها؟ اندفعنا كما القطيع نحو الهاوية."
قرّرتُ أن أخرج مهما كلّفني الأمر، يجب أن أنجو بنفسي، ليس عليَّ إلا أن أجد الفتحة التي دخلت منها.
اندفعتُ بحثًا عن مخرج، طال بي البحث، دون أن أعثر على شيء، خارت قوايَ، استلقيت مستسلمًا لقدري، شعرتُ بأحدهم يزحف فوق جسدي، انتفضتُ، تحسّست وجهه بيدي غير مصدق:
كيف هذا؟
مدّ يديه نحوي، نزع العصابة عن عيني. تلفّتُّ حولي، لم أرَ سوى الظلمة، سرتُ مقتفيًا الأثر، خلف الفتى الذي مرّ من هنا. صادفتُ في سيري الجموعَ يسعون حثيثًا نحو ما أسعى إليه، وقد رفعوا عن أعينهم العصابات السوداء.
"هل فعلها الفتى؟"
أخيرًا لاح لنا شعاع ضوء، يسقط من سقف النفق، اندفعنا نحو الفتحة التي يسقط منها الضوء، وبدأنا نتسلّق الجدران بفضل ما أصبحنا نمتلكه من مهارات متطوّرة من طول العيش في النفق. سمعنا صرخة أوّلنا الذي خرج:
لا بد أنها صرخة الفرح بالخروج إلى النور.
توالتِ الصرخات لتؤجّج في داخلي الرغبة، مددتُ يدي، تحسّستُ السطح بأصابعي، وجسدي ما يزال معلقًا.
" لم تبقَ إلا خطوة واحدة للخروج."
دفعتُ نفسي بكلّ ما أوتيت من قوّة، قطعتُ المسافة الفاصلة في قفزة واحدة، ارتفع صراخي وأنا أرى شبحًا يحمل ملامحي، يرقد جاثيًا فوق صدر الفتى، يُعمِل أنيابه في جسده، ليبتلع النور النابع منه، حتى سقطت العصابة السوداء القابض عليها من يده، التفت إليّ بوجهه الملطّخ بالدّماء، وانطلق نحوي مكشّرًا عن أنيابه، قفزتُ إلى داخل النفق، رفعتُ رأسي إلى أعلى، وأنا أرتعدُ من الخوف.
" أيتعقبني ويفتك بي؟"
لم أرَ سوى العصابة السوداء تسقط متهاديةً حتى استقرّت أمام قدمي، رفعتها عن الأرض وربطتها حول عيني، ثمّ زحفتُ باحثًا عن موقعي القديم داخل النفق المظلم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى