المصطفـى فرحـات - عندمـا تكـون القصيـدة دليــل العارفيـن قـراءة فـي ديـوان "عطفـا علـى خصـر الكمـان"

يقول الشاعر في قصيدة "لست ككل الشعراء" )الخبب(:
- قُلْ للنّاس أنا غيْرُ النّاسِ
ويقول:
-كانَ ومازالَ الشِّعْرُ عَصايَ
إذا قصُرَتْ ساقي
كان الصّاحبَ في الرِّحْلَةِ
كان الزّادَ
المنصت للتجربة الشعرية في ديوان (عطفا على خصر الكمان) للشاعر بوعلام دخيسي، سيلاحظ أنها تنبثق من جذور مركزية ثلاثة تتعالق فيما بينها لتبني علاقة وحدة لا تنفصم، ومنها يتأسس الجذع لينبت أغصانا تتفرع في شتى الاتجاهات لتتنفس الضوء فتنمو فوقها براعم طرية وأوراق، فالثمار بألوان وأشكال ومذاقات متنوعة هي عصارة هذه التجربة.
هذه الجذور الثلاثة هي: الذات والعالم والشعر، وستحاول هذه المقاربة أن تتبع كل واحد منها على حدة لنرى إلى عمقها وتجلياتها ورهاناتها وتفاعلها فيما بينها؛ لتشكل وحدة متكاملة يكون الجامع بينها الرؤيا الشعرية التي تحكم تجربة الشاعر في كليتها.




الجـذر الأول: الذات الشاعـرة في علاقتهـا بنفسـها
تكررت لفظة "شاعر / شعراء" (9 مرات)؛ حضورها شبه الباهت يفسره تواتر مفردات أخرى مرتبطة بها كالشعر والحرف والكلمة... كما سنرى في الجذر الثالث، وكأن الشاعر يلغي الذات الشاعرة ويعلي من قيمة الشعر، وهذا منطقي إذا ما اعتبرنا أن المقول هو الذي يدل على القائل وليس العكس. (ليس كل من نطق مجازا أو تشبيها أو استعارة هو شاعر(.
تعيش الذات الشاعرة في الديوان بأبعاد متعددة، منها ما هو باطني / جواني، ومنها ما هو خارجي / براني. سنلقي الضوء على البعد الأول مؤجلين الحديث عن البعد الثاني لارتباطه بتجربة الجذر الثاني في هذه المقاربة، وسنركز على ثلاث حالات وجودية تحيا فيها، وهي:
الحالـة الأولى: الاغتــراب
يعتبر الاغتراب ظاهرة عامة في الشعر العربي الحديث، ولكن يبقى كل شاعر يحمل غربته الخاصة به، ويعبر عنها بأسلوبه الخاص. تبدو ذات الشاعر في حالة اغتراب مضاعف: الاغتراب عن ذاتها، والاغتراب عن عالمها، وهو ما يدفعها إلى البحث المستمر عن هويتها المفقودة والضائعة، يقول في قصيدة "صوت الغياب")الكامل(:
ما زلتُ أبحَثُ في الحروفِ
لعلَّني أجِدُ الدّليلَ
على وُجودي المُنْكَرِ
يتضاعف الإحساس بالغياب عندما تفقد هذه الذات بوصلة الزمن لتصبح كل الأزمنة زمنا واحدا سرمديا يمتد بلا بداية ولا نهاية، بل يفقد هو الآخر كينونته ليصير اللازمان. إنه رغبة الذات المحبطة في الخلود وتطلعها إلى الأبدية، يقول في قصيدة "ربما" )المتدارك(:
لستُ مِنْ زمني...
رُبَّما!
أو بلا زَمَنٍ... ربَّما!
ربّما أخطَأَ القلبُ دَوْرَتَهُ...
دَقَّ في غَيْرِ مَوْعِدِهِ
ربّما...!
الحالـة الثانيـة: الحــزن
هذه المراوحة بين الكينونة في الوجود واللاوجود هي ما يؤجج احتراق الشاعر وحيرته واغترابه، ويولّد لديه الشعور بلا معنى هذه الكينونة. وإن شاءت أن يكون لها معنى، فهو اليأس والضياع، وبالتالي تحمل الألم. عبر الشاعر عن هذا الوضع المأساوي بمفردات تؤشر على تأصله في ذاته مثل الحزن (16 مرة)، والدمع (16 مرة)، والبكاء (4 مرات)... ليتعمق الإحساس بالجرح والمعاناة، في حين تحضر المفردات الدالة على الأمل بنسبة أقل، منها: الماء (7 مرات)، والريح (مرتين)، والنهر والنبت والزهر... ليبقى الخلاص بعيدا قد يأتي أو لا يأتي. يقول الشاعر في قصيدة "لي من الحزن ما يكفي" )الطويل(:
... لا مَوانِعَ عِنْدهُ
سأكتبُ شِعري بالدّموعِ...
إن إرادة الألم ومكابدته هي خاصية الصوفي، ففيها يتحقق مراده، وتلك مأساة العارفين.
الحالـة الثالثـة: العشــق
الحب ناقة الشعراء والمحبين لله، به يقطعون فيافي الذات عندما تعوي فيها رياح القحط والجدب والبوار... وحده العشق من يمنح لهذه الذات إمكانية تجاوز محنها: محنة الهوية والكينونة والمعرفة الناقصة لتصل إلى منابع المعشوق، تروي شغفها وشوقها، وتتعرف على نفسها فتتصالح معها وعالمها، وتتجاوز جهلها وتزول حيرتها وقلقها. تتكرر ألفاظ بعينيها للدلالة على هذا الشغف مثل: "الشوق" (10مرات)، و"الفؤاد / القلب" (11مرة)، و"الحب / المحبة" (14مرة)، و"الهوى" (6مرات)؛ إضافة إلى مفردات لها ارتباط بنفس الحقل الدلالي كالعشق والغرام... إنه الحنين للقاء المحبوب والتوحد معه. يقول الشاعر في قصيدة "هامش الأشياء" )الكامل(:
... الحبُّ، قال الفيلسوفُ
- وقد تَقَدَّمَ سِنُّهُ في العِلْمِ -
خارِطَةُ النَّجاةْ.
إن الشاعر يعلي من مشاعر المحبة والعشق باعتبارها أرقى أنواع العواطف التي تشكل العلاقة بين الحبيب والمحبوب، وكلما كان هذا الأخير بعيدا كلما تأججت هذه العواطف، إنها تقوم على المفارقة والاغتراب.
الجذر الثاني: عالـم / عوالـم الذات الشاعـرة
قد نفعل الممكن والمستحيل لننجو ونحقق الخلاص لأنفسنا من عالم يشعرنا بأننا لا ننتمي إليه فنحترق بعزلتنا ونتحملها على مضض، لكن العالم لا يأبه بمعاناتنا، إنه يلاحقنا ويطاردنا ويقتحم علينا خلوتنا. وقد تصفرّ صورة الخارج وتبهت، لكنها سرعان ما تستعيد نضارتها وألوانها الفاقعة. والشاعر لم يستطع أن يتخلص من الخارج فتتردد مفردات تدل عليه كـ "الأرض" (6 مرات)، و"الوطن" (10 مرات)، و"الطير" (8 مرات)، و"الحجر / الصخر" (6 مرات)، إضافة إلى موجودات أخرى كالشمس والبدر والزهر والنور... هذا الخارج يحضر ليعمق معاناة الشاعر، يقول في قصيدةٍ معلنا التزامه بقضايا أمته )الخبب(:
سأُصَرِّحُ بالمُمْتَلكاتِ فلا تعْجَلْ
وسأكتُبُ: "وَطَني"
يا سارِقَ وطني...
وسَتَخْجَلْ
ويحضر الخارج كمعالم وظواهر تدعو للتأمل فيها باعتبارها مؤشرات ودوالَّ؛ تحيل على حقائق خفية يسعى الشاعر إلى استجلائها فيرتدي عباءة الصوفي ليسأل ويتساءل في ما وراء المرئي، ليقينه أنها تتضمن في جوهرها بذور حقائق الوجود الكبرى، التي تنكشف للعارفين الذين يملكون المعرفة الصحيحة والرؤيا الذكية الثاقبة. وهكذا يرى الشاعر أن للماء لسانا وللصخر ذاكرة وللأرض قدمين ولليل قلبا وللغيم عينا... يقول في قصيدة "هامش الأسماء" )الكامل(:
الأرضُ أوَّلُ مَنْ مَشَتْ
)...(
الشّمسُ أوَّلُ مَنْ صَحَتْ
)...(
الحُلمُ أكبَرُ كاذبٍ
)...(
أصَمُّ هذا الصَّخْرُ
لكنْ كيْفَ يَحْفَظُ للحَضاراتِ الّتي عَبَرَتْ
تفاصيلَ الكلامْ
إن الأشياء والظواهر المرئية من زاوية رؤيا ومنظور الشاعر لا قيمة لها في حد ذاتها، بل قيمتها في ما تمثله من رموز وإشارات ودوالّ تشير إلى معاني رمزية تشكل جوهر الوجود.
الجـذر الثالـث: الشعـر والذات الشاعـرة
تتكرر المفردات المرتبطة بالشعر على امتداد التجربة الشعرية، إن لم تكن جوهرها، وبنسب متفاوتة؛ فنجد"الكلمات / الكلام / القول" (11 مرة)، و"اللحن / القافية" (9 مرات). كما وظفت كلمات في نفس المنحى: "النظم" و"البيت" و"الشطر" و"القريض" و"النص" (مرة واحدة). وتبقى المفردات الأكثر هيمنة هي: "الشاعر / الشعراء" (9 مرات)، و"الحروف" (23 مرة)، و"الشعر / أشعار" (54 مرة)... هذا التواشج بين الشعر والذات يعكس حجم تعلقها بالقصيدة، ويؤشر على ارتباط وجودهما معا؛ فتحقق كينونة الذات واكتمال معرفتها لا يكون إلا بالشعر وفي الشعر، وبالتالي لا معنى لاعتبار الشعر مجرد "كلام موزون ومقفى وله معنى" بل هو طريق المعرفة التي تدلنا على الحقائق الباطنية، بفعل التخييل والمكابدة نتوصل إليها، وبفعل الإيقاع والصورة الشعرية نعبر عنها؛ فبالشعر تصبح هذه المعرفة مرئية وقابلة للإدراك عبر حواس غير تلك التي تعودنا أن ندرك بها ذواتنا وعالمنا، يقول في قصيدة "صوت الغياب" )الكامل(:
ما زلتُ أبحثُ في الحروفِ
لعلَّني أجِدُ الدَّليلَ
على وُجودي المُنْكَرِ
والشعر كتاب الشاعر المقدس الذي يتلوه ويقرأ فيه صلواته، ويمده بالطاقة الروحية لتجاوز محنه؛ وكما رافقه في حياته وكان السند والنور الذي أضاء ويضيء له عتمات الوجود، فأمنيته أن يرافقه وهو يغادر هذا الوجود، يقول في قصيدة "ألم أقل لكم...؟" )البسيط(:
ببالغِ الحـزنِ أُنْهي أنّني مِتُّ
وأنَّ دَفْني غدًا، فليُخْبَرِ الصّمتُ


وليُقْرَإ الشِّعرُ ترتيلًا على جَسدي
بما تيَسَّرَ، يَكفي القارئَ البيتُ


وليُتَّخَذْ كفنًا هذا الغلافُ على
ديوانِ شِعري وعُنواني الّذي كنتُ



كلمـة حول الشكـل:
المضامين التي شكلت بؤرة التجربة الشعرية كان لا بد لها أن تتمظهر في أشكال معينة، وهي ما نسميها عادة بالظواهر الفنية التي ساهمت في بناء دلالات النص وجمالياته. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى جملة من هذه الظواهر التي طبعت التجربة الشعرية، وهي:
1 ــ تبني الشاعر لقصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية بشكل مستقل أو المزاوجة بينهما في نص واحد، كما هو الشأن في قصيدة "ألم أقل لكم...؟"، وهو دليل على قدرة الشاعر على تنويع إيقاعاته الخارجية بحسب ما تقتضيه التجربة الشعرية. كما أن تعايش الأشكال (الحداثي والتقليدي) تجعل هذه التجربة مرتبطة بالأصول ومنفتحة على الجديد.
2 ــ من المظاهر الفنية المثيرة للاهتمام ظاهرة التناص؛ فالشاعر يثري التجربة الشعرية من خلال استحضار نصوص تراثية تحيل على الشعر والدين والتاريخ والأسطورة، وترتبط بتجربة الاغتراب والنفي والحياة والموت والوجود.. ونذكر على سبيل التمثيل لا الحصر:
-2 أ - توظيف الشعر: جاء في قصيدة "أوراد عيد شاحبة" )الوافر(:
لكُمْ عيدٌ ولا عيدٌ لدَيّا
ولا قُبَلٌ تُصَبِّحُ يا يَدَيَّا


وهو مطلع يذكرنا بمطلع لقصيدة المتنبي، وهو يعيش تجربة الاغتراب في بلاط كافور الإخشيدي بمصر، وهو )البسيط(:
عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجديدُ


لا شك أن تشابه حالتي الشاعرين: النفسية والاجتماعية اقتضت هذا التوافق والانسجام على مستوى الإبداع.
-2 ب - توظيف الأسطورة: في قصيدة "هامش الأسماء"؛ وهي قصيدة تأملية في الحياة والموت / الوجود والعدم، ومحاولة استقصاء البدايات عبر محاورة الظواهر الطبيعية، وهي نفس الوضعية التي وجد فيها جلجامش نفسه وهو يبحث عن عشبة الخلود في مواجهة قدر الموت. وعندما يموت صديقه أنكيدو لم يعرف كيف يواريه الثرى بعد أن تعفنت جثته فكان الغراب دليله، يقول الشاعر )الكامل(:
الطّيْرُ يَخْشى أنْ يُسافِرُ وَحْدَهُ
شَهِدَ الجريمَةَ وَحْدَهُ
أفْتى بِبَطْنِ الأرْضِ للمَوْتى
ورَفْرَفَ عالِيًا
كما وظف الشاعر القصص القرآني كقصة موسى وسليمان وأهل الكهف والنبي يونس... ولا بدّ من الإشارة إلى غنى النص بالجمل والصور المشبعة بالنفس الديني من مثل: (ليلة القدر - لا تختم بالفجر - سبح للقيوم الحي - الآية والكرسي - سافرت بالروح - نحو العرش - تسأله القبور...).
على سبيـل التركيـب:
ديوان (عطفا على خصر الكمان) تجربة شعرية تقدم نفسها بتميز داخل فضاء الشعر العربي عامة والشعر المغربي خاصة، ولتحقق هذا الرهان شقت لها سبلا خاصة على مستوى الشكل والمضمون:
أ- على مستوى المضمون: تحمل رسالة مرتبطة بتجربة روحية عميقة فيها كثير من المعاناة؛ دون أن تنفصل هذه التجربة عن الواقع الذي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال، لأن الإنسان في نهاية الحكاية جسد يشغل حيزا في المكان والزمان، ويرتبط بعلاقات معقدة بينه وبين ذاته ومحيطه الاجتماعي والإنساني والطبيعي والفيزيائي.
ب - على مستوى البناء: زاوج بين الشكلين: الحداثي والتقليدي موظفا إيقاعات ذات بعد روحاني صوفي؛ فهناك إيقاعات خفيفة تحيل على الرقص الصوفي الذي يتخذ الدائرة شكلا للعرض، وبطيئة تدعونا إلى التأمل والسفر للمناطق الخفية في كينونتنا، إضافة إلى انتقاء الألفاظ المشحونة بالإيحاءات الدينية والوجدانية، تبعث الحنين والشوق إلى الماورائيات والحقائق التي تخفي نفسها بعناية...
وقد وفق الشاعر بوعلام دخيسي في كسب رهانه، وهذا ليس بغريب عن شاعر يجمع بين الموهبة والمعرفة والتجربة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى