١
في روايته الأولى "كافر سبت" (2012) يكتب عارف الحسيني تقديماً يأتي فيه على روايته من حيث المكان والأسلوب.
الرواية محاولة أدبية لسرد حكايات بسيطة ترتبط بأمكنة وأزمنة مقدسية وفلسطينية بامتياز، وهي رواية تقوم على المفارقة، مفارقات بطلها نبيه بامتياز أيضاً.
يمتد الزمن الروائي للرواية من أوساط 80 ق20 حتى بداية الألفية الثالثة.
وتشكل الرواية الجزء الأول من ثلاثية يعكف عليها عارف، وقد أصدر بداية هذا العام الجزء الثاني منها تحت عنوان "حرام نسبي".
وما دامت الرواية تشكل الجزء الثاني من "كافر سبت" فإن سؤال المكان يظل هو هو، وإن سمة المفارقة أيضاً تظل هي هي، بل ويمكن القول إن حضور الآخر اليهودي في الرواية لم يتراجع، فاليهود، في "حرام نسبي" كما هم في "كافر سبت" لهم حضور لافت، من بداية الرواية حتى نهايتها، ويكاد يتوازى حضور الفلسطينيين والإسرائيليين في الرواية توازي حضورهم في أرض الواقع، في البلدة القديمة، إلاّ في جانب الحضور اللغوي، فالرواية: سردها وحوارها بالعربية، إلاّ حيثما اقتضت ضرورة الحوار، إذ تحضر بعض عبارات بالعبرية، وأخرى باللهجة المقدسية، وبالكاد تحضر لغات أخرى أبرزها الإنجليزية.
في "حرام نسبي" يترك عارف الحسيني حورية تقص قصتها، وهكذا تكون هي المؤلف الضمني للرواية.
تدرس حورية الصحافة والإعلام في جامعة بيرزيت، ثم تقرر أن تكتب وتكتب، وتعلمنا بهذا "ربما عليّ أن أكتب وأن لدي من الموهبة ما يكفي لأصبح كاتبة لامعة" (ص175) و"قررت الكتابة" (176) و"سأصبح كاتبة" (179).
ولأن حورية قرأت نوال السعداوي وناقشت رواياتها، فإن قارئ الرواية، حتى قبل أن تقر حورية بقراءة السعداوي، سرعان ما يربط بين أفكار هذه الرواية وأفكار روايات الكاتبة المصرية، بل وبعض كتبها، مثل كتاب "المرأة والجنس"، وتحتل الكتابة عن غشاء البكارة في المجتمع العربي مساحة لا بأس بها في رواية "حرام نسبي"، مثل احتلال ثنائية الذكورة/ الأنوثة، وهي ثنائية لطالما توقف أمامها الدارسون العرب، ومن أبرزهم جورج طرابيشي في كتابه "شرق وغرب، رجولة وأنوثة" دون الواو طبعاً.
إن ثنائية الذكورة/ الأنوثة تبدو محورية في "حرام نسبي" ولم تظهر هكذا في "كافر سبت"، وهنا يثير المرء السؤال الآتي: هل حضور هذه الثنائية في الرواية، هذا الحضور الطاغي، يتوازى وحضورها في الواقع الفلسطيني أم أن الأمر يعود إلى قراءات بطلة الرواية حورية روايات نوال السعداوي؟
"كم أصبحت مولعة بالأدب من بعده! وكم أحببت أن أتقمّص الشخصيات وأُسقطها على حياتي" (ص40) تقول حورية.
لكأن المرء، وهو يقرأ "حرام نسبي" يقرأ حقاً نوال السعداوي، لولا اختلاف المكان الروائي: القدس هنا. وسيلحظ المرء ما هو أكثر: لكأن الشعب العربي، في اختلاف أماكنه، وفي تباعد أزمنته، يعيش التجربة نفسها.
هل ما حدث مع حورية وصديقتها سميرة حدث حقاً في الواقع الفلسطيني أم أنه مستعار من روايات نوال السعداوي وقد أسقطته حورية على أبطالها وتقمّصته في حياتها؟
أما بخصوص تكرار القصة عَبر الزمان، فإن حورية الحفيدة تكرر حكاية حورية الجدة، على الرغم من الفارق الزمني البالغ سبعين عاماً.
تقود ثنائية الذكورة/ الأنوثة إلى ثنائية أخرى هي ثنائية التقدمي/ الرجعي، بل والتقدمي سياسياً المتخلف اجتماعياً.
تقص حورية عن صديقتها سميرة التي يتزوجها مقدسي تعلم في ألمانيا زواجاً تقليدياً، وركز على قضية غشاء البكارة، وتقص أيضاً عن طليقها الذي قاوم الاحتلال ولكنه في النهاية ارتد إلى ما تربّى عليه فآثر امرأة عادية على المرأة المتعلمة العاملة.
هل يستحضر القارئ وهو يتابع الثنائيات السابقة بعض روايات سحر خليفة "عباد الشمس" (1979/ 1980) و"مذكرات امرأة غير واقعية" (1986)؟
وكما تروي "مذكرات امرأة.." المرأة المطلقة التي عانت من الذكور ومن المناضلين تروي حورية التي عانت أيضاً من هؤلاء وهؤلاء.
ولكن ما يميز "حرام نسبي"، مثل "كافر سبت" أنها رواية قدس. وهنا يثير المرء سؤالاً مهماً: هل تختلف الرواية التي يكتبها مقدسي أقام في المدينة عقوداً، وخبر بالتالي حكايات المدينة وعرف عاداتها وتقاليدها وألكن لهجتها وحفظ أمثالها ونشأ في زواريبها، عن تلك الروايات التي كتبها، عن القدس، روائيون كانت صلتهم بالمدينة عابرة أو منقطعة أصلاً؟
ظل السؤال السابق يراودني، وأنا أتتبع رحلة حورية وشخوص الرواية الآخرين، عرباً ويهوداً، وتذكرت قصصاً وروايات كتبها مقدسيون مثل خليل السواحري صاحب "مقهى الباشورة" (1969).
في رواية "حرام نسبي" تحضر القدس التي نعرفها بشوارعها وعادات أهلها ولهجتها وأمثالها كما لم تحضر في روايات وقصص كتبها أدباء عن بعد!!
2017-01-22
عادل الأسطة
٢
القدس في الرواية العربية بين الداخل والخارج
03/12/2019
سأبدأ هذه المداخلة ببعض دعابات حول الصورة وتشكلها، فلعل ذلك يضيء، بشكل مبسط، الفرق بين الكتابة عن القدس من الداخل والكتابة عنها من الخارج.
لما عاد راوي رواية الطيب صالح من لندن سأله أهل قريته عن الإنجليز، فأجابهم بأنهم بشر مثلنا يحبون ويتزوجون ويمرضون. ما قاله الراوي وهو قولٌ صدرَ عن معاشرة الإنجليز يختلف عن الصورة المتخيلة لهم في ذهن سكان القرية.
ولما سافر أحد معارفي إلى ألمانيا لم تستقبله الألمانيات استقبال المرأة الرجل الوحيد على الأرض، فلم يجد أصلاً امرأة في استقباله ليروي ظمأها، وحين تعرف إلى طالبة أدب ألماني أنفق معها وقتاً ولم ينل منها شيئاً، فاستغرب، إذ إن الصورة المتخيلة في ذهنه للمرأة الألمانية والأوروبية مختلفة عما رأى، فقد كان يعتقد أنه ما إن يصل إلى هناك حتى يجد الفتيات يتمايلن عليه.
ثمة اختلاف إذن بين الصورة المتخيلة والصورة الحقيقية، وهذا الاختلاف هو ما لاحظه ثيودور هرتسل منّظر الحركة الصهيونية.
كانت صورة القدس في ذهن هرتسل مستمدة من العهد القديم ومن الأشعار التي كتبها الشعراء اليهود في المنفى عنها، وهي صورة جميلة مشرقة صادرة عن بنية ذهنية متشكلة من قراءات ومن بؤس حياة المنفى ومن علاقتهم بمكان روحي، فلما زار المدينة أصيب بالخيبة، إذ رأى قدساً أخرى. لقد رأى مدينة شوارعها قذرة يكثر فيها المتسولون وينتشر الذباب على الطعام فيها، فتساءل:
- أهذه هي مدينة الآباء والأجداد؟
وحلم هرتسل بإعادة بناء المدينة لتضاهي منطقة الريفيرا في فرنسا وأحياء فيينا الراقية. ما يخلص إليه المرء من خلال تصورات القدس في رواية هرتسل هو أن الصورة المتشكلة، عن بعد ومن خلال القراءات، تختلف عن الصورة المتشكلة من المشاهدة والمعايشة والإقامة في المكان لفترة طويلة.
ما سبق يعيدنا إلى دكارت. لقد هجر هذا الكتب والمدرسة وما تعلمه فيها وأراد أن يعتمد على ما يعيشه ويجربه. أراد ببساطة اختبار الأشياء من خلال معاينتها.
في القرن التاسع عشر درس الناقد الفرنسي هيوبولت تين الشعر الإنجليزي معتمداً على ثلاثة عناصر هي المعيش (البيئة) والمشاهد (العصر) والموروث (العرق). إن ما يشاهده المرء وما يعيشه يترك أثراً في نصوصه.
في العام ١٩٨٢ كتب الفرنسي جان جينيه «أربع ساعات في شاتيلا» عن قرب. كان في بيروت وتسلل صبيحة يوم المجزرة إلى المخيم وكتب، ورأى أن الكتابة من داخل المخيم، عن المحزرة، تختلف اختلافاً كلياً عن الكتابة عنها من باريس اتكاءً على الصورة، فالصورة لا يمكن أن تنقل رائحة الجثث مثلا ً
في الكتابة عن الفرق بين رواية القدس التي تكتب من الداخل وتلك التي تكتب من بعيد -ولكي أقنع كتاباً كباراً- لا بد من استقراء النصوص الروائية وقراءتها قراءة داخلية وملاحظة الاختلافات بينها، فثمة كتاب يصرون على خطأ ما أذهب إليه، وحجتهم أن هناك كتاباً مشهورين؛ عرباً وغير عرب؛ قديماً وحديثاً، كتبوا عن أماكن لم يقيموا فيها ولم يعرفوها إلا من خلال الكتب.
سوف أقرأ أكبر قدر ممكن من الروايات التي أنجزت عن القدس وحصلت عليها، لألاحظ مدى التشابه والاختلاف بينها. إن المنهج الاستقرائي هنا يسعف إلى حد بعيد. وهو ما كان على أية حال. لقد التفت وأنا أقرأ الروايات المتوفرة إلى الآتي:
- صورة المكان وعنصر الوصف ودقته.
- اللغة الروائية واللهجات وأهمها اللهجة المقدسية - أعني التعدد اللساني.
- تصور الذات وتصور الآخر؛ اليهودي وغير اليهودي
فماذا لاحظت؟
لو قارنا بين وصف المكان وحركة الشخصيات فيه، في روايتي عارف الحسيني «كافر سبت» و «حرام نسبي»، وبين وصفه في روايات واسيني الأعرج «سوناتا لأشباح القدس» وعلي بدر «مصابيح أورشليم» وحسن حميد «مدينة الله»، لوجدنا اختلافاً بيناً واضحاً، فعدا عن الدقة في تحديد الأماكن ووصفها هناك حركة الشخصيات فيها.
ولو تتبعنا التعدد اللساني في روايات المقدسيين أبناء القدس مثل عارف الحسيني وعيسى عيسى القواسمي «عازفة الناي» وقارناه بالتعدد اللساني في روايات الأعرج وبدر وحميد للاحظنا أن اللهجة المقدسية تظهر لدى الحسيني ولا نطالعها في روايات الثلاثة المذكورين. مرة استضفت عارف الحسيني في مساق "القدس في الأدب العربي" ليتحدث عن روايتيه وسألته إن كانت هناك لهجة مقدسية خاصة ظهرت في روايته، فأجابني مؤكداً، وضرب لي مثلا ً.
قال لي عارف إن لفظتي "الوشتي" و"شت لي" لفظتان مقدسيتان بامتياز ، ولن تجدهما في روايات غير المقدسيين، وينسحب على اللهجة المقدسية حضور اللغة العبرية التي تجري على لسان الشخصيات دون افتعال، ولا أذكر مثلاً حضور مفردات مقدسية وعبرية فيما كتبه حميد والأعرج. لقد أحصيت في روايتي الحسيني عشرات المفردات العبرية التي كان ورودها عفو الخاطر نتيجة احتكاك الشخصيات المقدسية بالشخصيات اليهودية.
ويبقى حضور شخصية الآخر
إن روايات المقدسيين تحفل بشخصيات يهودية مختلفة عن تلك الشخصيات التي تظهر في روايات كتاب المنفى، ويمكن النظر في روايات القواسمي وجميل السلحوت وعارف الحسيني وعزام توفيق أبو السعود، ومقارنتها بما ورد في روايات كتاب المنفى. في روايات الأولين نقرأ عن هيلدا الألمانية واشتيفاني البريطانية وهنري الإنجليزي والعلاقات التي نشأت بينهم وبين سكان القدس وكيف نشأت وتطورت وإلى أين انتهت. ثمة علاقات حب وزيارات عائلية وسفر إلى بريطانيا وألمانيا. أما في روايات كتاب المنفى لا نحصل على نماذج مشابهة، وإن عثرنا على شخصية ألمانية لدى الأعرج وشخصية روسية لدى حميد فإن حضورها أقل إقناعا. ويمكن قول الشيء نفسه عن الشخصيات اليهودية، والكتابة تطول.
من المداخلة التي أُلقيَت في مؤتمر "القدس في الرواية العربية" الذي عقد في جامعة البترا في الأردن في يومي ١٣ و ١٤ / ١١ / ٢٠١٩.
٣
عارف الحسيني : نص اشكنازي
١
عارف الحسيني والجزء الثالث من روايته " كافر سبت " وعنوانه " نص اشكنازي "
١
" العرب والقانون لا يسيرون معا . هؤلاء هم العرب لا يحترمون أي قانون . يبنون بدون تراخيص ، وهم كالشوكة في المؤخرة ، لا نستطيع العيش معها ، وإن أخرجناها بالقوة ومرة واحدة لا نتمكن من الجلوس لفترة .
انقلب يوناتان كالسلحفاة على ظهره من الضحك ، وكنت دغدغت مشاعر الكره والاستحقار لديه للعرب عن قصد ، لأنني أنتظر ضحكته الصاخبة كضجيج برميل بارود ينفجر "
عارف الحسيني في رواية " نص اشكنازي " / نصف اشكنازي ، والمتكلم هو ايتسفيكا الاشكنازي من جهة الأم والعراقي من جهة الأب والمتزوج من رونيت الاشكنازية ولا يريد أن يعرف أحد أن والده يهودي عربي قدم من العراق .
" فقد أمضيت حياتي متنكرا لأصل أبي العربي العراقي ، وكنت أتجاهل ذلك الحديث أمام الناس - وطبعا سأبقى كذلك - كنت أخجل من حرفي الحاء والعين في حديث أبي للعبرية بلهجة شرقية "
" فتوبخني أمي وتلعن الجينات العراقية التي ورثتها عن أبي ... فعدت سريعا إلى نصفي الذي أعتد به ، ويبطل ما دونه النصف الاشكنازي الأبيض ، لأن من أمه اشكنازية فهو كذلك !
وسرعان ما نجحت بتجاهل ذلك الشعور الطاريء بالفخر بأبي ولغته " .
لا أعرف إن كان عارف الحسيني Aref F. Husseini قرأ رواية الكاتب الإسرائيلي ( يورام كانيوك ) " عربي طيب " ، وقد دار حولها جدل وكتب عنها محمود درويش وسميح القاسم في كتاب " الرسائل " .
٢
حول تهويد القدس :
قبل يومين كتبت تحت عنوان " أرقام فلكية لمن يبيع أرضه " .
تفاعل كثيرون ممن قرأوا المنشور معه وقسم منهم عقب عليه وأدلى فيه بدلوه ، وقليلون كتبوا لي على الخاص يفصحون عن أمور شخصية تفصح عما كتبوا أكثر .
ممن تناولوا موضوع تهويد القدس في رواياتهم قسم من أبناء المدينة ، ومن أبنائها في المنفى ليلى الأطرش الساحورية في روايتها " ترانيم الغواية " وقد كتبت عن القدس فيها مقالين أتيت فيهما على بيع العقار .
الخوف من تهويد القدس والكتابة في الموضوع قرأنا قليلا منه في قصص المرحوم خليل السواحري وكثيرا في كتابات محمود شقير .
من وجهة نظري فإن كتابات عارف الحسيني هي الأكثر غوصا في التفاصيل ، بخاصة فيم يخص القدس المدينة . من كافر سبت إلى حرام نسبي فالجزء الثالث الأخير " نص اشكنازي " الصادر في هذا العام .
لمن يرغب في أن يقرأ عن حياة المقدسيين في البلدة القديمة من القدس وحي الشيخ جراح وعلاقة الفلسطينيين باليهود المستوطنين ، فعليه أن يقرأ الثلاثية التي سيجد فيها كتابة لن يجدها إطلاقا في كتابات الذين كتبوا عن القدس من خارج فلسطين المحتلة .
ومن يرغب في أن يقرأ عن تصورات الذات لذاتها ولآخرها وتصور المتصور أيضا فالرواية تقدم له مادة ثرية . قد لا تكون جديدة كل الجدة ، ولكنها ترصد هذه التصورات في العقود الأربعة الأخيرة .
لمن ليس لديه الوقت الكافي بخصوص الأرض والمدينة وتهويدها أقترح عليه قراءة الفصلين الرابع والخامس .
عارف الحسيني هو ابن القدس القاريء للأدبيات الصهيونية العبرية بلغتها والمتابع الجيد لما يلم بمدينته ويحيط بها .
ما كتبته هو اجتهاد وليس كلاما مقدسا .
٣
موظفو السلطة الفلسطينية بعد إنشائها .
" أصبحت وزوجي نبيه الذي تأمل خيرا بالكلام الجميل نقابل في كل لقاء نوعين من المسؤولين ؛
إما أن يكونوا من المناضلين السابقين الطاعنين بالسن الذين يطمروننا بنوستالجيا الثورة ويبدؤون بسرد ذكرياتهم عن القدس في سبعينيات القرن الماضي ، والانتفاضة الأولى والثانية ، والتاريخ الثوري الجميل ، فيضيع وقت اللقاء بالحديث العام والمشاعر الجياشة ، وينتهي بأن مدير المكتب سوف يتابع الموضوع حسب الإجراءات والقنوات الرسمية
أو
فئة جديدة شابة من المسؤولين ثم اختبارهم بعناية شديدة ، كيلا يفعلوا أي شيء يغضب أي احد ، يحترفون الشعارات وإبر التخدير المنطقية التي لم نستطع معارضتها بالرغم من أننا نعلم أن هذه الإجراءات سطحية وباردة وليس لها أي أثر على قضيتنا ، ولن توصل لأية نتيجة ، وليس على رأس لسانهم إلا جملة واحدة :
- أكتب لي كتابا ( أي رسالة رسمية ) ووجهلي إياه .
وفي حالات نادرة جدا :
وجدنا هنا أو هناك مسؤولا مختلفا قلبه يحترق لنصرتنا ، وهذا من النوع الذي تم تعيينه بالخطأ ، وسرعان ما تتم محاربته ، أو فجأة تجده تحت سوط الاحتلال ، ولا يجد من ينصره أو يدافع عنه " .
ورد الكلام السابق على لسان حورية زوجة نبيه في الفصل السادس الذي عنوانه ( السيستم " المنظومة " : حورية 2 : الحب يصنع الأمل والحلم يصنع المستقبل )
ونبيه وزوجته حورية من سكان القدس يقيمان في الشيخ جراح الذي يتعرض للتهويد ، وهي صحفية تكتب المقالات في إحدى صحف رام الله وتثق بالسلطة الفلسطينية وتقنع زوجها نبيه أن يذهب معها لمقابلة المسؤولين علهم يفعلون شيئا يساعد المقدسيين في صمودهم ويحول دون تهويد المدينة المقدسة ، ولكن عبثا !!
كما لو أن الفصل السادس محاضرة عن القدس تحت الاحتلال بعد أوسلو .
ينتقد عارف الحسيني على لسان شخوصه السلطة الفلسطينية ورئيسها الأوحد وينتقد الفصائل الفلسطينية التى صارت عالة على القضية الفلسطينية ، وليس هو أول من ينحو هذا المنحى في الرواية الفلسطينية ، ولكنه هنا يقدم وجهة نظر مقدسية .
" تغيرت سياسة الاحتلال ونحن بقينا كما نحن ، نخون بعضنا البعض ونزايد بالشعارات على الجميع ، ولا نتفق على قيادة ، ولا يعجبنا أحد ، وكل يغني على ليلاه " .
لقد " أصبح كل فلسطيني هدفا يرغب بالتخلص منه . فقد الناس الأمل بالقيادة التي تجمعههم وتوجههم ، ولم يبق لديهم إلا النهوض الفردي ، أملا بأن تتبعه حالة جماعية ، وهذا ما أطلقت أنا عليه اسم انتفاضة الأفراد " يقول نبيه في الفصل الثامن الأخير الذي عنوانه " المستقبل : نبيه 3 :سوف يسعفنا الشعب الأصيل ... دوما " ويضيف :
" -يا حورية ، بعد انهيار المنظومة الفصائلية ، أصبحت مقاومة المحتل حالة شخصية وليست حالة جمعية " .
المقدسيون في الرواية متفائلون ، ولعلني أقارب نهاية رواية عارف الحسيني Aref F. Husseini ونهاية رواية محمود شقير .
٤
الحكاية هي الحكاية منذ ١٢٠ عاما :
تتكون رواية عارف الحسيني " نص اشكنازي " من ثمانية فصول وتقع في ١٥٣ صفحة إذا احتسبناها كلها ، أما إذا غضضنا النظر عن الصفحات الفارغة فتقع في ١٣٥ صفحة ، وهي تتكون من ثمانية فصول يرويها أربعة رواة هم :
- ايتسفيكا ( نصف اشكنازي ) حيث يروي الفصلين ١+ ٤
- نبيه المقدسي ويروي ثلاثة فصول هي ٢و ٥ و ٨
- حورية زوجة نبيه وتروي الفصلين ٣ و ٦
- رونيت الاشكنازية وتروي فصلا واحدا هو ٧ .
والرواية كلها عمل تخيلي يعتمد على الوقائع والكتب أيضا ، وهي تظهر لنا تصور الفلسطيني لنفسه والآخر اليهودي وتصور اليهودي للعرب وتصوره لنفسه . هكذا يمكن أن تدرس الرواية وفق منهج المرايا المتعاكسة ، والصور هذه نقرؤها في الأدبيات الصهيونية والأدبيات العربية منذ كتب ( ثيودور هرتسل ) الأب الروحي للحركة الصهيونية روايته " أرض قديمة جديدة " في العام ١٩٠٢ مرورا بالأدب الصهيوني المكتوب بلغات عديدة منها بالتأكيد العبرية ، وقد لخصها لنا منذ غسان كنفاني دارسون كثر . هل يعني ما سبق أننا نقرأ معادا مكرورا ؟
نعم ولا ، فالرواية الصادرة في ٢٠٢٤ تتناص مع رواية ( هرتسل ) لتشكل مكونا من مكونات " نص اشكنازي " . إنها تحضر بكثافة في الفصل الثالث الذي ترويه حورية ، فوالدها قرأ " أرض قديمة جديدة " وقدم ملخصا له نقرؤه .
ما الجديد إذن ؟
يكمن الجديد في ظهور شخصية المستوطن الجديد الذي يستوطن الضفة الغربية واختلافه عن صهيوني هرتسل . إننا أمام صهيوني امتلك زمام الحكم وهو صهيوني ( جابوتنسكي ) الذي يعد ( بنيامين نتنياهو ) و ( بن غفير ) و ( بتسلوئيل سموترتش ) أبرز ممثلي خطه .
لو قرأنا الفقرة الآتية من الفصل الأول الذي يرويه ( ايتسفيكا ) المنحدر من زواج يهودي عراقي من يهودية بولندية اشكنازية ، فهل نقرؤه لأول مرة ؟
" لقد أعدنا الحياة لأرض إسرائيل . تمتمت بخشوع ، فقد كان اعتقادي السابق كما هو إيمان أغلب المستوطنين المعتدلين اليوم ، أننا عدنا إلى أرض إسرائيل التي سادها الخراب والمحل بسبب إهمال من سكنها غيرنا ، وها نحن نعيد اللون الأخضر إليها " .
والنص السابق نقرؤه في رواية هرتسل المذكورة ١٩٠٢ ، وفي رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ .
والحروب هي الحروب منذ ١٩٢٩ حتى الآن .
٥
" لم يبق للقدس إلا من صمد فيها "
تتمحور الرواية حول القدس والاستيطان ، وتركز على مأساة سكان الشيخ جراح في المدينة ، حيث نظر إليهم على أنهم سكان مستأجرون محميون لا سكان مالكون ، وعليه لا يحق لهم إجراء أية تغييرات في السكن ، وأي هدم أو بناء كفيل بطردهم من بيت الآباء والأجداد .
يغدو حي الشيخ جراح حي سكن مختلط لكلا الطرفين ، فبعد الحيلة والتزوير والغش والخداع والإغراء تتمكن عائلات يهودية من الإقامة في الحي ، وتعمل على التضييق على من تبقى من سكان فلسطينيين ، وهكذا يسود جو من العداء .
تقنع حورية زوجها نبيه بالذهاب معها إلى رام الله واطلاع المسؤولين على أوضاع سكان الحي المقدسيين علهم يقدمون لهم مساعدة ، ولكن دون جدوى ، فلا اذن سمعت ولا رسالة وصلت ولا أحد يمون إلا الرئيس الوحيد الأوحد .
يتوصل نبيه إلى الرأي الآتي :
" لم يبق للقدس إلا من صمد فيها " .
في العام ١٩٧٩ كتب أكرم هنية قصته " بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل " وأتى فيها على تهويد المدينة . يصحو المقدسيون ذات صباح فلا يجدون الصخرة " الصخرة انسرقت " ويفكرون فيما سيفعلون . يتكئون على الدول العربية وحكامها علهم ينقذون المدينة ويقفون أمام تهويدها ، ولكن عبثا .
تنتهي القصة بتوجه سكان القدس للنوم في رحاب الحرم ليدافعوا هم لا غيرهم عن مقدساتهم .
هل اختلفت قصتي التي كتبتها في العام ١٩٨٦ " تلك القدس .. ذلك السبت " أو قصص وروايات كتاب مدينة القدس .
والآن بعض أهل قطاع غزة يرددون بأنه يبدو أن على كل منطقة أن تخلع شوكها بيدها . لقد شعروا بالخذلان وصاروا يعيرون أهل القدس بالشعار الذي رفعوه يوم مشكلة الشيخ جراح :
- وين صواريخك يا قسام ؟
و
- منشان الله ياللاه .
( ٣ و ٤ / ١٢ / ٢٠٢٤)
٦
روايات مقدسية عن القدس :
عارف الحسيني وروايته الثالثة " نص اشكنازي " بضم النون - أي نصف اشكنازي ( ٢٠٢٤ ) ، فأم اليهودي ( إتسفيكا ) ، وهو الشخصية اليهودية الرئيسة ، هي يهودية من الأشكناز فيما أبوه يهودي عراقي ، و ( إتسفيكا ) يكره العرب .
الرواية هي الجزء الثالث من روايته الوحيدة " كافر سبت " ( ٢٠١٢ ) و " حرام نسبي " ( ٢٠١٧ ) .
يصل نبيه الشخصية الفلسطينية المقدسية الرئيسة في الثلاثية إلى الرأي الآتي :
بذلك اتخذ شكلا اجتماعيا شخصيا ولم ينتبهوا إلى تغير الحال ، وخطر قرب المعتدي المتعالي على المعتدى عليه الواعي ، استمر المستوطنون بالتمادي غير آبهين بالخطر الذي يحدق بهم عندما يعرف المظلوم مواعيد نوم الظالم وعدد أبنائه وأسماءهم ومشاكلهم وطبيعة علاقاتهم الأسرية ونقاط ضعفهم كبشر ."
ويعقد نبيه الأمل على الجيل الجديد الفلسطيني في القدس لكسب الصراع بخاصة بعد انهيار المنظومة الفصائلية ، فقد " أصبحت مقاومة المحتل شخصية وليست حالة جمعية " .
تنتهي الرواية نهاية تفاؤلية فحين تسأله حورية :
- وشو راح يصير ؟
يجيب بدون تردد :
- ولا إشي .. ويمكن مش ع زماننا ، وأكيد لازم نقبل ونتصالح مع حقيقة إنو القضية مطولة ، وإحنا بنبني لغيرنا ، وغيرنا راح يبني للي بعده ، بس بالآخر لن يكون إلا ما نريد يا حورية . " .
الرواية التي صدرت في ٢٠٢٤ لم تأت على ٧ أكتوبر - طوفان الأقصى ، وبالتالي لم تصف حال المقدسيين المتمثل بصمتهم في العام الأخير .
قبل يومين كتب خالد الغول. Khaled Elghoul l فقرة عن الشعارات التي تغنى بها الأدباء وتساءل عن مدى واقعيتها وماذا يقول أصحابها الآن فيها .
طوفان الأقصى سيفجر نقاشات طويلة كثيرة حول كل ما كتبه الأدباء الفلسطينيون ومرة تساءلت عن هذا وكتبت مقالا عنوانه " بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " وقلت إن نصوص الأدب الفلسطيني تتصارع في رأسي .
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤
عادل الأسطة
في روايته الأولى "كافر سبت" (2012) يكتب عارف الحسيني تقديماً يأتي فيه على روايته من حيث المكان والأسلوب.
الرواية محاولة أدبية لسرد حكايات بسيطة ترتبط بأمكنة وأزمنة مقدسية وفلسطينية بامتياز، وهي رواية تقوم على المفارقة، مفارقات بطلها نبيه بامتياز أيضاً.
يمتد الزمن الروائي للرواية من أوساط 80 ق20 حتى بداية الألفية الثالثة.
وتشكل الرواية الجزء الأول من ثلاثية يعكف عليها عارف، وقد أصدر بداية هذا العام الجزء الثاني منها تحت عنوان "حرام نسبي".
وما دامت الرواية تشكل الجزء الثاني من "كافر سبت" فإن سؤال المكان يظل هو هو، وإن سمة المفارقة أيضاً تظل هي هي، بل ويمكن القول إن حضور الآخر اليهودي في الرواية لم يتراجع، فاليهود، في "حرام نسبي" كما هم في "كافر سبت" لهم حضور لافت، من بداية الرواية حتى نهايتها، ويكاد يتوازى حضور الفلسطينيين والإسرائيليين في الرواية توازي حضورهم في أرض الواقع، في البلدة القديمة، إلاّ في جانب الحضور اللغوي، فالرواية: سردها وحوارها بالعربية، إلاّ حيثما اقتضت ضرورة الحوار، إذ تحضر بعض عبارات بالعبرية، وأخرى باللهجة المقدسية، وبالكاد تحضر لغات أخرى أبرزها الإنجليزية.
في "حرام نسبي" يترك عارف الحسيني حورية تقص قصتها، وهكذا تكون هي المؤلف الضمني للرواية.
تدرس حورية الصحافة والإعلام في جامعة بيرزيت، ثم تقرر أن تكتب وتكتب، وتعلمنا بهذا "ربما عليّ أن أكتب وأن لدي من الموهبة ما يكفي لأصبح كاتبة لامعة" (ص175) و"قررت الكتابة" (176) و"سأصبح كاتبة" (179).
ولأن حورية قرأت نوال السعداوي وناقشت رواياتها، فإن قارئ الرواية، حتى قبل أن تقر حورية بقراءة السعداوي، سرعان ما يربط بين أفكار هذه الرواية وأفكار روايات الكاتبة المصرية، بل وبعض كتبها، مثل كتاب "المرأة والجنس"، وتحتل الكتابة عن غشاء البكارة في المجتمع العربي مساحة لا بأس بها في رواية "حرام نسبي"، مثل احتلال ثنائية الذكورة/ الأنوثة، وهي ثنائية لطالما توقف أمامها الدارسون العرب، ومن أبرزهم جورج طرابيشي في كتابه "شرق وغرب، رجولة وأنوثة" دون الواو طبعاً.
إن ثنائية الذكورة/ الأنوثة تبدو محورية في "حرام نسبي" ولم تظهر هكذا في "كافر سبت"، وهنا يثير المرء السؤال الآتي: هل حضور هذه الثنائية في الرواية، هذا الحضور الطاغي، يتوازى وحضورها في الواقع الفلسطيني أم أن الأمر يعود إلى قراءات بطلة الرواية حورية روايات نوال السعداوي؟
"كم أصبحت مولعة بالأدب من بعده! وكم أحببت أن أتقمّص الشخصيات وأُسقطها على حياتي" (ص40) تقول حورية.
لكأن المرء، وهو يقرأ "حرام نسبي" يقرأ حقاً نوال السعداوي، لولا اختلاف المكان الروائي: القدس هنا. وسيلحظ المرء ما هو أكثر: لكأن الشعب العربي، في اختلاف أماكنه، وفي تباعد أزمنته، يعيش التجربة نفسها.
هل ما حدث مع حورية وصديقتها سميرة حدث حقاً في الواقع الفلسطيني أم أنه مستعار من روايات نوال السعداوي وقد أسقطته حورية على أبطالها وتقمّصته في حياتها؟
أما بخصوص تكرار القصة عَبر الزمان، فإن حورية الحفيدة تكرر حكاية حورية الجدة، على الرغم من الفارق الزمني البالغ سبعين عاماً.
تقود ثنائية الذكورة/ الأنوثة إلى ثنائية أخرى هي ثنائية التقدمي/ الرجعي، بل والتقدمي سياسياً المتخلف اجتماعياً.
تقص حورية عن صديقتها سميرة التي يتزوجها مقدسي تعلم في ألمانيا زواجاً تقليدياً، وركز على قضية غشاء البكارة، وتقص أيضاً عن طليقها الذي قاوم الاحتلال ولكنه في النهاية ارتد إلى ما تربّى عليه فآثر امرأة عادية على المرأة المتعلمة العاملة.
هل يستحضر القارئ وهو يتابع الثنائيات السابقة بعض روايات سحر خليفة "عباد الشمس" (1979/ 1980) و"مذكرات امرأة غير واقعية" (1986)؟
وكما تروي "مذكرات امرأة.." المرأة المطلقة التي عانت من الذكور ومن المناضلين تروي حورية التي عانت أيضاً من هؤلاء وهؤلاء.
ولكن ما يميز "حرام نسبي"، مثل "كافر سبت" أنها رواية قدس. وهنا يثير المرء سؤالاً مهماً: هل تختلف الرواية التي يكتبها مقدسي أقام في المدينة عقوداً، وخبر بالتالي حكايات المدينة وعرف عاداتها وتقاليدها وألكن لهجتها وحفظ أمثالها ونشأ في زواريبها، عن تلك الروايات التي كتبها، عن القدس، روائيون كانت صلتهم بالمدينة عابرة أو منقطعة أصلاً؟
ظل السؤال السابق يراودني، وأنا أتتبع رحلة حورية وشخوص الرواية الآخرين، عرباً ويهوداً، وتذكرت قصصاً وروايات كتبها مقدسيون مثل خليل السواحري صاحب "مقهى الباشورة" (1969).
في رواية "حرام نسبي" تحضر القدس التي نعرفها بشوارعها وعادات أهلها ولهجتها وأمثالها كما لم تحضر في روايات وقصص كتبها أدباء عن بعد!!
2017-01-22
عادل الأسطة
٢
القدس في الرواية العربية بين الداخل والخارج
03/12/2019
سأبدأ هذه المداخلة ببعض دعابات حول الصورة وتشكلها، فلعل ذلك يضيء، بشكل مبسط، الفرق بين الكتابة عن القدس من الداخل والكتابة عنها من الخارج.
لما عاد راوي رواية الطيب صالح من لندن سأله أهل قريته عن الإنجليز، فأجابهم بأنهم بشر مثلنا يحبون ويتزوجون ويمرضون. ما قاله الراوي وهو قولٌ صدرَ عن معاشرة الإنجليز يختلف عن الصورة المتخيلة لهم في ذهن سكان القرية.
ولما سافر أحد معارفي إلى ألمانيا لم تستقبله الألمانيات استقبال المرأة الرجل الوحيد على الأرض، فلم يجد أصلاً امرأة في استقباله ليروي ظمأها، وحين تعرف إلى طالبة أدب ألماني أنفق معها وقتاً ولم ينل منها شيئاً، فاستغرب، إذ إن الصورة المتخيلة في ذهنه للمرأة الألمانية والأوروبية مختلفة عما رأى، فقد كان يعتقد أنه ما إن يصل إلى هناك حتى يجد الفتيات يتمايلن عليه.
ثمة اختلاف إذن بين الصورة المتخيلة والصورة الحقيقية، وهذا الاختلاف هو ما لاحظه ثيودور هرتسل منّظر الحركة الصهيونية.
كانت صورة القدس في ذهن هرتسل مستمدة من العهد القديم ومن الأشعار التي كتبها الشعراء اليهود في المنفى عنها، وهي صورة جميلة مشرقة صادرة عن بنية ذهنية متشكلة من قراءات ومن بؤس حياة المنفى ومن علاقتهم بمكان روحي، فلما زار المدينة أصيب بالخيبة، إذ رأى قدساً أخرى. لقد رأى مدينة شوارعها قذرة يكثر فيها المتسولون وينتشر الذباب على الطعام فيها، فتساءل:
- أهذه هي مدينة الآباء والأجداد؟
وحلم هرتسل بإعادة بناء المدينة لتضاهي منطقة الريفيرا في فرنسا وأحياء فيينا الراقية. ما يخلص إليه المرء من خلال تصورات القدس في رواية هرتسل هو أن الصورة المتشكلة، عن بعد ومن خلال القراءات، تختلف عن الصورة المتشكلة من المشاهدة والمعايشة والإقامة في المكان لفترة طويلة.
ما سبق يعيدنا إلى دكارت. لقد هجر هذا الكتب والمدرسة وما تعلمه فيها وأراد أن يعتمد على ما يعيشه ويجربه. أراد ببساطة اختبار الأشياء من خلال معاينتها.
في القرن التاسع عشر درس الناقد الفرنسي هيوبولت تين الشعر الإنجليزي معتمداً على ثلاثة عناصر هي المعيش (البيئة) والمشاهد (العصر) والموروث (العرق). إن ما يشاهده المرء وما يعيشه يترك أثراً في نصوصه.
في العام ١٩٨٢ كتب الفرنسي جان جينيه «أربع ساعات في شاتيلا» عن قرب. كان في بيروت وتسلل صبيحة يوم المجزرة إلى المخيم وكتب، ورأى أن الكتابة من داخل المخيم، عن المحزرة، تختلف اختلافاً كلياً عن الكتابة عنها من باريس اتكاءً على الصورة، فالصورة لا يمكن أن تنقل رائحة الجثث مثلا ً
في الكتابة عن الفرق بين رواية القدس التي تكتب من الداخل وتلك التي تكتب من بعيد -ولكي أقنع كتاباً كباراً- لا بد من استقراء النصوص الروائية وقراءتها قراءة داخلية وملاحظة الاختلافات بينها، فثمة كتاب يصرون على خطأ ما أذهب إليه، وحجتهم أن هناك كتاباً مشهورين؛ عرباً وغير عرب؛ قديماً وحديثاً، كتبوا عن أماكن لم يقيموا فيها ولم يعرفوها إلا من خلال الكتب.
سوف أقرأ أكبر قدر ممكن من الروايات التي أنجزت عن القدس وحصلت عليها، لألاحظ مدى التشابه والاختلاف بينها. إن المنهج الاستقرائي هنا يسعف إلى حد بعيد. وهو ما كان على أية حال. لقد التفت وأنا أقرأ الروايات المتوفرة إلى الآتي:
- صورة المكان وعنصر الوصف ودقته.
- اللغة الروائية واللهجات وأهمها اللهجة المقدسية - أعني التعدد اللساني.
- تصور الذات وتصور الآخر؛ اليهودي وغير اليهودي
فماذا لاحظت؟
لو قارنا بين وصف المكان وحركة الشخصيات فيه، في روايتي عارف الحسيني «كافر سبت» و «حرام نسبي»، وبين وصفه في روايات واسيني الأعرج «سوناتا لأشباح القدس» وعلي بدر «مصابيح أورشليم» وحسن حميد «مدينة الله»، لوجدنا اختلافاً بيناً واضحاً، فعدا عن الدقة في تحديد الأماكن ووصفها هناك حركة الشخصيات فيها.
ولو تتبعنا التعدد اللساني في روايات المقدسيين أبناء القدس مثل عارف الحسيني وعيسى عيسى القواسمي «عازفة الناي» وقارناه بالتعدد اللساني في روايات الأعرج وبدر وحميد للاحظنا أن اللهجة المقدسية تظهر لدى الحسيني ولا نطالعها في روايات الثلاثة المذكورين. مرة استضفت عارف الحسيني في مساق "القدس في الأدب العربي" ليتحدث عن روايتيه وسألته إن كانت هناك لهجة مقدسية خاصة ظهرت في روايته، فأجابني مؤكداً، وضرب لي مثلا ً.
قال لي عارف إن لفظتي "الوشتي" و"شت لي" لفظتان مقدسيتان بامتياز ، ولن تجدهما في روايات غير المقدسيين، وينسحب على اللهجة المقدسية حضور اللغة العبرية التي تجري على لسان الشخصيات دون افتعال، ولا أذكر مثلاً حضور مفردات مقدسية وعبرية فيما كتبه حميد والأعرج. لقد أحصيت في روايتي الحسيني عشرات المفردات العبرية التي كان ورودها عفو الخاطر نتيجة احتكاك الشخصيات المقدسية بالشخصيات اليهودية.
ويبقى حضور شخصية الآخر
إن روايات المقدسيين تحفل بشخصيات يهودية مختلفة عن تلك الشخصيات التي تظهر في روايات كتاب المنفى، ويمكن النظر في روايات القواسمي وجميل السلحوت وعارف الحسيني وعزام توفيق أبو السعود، ومقارنتها بما ورد في روايات كتاب المنفى. في روايات الأولين نقرأ عن هيلدا الألمانية واشتيفاني البريطانية وهنري الإنجليزي والعلاقات التي نشأت بينهم وبين سكان القدس وكيف نشأت وتطورت وإلى أين انتهت. ثمة علاقات حب وزيارات عائلية وسفر إلى بريطانيا وألمانيا. أما في روايات كتاب المنفى لا نحصل على نماذج مشابهة، وإن عثرنا على شخصية ألمانية لدى الأعرج وشخصية روسية لدى حميد فإن حضورها أقل إقناعا. ويمكن قول الشيء نفسه عن الشخصيات اليهودية، والكتابة تطول.
من المداخلة التي أُلقيَت في مؤتمر "القدس في الرواية العربية" الذي عقد في جامعة البترا في الأردن في يومي ١٣ و ١٤ / ١١ / ٢٠١٩.
٣
عارف الحسيني : نص اشكنازي
١
عارف الحسيني والجزء الثالث من روايته " كافر سبت " وعنوانه " نص اشكنازي "
١
" العرب والقانون لا يسيرون معا . هؤلاء هم العرب لا يحترمون أي قانون . يبنون بدون تراخيص ، وهم كالشوكة في المؤخرة ، لا نستطيع العيش معها ، وإن أخرجناها بالقوة ومرة واحدة لا نتمكن من الجلوس لفترة .
انقلب يوناتان كالسلحفاة على ظهره من الضحك ، وكنت دغدغت مشاعر الكره والاستحقار لديه للعرب عن قصد ، لأنني أنتظر ضحكته الصاخبة كضجيج برميل بارود ينفجر "
عارف الحسيني في رواية " نص اشكنازي " / نصف اشكنازي ، والمتكلم هو ايتسفيكا الاشكنازي من جهة الأم والعراقي من جهة الأب والمتزوج من رونيت الاشكنازية ولا يريد أن يعرف أحد أن والده يهودي عربي قدم من العراق .
" فقد أمضيت حياتي متنكرا لأصل أبي العربي العراقي ، وكنت أتجاهل ذلك الحديث أمام الناس - وطبعا سأبقى كذلك - كنت أخجل من حرفي الحاء والعين في حديث أبي للعبرية بلهجة شرقية "
" فتوبخني أمي وتلعن الجينات العراقية التي ورثتها عن أبي ... فعدت سريعا إلى نصفي الذي أعتد به ، ويبطل ما دونه النصف الاشكنازي الأبيض ، لأن من أمه اشكنازية فهو كذلك !
وسرعان ما نجحت بتجاهل ذلك الشعور الطاريء بالفخر بأبي ولغته " .
لا أعرف إن كان عارف الحسيني Aref F. Husseini قرأ رواية الكاتب الإسرائيلي ( يورام كانيوك ) " عربي طيب " ، وقد دار حولها جدل وكتب عنها محمود درويش وسميح القاسم في كتاب " الرسائل " .
٢
حول تهويد القدس :
قبل يومين كتبت تحت عنوان " أرقام فلكية لمن يبيع أرضه " .
تفاعل كثيرون ممن قرأوا المنشور معه وقسم منهم عقب عليه وأدلى فيه بدلوه ، وقليلون كتبوا لي على الخاص يفصحون عن أمور شخصية تفصح عما كتبوا أكثر .
ممن تناولوا موضوع تهويد القدس في رواياتهم قسم من أبناء المدينة ، ومن أبنائها في المنفى ليلى الأطرش الساحورية في روايتها " ترانيم الغواية " وقد كتبت عن القدس فيها مقالين أتيت فيهما على بيع العقار .
الخوف من تهويد القدس والكتابة في الموضوع قرأنا قليلا منه في قصص المرحوم خليل السواحري وكثيرا في كتابات محمود شقير .
من وجهة نظري فإن كتابات عارف الحسيني هي الأكثر غوصا في التفاصيل ، بخاصة فيم يخص القدس المدينة . من كافر سبت إلى حرام نسبي فالجزء الثالث الأخير " نص اشكنازي " الصادر في هذا العام .
لمن يرغب في أن يقرأ عن حياة المقدسيين في البلدة القديمة من القدس وحي الشيخ جراح وعلاقة الفلسطينيين باليهود المستوطنين ، فعليه أن يقرأ الثلاثية التي سيجد فيها كتابة لن يجدها إطلاقا في كتابات الذين كتبوا عن القدس من خارج فلسطين المحتلة .
ومن يرغب في أن يقرأ عن تصورات الذات لذاتها ولآخرها وتصور المتصور أيضا فالرواية تقدم له مادة ثرية . قد لا تكون جديدة كل الجدة ، ولكنها ترصد هذه التصورات في العقود الأربعة الأخيرة .
لمن ليس لديه الوقت الكافي بخصوص الأرض والمدينة وتهويدها أقترح عليه قراءة الفصلين الرابع والخامس .
عارف الحسيني هو ابن القدس القاريء للأدبيات الصهيونية العبرية بلغتها والمتابع الجيد لما يلم بمدينته ويحيط بها .
ما كتبته هو اجتهاد وليس كلاما مقدسا .
٣
موظفو السلطة الفلسطينية بعد إنشائها .
" أصبحت وزوجي نبيه الذي تأمل خيرا بالكلام الجميل نقابل في كل لقاء نوعين من المسؤولين ؛
إما أن يكونوا من المناضلين السابقين الطاعنين بالسن الذين يطمروننا بنوستالجيا الثورة ويبدؤون بسرد ذكرياتهم عن القدس في سبعينيات القرن الماضي ، والانتفاضة الأولى والثانية ، والتاريخ الثوري الجميل ، فيضيع وقت اللقاء بالحديث العام والمشاعر الجياشة ، وينتهي بأن مدير المكتب سوف يتابع الموضوع حسب الإجراءات والقنوات الرسمية
أو
فئة جديدة شابة من المسؤولين ثم اختبارهم بعناية شديدة ، كيلا يفعلوا أي شيء يغضب أي احد ، يحترفون الشعارات وإبر التخدير المنطقية التي لم نستطع معارضتها بالرغم من أننا نعلم أن هذه الإجراءات سطحية وباردة وليس لها أي أثر على قضيتنا ، ولن توصل لأية نتيجة ، وليس على رأس لسانهم إلا جملة واحدة :
- أكتب لي كتابا ( أي رسالة رسمية ) ووجهلي إياه .
وفي حالات نادرة جدا :
وجدنا هنا أو هناك مسؤولا مختلفا قلبه يحترق لنصرتنا ، وهذا من النوع الذي تم تعيينه بالخطأ ، وسرعان ما تتم محاربته ، أو فجأة تجده تحت سوط الاحتلال ، ولا يجد من ينصره أو يدافع عنه " .
ورد الكلام السابق على لسان حورية زوجة نبيه في الفصل السادس الذي عنوانه ( السيستم " المنظومة " : حورية 2 : الحب يصنع الأمل والحلم يصنع المستقبل )
ونبيه وزوجته حورية من سكان القدس يقيمان في الشيخ جراح الذي يتعرض للتهويد ، وهي صحفية تكتب المقالات في إحدى صحف رام الله وتثق بالسلطة الفلسطينية وتقنع زوجها نبيه أن يذهب معها لمقابلة المسؤولين علهم يفعلون شيئا يساعد المقدسيين في صمودهم ويحول دون تهويد المدينة المقدسة ، ولكن عبثا !!
كما لو أن الفصل السادس محاضرة عن القدس تحت الاحتلال بعد أوسلو .
ينتقد عارف الحسيني على لسان شخوصه السلطة الفلسطينية ورئيسها الأوحد وينتقد الفصائل الفلسطينية التى صارت عالة على القضية الفلسطينية ، وليس هو أول من ينحو هذا المنحى في الرواية الفلسطينية ، ولكنه هنا يقدم وجهة نظر مقدسية .
" تغيرت سياسة الاحتلال ونحن بقينا كما نحن ، نخون بعضنا البعض ونزايد بالشعارات على الجميع ، ولا نتفق على قيادة ، ولا يعجبنا أحد ، وكل يغني على ليلاه " .
لقد " أصبح كل فلسطيني هدفا يرغب بالتخلص منه . فقد الناس الأمل بالقيادة التي تجمعههم وتوجههم ، ولم يبق لديهم إلا النهوض الفردي ، أملا بأن تتبعه حالة جماعية ، وهذا ما أطلقت أنا عليه اسم انتفاضة الأفراد " يقول نبيه في الفصل الثامن الأخير الذي عنوانه " المستقبل : نبيه 3 :سوف يسعفنا الشعب الأصيل ... دوما " ويضيف :
" -يا حورية ، بعد انهيار المنظومة الفصائلية ، أصبحت مقاومة المحتل حالة شخصية وليست حالة جمعية " .
المقدسيون في الرواية متفائلون ، ولعلني أقارب نهاية رواية عارف الحسيني Aref F. Husseini ونهاية رواية محمود شقير .
٤
الحكاية هي الحكاية منذ ١٢٠ عاما :
تتكون رواية عارف الحسيني " نص اشكنازي " من ثمانية فصول وتقع في ١٥٣ صفحة إذا احتسبناها كلها ، أما إذا غضضنا النظر عن الصفحات الفارغة فتقع في ١٣٥ صفحة ، وهي تتكون من ثمانية فصول يرويها أربعة رواة هم :
- ايتسفيكا ( نصف اشكنازي ) حيث يروي الفصلين ١+ ٤
- نبيه المقدسي ويروي ثلاثة فصول هي ٢و ٥ و ٨
- حورية زوجة نبيه وتروي الفصلين ٣ و ٦
- رونيت الاشكنازية وتروي فصلا واحدا هو ٧ .
والرواية كلها عمل تخيلي يعتمد على الوقائع والكتب أيضا ، وهي تظهر لنا تصور الفلسطيني لنفسه والآخر اليهودي وتصور اليهودي للعرب وتصوره لنفسه . هكذا يمكن أن تدرس الرواية وفق منهج المرايا المتعاكسة ، والصور هذه نقرؤها في الأدبيات الصهيونية والأدبيات العربية منذ كتب ( ثيودور هرتسل ) الأب الروحي للحركة الصهيونية روايته " أرض قديمة جديدة " في العام ١٩٠٢ مرورا بالأدب الصهيوني المكتوب بلغات عديدة منها بالتأكيد العبرية ، وقد لخصها لنا منذ غسان كنفاني دارسون كثر . هل يعني ما سبق أننا نقرأ معادا مكرورا ؟
نعم ولا ، فالرواية الصادرة في ٢٠٢٤ تتناص مع رواية ( هرتسل ) لتشكل مكونا من مكونات " نص اشكنازي " . إنها تحضر بكثافة في الفصل الثالث الذي ترويه حورية ، فوالدها قرأ " أرض قديمة جديدة " وقدم ملخصا له نقرؤه .
ما الجديد إذن ؟
يكمن الجديد في ظهور شخصية المستوطن الجديد الذي يستوطن الضفة الغربية واختلافه عن صهيوني هرتسل . إننا أمام صهيوني امتلك زمام الحكم وهو صهيوني ( جابوتنسكي ) الذي يعد ( بنيامين نتنياهو ) و ( بن غفير ) و ( بتسلوئيل سموترتش ) أبرز ممثلي خطه .
لو قرأنا الفقرة الآتية من الفصل الأول الذي يرويه ( ايتسفيكا ) المنحدر من زواج يهودي عراقي من يهودية بولندية اشكنازية ، فهل نقرؤه لأول مرة ؟
" لقد أعدنا الحياة لأرض إسرائيل . تمتمت بخشوع ، فقد كان اعتقادي السابق كما هو إيمان أغلب المستوطنين المعتدلين اليوم ، أننا عدنا إلى أرض إسرائيل التي سادها الخراب والمحل بسبب إهمال من سكنها غيرنا ، وها نحن نعيد اللون الأخضر إليها " .
والنص السابق نقرؤه في رواية هرتسل المذكورة ١٩٠٢ ، وفي رواية إميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ .
والحروب هي الحروب منذ ١٩٢٩ حتى الآن .
٥
" لم يبق للقدس إلا من صمد فيها "
تتمحور الرواية حول القدس والاستيطان ، وتركز على مأساة سكان الشيخ جراح في المدينة ، حيث نظر إليهم على أنهم سكان مستأجرون محميون لا سكان مالكون ، وعليه لا يحق لهم إجراء أية تغييرات في السكن ، وأي هدم أو بناء كفيل بطردهم من بيت الآباء والأجداد .
يغدو حي الشيخ جراح حي سكن مختلط لكلا الطرفين ، فبعد الحيلة والتزوير والغش والخداع والإغراء تتمكن عائلات يهودية من الإقامة في الحي ، وتعمل على التضييق على من تبقى من سكان فلسطينيين ، وهكذا يسود جو من العداء .
تقنع حورية زوجها نبيه بالذهاب معها إلى رام الله واطلاع المسؤولين على أوضاع سكان الحي المقدسيين علهم يقدمون لهم مساعدة ، ولكن دون جدوى ، فلا اذن سمعت ولا رسالة وصلت ولا أحد يمون إلا الرئيس الوحيد الأوحد .
يتوصل نبيه إلى الرأي الآتي :
" لم يبق للقدس إلا من صمد فيها " .
في العام ١٩٧٩ كتب أكرم هنية قصته " بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل " وأتى فيها على تهويد المدينة . يصحو المقدسيون ذات صباح فلا يجدون الصخرة " الصخرة انسرقت " ويفكرون فيما سيفعلون . يتكئون على الدول العربية وحكامها علهم ينقذون المدينة ويقفون أمام تهويدها ، ولكن عبثا .
تنتهي القصة بتوجه سكان القدس للنوم في رحاب الحرم ليدافعوا هم لا غيرهم عن مقدساتهم .
هل اختلفت قصتي التي كتبتها في العام ١٩٨٦ " تلك القدس .. ذلك السبت " أو قصص وروايات كتاب مدينة القدس .
والآن بعض أهل قطاع غزة يرددون بأنه يبدو أن على كل منطقة أن تخلع شوكها بيدها . لقد شعروا بالخذلان وصاروا يعيرون أهل القدس بالشعار الذي رفعوه يوم مشكلة الشيخ جراح :
- وين صواريخك يا قسام ؟
و
- منشان الله ياللاه .
( ٣ و ٤ / ١٢ / ٢٠٢٤)
٦
روايات مقدسية عن القدس :
عارف الحسيني وروايته الثالثة " نص اشكنازي " بضم النون - أي نصف اشكنازي ( ٢٠٢٤ ) ، فأم اليهودي ( إتسفيكا ) ، وهو الشخصية اليهودية الرئيسة ، هي يهودية من الأشكناز فيما أبوه يهودي عراقي ، و ( إتسفيكا ) يكره العرب .
الرواية هي الجزء الثالث من روايته الوحيدة " كافر سبت " ( ٢٠١٢ ) و " حرام نسبي " ( ٢٠١٧ ) .
يصل نبيه الشخصية الفلسطينية المقدسية الرئيسة في الثلاثية إلى الرأي الآتي :
بذلك اتخذ شكلا اجتماعيا شخصيا ولم ينتبهوا إلى تغير الحال ، وخطر قرب المعتدي المتعالي على المعتدى عليه الواعي ، استمر المستوطنون بالتمادي غير آبهين بالخطر الذي يحدق بهم عندما يعرف المظلوم مواعيد نوم الظالم وعدد أبنائه وأسماءهم ومشاكلهم وطبيعة علاقاتهم الأسرية ونقاط ضعفهم كبشر ."
ويعقد نبيه الأمل على الجيل الجديد الفلسطيني في القدس لكسب الصراع بخاصة بعد انهيار المنظومة الفصائلية ، فقد " أصبحت مقاومة المحتل شخصية وليست حالة جمعية " .
تنتهي الرواية نهاية تفاؤلية فحين تسأله حورية :
- وشو راح يصير ؟
يجيب بدون تردد :
- ولا إشي .. ويمكن مش ع زماننا ، وأكيد لازم نقبل ونتصالح مع حقيقة إنو القضية مطولة ، وإحنا بنبني لغيرنا ، وغيرنا راح يبني للي بعده ، بس بالآخر لن يكون إلا ما نريد يا حورية . " .
الرواية التي صدرت في ٢٠٢٤ لم تأت على ٧ أكتوبر - طوفان الأقصى ، وبالتالي لم تصف حال المقدسيين المتمثل بصمتهم في العام الأخير .
قبل يومين كتب خالد الغول. Khaled Elghoul l فقرة عن الشعارات التي تغنى بها الأدباء وتساءل عن مدى واقعيتها وماذا يقول أصحابها الآن فيها .
طوفان الأقصى سيفجر نقاشات طويلة كثيرة حول كل ما كتبه الأدباء الفلسطينيون ومرة تساءلت عن هذا وكتبت مقالا عنوانه " بين دجاجة الحسيني وخزان كنفاني وخازوق حبيبي " وقلت إن نصوص الأدب الفلسطيني تتصارع في رأسي .
١٥ / ١٠ / ٢٠٢٤
عادل الأسطة