رياض عبد الواحد - راءة وتأويل في قصة (امرأة الهور الغاضبة) للقاص محمد مزيد... الهور بوصفه ذاكرة غاضبة

المقدمة:
ليست (امرأة الهور الغاضبة) قصةً عن امرأة فقدت زوجها فذهبت لتثأر له فحسب؛ فهذا هو المدخل الحكائي المباشر الذي يلتقطه المتلقي منذ اللحظات الأولى، غير أن النص، حين يُقرأ من داخله، يكشف عن شبكة أعمق من العلاقات بين الجسد والذاكرة والمكان والعنف والزمن. فالحدث الظاهر، وهو قتل المرأة للرجل الذي أبلغ عن الهاربين وأدى فعله إلى مقتل سعدان ليس سوى الذروة الخارجية لمسار نفسي وذاكراتي طويل بدأ منذ لحظة موت الزوج، وربما بدأ قبل ذلك بكثير، في ذاكرة الهور نفسه.
إن حداثة هذا النص لا تكمن في موضوع الانتقام وحده، فالانتقام موضوع سردي قديم إنما في الطريقة التي أعاد بها الكاتب توزيع وظائف العناصر الحكائية. فالماء لم يعد خلفيةً جغرافية، والقصب والبردي والصريفة والمشحوف لم تعد مجرد مفردات بيئية، إنها جميعاً تدخل في إنتاج المعنى. كذلك لا يظهر جسد المرأة بوصفه جسداً وصفياً أو جمالياً فقط بل يتحول إلى لغة سرية تتواصل بها الشخصية مع ماضيها ومع خصمها قبل أن يتحول في النهاية إلى أداة فاعلة في صناعة المصير.
من هنا يمكن قراءة القصة بوصفها نصاً عن ذاكرة لا تستطيع الطبيعة أن تغسلها. فالموت حدث في الهور، والأجساد سقطت في مياهه لكن الماء لم يبتلع الذاكرة. بقيت الرصاصة في قلب سعدان، وبقي أثرها في جسد زوجته إلى أن جاءت لحظة الفجر التي تستعيد فيها المرأة قدرتها على الفعل.
إن هذه القراءة تحاول التقاط ما قد يمر على المتلقي من دون أن يتوقف عنده: دلالة الخنجر قبل الجريمة، وظيفة الكلب، رمزية الملح، معنى الخصلة السوداء، دلالة الديرم والكحل، الصريفة بوصفها مسرحاً للذاكرة، المشحوف بوصفه وسيلة عبور بين الأزمنة، والصمت بوصفه بديلاً عن الاعتراف والمحاكمة، فضلاً عن البنية الزمنية غير الخطية التي تجعل الماضي يتحرك داخل الحاضر حتى يصبح الانتقام نوعاً من استعادة الذات.
النصيص بوصفه مفتاحاً تأويلياً:
يحمل نصيص (امرأة الهور الغاضبة) منذ البداية علاقةً ملتبسة بين الشخصية والمكان.
فالمرأة ليست امرأةً تعيش في الهور وحسب إنما تبدو كأنها جزء من تكوينه. إن إضافة (الهور) إلى (امرأة) تجعل المكان جزءاً من هويتها حتى يبدو غضبها امتداداً لغضب المكان.
وبذلك يمكن قراءة النصيص على مستويين:
المرأة غاضبة من أجل سعدان.
لكن على المستوى الأعمق:
الهور نفسه غاضب من الذين جعلوا منه مقبرة.
وهنا يصبح المكان شريكاً في صناعة الحدث، لا مجرد مسرح له.
فالقصب، والماء، والملح، والصريفة، والمشحوف، والبردي ليست موجودة لإثبات محلية القصة فقط إنما تعمل بوصفها علامات سردية تشترك في تشكيل عالمها النفسي.
البداية وبناء الدافع المخفي:
يبدأ النص بوجه المرأة:
(برز وجه المرأة الاربعينية، بلونه الحنطي، وعينيها العسليتين، أشد صرامة، في هذا الفجر، أكثر من أي وقت مضى...)
وهذه بداية دالة لأن السرد لا يبدأ بالحدث، بل يبدأ بالوجه.
ليس الوجه وصفاً جمالياً إنما هو أول سطح تظهر عليه آثار القرار.
ثم تأتي الجملة:
(فلم تنم ليلتها، ليس بسبب الحر الخانق الذي يعصف بالهور، ولا بسبب قبائل البعوض المقبلة من جهة الشرق، ولا بسبب نباح كلبها "عفريت"... بل بسبب آخر.)
هذه من أنجح تقنيات الاستهلال في القصة.
فالكاتب يقدم للمتلقي أسباباً متعددة للأرق:
الحر.
البعوض.
الكلب.
ثم يلغيها دفعة واحدة:
(بل بسبب آخر.)
وهكذا يولد التشويق من حجب الدافع الحقيقي.
و لا يخفي النص الحدث فقط بل يخفي سبب الحدث، وهي درجة أكثر عمقاً في صناعة الغموض.
الخنجر بوصفه استباقاً سردياً:
يظهر الخنجر قبل أن نعرف وظيفته:
(وضعت خنجرها بين طياته، فوخزتها نبالته من ظهرها.)
وهنا يمارس النص نوعاً من الاستباق الرمزي.
فالخنجر ليس أداة قتل في اللحظة التي يظهر فيها ولكنه يحمل الجريمة المقبلة في داخله.
والأهم أن الخنجر (يوخزها) هي قبل أن يطعن الآخر.
وهذه مفارقة دلالية عميقة:
أداة الانتقام تجرح صاحبتها قبل أن تجرح خصمها.
كأن الجريمة المقبلة بدأت داخلها قبل أن تقع خارجها.
فالانتقام هنا ليس فعلاً لحظياً ، إنه ألم متراكم يبحث عن منفذ.
(أنا راشدة) والتحول من النوم إلى الفعل:
حين توقظ المرأة أختها المراهقة، تأتي العبارة:
(أنا راشدة)
قد تبدو هذه الجملة عابرة لكنها تؤدي وظيفة بنيوية مهمة.
الأخت نائمة، والمرأة مستيقظة.
القرية نائمة، والمرأة مستيقظة.
الماضي كله كأنه نائم لكنها جاءت لتوقظه.
من هنا تصبح الجملة علامة على العبور من مرحلة إلى أخرى:
من الطفولة إلى الرشد.
من التردد إلى القرار.
من الحداد إلى الفعل.
من الضحية إلى الفاعل.
ثم تخرج المرأة وحدها.
وكأنها لا تستطيع أن تحمل معها إلى لحظة الانتقام أحداً من عالمها القديم.
الكلب (عفريت) والضمير الذي تتركه وراءها:
ليس الكلب (عفريت) تفصيلاً زائداً،
فالكلب يحاول اللحاق بها لكنها تمنعه:
(فالتفتت إليه غاضبة، نهرته بصوتها الأبَح فشق السكون "ولي".)
إنه الكائن الوحيد الذي يريد أن يرافقها، لكنها ترفض.
ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه شاهداً محتملاً أو ضميراً خارجياً يحاول مرافقة الشخصية إلى المجهول.
والأشد دلالة أن الكاتب وصف عواءه بأنه:
(عواء مستميت للتكاثر فلا مجيب.)
فهذا التفصيل يضع غريزة الحياة والتكاثر في مواجهة غريزة الموت والانتقام.
الكلب يريد استمرار الحياة.
والمرأة ذاهبة إلى إنهاء حياة.
وهذه المفارقة تمتد إلى كامل القصة: فكل شيء فيها يتحرك بين قطبين؛ الحياة والموت، الماء والملح، الحب والقتل، الجسد والذاكرة، الصمت والفعل.
الماء الذي لا يستطيع أن يغسل الذاكرة:
ليس الماء في القصة ماءً محايداً.
إنه أحد أهم الشخصيات الرمزية فيها.
تقول القصة:
(فهي الملوحة نفسها التي أكلت مسامات جسدها الناعم)
الماء هنا ليس مصدراً للحياة فقط بل قوة تدخل الجسد وتترك أثرها.
لكن المفارقة أن المرأة التي تنتمي إلى الماء لا تستطيع أن تستعيد علاقتها الطبيعية به.
لم تغتسل في الهور.
ولم تغتسل في الطشت.
منذ رحيل زوجها.
وهذا يعني أن الحداد لم يكن حالة نفسية فقط إنما صار حالة جسدية.
جسدها نفسه أصبح حاملاً للموت.
والملح الذي يغطيه يمكن قراءته بوصفه استعارة للجرح الذي لم يُغسل.
الأسطورة الشعبية ومحاصرة الجسد الأنثوي:
تتذكر المرأة تحذير أمها:
(الشيطان يدخل في أجساد النساء إذا رآهن يسبحن عاريات)
هذه الجملة الشعبية البسيطة تؤدي وظيفة ثقافية مهمة.
فالطبيعة، التي تبدو في ظاهرها فضاءً مفتوحاً ليست مفتوحة تماماً أمام المرأة.
حتى الماء يخضع لرقابة اجتماعية وأسطورية.
الجسد الأنثوي محاصر بالخوف.
لكن القصة تجعل المرأة تتجاوز هذا الخوف تدريجياً.
إنها في النهاية تستعمل جسدها نفسه في مواجهة الرجل.
وهكذا يتحول الجسد من موضوع للرقابة إلى أداة للفعل.
: سعدان الغائب الحاضر:
لا يظهر سعدان في الحاضر لكنه ربما أكثر الشخصيات حضوراً.
إنه الغائب الذي يحرك كل شيء.
فهو حاضر في:
الخنجر.
المشحوف.
الخصلة السوداء.
الفاجعة.
الثوب الأسود.
الذاكرة.
والرصاصة.
وهذه طريقة سردية مهمة في بناء شخصية غائبة.
فالكاتب لا يحتاج إلى أن يعيد سعدان إلى المشهد جسداً لأن أثره أقوى من حضوره.
لقد مات سعدان لكن موته أصبح شخصيةً داخل القصة.
الخصلة السوداء بوصفها شيفرة سرية:
تقول القصة:
(حرصت الآن على أن تُظهر خصلة من شعرها الأسود، تحت الجرغد)
ثم تعود إلى الماضي:
(حين داعب سعدان خصلتها السوداء خلف القصب والاشنات)
إذن الخصلة ليست مجرد تفصيل جمالي.
إنها ذاكرة جسدية.
سعدان كان يعرف هذه الخصلة.
والآن تجعلها المرأة ظاهرة أمام الرجل الذي ستقتله.
كأنها تدخل إلى الصريفة ومعها صورة المرأة التي كان سعدان يحبها.
فالخصلة تتحول إلى رسالة صامتة:
أنا هي، لكنني لست المرأة نفسها التي عرفتها.
الديرم والكحل واستعادة الأنوثة بوصفها فخاً:
تقول القصة:
(وضعت في الليل، قليلاً من الديرم على شفتيها، وكحلت رمشيها)
وهنا تظهر مفارقة شديدة الذكاء.
امرأة ذاهبة إلى القتل تتزين.
لماذا؟
لأنها تعرف أن الرجل سيقرأ هذا الجسد قراءة مختلفة.
إنها لا تواجهه بالخنجر منذ البداية.
بل تدخل إلى عالم توقعاته.
الديرم والكحل يتحولان من زينة إلى أدوات سردية.
إنهما جزء من الخطة.
الرجل يرى المرأة.
المتلقي يعرف أن المرأة تمثل دوراً.
وهنا يصبح المشهد كله قائماً على سوء القراءة:
هو يقرأ جسدها.
وهي تقرأ ضعفه.
الصريفة بوصفها قبراً للذاكرة الجماعية:
ليست الصريفة المهجورة مكاناً عادياً.
لقد شهدت جريمة سابقة:
(عثرت فيها قوات الأمن والحزب على عدد من الهاربين من جحيم حرب ايران... ولم يرحموهم)
إذن الصريفة تختزن أكثر من موت.
إنها تحمل ذاكرة جماعية.
والمرأة حين تصل إليها لا تصل إلى مكان فقط بل تصل إلى موقع تتقاطع فيه الجرائم القديمة مع جريمتها الشخصية.
وهذا ما يمنح فعلها بعداً يتجاوز الثأر الزوجي.
إن الرجل الذي ستقتله مرتبط بسلسلة من العنف أكبر منه.
إنه جزء من تاريخ دموي لم تستطع العدالة أن تغلقه.
(لم تسأله لماذا أبلغ عن الهاربين):
هذه الجملة من أكثر الجمل أهمية:
فالمرأة لا تبحث عن الحقيقة.
إنها تعرفها.
ولا تبحث عن الاعتراف.
ولا تنتظر الندم.
ولا تريد محاكمة.
لقد أصدرت حكمها مسبقاً.
وهنا تنتقل القصة من فضاء الاستجواب إلى فضاء الفعل.
فلو سألته، لأصبح النص قصة تحقيق.
لكنها لا تسأل.
وهذا الصمت يمنحها قوة.
إنها لا تحتاج إلى أن تسمع اعتراف القاتل لأنها تحمل اعترافاً أعمق في ذاكرتها.
المشحوف بوصفه وسيلة عبور بين الأزمنة:
ليس المشحوف في النص مجرد وسيلة نقل.
إنه أشبه بزورق عبور.
تخرج المرأة من الصريفة.
تعبر الماء.
تصل إلى صريفة أخرى.
لكنها في الحقيقة تعبر من:
الحاضر إلى الماضي.
ومن:
الحداد إلى الانتقام.
ومن:
الضعف إلى الفعل.
ومن:
المرأة المكلومة إلى المرأة الفاعلة.
ولذلك فإن رحلتها في المشحوف هي رحلة داخل الزمن بقدر ما هي رحلة داخل المكان.
الجسد بوصفه لغة سرية:
عندما تدخل المرأة الصريفة لا تتحدث كثيراً.
لكن جسدها يتحدث:
تخلع العباءة.
تخلع حزام البطن.
تظهر ساقيها.
تترك خصلة الشعر.
تضع الديرم.
تستلقي.
وهنا يصبح الجسد لغةً سردية كاملة.
يقرأ الرجل هذه الإشارات بطريقة واحدة.
أما المرأة فتستعملها لغاية أخرى.
هو ينتظر إشباع رغبة.
وهي تنتظر لحظة تنفيذ.
وهكذا يصبح الجسد مسرحاً للخداع.
الرجل ضحية سوء القراءة:
من أجمل ما في المشهد الأخير أن الرجل لا يبدو غبياً.
إنه يرى العلامات كلها.
الفراش معد.
المرأة جاءت وحدها.
زينة المرأة واضحة.
الجسد أمامه.
لكنه يفسر كل هذه العلامات تفسيراً خاطئاً.
وهنا تكمن المفارقة:
هو يظن أنه يملك معرفة بالمشهد، بينما هو أكثر شخص يجهل حقيقته.
إنه يعرف المرأة جسداً لكنه لا يعرفها بوصفها ذاكرة.
ولا يعرف ما حملته معها إلى الصريفة.
ذوبان الملوحة:
تأتي العبارة:
(شعرت أن الملوحة بدأت تذوب، ولم تعد توخزها)
وهي من أجمل مفاتيح النص.
فالملح الذي كان يرمز إلى الألم يبدأ بالذوبان عندما تقترب المرأة من الفعل.
يمكن قراءة ذلك على النحو الآتي:
الملح = الجرح
وخزه = الذاكرة المؤلمة
ذوبانه = اقتراب لحظة الخلاص
لكن هذا الخلاص ليس خلاصاً أخلاقياً أو نهائياً ، إنه فقط توقف مؤقت للألم لأن الشخصية وصلت إلى النقطة التي كانت تنتظرها.
الرصاصة والخنجر؛ انتقال الجرح:
زوجها قتل بالرصاص.
والرجل يقتل بالخنجر.
وهنا يبني النص مقابلة واضحة:
رصاصة في قلب سعدان
مقابل
خنجر في جسد القاتل.
لكن هناك اختلاف مهم.
الرصاصة كانت فعلاً جاء من الخارج.
أما الخنجر فهو فعل إرادي مباشر.
لقد أخذت المرأة أثر الرصاصة من جسد زوجها وحولته إلى فعل بيدها.
وهكذا يتحول الجرح من شيء وقع عليها إلى شيء تفعله هي.
الجملة الأخيرة وإعادة تفسير القصة:
تقول النهاية:
(كما غرزت رصاصاته ذات يوم في قلب سعدان.)
هذه ليست مجرد جملة ختامية.
إنها مفتاح إعادة القراءة.
بعدها يعود المتلقي إلى كل التفاصيل السابقة:
الكحل.
الديرم.
الخصلة.
المشحوف.
الفراش.
الاستلقاء.
الخنجر.
الصمت.
ويكتشف أن كل شيء كان جزءاً من خطة واحدة.
وهنا تحقق النهاية وظيفة سردية مهمة: إنها لا تضيف معلومة فقط بل تعيد تفسير ما قرأناه من قبل.
من الجريمة الفردية إلى العنف التاريخي:
لو كانت القصة مجرد قصة ثأر، لتوقفت عند قتل الرجل.
لكن النص يفتح خلفية حرب إيران والهاربين وقوات الأمن والحزب.
وهنا تظهر سلسلة العنف:
الحرب → الهروب → المطاردة → الإبلاغ → قتل الهاربين → قتل سعدان → موت الزوجة الداخلي → الانتقام.
وبذلك تصبح جريمة المرأة امتداداً لسلسلة أكبر من الجرائم.
إنها لا تستطيع مواجهة الحرب.
ولا تستطيع محاكمة النظام الذي أنتج القتل.
ولا تستطيع إعادة الهاربين.
ولا تستطيع إعادة زوجها.
فتختار الشخص الذي تستطيع الوصول إليه.
وهكذا يصبح الانتقام الشخصي شكلاً من العدالة البديلة في عالم غابت عنه العدالة.
الهور بوصفه أرشيفاً مائياً:
تسقط الأجساد في الهور.
لكن الهور لا ينسى.
وهذه إحدى أجمل الأفكار التي يمكن استخراجها من النص.
فالطبيعة هنا ليست خلفية محايدة للأحداث.
إنها أرشيف للضحايا.
الماء يمحو الأجساد، لكنه لا يمحو الذاكرة.
والقصب يخفي ما حدث، لكنه في الوقت نفسه يحفظ مكان حدوثه.
والصريفة تهدمت، لكنها بقيت شاهداً.
والمشحوف يتحرك فوق المياه التي حملت تاريخاً من الموت.
لهذا يبدو الهور كله كأنه شخصية صامتة في القصة.
الزمن في القصة زمن الذاكرة لا زمن الساعة:
لا تسير القصة في خط زمني مستقيم.
إنها تتحرك بين:
الفجر الحالي.
ليل الأرق.
موت سعدان قبل ستة أشهر.
طفولة المرأة.
ذكرياتها مع سعدان.
حرب إيران.
مقتل الهاربين.
ثم العودة إلى الفجر.
وهذه البنية تجعل الزمن شبيهاً بالذاكرة.
فالذاكرة لا تتحرك من الماضي إلى الحاضر بطريقة مستقيمة.
إنها تقفز.
وتعود.
وتستدعي التفاصيل الصغيرة.
ثم تعيد الحاضر إلى الماضي.
وبذلك يصبح الماضي حاضراً داخل الحاضر.
المرأة لا تنتقم من الرجل فقط؛ إنها تستعيد ذاتها:
ربما هذا هو المستوى الأكثر عمقاً في الشخصية.
بعد موت سعدان فقدت المرأة جزءاً من علاقتها بجسدها وحياتها:
لم تغتسل.
لم تمتطِ المشحوف.
لبست الأسود.
انقطعت عن تفاصيل الحياة الطبيعية.
ثم يأتي هذا الفجر:
تتزين.
تُظهر شعرها.
تمتطي مشحوف سعدان.
تحمل خنجرها.
وتنفذ قرارها.
إذن الانتقام ليس مجرد قتل للآخر.
إنه استعادة للذات.
هي تستعيد قدرتها على الحركة بعد ستة أشهر من الجمود.
الجسد من موضوع للمراقبة إلى أداة للفعل:
في بداية القصة، جسد المرأة محاط بالقيود:
تحذيرات الأم.
الخوف من الشيطان.
الثوب الأسود.
الحداد.
الامتناع عن الاغتسال.
أما في النهاية، فإن الجسد نفسه يتحول إلى أداة.
هي التي تحدد متى يظهر.
وكيف يظهر.
ولمن يظهر.
ولأي غاية.
وهنا يتحول الجسد الأنثوي من موضوع تنظر إليه العيون إلى فاعل يقرر مصير من ينظر إليه.
وهذه نقلة حداثوية مهمة في بناء الشخصية.
هل انتصرت المرأة؟:
السؤال الذي يتركه النص مفتوحاً:
هل انتصرت؟
لقد قتلت الرجل.
لكنها لم تستعد سعدان.
لم تعد الهاربين إلى الحياة.
لم تمحُ الحرب.
لم تغير التاريخ.
ولذلك فإنها حققت القصاص، لكنها لم تحقق بالضرورة الخلاص.
وهذا ما يجعل النهاية أكثر تعقيداً من مجرد نهاية انتقامية سعيدة.
لقد توقّف الألم لحظة.
لكن الذاكرة لا تموت بالضرورة مع القاتل.
الإيقاع السردي بين الوصف والفعل:
تمتلك القصة لغة حسية كثيفة، خصوصاً في استدعاء مفردات البيئة:
الجرغد، المشحوف، الصريفة، الحصران، القصب، البردي، الطحالب، الملوحة، الديرم.
وهذه المفردات تمنح النص هوية مكانية قوية، وتجعل الهور محسوساً لا موصوفاً فقط.
غير أن كثافة التفاصيل في بعض المقاطع تؤدي أحياناً إلى إبطاء الإيقاع لا سيما عندما تتراكم الجمل الطويلة والاسترجاعات داخل اللحظة الواحدة.
وهذا ليس عيباً جوهرياً لأن السرد التأملي يحتمل الامتداد، لكن النص يمكن أن يصبح أكثر قوة لو تغير إيقاعه بوضوح عند الانتقال من الاستدعاء إلى المواجهة.
فكلما اقتربت المرأة من الصريفة، كان من الممكن أن تصبح الجمل أقصر وأكثر توتراً، بحيث ينتقل الإيقاع نفسه من الذاكرة إلى الخطر.
الفراش المعد مسبقاً واحتمال سوء الفهم
من التفاصيل اللافتة:
(كان معداً كما يبدو منذ ساعة)
هذه العبارة تفتح احتمالاً سردياً مهماً.
فالرجل لم يكن ينتظرها بنحو عشوائي
كان هناك استعداد.
وكان يتوقع شيئاً.
لكنه لم يعرف حقيقة ما ينتظره.
وهنا تصبح القصة قائمة على مفارقة معرفية:
الرجل يعتقد أنه يعرف طبيعة اللقاء.
المرأة تعرف أنه لا يعرف.
القارئ يعرف أكثر منهما معاً.
وهذه إحدى آليات التشويق الجيدة في السرد.
الخاتمة:
إن (امرأة الهور الغاضبة) في ظاهرها قصة امرأة فقدت زوجها، وظلت ستة أشهر تحمل جرح موته، ثم خرجت في فجر غامض إلى صريفة مهجورة لتقتل الرجل الذي أسهم في موته. غير أن هذا الحدث، على بساطته الظاهرية، يخفي تحته بنية سردية أكثر اتساعاً؛ فالقصة في جوهرها ليست عن القتل وحده، بل عن الذاكرة حين ترفض أن تموت، وعن الجسد حين يتحول من مكان للألم إلى أداة للفعل، وعن المكان حين يتحول من جغرافيا إلى شاهد.
لقد نجح النص في أن يجعل الهور أكثر من فضاء مكاني، جعله ذاكرة مائية تحتفظ بما سقط فيها من أجساد. وجعل الصريفة أكثر من كوخ مهجور؛ جعلها نقطة تتقاطع فيها ذاكرة الحرب مع ذاكرة المرأة. وجعل المشحوف أكثر من وسيلة عبور؛ جعله واسطةً بين زمنين. أما الخنجر فلم يكن مجرد سلاح، بل كان الشكل المادي لقرار ظل ينمو في داخل المرأة منذ لحظة موت سعدان.
واللافت أن القصة لا تمنح المرأة خطاباً طويلاً تشرح فيه غضبها. إنها لا تعلن موقفها ولا تستجدي تعاطف المتلقي ، إنها تصمت ثم تفعل. وهذا الصمت هو أحد مصادر قوتها السردية.
كما أن الكاتب لا يجعل الانتقام حدثاً خارجياً منفصلاً عن جسد الشخصية، فالحداد يدخل جسدها، والملح يلسع مسامها، والماء يصبح جزءاً من ذاكرتها، والزينة تتحول إلى قناع، والخصلة السوداء تصبح شيفرة، ثم يتحول الخنجر إلى امتداد ليدها. وهكذا تتوحد الطبيعة والجسد والذاكرة والفعل في لحظة واحدة.
ولعل أكثر ما يميز النهاية أنها لا تقدم خلاصاً كاملاً. فالرجل يموت، لكن سعدان لا يعود. والرصاصة تُقابل بالخنجر، لكن الرصاصة لا تُمحى من الذاكرة. والمرأة تنتقل من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، لكنها لا تستطيع أن تعيد الزمن إلى الوراء.
ومن هنا يمكن القول إن النص لا ينتهي عند لحظة قتل الرجل بل عند لحظة استعادة المرأة لحقها في أن تكون فاعلة في مصيرها.
إنها لا تستعيد سعدان ، تستعيد نفسها.
ولا تستعيد الماضي بل تستعيد قدرتها على مواجهته.
ولا تمحو الجريمة، ترفض أن تتركها بلا أثر.
ولهذا فإن الهور، في النهاية، لا يبدو مكاناً تجري فيه الحكاية، بل يبدو كأنه الشاهد الأخير عليها.
الماء يحمل الأسرار.
القصب يخفي الأجساد.
الملح يحفظ الجرح.
الصريفة تحفظ الجريمة.
والمرأة تحفظ سعدان.
ثم يأتي الفجر.
وفي الفجر، حين تبدأ الأشياء المخفية بالظهور، لا يكون الذي ينكشف وجه المرأة وحده، بل ينكشف الماضي كله للحظة واحدة.
ومن هنا تتخذ القصة دلالتها الأعمق:
حين تعجز العدالة عن استعادة الميت، قد تتحول الذاكرة إلى عدالة بديلة؛ وحين يعجز الإنسان عن تغيير الماضي، قد يحاول على الأقل أن يرفض أن يظل ضحيةً له.
وهذا هو السر الذي تخفيه (امرأة الهور الغاضبة) خلف حكاية الثأر، دققت إنها ليست قصة امرأة قتلت رجلاً، بقدر ما هي قصة جرح ظل ستة أشهر يبحث عن جسدٍ آخر كي يخرج من جسدها.



*****



قصة قصيرة
امرأة الهور الغاضبة
برز وجه المرأة الاربعينية، بلونه الحنطي، وعينيها العسليتين، أشد صرامة، في هذا الفجر، أكثر من أي وقت مضى، وهي تلف الجرغد على رأسها. فلم تنم ليلتها، ليس بسبب الحر الخانق الذي يعصف بالهور، ولا بسبب قبائل البعوض المقبلة من جهة الشرق، ولا بسبب نباح كلبها " عفريت " الأسود الذي أزرقت عيناه، من عوائه المستميت للتكاثر فلا مجيب. بل بسبب آخر.
شدت خرقة الحزام السوداء حول خصرها، ووضعت خنجرها بين طياته، فوخزتها نبالته من ظهرها، أرادت أن تخرج متوثبة من الصريفة بثوبها الأسود الوحيد ، الذي لبسته حزنا على فقيدها، الا انها تذكرت، لم تخبر أختها المراهقة النائمة في باحة الصريفة، بخروجها مبكراً في هذا اليوم، وعزمها ركوب مشحوف سعدان زوجها، فلم تمتطه منذ يوم الفاجعة، قبل ستة اشهر والى حد اليوم، دست أصبعها بزند أختها، ففتحت الصبية الجميلة عينيها بصعوبة ، قالت لها " انا راشدة " ثم خرجت. تسير بخطوات ثابتة، رأت عباءة الليل جاثية في الجهة البعيدة من الهور، همّ كلبها " عفريت " اللحاق بها، فالتفتت اليه غاضبة، نهرته بصوتها الابح فشق السكون " ولي " وأشارت بسبابتها الى مكانه المعتاد عند باب الصريفة، عيناها تنغرزان في ملوحة الأرض، وهي تتقدم الى المشحوف، فهي الملوحة نفسها التي أكلت مسامات جسدها الناعم، إذ لم تغتسل في الهور عند الغروب، بعد أن كانت قد حذرتها أمها ذات يوم، بأن الشيطان يدخل في أجساد النساء إذا رآهن تسبحن عاريات ، ولم تغتسل في الطشت، منذ رحيل زوجها الحبيب، قالت لهم قبل أن يأخذوه لغسله وتكفينه،" اريدن أشوف مكان الرصاصة" فمنعها حمواها من جنونها، لكنها رأت الثقب في قلبه بعين بصيرتها ، فلم يهدأ لها بال منذ ذلك اليوم، حتى هذا الفجر .
حرصت الان على أن تُظهر خصلة من شعرها الأسود، تحت الجرغد، أنزلت الخصلة على خدها الترف، مثل علامة، مضى زمن طويل على ذلك اليوم، حين داعب سعدان خصلتها السوداء خلف القصب والاشنات، وهو يبلع ريقه، محاولا لثمها بقبلة، لكنها منعته، بالرغم من انها خطيبته منذ الصغر، وضعت في الليل، قليلا من الديرم على شفتيها، وكحلت رمشيها، بعد أن تأكدت من نوم اختها، كانت تحرص أن تتم عملها، فجرا، قبل بزوغ الشمس ، لأن أصابع الضوء ستكشف وجهها ، ولا تريد أحدا من الصيادين معرفة المكان الذي ستذهب اليه، أستلت مجداف المشحوف المركون بين الحصران،واتجهت الى المياه، رأت موجاتها تتلامع بضوء الفجر ، صعدته ثم جلست منتصبة، ذلك لأن وقوفها سيكشفها ، لا تريد أن يراها أحد ، ضمت ساقيها الى الملوحة بين فخذيها، كانت تشعر بدبيب يوخزها ، وهي تغرز عينيها مصوبة الى المكان البعيد ، قالت له بالامس، سنلتقي هناك عند صريفة ال شعلان المتروكة. تلك الصريفة، التي عثرت فيها قوات الأمن والحزب على عدد من الهاربين من جحيم حرب ايران، وهم كلهم من ابناء قريتها،ولم يرحموهم، تساقطت أجسادهم في الهور العميق، اذ جرى الامر بسرعة،
يتعرج مسارها الان، بسبب كثافة القصب والبردي والطحالب ، تغمض عينيها وتفتحهما، وفي الاغماضة تريد الا يراها أحدا. خارج نواميس القرية الغافية الان، أقتربت من المكان، ولاح لها الرجل واقفاً، منتصباً، عيناه كعيني نسر يلف رأسه باليشماغ الأحمر، متخفياً بين الحصران المسندة الى الجدار ، لما رآها دخل بسرعة الى الصريفة ، ركنت المشحوف، ثم هرع ليساعدها، مد يده، الا انها قفزت بخفة، ولم تمد يدها اليه، دخل قبلها الى الصريفة، خلع دشداشته بسرعة، حلت حزام بطنها والقت به قرب وسادة موضوعة على فراش قديم، كان معداً كما يبدو منذ ساعة، رآى هو الخصلة المتدلية، والديرم على الشفتين، ففهم أن كل شيء يسير كما يرام، فلم تنظر في عينيه، ، تمددت على الفراش، كشفت عن ساقيها، جلس هو على ركبتيه، في تلك اللحظات، شعرت أن الملوحة بدأت تذوب، ولم تعد توخزها، كما حصل في الليل، وها هي عند الفجر، غاب وعيها قليلا، وتمتعت بذوبان الملح، كما غابت عيناه عن رؤية ما تفعله يداها في حزام البطن، قبل أن يلمسها، لم تسأله لماذا أبلغ عن الهاربين، أحكمت قبضتها على الخنجر ، وبسرعة خاطفة، ضربته من جهة خاصرته المكشوفة، فتضرج بالدم، مازالت تمسك بالخنجر، فغرزته بقوة في الأعماق، كما غرزت رصاصاته ذات يوم في قلب سعدان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى