حِوَارٌ خَاصٌّ مَعَ البَاحِثِ والكَاتِبِ والشَّاعِرِ غياث المرزوق (1)

■غياث المرزوق باحث أكاديمي وكاتب وشاعر من مواليد دير الزور (سوريا) ويقيم حاليًّا متنقلًا بين دبلن (إيرلندا) ولندن (إنكلترا).بعد أن أنهى المرحلة الجامعية الأولى وما بعدها من جامعة حلب، يحمل الآن درجة الدكتوراه في اللسانيات التطبيقية من جامعة مدينة دبلن DCU (1992)، ويحمل أيضًا درجة الدكتوراه في اللسانيات التنظيرية من جامعة كلية الثالوثبدبلن TCD (1998)، كما يُجري فضلًا عن ذلكدراسات «مفتوحة» للدكتوراه وما بعد الدكتوراه في التحليل النفسي وعلم نفس الأعماق. عمل مؤخرًا أستاذًا في اللسانيات الأوروبية والسامية في جامعة جنوب الدنمارك SDU، وعمل سابقًا محاضرًا في اللسانيات العربية في جامعة كلية دبلن UCD. يكتب باللغتين العربية والإنكليزية في مجالات فكرية وأدبية عديدة، منها: التحليل اللساني والتحليل النفسي والتحليل الفلسفي والتحليل السياسي والنقد الأدبي وغيرها. وفي مجال الشعر العربي الحديث، علاوة على ذلك، غياث المرزوق يكتب أيضا النصّ الشعري بشكليه الموزون والمنثور، ويتميّز على الأخصّ بكتابة المطوَّلات الشعرية النفسية و/أو الفلسفية، منها: «مَشَاهِدُ مِنَ ٱلْجَحِيمِ ٱلْدِّمَشْقِيِّ» / «وَمَشَاهِيدُ مِنَ ٱلْجَحِيمِ ٱلْفُرَاتِيِّ» / «وَمَا قَبْلَ ذَيْنِكَ ٱلْجَحِيمَيْنِ حَوْلٌ» / «هَدَادَيْكِ يَا قَطَرًا مِنْ نَدًى، وَنَدَى» / «وَمِنْكِ، عَشِقْتُ ٱلْنِّسَاءَ بِكُلِّ ٱلْلُّغَاتِ» / «وَرْدَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ حُلُمٍ يَشِبُّ عَنْ طَوْقِهِ» / «وَيُسَمُّونَهَا كُورُونَا، وَيُسَمُّونَهُ كُورُونَا» / «خَفَايَا ٱلْعِشْقِ ٱْلْأَرْبَعُونَ»، إلى آخره. وعلى الرغم من صعوبة التواصل، فقد استطعنا أن نجري معه الحوار التالي:

●أولًا، المحور الشخصي والنشأة (الجذور والترحال)
س: كيف ساهمت نشأتك الأولى في مدينة دير الزور السورية في تشكيل وعيك اللغوي والأدبي الأول قبل الانتقال إلى أوروبا؟
ج: قبل كل شيء، أودّ أن أشكرك جزيل الشكر على اهتمامك الجادّ بالجانبَيْن الفكريّ والإبداعيّ لدى المثقفات والمثقفين العرب وبخاصةٍ المثقفات والمثقفين المقيمين في بلاد الغب لأسباب ليس من العسير معرفتها في بلاد العرب الغنيّة عن التعريف أصلًا. لقد قضيتُ كلًّا من المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدينة دير الزور (سوريا) حيث كانت ولادتي ونشأتي، ثُمَّ قضيتُ المرحلة الجامعية الأولى وما بعدها في مدينة حلب الشهباء، وذاك قبل انتقالي إلى أوروبا بغية التحصيل العلميّ العالي. لقد كانت مُيولي الدراسيةُ كلُّها علميةً صرفًا منذ البدايات، وما زالت كذاك حتى هذا اليوم – وإلى حدّ أن شهادة الثانوية العامّة (البكالوريا) التي حصلتُ عليها آنئذٍ كانت في الفرع العلميّ، وليس في الفرع الأدبيّ. ومع ذلك، وعلى الرغم من كلّ ذلك، فقد تكوّن لديّ شيءٌ من الوعي اللغويّ والأدبيّ منذ أواسط وحتى أواخر المرحلة الابتدائية بالذات. والفضل في هذه التوعيةِ اللغويةِ والأدبيةِ أساسًا إنما يعود إلى أستاذ اللغة العربية جابر خرابة (رحمه الله)، فقد كان حينذاك يُجري بين التلاميذ مسابقاتٍ إعرابيةً وشعريةً (من الأبيات العمودية) على نحو دوريّ، وقد كنتُ لحُسْنِ حظّي أيّامئذٍ من الفائزين في أغلب الأحايين.

س: تتنقل في إقامتك بين مدينتي دبلن ولندن؛ كيف يؤثر هذا التعدد الجغرافي والثقافي على هويتك كأديب يكتب بالعربية والإنكليزية؟
ج: دبلن إيرلندا ولندن إنكلترا، في واقع الحال، إنّما هما عاصمتان عالميّتان بامتياز، الأولى مدينة إقامتي المُعتادةِ لا الدائمة، والثانية مدينة إقامة صديقتي من حيث الجانب العاطفيّ، فهما حاضرتان عالميّتان بامتياز بالمعنى الديموغرافيّ التعدّديّ أو الـ«كوزموبوليتانيّ» تحديدا، لأنك تستطيع أن ترى فيهما جهاتِ المعمورةِ مُزدانةً من خلال رياحها الأربعِ كلِّها ومن كافة الأجناس البشرية قاطبةً – وهذا العامل الديموغرافيّ التعدّديّ لوحدهِ إنْ هو إلّا كفيلٌ وضامنٌ حقًّا لكلٍّ من الإثراء النفسيّ والإغناء الاجتماعيّ والإرباءِ الثقافيّ، وعلى الأخصّ بالنسبة إلى كاتب لمّا يزلْ في مرحلة التجريب حتى هذه اللحظة بالذات، إذ لا بدّ هنا من الاعتراف المتحرّر من كلِّ أشكال الكبت والانغلاق، ولا بدّ من الإقرار به كذاك على الملأ الأدنى بكلّ تواضع واستحياء واحتشام. ولا أُخفي هٰهنا أيضًا بأن الاغترابَ المعهودَ لم يستحوذْ عليَّ في أصقاع منفًى كان قد فَرَضَ نفسَه بهيئةٍ أو بأخرى عن وَعْيٍ أو حتى عن لَاوَعْيٍ، فقد خَبَرْتُ سائرَ أنواع الاغتراب قَبْلَئِذٍ في بلاد الشآم ذاتِها خُبُورًا لأسباب لا تحتاج إلى أيّ إسهاب أو أيِّما إطناب في بلادٍ قمّةٍ في «الحريّة» و«الديمقراطية»– والفَهْمُ في هذا المَساقِ كافٍ، وحَسْب.

س: كيف تعمل على التوازن في وعيك اليومي بين «غياث المرزوق»الأكاديمي الصارم، وبين «غياث المرزوق»الأديب والمحلل النفسي الحر؟
ج: في حقيقة الأمر، من طبيعتي أنني لا أميل مَيْلًا إلى اتّباع أيّ قانون صارم في حياتي البحثية والكتابية، سواء كان ذلك على صعيد اللسانيات المقارنة أم على صعيد الأدب الشعري أم حتى على صعيد التحليل النفسيّ. كلّ ما في الأمر هنا أن اللسانيات التي كانت ومازالت تحتلّ جزءًا كبيرًا من تلك الحياة في حدّ ذاتها إنّما هي عِلْمٌ قابلٌ في أحيانٍ كثيرةٍ لأن يكون عِلْمًا جَافًّا وجَافيًا في آنٍ معًا حتى لو كان على الخلافِ عِلْمًا شائقًا وماتعًا في أبهى حُلَّته، وذاك نظرًا لكونه بالتوصيف الرسميّ المُتَعَارَف عليه في الأوساط الأكاديمية عينَ «الدراسة العلمية للّغة الإنسانية»، الدراسةِ التي تُعنى بكيفيةِ عمل هذه اللغة الإنسانية وبكيفية تعلُّمها إِثْرَ الذّهَن وكذاك بكيفية تغيُّرها عبر الزمن، وفي كلّ من مستويات الصوت والصرف والنحو والمعنى (أو الدلالة). لهذا السبب، كان اهتمامي بالكتابة في كلّ من مجالي الأدب الشعريّ والتحليل النفسيّ بمثابة استحضار حشدٍ متوازنٍ إلى حدّ ما من «المحطّات» الشعرية والنفسية بمعنًى من معاني محطّات الاستراحة الروحيّة من جفاف وجفاء ذلك العِلَم الشائق والماتع ألا وهو علم اللسانيات الذي تكلّمتُ عليه قبل قليل.

●ثانيًا، المحور اللساني والأكاديمي (علم اللغة)
س: لقدجمعت بين اللسانيات التطبيقية والتنظيرية؛ من وجهة نظرك، ما هي الفجوة الكبرى اليوم بين التنظير اللغوي وتطبيقاته في العالم العربي؟
ج: التنظير والتطبيق في أيّ مجال من مجالات البحث العلميّ هما وجهان مكمّلان لبعضهما بعضًا، وتكاد أن تستحيل الإنارةُ والإفادةُ المُثْلَيَانِ من أحدهما كُلِّيًّا دون الإنارةِ والإفادةِ المُثْلَيَيْنِ من الآخَر. فالتنظيرُ غالبًا ما يتبنَّى مسؤوليةَ «الإرشاد والإدلال» من حيثُ مدى الاستئناسِ بالأفكار المطروحة مسبقًا ومن حيثُ ميداءُ الاستحداثِ، أو الابتكارِ، للأفكار اللامطروحة قبلًا، في حين أنّ التطبيقَ يتولّى أكثرَ ما يتولّى مهمّةَ «الإعمال والإشغال» فيما يتعلق بإحلال هذه الأفكار محلَّ التنفيذ الفعليّ. ماركس نفسُه (ومن قبلِهِ أرسطو، بالطبع) قد أكّد على أهمّية ذلك الاتّحاد التفاعليّ والتلاحميّ بين وجهَي التنظير والتطبيق اللذين كان قد ضَمَّهُمَا في مفردةٍ معجميّةٍ واحدةٍ Praxis، بمعنى أنّ وجهَ التنظير بدون أيِّما تطبيقٍ عمليّ يبقى مجرّدَ تفكيرٍ عقيمٍ أجوفَ حَسْبْ – ناهيك عن تجلّي هكذا تطبيقٍ بوصفه معيارًا دامغًا وحاسمًا في صَحَاح أو اعتلالِ أيّةِ فكرةٍ من تيك الأفكار. ما يؤلمني حقًّا في هذا العالم العربيّ الكئيب أنّ ذلك الاتّحادَ التفاعليَّ والتلاحميَّ المعنيَّ لا محلَّ لهُ من الإعراب من قريبٍ أو من بعيد، إذ كثيرًا ما ترى المعيداتِ والمعيدين الموفدين إلى أوروبا وأمريكا يتخصّصون في جانب واحد دون الآخر ثم يعودون إلى جامعاتهم «مُكْتَفِين» بذلك. والأنكى من ذلك كلِّه أن ترى معيدًا متخصّصًا في اللسانيات السَّريريّة، مثلًا، ومتقوقعًا في الأخير على تدريس مادَّة اللغة الإنكليزية في جامعته كما يدرّسُها أيّ مدرّس إعدادية أو ثانوية في هذه البلاد الحزينة.

س: بصفتك أستاذًا سابقًا في اللسانيات الأوروبية والسامية، ما هي الخصائص البنيوية المشتركة التي تُغفلها الدراسات المقارنة بين هذه العائلات اللغوية؟
ج: هنا، فيما يبدو، شيءٌ من الالتباس في هكذا تعبير تساؤليٍّ مصاغًا على هذه الشاكلة، إذ ليس كلّ مبحث لسانيّ مقارن يتّصف على نحو أو آخَر بمدى إغفال الخصائص البنيوية «المشتركة» بين اللغات الأوروبية واللغات السامية. وممّا يستحقّ الذّكْرَ في هذه القرينة أن النظرية اللسانية الأكثر منطقيةً والأشدّ أهميةً في الأوساط الأكاديمية في هذه الأيَام إنّما هي نظرية ما يُسمّى بـ«النَّحْو الكَوْنِيّ»Universal Grammar، هذه النظريةُ التي قد طوَّرها العالِمُ اللسانيّ الأمريكيّ نْعُوم تشومسكي مدى سبعين عامًا، طوّرها على مراحلَ عن بضعةٍ من أسلافهِ الفرنسيين في القرن السابع عشر وأسلافهِ الألمان في القرن التاسع عشر. تقول هذه النظرية اللسانية من جملة ما تقول إنّ اللغاتِ الإنسانيةَ كلَّها إنّما هي قائمةٌ على بناءٍ منطقيّ كونيّ أوحدَ مرتسمٍ وراسخٍ بهيئةٍ أو بأُخرى في العقل البشريّ، أيًّا كان هذا العقل وأنّى تواجد. وهكذا، تتكشّف هذه النظريةُ عن جذورها الأولى في النظرية اللسانية العربية ذاتها في العصر الوسيط، كما بيّنتُ ذلك تفصيلًا في عمل بحثيّ كنتُ قد ناقشتُ تشومسكي نفسَه في أجزاءٍ منه قبلًا. وباختصار شديد، يقول ابن خلدون في هذا السياق: «اِعلمْ أنّ اللغاتِ كلَّها مَلَكَاتٌ في اللسَانِ للعِبَارةِ عن المعاني [...] وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنّما هو بالنظر إلى التراكيب». فإن كان ثَمَّةَ مبحثٌ لسانيّ يُغْفِل الخصائص البنيوية «المشتركة» التي ذكرتَها، فإنه بالتأكيد لا ينتمي إلى أيّ من هذه النظريات اللسانية المشار إليها.

س: هل ترى أن اللغات «تفكّر» نيابة عن أصحابها / ناطقِيها، أم أن الفكر الإنساني قادر على الانعتاق من قيود بنيته اللغوية؟
ج: هذا سؤال في غاية الأهمية حقًّا، لكنّ الإجابة عليه ليست يسيرةً على أيّ نحوٍ من الأنحاء. اللغة الطبيعية في حدّ ذاتها لا تفكّر «مطلقًا» مَثَلُهَا في هذا كَمَثَلِ أيّ شيءٍ جامد في هذا الكون، ولكن اللغة الإنسانية المغروسةَ أو الرَّاسِخَةَ في ذهن الإنسان منذ بدءِ مرحلةِ النطق باللفظ الواحد (ماما، بابا، دادا، إلى آخره) لَهِيَ اللغة التي «تفكّر» و«تعمل» ومن ثَمَّ «تتطوّر»، إذا جاز المجاز هنا. ومثلما أنّ هناك في المبحث الفلسفيّ نظرياتٍ رصينةً تقول بأسبقية المادّة على الروح ونظرياتٍ رصينةً أُخرى تقول النقيضَ كاملًا بأسبقية الروح على المادّة، فإنّ ثمّةَ أيضًا في المبحث اللسانيّ نظرياتٍ رزينةً تقول بأولويّة اللغة على الفكر ونظرياتٍ رزينةً غيرَها تقول العكسَ تامًّا بأولويّة الفكر على اللغة – المسألة هٰهنا في غاية العِيَاصِ والتعقيد، ولا أحدَ في ظنّي حتى الآن يستطيع أن يأتي بإقرارٍ حاسم ونهائيّ نحو هكذا مسألةٍ قديمةٍ قِدَمَ التفكير الإنسانيّ على وجه التحديد. وما تعلّمتُه من دراستي المستمرّة للتحليل النفسي وعلم نفس الأعماق، وبخاصّةٍ من خلال المنهج الفرويدي وامتداده في المنهج اللاكاني، هو أنّ هذا الفرعَ من فروع المعرفة، أو هذا «العِلْمَ» بكلِّ بساطةٍ، إنّما يقوم على إواليّةٍ «تفكيكيّةٍ» محدَّدةٍ، لا بل يَنْبَنِي على إواليّةٍ «تشريحيةٍ» معيَّنةٍ، لتلك المقولة الفلسفية القديمة التي تُدلي في أوَّلِ إدلائها بأنّ الإنسانَ قد تمَّ إيهابُهُ ملكةَ اللسان لا لشيءٍ إلّا لكيما يسعى إلى إخفاء أفكارِهِ ونواياهُ ليس إلّا.

●ثالثًا، محور التحليل النفسي (علم نفس الأعماق)
س: لقد اتجهت أخيرا إلى دراسات ما بعد الدكتوراه في التحليل النفسي؛ كيف يخدم «التحليل النفسي»فهمك للنصوص الأدبية وظواهر اللسان؟
ج: لا شكّ في أن التحليل النفسيّ يساهم على نحو لافتٍ في إدراك أيّ نصّ من النصُوص ما دام هذا النصّ مكتوبًا ومتخيَّلًا ومُفَكَّرًا فيه من لدن إنسانٍ (عاقلٍ) يحملُ بين طَيَّاتِهِ مُكَوِّنَاتِ النفس الإنسانيّةِ الثلاثةَ في أدنى تخمين: «الأنا الشاهدةَ» و«الأنا الغائبةَ» و«الأنا العُلْيَا». ففي حال النصّ الأدبيّ، من طرفٍ أوّل، فإنّ التحليل النفسيّ يُعِينُ في سَبْر أغوارِ الزمن الماضي الذي يستخفي وراءَ بنيةِ النصّ، وذاك بغية اكتشافِ العديد من الدوافع اللاواعية والمخبوءة لدى كل من الشخصيّات المعنيّة، وبخاصّةٍ الشخصيّاتِ التي تمّ تسْييبُها في حبكةِ هذا النصّ، بما فيها تلك الدوافعُ اللاواعيةُ والمكنونةُ لدى شخصية المؤلّف في حدّ ذاتهِ. فمن خلال التعرُّف إلى حشدٍ من المفاهيم النفسانية من مثل الرغائب الكنينة والمخاوف الدفينة وغيرها من الأَذِيَّاتِ الخبيئة يستطيع المتلقِّي (أو المتلقِّية) أن يُمِيطَ اللثامَ عن الكيفيّة أو الكيفيّات التي يتصرّف فيها كلّ من هذه الشخصيّات قاطبةً، بمن فيها شخصية المؤلّف بقدر ما يتعلّق الأمرُ به كذلك. ومن المفاهيم الفرويدية التي لفتت انتباهي حقًّا في هذه القرينة هو مفهوم «التَّمَاهِي»Identification، بمعنى أن المتلقِّي (أو المتلقِّية) لا يفهم فقط دوافعَ الشخصية المعنيّة كما ذُكِر، بل يتماهى معها إلى حدّ التعاطف (مشاركة العواطف) والتشاعُر (مشاركة المشاعر) والتحاسُس (مشاركة الأحاسيس)، وما إلى ذلك. أما في حال النص اللسانيّ، من طرف آخَرَ، فالتحليل اللسانيّ ليس إلّا نوعًا «شَمُوسًا» من التحليل النفسيّ من حيث المبدأ – والاختلافُ الجوهريُّ إنّما يكمنُ في أنّ الأول أكثرُ إغراقًا في التجريد والرمزية والصُّورية وما شابه.

س: في سلسلة مقالاتك «ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ»، كيف تفسر نفسيًّا ظاهرة تكرار الشعوب لإنتاج «الطغاة» رغم تجاربهم المريرة؟
ج: للألم، ظاهرة تصنيع الطغاة من لدن الشعوب «الذليلة» تعود بالزمانِ إلى قرون الظلامِ والانحطاطِ في العصر الوسيط في أرجحِ الظنّ. وعلى ذِكْرِ ابن خلدون قبل قليل، فإننا نجده في موضع آخَرَ يقول ما معناه: «لو خيَّروني بين زوالِ الطغاةِ وبين فناءِ العبيدِ، لاخترتُ بلا تردُّدٍ فناءَ العَبيدِ، وذاك لأنّ العبيدَ يصنعونَ الطغاةَ ولا يبنونَ الأوطانَ»– وهكذا قولٌ لافتٌ بَيِّنٌ بذاته من حيثُ «مازوخيّةُ» العبيد والتذاذُهم بالشعور الدُّونيّ أمامَ الطغاة، ولا يحتاجُ من ثَمَّ إلى أيّ تعليق أكثر. ولكن، بدءًا باندلاع الثورات الشعبية في مطلع العقد الثاني من القرن، فإن الأمرَ قد تغيَّر كثيرًا مع الشعوبِ وموقفها بإزاء الطغاة فباتت هذه الشعوبُ مفخرةً لكلِّ إنسانٍ ثوريٍّ واعٍ، وقد شرحتُ هذا بالتفصيل في السلسلة المُنَوَّهِ عنها. وعلى فكرةٍ، قبل ثلاثين عامًا أو يزيد، كنتُ كتبتُ قصيدًا مطوَّلًا قد رآه الكثيرُ «نُبُوءَةً» لما حَدَث، إذ جاء فيه: «تِلْكَ عَاشِقَةٌ تَعْشَقُ الدَّمْعَ / حِينَ تَلُوذُ السُّنُونُو بِأرْدِيَةِ الخَوْفِ / إنْ شَبَّهَا القَصْفُ بَرًّا وَبَحْرًا وَجَوًّا /وَمَا فَوْقَ ذٰلِكَ، فِي حَارَةِ البُسَطَاءْ / وَلٰكِنَّهَا إنْ أرَادَتْ / تُزَلْزِلُ فِي كَعْبَةِ اللَّاةِ والنَّحْرِزِلْزَالَهَا / ثُمَّ تُخْرِجُ مِنْ جَذْوةِ القَهْرِ وَالوَحْرِ أَثْقَالَهَا / وَتُيَمِّمُ أَوْجُهَ تِيكَ الجُمُوعِ الغَفِيرَةِ / شَطْرَ لُجَاجٍ سَجُورٍ / وَدَنٍّ بِقَدِّ السَّمَاءِ يُعَتِّقُ خَمْرَتَهُفِي السَّمَاءْ / إنَّ رَبَّكَ، رَبَّ الكِتَابَةِ والحِبْرِأوْحَى لَهَا / أَنْ تُكَوِّرَ شَمْسًا بِمُنْتَصَفِ القَفْرِ / حِينَيَنَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ المَغِيبُ / أَنْ تُشَيِّبَ مَنْ لَا يَشِيبُ / وَتَبْصُقَ فِي شَدْقِ مَنْ سَمَّمُواالحَرْفَ أَوْ ضِحْكَةَ الفُقَرَاءْ». ووا أسفاه، وا أسفاه، كانَ هذا القصيدُ موجَّهًا لِمَنْ لم يَكُنْ يستحقُّ أيَّ اعتبارٍ أو حُسْبانٍ على الإطلاق!

س: هل يمكن اعتبار «الكتابة الأدبية» بالنسبة لك نوعًا من «التسامي» النفسي Sublimation، أو نوعًا من العلاج الذاتي؟
ج: نعم، بكلِّ تأكيد – أحيانا يصحّ هذا (أي التسامي) في ظرفٍ ما، وأحيانا أخرى يصحّ ذاك (أي التعالُج) في ظرفٍ آخَرَ، ولا شكّ في أيّ منهما بتاتًا. ويحضرني هنا، على سبيل المثال لا الحصر، عينُ الكاتب الإيرلنديّ الفذّ جيمس جويس الذي كان قد كتب في رأيي أهمَّ عملَيْن (روائيَّيْن) حداثيَّيْن وما بعد حداثيَّيْن في اللغة الإنكليزية بلا منازع، ألا وهما: «عوليس»Ulysses، و«يقظة فينيغان»Finnegans Wake، الأول في جوهر الأمر من الوميض لَيُجَسِّدُ ملحمةَ الجَسَد في وَضَح النهار، في حين أنّ الثاني على النقيض إنّما يمثّلُ ملحمةَ العَقْل في حُلْكَة الليل – وكافّة الأحداث الشائكة والعويصة لكلٍّ من هٰتين الملحمتَيْن، وهذه هنا هي الميزة الأساسية الفريدة حقًّا، لا تتعدّى على أيِّما نحوٍ من الأنحاء ميداءَ الزمان المُحَدَّد لساعاتِ اليوم الواحد بالتحديد. وبالتالي، فقد كان كلّ من العملَيْن (الروائيَّيْن) بالنسبة إلى جويس ذاته نوعًا من أنواع التسامي حينما كان «يرتعُ» في حالاتٍ من الصَّحَاح النفسانيّ الملحوظ، بينما كان كلٌّ منهما كذاك بالنسبة إليه في المقابل شكلًا من أشكال التعالُج عندما كان «يشقَى» في حالاتٍ من الاعتلال النفسانيّ أو حتى الجسمانيّ الممجوج. وفيما يخصُّ هذه الحالَ الأخيرةَ بالذات، وفي إحدى مقابلاته التي سُجِّلَتْ في باريس عن سبيل مراسلاته مع أخيه ستانيسلوس، سُئِلَ جويس عن صحَّته الذهنية آنئذٍ فأجاب بما معناه: لو لم أكتبْ «عوليس» و«يقظة فينيغان»، لكنتُ الآن في أحد مشافي الأمراض العقلية.

[انتهى القسم الأول من هذا الحوار ويليه القسم الثاني]

*** *** ***

دبلن (إيرلندا)،
21 تموز (يوليو) 2026

حاوره عطاء ضرغام
كاتب ومخرج مسرحي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى