مصطفى عبدالملك الصميدي - الحرب في اليمن وتداعياتها على جبهة فلسطين

يتصاعد الصراع في المنطقة، وتتعدد الجبهات المحيطة بفلسطين، فيما تستمر حرب الإبادة في غزة ويتسارع تغيير الواقع في الضفة الغربية. في هذا السياق، يجد اليمن نفسه أمام استنزاف داخلي جديد، في الوقت الذي جعلت فيه حكومة صنعاء من دعم فلسطين أحد أبرز مرتكزات موقفها السياسي والعسكري والديني والأخلاقي. ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن المشهد الإقليمي الأوسع؛ فكلما توزعت القوى بين جبهات متعددة، تراجعت قدرتها على تركيز الضغط في مواجهة إسرائيل واتسع هامش الحركة المتاح لها في فلسطين.

لا تحتاج إسرائيل بالضرورة إلى خوض مواجهة مباشرة مع جميع خصومها؛ فقد يكون استنزافهم وتفكيك قدرتهم على التركيز أكثر فاعلية وجدوى. فإيران تواجه ضغوطاً ومواجهات متصاعدة، ولبنان يعيش تحت وطأة التهديد والاستنزاف، واليمن الذي استطاع أن يجعل البحر الأحمر جزءاً من معادلة الضغط على إسرائيل نصرة لغزة يُدفع اليوم إلى معركة تستنزف طاقته في الداخل. وقد لا يعني ذلك أن استحضار هذه الحروب تتحرك وفق تنسيق مركزي واحد، لكن قراءة الأحداث تكشف أن تشتيت القوى المناهضة لإسرائيل يخفف عنها الضغط ويمنحها مساحة أوسع للمناورة.

إن حكومة صنعاء تمثل بالنسبة إلى المشروع الصهيوني مصدر إزعاج لا يمكن تجاهله. فإشغالها بجبهة يمنية داخلية يعني التخطيط لاستنزاف قدرتها وإبعاد جزء من تركيزها عن فلسطين. وهنا ينبغي التفريق بين أن تكون الحرب مصممة مباشرةً لخدمة إسرائيل، وبين أن تكون نتائجها تخدم إسرائيل؛ فالأولى تحتاج إلى أدلة واضحة، أما الثانية فيمكن قراءتها من خلال واقع الأحداث. وعندما تصبح صنعاء منشغلة بمواجهة حكومة المنفى، وتتحول الموارد والطاقات من مواجهة الخارج إلى اقتتال الداخل، فإن المستفيد لا يحتاج إلى أن يطلق رصاصة واحدة؛ لأن خصمه يقوم باستنزاف نفسه بنفسه. وهذه إحدى أخطر صور الحروب: أن تتحول قوة كانت موجهة إلى الخارج إلى طاقة تُستهلك في الداخل.

أما في فلسطين، لا ينتظر الواقع أحداً، فكل يوم يمر في غزة تحت القصف والحصار، وكل يوم يتسع فيه الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية. ما يعني أن إسرائيل تكسب مزيداً من الوقت لإعادة تشكيل الأرض والإنسان والواقع السياسي. لذلك فإن إغراق محور المقاومة في جبهات متعددة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد أحداث منفصلة؛ إذ إن تعدد الجبهات يعني تشتت القوة وتراجع القدرة على التركيز ومنح إسرائيل مجالاً أوسع لتنفيذ أهدافها. لا شك أن النتيجة النهائية قد تصب في مصلحة طرف واحد حتى لو اختلفت دوافع الأطراف الأخرى، لكن أن ينشغل الذين يضغطون على إسرائيل ببعضهم، تصبح إسرائيل أكثر قدرة على الاستفراد بفلسطين.

إن أخطر ما يحدث هو أن تنشغل قوى المنطقة بحروبها البينية، بينما تواصل إسرائيل استثمار الوقت في غزة والضفة الغربية. لذا يجب أن ندرك ببصيرة أن اللوبي الصهيوني لا يعنيه انتصار الحكومة اليمنية التابعة له بقدر ما يعنيه استنزاف حكومة صنعاء وإبعادها عن فلسطين، بعدما كان موقفها المشرف قد أحرج إسرائيل وأذلها وأربك حساباتها. فما تخسره فلسطين حين ينشغل اليمن بنفسه أخطر من مجرد خسارة جبهة؛ إنه خسارة قوةٍ كانت حاضرة بشدة في المواجهة ليس إلا. فإسرائيل هي المستفيد الأول من الحرب ويكفيها أن ننشغل ببعضنا، لأن الوقت الذي تكسبه في فلسطين قد يكون أخطر من أي معركة تكسبها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى