مشهد ماما ويدها تمسك بيدي نخترق زحام المسافرين إلى الصعيد ونحن نتحرك مثلهم بتعجل من أجل اللحاق بالعربات الأخيرة المخصصة لتذاكر الدرجة الثالثة التي أحمل أحداها بصفتي واحدة من تلميذات الصف الثاني الثانوي المسافرات في رحلة مدرسية إلى الأقصر وأسوان هو مشهد مرسوم بوضوح في ذاكرة أول رحلة لي أبيت فيها خارج بيت أسرتي.
وافق أبي حبيبي بثقة وحب لي على أن أشترك في تلك الرحلة المدرسية التي تستدعي المبيت خارج البيت، بل وبعيدا عن المدينة، ووافقت ماما حبيبتي أيضا.
كانت الفرحة تبدو على وجهها وهي تنظر لملامح السعادة على وجهي وأنا أتحدث بلهفة عن ابتهاجي بتحقيق أمنيتي في مشاهدة الآثار الشهيرة في الأقصر وأسوان، لكن فرحتها هذه لا تتنافى مع تعاملها معي كطفلة تقوم بتوصيلها، ليس إلى محطة القطارات فقط، وإنما إلى باب القطار وانتظارها بجواره إلى أن تحرك بي مبتعدا في مشهد لا تنمحي صورتها فيه من خيالي.
أما المشهد الثاني لأمي وعلاقتها بي خلال السفر، فهو مشهد لا يأتيني صورة، وإنما صوت، وذلك عقب سنوات طويلة من المشهد السابق، بعد أن أصبحت صحفية وتكررت أسفاري.
ذلك المشهد كان متعلقا أيضا بالصعيد، إنما ليس من خلال رحلة ترفيهية إلى الأقصر وأسوان، إنما رحلة صحفية غير عادية إلى أسيوط وقرى من حولها. والمثير في ذلك هو توقيت الرحلة بعد اغتيال الرئيس السادات، وما أعقب مقتله بعد يومين من قيام ملثمين باقتحام مديرية الأمن وقسم الشرطة في أسيوط تحت وابل من النيران، حيث سقط قتلى وجرحى من الضباط والجنود. فاقترحت على الأستاذ الفاضل الراحل لويس جريس رئيس تحرير مجلة "صباح الخير" في ذلك الوقت أن أسافر لأنقل الصورة من هناك على الطبيعة، رحب جدا ولفت نظري إلى أنني باعتباري فتاة فمن الممكن أن يفتح لي الناس المتحفظين بيوتهم لأدخل وأتحدث معهم، وبالتالي أتمكن من نقل الرواية غير الرسمية حول ما جرى. وعلى ما أذكر أنني كنت بالفعل الصحفية الوحيدة التي ذهبت إلى هناك، أما الصحفيون الآخرون فكانوا من الرجال.
جمعت المادة الصحفية التي أريدها، وطوال قيامي بعملي كنت أبحث عن تليفون لأطمئن أهلي في القاهرة على أحوالي في هذه المنطقة المتوترة، خاصة في تلك الفترة التي كانت تتوالى فيها الأحداث بما لا يتوقعه أحد.
كان اختراع التليفون المحمول لم يظهر بعد، فكان لا بد من استخدام تليفون أرضي بشرط أن يحمل خاصية الإتصال بين المحافظات وهي خاصية كان يتم استخدامها مقابل إشتراك شهري ويطلق عليها "الترنك".
إلا أنني لم أعثر في مدينة أسيوط على أي تليفون تعمل فيه هذه الخاصية، واستمر بحثي طويلا أملا في العثور على هذا التليفون.
ثم حان موعد لقائي مع اللواء زكي بدر وزير الداخلية الشهير، وكان وقتها مساعد وزير الداخلية للمنطقة الوسطى التي تتضمنها أسيوط.
أجريت حواري معه في المكتب حول تفاصيل ما جرى، إستكمالا لفقرات التحقيق الصحفي الذي جمعت فيه روايات من الناس في الشوارع والبيوت.
وبعد أن إنتهيت من أسئلتي معه قلت له أن عندي سؤال إضافي بعيدا عما جرى وهو أين يمكن أن أعثر في أسيوط على تليفون به خاصية الترنك لأطمئن أهلي، إبتسم وهو ينظر لي، وكنت وقتها في بدايات العشرينات من عمري، وأشار إلى أقرب تليفون اليه ضمن تليفونات أخرى عديدة إلى جواره.
طبعا اتصلت ببيتنا في القاهرة، وبالطبع أخذت أمي تتحدث معي بلهفة وبالتالي كان صوتها مرتفعا مسموعا خارج سماعة التليفون القريب جدا من أذن اللواء زكي بدر.
كعادتها أخذت توصيني بوصايا الأم للإبنة الصغيرة بألا يشغلني العمل عن تناول الطعام، ثم أضافت تنبهني إلى أن آخد بالي من نفسي، قالت لي هذا وهي تكمل بالصوت المرتفع المسموع أنها تؤكد على ذلك لأنها سمعت أن الأمن منهارا في الصعيد.
وافق أبي حبيبي بثقة وحب لي على أن أشترك في تلك الرحلة المدرسية التي تستدعي المبيت خارج البيت، بل وبعيدا عن المدينة، ووافقت ماما حبيبتي أيضا.
كانت الفرحة تبدو على وجهها وهي تنظر لملامح السعادة على وجهي وأنا أتحدث بلهفة عن ابتهاجي بتحقيق أمنيتي في مشاهدة الآثار الشهيرة في الأقصر وأسوان، لكن فرحتها هذه لا تتنافى مع تعاملها معي كطفلة تقوم بتوصيلها، ليس إلى محطة القطارات فقط، وإنما إلى باب القطار وانتظارها بجواره إلى أن تحرك بي مبتعدا في مشهد لا تنمحي صورتها فيه من خيالي.
أما المشهد الثاني لأمي وعلاقتها بي خلال السفر، فهو مشهد لا يأتيني صورة، وإنما صوت، وذلك عقب سنوات طويلة من المشهد السابق، بعد أن أصبحت صحفية وتكررت أسفاري.
ذلك المشهد كان متعلقا أيضا بالصعيد، إنما ليس من خلال رحلة ترفيهية إلى الأقصر وأسوان، إنما رحلة صحفية غير عادية إلى أسيوط وقرى من حولها. والمثير في ذلك هو توقيت الرحلة بعد اغتيال الرئيس السادات، وما أعقب مقتله بعد يومين من قيام ملثمين باقتحام مديرية الأمن وقسم الشرطة في أسيوط تحت وابل من النيران، حيث سقط قتلى وجرحى من الضباط والجنود. فاقترحت على الأستاذ الفاضل الراحل لويس جريس رئيس تحرير مجلة "صباح الخير" في ذلك الوقت أن أسافر لأنقل الصورة من هناك على الطبيعة، رحب جدا ولفت نظري إلى أنني باعتباري فتاة فمن الممكن أن يفتح لي الناس المتحفظين بيوتهم لأدخل وأتحدث معهم، وبالتالي أتمكن من نقل الرواية غير الرسمية حول ما جرى. وعلى ما أذكر أنني كنت بالفعل الصحفية الوحيدة التي ذهبت إلى هناك، أما الصحفيون الآخرون فكانوا من الرجال.
جمعت المادة الصحفية التي أريدها، وطوال قيامي بعملي كنت أبحث عن تليفون لأطمئن أهلي في القاهرة على أحوالي في هذه المنطقة المتوترة، خاصة في تلك الفترة التي كانت تتوالى فيها الأحداث بما لا يتوقعه أحد.
كان اختراع التليفون المحمول لم يظهر بعد، فكان لا بد من استخدام تليفون أرضي بشرط أن يحمل خاصية الإتصال بين المحافظات وهي خاصية كان يتم استخدامها مقابل إشتراك شهري ويطلق عليها "الترنك".
إلا أنني لم أعثر في مدينة أسيوط على أي تليفون تعمل فيه هذه الخاصية، واستمر بحثي طويلا أملا في العثور على هذا التليفون.
ثم حان موعد لقائي مع اللواء زكي بدر وزير الداخلية الشهير، وكان وقتها مساعد وزير الداخلية للمنطقة الوسطى التي تتضمنها أسيوط.
أجريت حواري معه في المكتب حول تفاصيل ما جرى، إستكمالا لفقرات التحقيق الصحفي الذي جمعت فيه روايات من الناس في الشوارع والبيوت.
وبعد أن إنتهيت من أسئلتي معه قلت له أن عندي سؤال إضافي بعيدا عما جرى وهو أين يمكن أن أعثر في أسيوط على تليفون به خاصية الترنك لأطمئن أهلي، إبتسم وهو ينظر لي، وكنت وقتها في بدايات العشرينات من عمري، وأشار إلى أقرب تليفون اليه ضمن تليفونات أخرى عديدة إلى جواره.
طبعا اتصلت ببيتنا في القاهرة، وبالطبع أخذت أمي تتحدث معي بلهفة وبالتالي كان صوتها مرتفعا مسموعا خارج سماعة التليفون القريب جدا من أذن اللواء زكي بدر.
كعادتها أخذت توصيني بوصايا الأم للإبنة الصغيرة بألا يشغلني العمل عن تناول الطعام، ثم أضافت تنبهني إلى أن آخد بالي من نفسي، قالت لي هذا وهي تكمل بالصوت المرتفع المسموع أنها تؤكد على ذلك لأنها سمعت أن الأمن منهارا في الصعيد.