١
أبو نواس :
ما صلتي بأبي نواس ؟
منذ غدوت محاضرا في جامعة النجاح أخذت أدرسه وأدرس أشعاره ، وأذكر أنني درست مساق الشعر العباسي ما بين 1982 و 1984. بعدها أخذت أدرسه في مساق المدخل إلى تذوق النص اﻷدبي ، وغالبا ما اعتمدت على كتاب طه حسين " حديث اﻷربعاء " وكتاب آيليا حاوي " نماذج من النقد اﻷدبي " .
في فترة دراستي البكالوريوس في الجامعة اﻷردنية اشتريت " حديث اﻷربعاء " وكتاب العقاد " الحسن بن هانيء " ولاحظت الفرق في منهجي الدارسين . ولما درست في المانيا وتقدمت لامتحان الدكتوراه فقد اخترت كتاب اﻷستاذية ﻷستاذ ألماني ﻷتقدم به لامتحان ال Arabestik ، وأظن أن مؤلفه هو ( Ewald Wagner ) ، والكتاب ضخم ، وما ساعدني على فهمه أنني كنت دارسا ﻷشعار الشاعر .
حين عدت من ألمانيا وأخذت أدرس مادة مناهج النقد اﻷدبي عدت إلى كتابي العقاد وطه حسين ، وعدت أيضا إلى كتاب كمال أبو ديب " جدلية الخفاء والتجلي " ، وهكذا عرفت كيف يحلل الناقد البنيوي أشعار الشاعر ويدرسها ، وغدوت أمام ثلاثة مناهج مختلفة درست الشاعر ، عدا دراسة الدارس اﻷلماني التي اطلعت عليها .
هل عدت إلى دراسة حسين مروة " دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي " ؟ بالتأكيد .
هل أعرف شيئا عن أبي نواس؟
أنا متخصص في اﻷدب الحديث والنقد الحديث ولي باع في اﻷدب المقارن و ..و ..
٢
أمطار مبكرة :
هذا الصباح في الرابعة والربع فجرا أمطرت . مطر مبكر .
اﻷقصى في أول نشرات اﻷخبار ، ونحن في أيلول وذكرى انتفاضة اﻷقصى على اﻷبواب 28 / 9 / 2000 ويبدو أننا أمام سبع عجاف ، فقد مرت سبع هدوء هادئات .
هل أمطار هذا الفجر هي رحمة الله على شهداء صبرا وشاتيلا .
اليوم ذكرى صبرا وشاتيلا 1982 .
( صبرا هوية عصرنا حتى اﻷبد ) ..
ها هي المذابح في العالم العربي ترتكب .؟!
أمطار مبكرة والعالم العربي بالويل ولا مطر يغسل القلوب .
٣
كتاب جديد :
مع أنني لا أخطط لإصدار كتاب ، إذ أصدرت هذا العام كتاب " اوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني " 2015 ، وهو مجموعة دراسات كتبت في السنوات العشر الأخيرة ، إلا أنني وجدتني أنسق كتابا جديدا عنوانه " أدب العائدين : تساؤلات وقراءات " وهو كتاب يضم 20 مقالة نشرتها في الأيام ، هذا في قسمه الأول ، وأما قسمه الثاني فيضم مقالات كتبتها في سنوات سابقة تناولت فيها /المقالات طبعا / أعمالا شعرية وقصصية ، لكل من محمود درويش وأحمد دحبور وليانة بدر و ..و ....
أعتقد أنني بدأت أفرخ كتبا مثل صديقي الدكتور في الجامعة الأردنية ، وهذه ظاهرة ليست محمودة ، ولكن ماذا سأفعل؟
وكنت أود إدراج مقالات أخرى عن اكرم هنية ومحمود شقير ، ولكنني اكتشفت أنني أدرجتها في كتابي " قراءات في القصة القصيرة الفلسطينية " ( 2011 ) .
بقي لي في الجامعة أربع سنوات ، ولا بأس من إصدار كتابين ثلاثة فيها ، والجامعة تتطلب نشر أبحاث في مجلات ( امباكت فاكتور ) حتى تعيد نصابنا الى تسع ساعات . طيب مقالاتي الصحفية لها مردود إيجابي أفضل بكثير من اكثر أبحاث ( الامباكت فاكتور ) .
جاتنا نيلة تنيلنا يا شيوخ .
٤
ثيودور هرتسل: "أرض قديمة ـ جديدة": هوامش ... ا. د. عادل الأسطة
يونيو 26,2013
قرأ في هذه الأيام الترجمة العربية لرواية بنيامين ثيودور هرتسل (1860ـ1904) "أرض قديمة ـ جديدة". أمعن النظر في الترجمة وفي الصور وفيما آلت إليه أوضاع عرب فلسطين، وفي علاقتنا بالقدس وزيارتنا لها، وأتذكر غسان كنفاني وإميل حبيبي ومحمود درويش، أيضاً. وأتساءل: ماذا لو أعادت دولة إسرائيل الآن طباعة الترجمة، وزينتها، أيضاً، بصور جديدة؟ وماذا لو قرأ بنيامين نتنياهو وقادة دولة إسرائيل الرواية اليوم؟ هل سيمعنون في سياساتهم أم أنهم سيقولون: لقد بالغنا في سياستنا، وابتعدنا عن أفكار أبينا الروحي هرتسل؟ وقد أمعن في تساؤلاتي: ماذا تحقق من أحلام ذلك الشاب اليائس المثقف المحبط بعد مائة وعشر سنوات: (فريردريك ليفنبرغ) وصديقه المسيحي الهارب من زوجته الشابة وابن أخيه، الشاب أيضاً؟
لم يثر مترجم النص إلى العربية أسئلة كتلك التي أثارها كاتب مقدمة الطبعة الألمانية الصادرة في العام 1985 عن دار النشر اليهودية في (athenaum)، وكاتب المقدمة هو يوليوس هـ. شوبس (ص1 ـ ص12). أتى شوبس في المقدمة على سكان فلسطين العرب وموقفهم ـ في الرواية ـ من المشروع الصهيوني، وتوقف أمام ما قاله رشيد بك الإقطاعي العربي للمسيحي كينجز كورت، الذي اندهش من موافقة العرب على المشروع الصهيوني: "هل تعتبر لصاً من لا يأخذ منك، بل يعطيك؟ لقد أثرانا اليهود" لماذا نغضب منهم؟ إنهم يعيشون معنا كإخوة. لماذا ينبغي ألاّ نحبهم؟
والطريف أن ما قاله رشيد بك في الرواية قاله بعض أهل بيروت للفلسطينيين في 30 ق20، حيث غبطوا الفلسطينيين على ما هم فيه، فهم ـ كما كتب إبراهيم طوقان في أشعاره ـ أعني اللبنانيين ـ يرون أن الفلسطينيين يبيعون التراب ويأخذون بدلاً منه الذهب. وأوضح طوقان لأهل بيروت أن التراب هذا وطن، فما أموال اليهود وما كنوزهم؟ ـ هل كنا ذات يوم ـ وما زال قسم منا كذلك ـ حمقى نتغنى بالعمل في مصانع اليهود، وننسى أنهم يعطوننا اللقمة ليأخذوا الرغيف، وذلك حين يعطوننا أجرة مرتفعة ونحن نعمل لديهم؟
واللافت في المقدمة للطبعة الألمانية أن كاتبها شوبس توقف أمام كتّاب يهود رأوا أن الصهيونية لم تولِ موضوع العرب ما يستحقه، وأن أحد أكبر أخطائها أنها تجاهلت العرب في فلسطين ناحوم غولدمان، ونظرت إلى الأمر من منطلق أفكار القرن التاسع عشر التي سادت في أوروبا، ورأت أن الاستعمار الغربي خطوة ضرورية لشعوب آسيا وإفريقيا لكي تقترب هذه من الحضارة الغربية.
لقد أراد هرتسل أن يجعل من الصهيونية نموذجاً للحضارة الغربية في آسيا البربرية، متأثراً بالأفكار الاستعمارية التي سادت في ق19. وقارئ الرواية يلحظ هذا بوضوح. "ليس هناك ما يجذبني أكثر من أوروبا. فالأمران عندي سيّان" (ص56) هكذا يرد فردريك اليهودي على المسيحي كينجز كورت. وحين يزوران فلسطين لأول مرة لا تروق لهما، فهي جزء بائس متخلف من الشرق البائس، وحين تسيطر عليها الحركة الصهيونية، تجعل منها، خلال عشرين عاماً، قطعة من أوروبا، فكل شيء ينجز، ينجز على غرار ما في أوروبا، ويحفل كلام فريدريك بالتشبيهات: تشبيه ما يشاهده من إنجازات في فلسطين بما شاهده في أوروبا. هل من ضرورة لأمثلة؟
هكذا تغدو حيفا بعد عشرين سنة. الملابس فيها أوروبية، كما أن المدينة كانت ذات طابع أوروبي بصورة رئيسة، بل أكثر من هذا، فميناؤها يذكرك بميناء إيطالي كبير و"زرقة السماء والبحر وبهاء الألوان أعادا إلى الأذهان ساحل الريفيرا المبارك بفارق واحد هو أن الأبنية هنا أكثر جدة وأكثر نظافة" (ص60 من الترجمة العربية)، وحين يدهش كينجز كورت من القطار الكهربائي الذي يشاهده في حيفا يجيب فريدريك: "لم تكن مثل هذه القطارات في أوروبا منذ عشرين سنة".
ويستطيع المرء أن يأتي بأمثلة أخرى عديدة من الرواية تشبه ما سبق، واللافت أن بعض التيارات في الحركة الصهيونية لم يرق لها هذا في الرواية، وقد أتى شوبس في مقدمته على هذا الجانب، ورأى النقد الذي وجه إلى تخيلات هرتسل، فالرواية لم تعالج أموراً خاصة بالشعب اليهودي مثل اللغة العبرية والتقاليد اليهودية والأدب العبري. وذلك أن هرتسل نظر في روايته، على لسان شخصيته الرئيسة فريدريك، أن المشروع الصهيوني هو مشروع شركة تجارية كبرى، لا مشروع دولة. "إن كلام ماركوس، رئيس الأكاديميا، هو الذي حملني على هذا التفكير، فقد قال: إننا لسنا دولة، وإنما نحن شركة تعاونية كبرى.." (ص205). وربما يتذكر المرء هنا كتاب محمود درويش "يوميات الحزن العادي" (1973) وما كتبه عن إسرائيل: "إنها ليست دولة لها جيش، بل هي جيش له دولة". وربما تذكر المرء، وهو يقرأ عن ترحيب رشيد بك في الرواية بالمشروع الصهيوني، ربما تذكر درويش ثانية، حين يقول ساخراً:
"وأهنئ الجلاّد منتصراً على عين كحيلة
كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلة،
مرحى لفاتح قرية!.. مرحى لسفّاح الطفولة!.."
حقاً ماذا سيكتب هرتسل لو بعث الآن من قبره وشاهد ما جره مشروعه على سكان فلسطين العرب؟ وشاهد، أيضاً، حدود الدولة العبرية وجدار الفصل العنصري؟
في روايته يرى هرتسل أن القطارات الكهربائية ستصل إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن، أيضاً، ويرسم صورة لتعايش اليهود والمسيحيين واليهود في البلاد في ظل أجواء إنسانية، فالإنسان هو أخو الإنسان. إن كلام بطل الرواية، شحّاذ فيينا وقائد المجتمع الجديد، ديفيد لوتفيك، هو كلام هرتسل نفسه: "فهل تفهمون الآن، أيها الأصدقاء، ما أقصد؟ ليس من الاستقامة والعدل أن نأتي اليوم فنمنع من الاشتراك في منجزاتنا التي حققناها، كلّ إنسان يأتي ويمدّ إلينا يد المساعدة بغض النظر عن دينه وعنصره. ذلك أننا نعتمد على أكتاف شعوب متحضرة أخرى. وكل من يمد إلينا يده وينضم إلينا ويعترف بدستور مجتمعنا، ويأخذ على عاتقه واجبات هذا المجتمع يحق له أن يتمتع بكل حقوقنا. إننا مدينون بالشكر، عن كل مالنا، للذين عملوا قبلنا... إن شعار انتخاباتنا يجب أن يكون من الآن فصاعداً: أيها الإنسان، إنك أخي." (ص119/120)... "من هنا فإن علينا أن نهتف: أيها الإنسان، إنك أخي" و"ولكن لا قيمة لجميع أغراسكم، لأنها ستذبل وتنكمش إذا لم تزدهر بين ظهرانيكم محبة الناس والتسامح وحرية الرأي" (ص120).
هل وصلت القطارات الكهربائية إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن؟ هل تحقق هذا بعد مائة عام وعشرة أعوام أخرى؟ ربما، فالمخيمات الفلسطينية، وصلت منذ بداية، بل وقبل ذلك، 50 ق20 إلى بيروت ودمشق وعمان، بل وإلى بغداد، أيضاً. والتسامح الذي دعا إليه بطل الرواية لوتفيك قاد إلى حروب عديدة وإلى عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف اللاجئين: 1948 و1956 و1967 و1978 و1982 و1987 و2000 و2006 و2008/2009 و... و... و... جدار الفصل العنصري.
ربما يجدر التوقف أمام تصور هرتسل لتعايش الأديان في الدولة/ المشروع، وإلى تجاور أماكن العبادة. حتى اللحظة لم تهدم الدولة العبرية الجوامع، وإن أهملت بعضها، وتحفر تحت بعضها الآخر، لكن من يدري ماذا سيلمّ بالأقصى بعد أعوام، الأقصى الذي غدا الوصول إليه ضرباً من الأماني، مثله مثل القدس نفسها لنا نحن سكان هذه البلاد. هل يتخيل هرتسل أن المدينة التي كنا نزورها شهرياً، ولا أريد أن أقول أسبوعياً، غدت رؤيتها من باب الأمنيات؟
وأنا أقرأ، من جديد، الترجمة العربية لـ "أرض قديمة ـ جديدة" وجدتني أدوّن ملاحظات كثيرة ليس أبسطها: إن طروحات هرتسل تشكل خطوة تقدمية بشكل كبير لسياسات قادة دولة إسرائيل منذ عقود.
٥
غسان كنفاني وثيودور هرتسل: صراع الخطابات ... ا. د. عادل الاسطة
يوليو 08,2013
هل قرأ غسان كنفاني رواية (ثيودور هرتسل): "أرض قديمة ـ جديدة" التي أشار إلى أنها ترجمت إلى العربية، وذلك في كتابه "في الأدب الصهيوني"؟
في روايته "عائد إلى حيفا" يذكر كنفاني من الروايات الصهيونية التي درسها في كتابه، وهي عديدة، يذكر رواية (آرثر كوستلر) "لصوص في الليل" فهذه هي التي قد تكون شكلت لليهودي القادم إلى فلسطين، وهو (ايفرات كوشن)، فكرة عن فلسطين: فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ولكن الواقع كان غير ذلك، فحين وصل (ايفرات) إلى فلسطين وأقام في حيفا شاهد حرباً تجري، فمع من كانت تلك الحرب إن كانت البلاد بلا سكان؟ وسواء أقرأ كنفاني "أرض قديمة ـ جديدة" أم لم يقرأها، فإن الروايات التي درسها كنفاني "اكسودس" و"لصوص في الليل" و"نجمة في الريح" وغيرها، قد خرجت من معطف رواية (هرتسل)، وهكذا يكون خطاب أبطال كنفاني الفلسطينيين في صراع مع خطاب الرواية الصهيونية بشكل عام.
هل أخطأ الدارسون الذين قالوا إن "عائد إلى حيفا" هي رواية أفكار؟ تحفل الرواية عموماً بخطابين متعارضين هما الخطاب الصهيوني والخطاب الفلسطيني الذي يدحضه. وهكذا فإن أعمال كنفاني أعمال تصلح لأن تدرس حين يدرس المرء صراع الخطابات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إن سعيد. س بطل "عائد إلى حيفا" ـ وهو قناع لكنفاني ـ حين يرد على دوف، إنما يمثل الخطاب الفلسطيني في رده على الخطاب الصهيوني.
بل إن ما يقوله سعيد. س لزوجته صفية التي ترى حيفا بعد 1967، بعد غياب 20 سنة عنها، هو في جانب منه دحض للفكرة الصهيونية التي أظهرها (هرتسل) في روايته: فلسطين أرض خربة ومستنقعات وجزء من الشرق البائس، وحين يعود إليها اليهود ستغدو جزءاً من الغرب الحضاري. عشرون سنة تكفي لأن تتحول فلسطين إلى قطعة من أوروبا لا تقل جمالاً وتطوراً عن فرنسا وسويسرا وألمانيا. فماذا قال سعيد. س لزوجته التي أبدت اندهاشها مما رأت؟ "أنت لا ترينها، إنهم يرونها لك".
"لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفوراً، .... ذلك جزء من الحرب. إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقياً. عليكم أن تقبلوا أن تكونا خدماً لنا، معجبين بنا.. ولكن رأيت بنفسك: لم يتغير شيء.. كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير...".
ربما بدا صراع الخطابات في الرواية أوضح أكثر حين يتجادل سعيد. س مع ابنه خلدون الذي غدا دوف، فما قاله الأخير هو ما تعلمه. إنه الفكر الصهيوني مجسداً. غداً تمر الذكرى الحادية والأربعون لاستشهاد كنفاني والصراع هو الصراع. مات (هرتسل) وجاء (نتنياهو)، فهل ثمة فرق بينهما؟ واستشهد كنفاني وما زالت كتابته تقرأ، فماذا كان سيكتب عن الفرق بين (بنيامين ثيودور هرتسل) و(بنيامين نتنياهو) لو بقي حيا؟
2 ـ بنيامين ثيودور هرتسل وبنيامين نتنياهو:
وأنا أقرأ الترجمة العربية لرواية (بنيامين ثيودور هرتسل) الوحيدة "أرض قديمة ـ جديدة (الترجمة العربية 1968، وصدور الرواية بالألمانية 1903) غالباً ما ذهبت إلى أن (هرتسل) أكثر تقدمية من (نتنياهو).
كأنني ألجأ إلى ما لجأ إليه النقاد الماركسيون حين فسروا أعمال (بلزاك) الفرنسي و(كافكا) التشيكي.
كان (بلزاك) ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية (ق19)، وكان في مقالاته السياسية يدافع عنها، وحين كان يكتب رواياته كان يصور حياتها وبيوتها وبذخها وسلوكها وتصرفاتها. وحين كان النقاد الماركسيون يقرؤون رواياته كانوا يرون أنها تفضح تلك الطبقة، وهكذا كانت الروايات ذات محتوى إيجابي تقدمي، قياساً للمواقف السياسية المتخلفة ـ وفق الرؤى النقدية الماركسية.
وكان (كافكا) محبطاً ضجراً سوداوي النظرة إلى الحياة، ولم يحيَ حياة أسرية هادئة، فقد كتب رسالة إلى أبيه يفصح له فيها عن سلوكه الشائن في تعامله معه، إذ فضل أبوه الأخ عليه.
ولم يكن (كافكا) ماركسياً، أيضاً، ليكتب من منطلق ماركسي، فيرى العالم عالمين: العالم الرأسمالي المتغوّل، والعالم الاشتراكي العادل، وحين كتب (كافكا) روايته "أمريكا" وقصته الطويلة "التحول/ المسخ" وغيرها، صوّر بشاعة العلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي، دون موقف مسبق واعٍ. وقد رأى النقاد الماركسيون في أعماله فضحاً للعلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي. هل كان (كافكا) سيذهب معهم ويوافقهم على تفسيرهم لو امتد به العمر حتى مؤتمر (براغ) (1964) حيث قرؤوا أعماله فيها في حقبة الاشتراكية، هو الذي عاش في (براغ) قبل حقبتها الاشتراكية؟
(هرتسل) الذي صور في روايته حياة اليهود في المنفى، ولاحظ أنهم يختلفون فيما بينهم، فثمة يهود فقراء معدمون، وثمة يهود أثرياء، ولاحظ، أيضاً، معاناة اليهود في المجتمعات الأوروبية، حيث اعتبرت كلمة يهودي شتيمة، وحيث منعوا من ممارسة الكثير من المهن، وفضل عليهم غير اليهود، (هرتسل) قرر أن يجد حلاً لمشكلة هؤلاء اليهود في المنفى، وهكذا فكر في تأسيس الدولة اليهودية وإعادة اليهود إلى فلسطين: الأرض القديمة ـ الجديدة، وعمل على هذا. هل أراد (هرتسل) إقامة دولة يهودية؟ ثمة كتاب له عنوانه "الدولة اليهودية"، ويقول العنوان إنه يريد دولة يهودية، لكن ماذا تقول الرواية؟
في فيينا يتعرف (فردريك ليفنبرغ) إلى الطفل اليهودي الشحاذ (ديفيد لوتفيك)، ويزور عائلته في بيتها، فيرى الفقر والبؤس والعوز، وهكذا يتصدق (فردريك) على العائلة ويحسن إليها فيغدو المتبرع المفضال، ويحث العائلة، لاحقا، على الهجرة إلى فلسطين، حيث أرض الآباء والأجداد، وهناك تفيض الأرض لبناً وعسلاً، ويمكن أن تقيم العائلة في بيت صحي، وتكد وتعمل وتعيش من وراء عرقها، لا من إحسان المحسنين وتفضل المتفضلين، وهذا ما يتم، إذ تتغير أحوال هذه العائلة رأساً على قدم، وتغدو عائلة تملك منزلاً صحياً ونظيفاً، لا عائلة تقتسم الغرفة الواحدة مع ثلاث عائلات أخرى، تعاني من تهديد المؤجر بالطرد إذا لم تدفع ما عليها من إيجار.
في منافسة انتخابية بين (ديفيد لوتفيك) وصهيوني آخر هو السيد (غايار)ـ ويكون هذا متعصباً، لا يتحدث (ديفيد) عن دولة يهودية تضطهد الآخرين وتتعالى عليهم وتحتقر دياناتهم وتهدم أماكن عبادتهم. وأرجح أن كلام ديفيد هو كلام (هرتسل) نفسه الذي تأثر بالفلسفات السائدة في القرن التاسع عشر، حيث أملت جهات كثيرة بمجتمع إنساني يحترم فيه الإنسان لكونه إنساناً، لا لديانته. (ديفيد لوتفيك) يرحب بالتعايش مع الآخرين ويستقبل المسيحي (كينغر هوف/ كورت) في بيته، كما يستقبل من أحسن إليه في النمسا: (فريدريك ليفنبرغ)، وفوق هذا يقيم علاقة طيبة مع رشيد بك العربي الذي ينتمي إلى فلسطين.
وتؤكد روح الرواية احترام أماكن العبادة وتعايش الأديان، فالكنيس إلى جانب الكنيسة إلى جانب المسجد، والقطارات الكهربائية التي يجلبها وينشئها المهاجرون اليهود الأوروبيون ستصل إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن، فلا حواجز ولا جدران ولا سياج فصل عنصري. إن ما يرمي إليه أحد المؤسسين هو إقامة شركة تعاونية تعمل لصالح الإنسان، دون النظر إلى دينه.
وأنا أقرأ الترجمة العربية للرواية تذكرت (بنيامين نتنياهو) وإصراره على إقامة دولة يهودية، ودعوته الرئيس أبو مازن للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وتذكرت أننا غير قادرين على الوصول إلى حيفا ويافا والقدس، أيضاً. هل من ضرورة للإشارة إلى جدار الفصل العنصري؟ ولا أدري متى، آخر مرة، قرأ فيها (نتنياهو) الرواية ليرى أن من دعا إلى تأسيس الدولة لم يرد دولة دينية صافية. هل كان (هرتسل) ـ وما زال ـ أكثر تقدمية من رئيس الوزراء السيد بيبي؟
٦
ايميل حبيبي و(ثيودور هرتسل) ..
اغسطس 05,2013
هل قرأ إميل حبيبي رواية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة ـ جديدة" (1903) وكانت روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) في جانب منها تدحض ما ورد في رواية (هرتسل)؟ في إحدى المقابلات التي أجريت مع اميل حبيبي قال إنه كتب روايته رداً على مقولات وزير المعارف الإسرائيلي (آيغال ألون) الذي قال بعد حزيران 1967 إنه ليس هناك عرب في فلسطين، ولو كان هناك فلسطينيون وشعب فلسطيني لكان له أدب، وبالتالي فأفضل برهان على عدم وجود شعب فلسطيني هو عدم وجود أدب له.
في روايته "أرض قديمة ـ جديدة" لم ينكر (هرتسل) وجود عرب في فلسطين، فقد كان هؤلاء حاضرين فيها، ممثلين بشخصية رشيد بك الذي رحب باليهود ونشاطهم ورأى فيه إثراء لأهل البلاد، وسيستغرب رشيد بك هذا من تساؤل المسيحي صديق اليهودي ـ أي من تساؤل (كينجز كورت) صديق (فريدريك ليفنبرغ): ألم يتضرر سكان البلاد من المشروع الصهيوني، وسيقول رشيد بك متسائلاً: كيف تعتبر لصاً من يقدم لك يد المساعدة ومن يعطيك؟ لقد أثرانا اليهود. بل وسيذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول إن اليهود سيجلبون الحضارة والخير العميم لسكان فلسطين. بل إن الرواية تحدثت عن وجود الكنيس إلى جانب الكنيسة إلى جانب الجامع، ودعت إلى تعايش الأديان. هل كانت رواية (هرتسل) أكثر صدقاً من مقولات (آلون)؟ ولكن ما صلة هذا بالعنوان؟
نقلت رواية (هرتسل) إلى العربية في العام 1968 ـ الطبعة التي أملك صورة عنها ـ وإن كان غسان كنفاني أشار إلى أنها نقلت في العام 1962، وصدرت في حيفا عن دار هاينس دويتش فيرلاغ.
وهذا يرجح ترجيحاً كبيراً أن يكون إميل قرأ الترجمة العربية إن لم يكن قرأ الترجمة العبرية للرواية التي كتبت أصلاً بالألمانية.
حفلت الترجمة العربية الصادرة في العام 1968 عن المجلس الأعلى للآداب والفنون التابع لوزارة المعارف والثقافة/ تل أبيب (دار النشر العربي)، وقد ترجمها (منير حداد)، حفلت بصور لفلسطين ولـ (هرتسل) وأفراد عائلته، صور تعود إلى ما قبل بدء المشروع الصهيوني وأخرى إلى ما بعد إقامة دولة إسرائيل، وغالباً ما كانت الصور توضع جنباً إلى جنب ليظهر المترجم والجهة الداعمة الفرق بين ما كانت عليه فلسطين قبل تأسيس دولة إسرائيل، وما غدت عليه بعد تأسيسها، والمترجم والجهة الداعمة يريدان أن يعززا ما ورد في الرواية. فماذا ورد في الرواية؟
يزور اليهودي (فريدريك ليفنبرغ) وصديقه المسيحي (كنجز كورت) فلسطين في بدايات ق19، ويريانها أرضاً جرداء تكثر فيها المستنقعات والملاريا، ويريان مدنها: يافا وحيفا والقدس مدناً بائسة مثل الشرق البائس المتخلف. فأين هذه البلاد ومدنها من سويسرا والريفيرا الفرنسية؟ وأين سكان هذه البلاد الوحوش من الرجل الأوروبي المتحضر؟ ويتخيل (فريدريك ليفنبرغ) فلسطين بعد عشرين عاماً من سيطرة الحركة الصهيونية عليها، يتخيلها وقد غدت قطعة من أوروبا، بل قطعة من الجنة، الشوارع عبدت وسفلتت، والمستنقعات جففت وتحولت إلى أراض زراعية مونعة ومثمرة، والقطارات الكهربائية أخذت تصل بيروت ودمشق وشرق الأردن، وغور الأردن وقد غدا أرضاً خضراء. ويمتاز أفراد الشعب القادم من أوروبا ـ أي الإسرائيليين الأوائل / الرواد / البيونير ـ يمتازون بروح المبادرة، حتى إن القطارات الكهربائية في فلسطين لتغدو أحدث من تلك الموجودة في أوروبا، ولا تختلف المصانع في الأرض القديمة ـ الجديدة عن المصانع في برلين، فأي تغيير أحدثه اليهود؟ وأية عجائب شهدتها البلاد؟ وأية معجزة تحققت؟ ويقرأ المرء في رواية (هرتسل) عشرات العبارات التي تشيد بمجهودات أبناء الشعب اليهودي والصفوة فيه، فهل راق هذا لاميل حبيبي؟
في العام 1948 أقيمت دولة إسرائيل، وتشرد ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني وأكثر، ولم يبق من الفلسطينيين في قراهم ومدنهم سوى 150,000 مواطن (شرد 650,000 مواطن). واضطر الباقون أن يعملوا في المزارع والمصانع وفي البناء، وبعد هزيمة 1967 انضم إلى هؤلاء عشرات الألوف من عمال الضفة الغربية وقطاع غزة، وازدهر البناء وازدهرت التجارة والزراعة في الدولة الناشئة، فمن الذي بنى الدولة؟ الأيدي العاملة العبرية أم الأيدي العاملة العربية؟ ومن الذي حقق المعجزة التي يتحدث عنها الإسرائيليون؟
في الروايات الصهيونية التي خرجت من معطف "أرض قديمة ـ جديدة" مثل رواية (آرثر كوستلر) "لصوص في الليل" و(ليون أوريس) (أكسودس) يصور العرب على أنهم عجزة كسالى لا يجيدون سوى البكاء، وإذا ما قارن المرء بين المناطق التي غدت تشكل دولة إسرائيل، والمناطق الفلسطينية التي حكمتها مصر والاردن، لاحظ الفرق شاسعاً وردد مقولة عجز العرب وكسلهم ـ كما تذهب الروايات الصهيونية، وكما يخدع المرء للوهلة الأولى ـ ، فماذا رأى اميل حبيبي في روايته "المتشائل"؟
في أكثر من موطن من مواطن روايته يأتي اميل على هذا الجانب، لا ليقر به، بل ليدحضه، وهكذا يحضر في روايته الخطاب الصهيوني كما يحضر نقيضه، أيضاً، فالرواية تحفل بشخصيات إسرائيلية يهودية صهيونية وبشخصيات عربية. حتى الشخصيات العربية التي تخدم الدولة العبرية وتتعاون معها، مثل شخصية سعيد بطل الرواية، لا يروق لها الخطاب الصهيوني، بل إنها تسخر منه وتتهكم على أصحابه، لأن لها رأياً آخر يقول عكس ما تقوله الرواية الصهيونية.
في الرسالة لرابعة من الكتاب الثاني "باقية" من "المتشائل" يتساءل سعيد: "فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ، ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه.." و"من شيد المباني وشق الطرقات وحرث الأرض وزرعها، في إسرائيل، غير العرب الباقية في إسرائيل؟ فالعرب الباقية، صبرا، فيما احتلته دولتنا من أرضٍ لهم لم يجد لها أحمد الشقيري متسعاً في ملفات خطبه الرنانة... إلخ.
وفي الرسالة الثالثة من الكتاب الثالث "يعاد الثانية" يزعم رجل المخابرات الصهيوني أن من كبار اليهود في دولة إسرائيل من يعتقد أن الدولة تعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون وأن هؤلاء الكبار "موقنون أننا بذلك نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة....".
وسيفخر الرجل الإسرائيلي بما أنجزه الإسرائيليون: "الخضرة، الخضرة على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان، أحيينا الموات وأمتنا الحيات (وكان يعني الأفاعي)، ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم "الخط الأخضر" مما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدينة".
وسيكتشف سعيد زيف ادعاءات الرجل الإسرائيلي حين يقيم في قرية عربية يعمل سكانها في أحد الكيبوتسات، فما إن تحاصر القرية وما إن يمنع سكانها من الخروج للعمل، حتى يتوسط أهل الكيبوتس لهم ليفك عنهم الطوق فالأراضي "تتوق إلى أيادينا الماهرة، فيتوسطون لفك الطوق، فنعود إلى العمل في حقولهم.." وهنا يعقب سعيد : "فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير، كأن اميل بهذا ينقض الرواية الصهيونية من أساسها. حقاً هل كانت رواية (هرتسل) من قراءات إميل حبيبي؟.
٧
تطور الرواية العربية في فلسطين
24 تشرين الثاني 2013
تطور الرواية العربية في فلسطين 48 (1948 ـ 2012) هو عنوان كتاب للباحثة الدارسة جهينة عمر الخطيب، والكتاب أطروحة دكتوراة أنجزت في جامعة اليرموك، وقد أشرف عليها الصديق الأستاذ الدكتور خليل الشيخ، الذي أثنى على الدراسة، فكتب لها كلمة جاء فيها: تكشف الدراسة الجادة التي أعدتها الباحثة عن مجموعة من السمات المهمة التي تضفي عليها ـ على الدراسة ـ قيمة علمية ونقدية.. ولا شك أن هذه الدراسة تأسيسية بكل ما في الكلمة من معنى، بمعنى أنها تضع القواعد لدراسات نقدية قادمة تقوم بقراءة المنجز الروائي، وتتبع ما ينطوي عليه من مظاهر كثيرة تتصل بالهوية والصراع على سرديتين، وغير ذلك من المسائل. وينبغي أن أشير إلى الحضور الواضح لشخصية الدارسة الذي يتجلى في هذا البناء الدقيق للعمل، وفي القراءة الجادة للنصوص التي تسد فراغاً في المكتبة العربية.
وعهدي بالدكتور خليل أنه جاد ولا يجامل، وقد يكون ما رآه وذهب إليه صحيحا، فهو ملم إلماماً جيداً بالأدب العربي الحديث.
طبعا هناك دراسات تأسيسية للرواية الفلسطينية، أنجزت كرسائل دكتوراة وكدراسات نقدية أيضاً، ويذكر المرء في هذا المجال دراسة الدكتوراة التي أعدها د. أحمد أبو مطر، "الرواية في الأدب الفلسطيني" (1980)، ودراسة الناقد فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" (1985)، ولا تنسى دراسات شكري عزيز الماضي ومحمد اليوجي ومحمود غنايم وآخرين كثر.
وإن كان ثمة اختلاف بين الدراسات السابقة وهذه، فهو يكمن في أنها رصدت حركة الرواية في فلسطين المحتلة في العام 1948 ـ لم تأت على الرواية في مناطق الاحتلال الثاني، فدرست أسماء قديمة مثل اميل حبيبي، وهو اسم معروف جيداً في العالم العربي، ومثل سميح القاسم، كما درست اسماء جديدة معروفة داخل فلسطين، ولكنها لم تعرف بما فيه الكفاية خارجها مثل سهيل كيوان وعطا الله منصور وشوقية عروق وحنا ابراهيم و.. و.. و..، وبما أن الكتاب أنجز في جامعة عربية، وصدر عن دار نشر معروفة في بيروت وعمان هي المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2012)، فلا شك أنه سيكون مرجعاً لدارسين لاحقين يدرسون الرواية الفلسطينية، ولا شك أن هؤلاء الدارسين، إذا ما درسوا النصوص وحياة مؤلفيها وآراءهم في الفن الروائي، لا شك في أنهم سيفيدون من هذا الكتاب الذي جمع بين دفتيه أسماء أكثر الروائيين، إن لم يكن كلهم، والذي درس أكثر النصوص، إن لم يكن كلها، وألحق، في خاتمته، مقابلات أجريت مع الكتاب الذين أبرزوا آراءهم في الرواية والذات والآخر و.. و.. و..، ولما كان كل عمل دراسي لا يكتمل، ولما كان الدارسون القراء يريدون لكل عمل أن يكون كاملاً، فإنهم يرصدون النقص وقد لا يشيدون بالإيجابيات، ولعلّهم يرمون من وراء ذلك أن يلفتوا نظر الدارسين إلى ما اعتور دراسته من شوائب، عله يلتفت إليها ويؤخذ بها لاحقاً إذا ما أعاد طباعة كتابه. وأرى أن على صاحب الكتاب ألا يرى فيما يسجل على كتابه من ملاحظات منقصة وهجوما شخصياً، فأعمال الدارسين المتابعين نفسها لا تخلو أيضاً من شوائب ونقص.
ملاحظات حول الكتاب:
يلحظ قارئ الكتاب، حين يدلف إليه وينعم النظر في نصوصه، أن ثمة مفارقة بين العنوان والمتن، فالعنوان يوحي للقارئ بأن الدراسة ستقتصر في دراستها على دراسة جنس الرواية، والمتن يقول له إنها درست الرواية والسير الذاتية أيضاً، من ذلك سيرة حنا أبو حنا وسيرة حنا ابراهيم أيضاً.
وسيلحظ قارئ الدراسة أيضاً، أحياناً، عدم دقة في قراءة النصوص، وسيختلف هنا مع ما ذهب اليه أ. د. خليل الشيخ في تصديره للكتاب.
ولعل المثال البارز الواضح على هذا هو ما ورد في أثناء كتابتها عن حكاية سميح القاسم الأوتوبيوغرافية "إلى الجحيم أيها الليلك".
تخلط الدراسة بين سمير وسميح. إن أنا السارد في الحكاية هو سميح نفسه، ولكن سمير شخص آخر، شخص ثانوي عابر.
لقد مات سمير في مخيم لاجئين خارج فلسطين، لا داخلها، وما قالته عنه "وجد نفسه مضطراً للتعايش في بلد أصبحت غريبة عنه، وفي دولة أصبح اسمها "إسرائيل" (ص 102) ينطبق على السارد/سميح.
مثال ثانٍ على عدم دقة قراءة النصوص يكمن في الصفحة التالية (ص 103) في هامش 3. تأتي الدراسة على رواية سحر خليفة "باب الساحة" فتكتب عنها : "موضوع "العميل" والخيانة، من المواضيع التي شغلت الروائيين الفلسطينيين في أدب الشتات، فالروائية سحر خليفة خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل، في روايتها "باب الساحة".. وعدا أن سحر حين كتبت روايتها هذه لم تكن من أدباء الشتات، إذ كانت تقيم في نابلس ورام الله، ولم تكن غادرتهما، فإن الكتابة عن العميل لم تشغل الرواية كلها "خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل"، وربما كان وليد أبو بكر في روايته "الوجوه" هو من ينطبق عليه هذا.
الإفادة من المصادر والمراجع :
ما يلحظه المرء وهو يشرف على رسائل ماجستير ويناقشها هو سوء إفادة الطلبة من المصادر والمراجع، ما يعني أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة التمييز بين الكتب اللازمة للدراسة والكتب التي لا يفترض أن يستشهد بها أو أن يقتبس منها، فهم أحياناً كثيرة يأخذون من كتب تقع بين أيديهم دون مساءلة إذا ما كان تمتّ بصلة لموضوعهم المدروس.
الدارسة جهينة وقعت في هذا في غير مكان، وسأكتفي بالإشارة إلى موضعين فقط.
تمهد في ص89، وهي تدرس الشخصية الروائية، تمهد للكتابة عن الشخصية بالكتابة عنها معتمدة على كتب ليست هي الأساس للاعتماد عليها في أثناء دراسة الشخصية. تعتمد على معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب لمجدي وهبة، وعلى الشخصية اليهودية لمحمد جلاء ادريس، وعلى بنية الشكل الروائي لحسن بحراوي.
وفيما أرى فإن الكتب الأساس هي كتاب (فورستر) "أركان القصة" وكتاب محمد يوسف نجم "فن القصة" وكتاب عبد الملك مرتاض "نظرية الرواية". ويلاحظ الشيء نفسه في ص114 حين تدرس شخصية اليهودي.
إنها تعتمد على كتاب حمودة زلوم "الشخصية اليهودية في الأدب الفلسطيني الحديث"، وهو كتاب ضعيف وليس كتاباً علمياً، وعلى كتاب صبحية عودة زعرب "الشحصية اليهودية في الخطاب الروائي الفلسطيني" ومع أن زعرب دارسة أكاديمية، إلا أن كتابها ليس الأفضل في هذا الجانب.
وهناك دراسات أكثر أهمية وعلمية من هذين الكتابين، لي ولمحمود غنايم، ولم تشر الكاتبة إليهما هنا، علماً بأن كتابي هو رسالة دكتوراه، وما كتبه غنايم هو دراسة مهمة وجادة.
ضعف في الصياغة وأخطاء قاتلة في التوثيق:
لعلّ قارئ هذه الدراسة يلحظ أن صاحبتها ما زالت بحاجة إلى التمكن من الصياغة اللغوية، ففي مواطن كثيرة يلحظ ضعفاً وركاكة ظاهرين، غير أن ما يزعج حقا هو اتباع أكثر من طريقة في التوثيق، وما يزعج أكثر وأكثر هو عدم الدقة فيها، وهذا كثير، ويمكن أن ينظر المرء في ص137، وص136، 138، و ص195 و196 و197، ولا أدري كيف وافق الصديق د. خليل الشيخ وهو المتمكن، على هذا.
تطور الرواية العربية في فلسطين دراسة أكاديمية أعتقد أن على الدارسين العرب في الداخل القيام بمراجعات لها، على الدارسة أن تفيد منها إذا ما طبعت الكتاب ثانية.
٨
شاتيلا وصبرا في الرواية العربية و الفلسطينية:
من كتب عن شاتيلا وصبرا :الأدباء العرب أم الأدباء الفلسطينيون أم العالميون؟-طبعا في جنس الرواية.
سؤال ارقني هذا الاسبوع ومقالي اغلب الظن سيثير هذا السؤال.
تذكروا (جان جينيه) الفرنسي و اربع ساعات في شاتيلا في العدد٧ من العام ١٩٨٣.صباح الخير ياعزيزي الياس خوري ويا ايها الأصدقاء.
١٦/٩/٢٠١٦
٩
شاتيلا : ( جينيه) وخوري وعاشور والحسن :
وأنا أثير أسئلة عديدة تمس الكتابة عن المأساة الفلسطينية تذكرت مقالة لغسان كنفاني ورسالة لمحمود درويش .
في مقالة كنفاني " القدس بين ٣ مصائب : الاحتلال و التأليف والترجمة " ( فارس .. فارس ، ص١٧١ ) يتساءل الكاتب : " ولكن ما العمل إن كان يتوجب علينا حتى الآن أن نقرأ تاريخنا ( الجيد منه والسيء ) مكتوبا بأقلام أجنبية ؟ " . وفي رسالة درويش " هناك..شجرة خروب " ( الرسائل ، ص ٤٣ ، ط٢ ،حيفا ١٩٩٠ ) يأتي الكاتب على حوار له مع صديق يهودي ( دانيال كاتس) تعود أصوله إلى فنلندا وأقام في إسرائيل ،ولما سأل مهاجرين يهودا عن زارع شجرة الخروب ، وأجابوه بأنهم هم من زرعوها ، عرف أنهم يكذبون ، وترك إسرائيل وعاد إلى بلاده ، وهنا يكتب درويش : " ونحن الذين نحتاج إليه لنتكلم عبره عما يصيبنا ،فهل يحق للعربي أن يتحدث في الغرب بلا شاهد يهودي ؟ " ...
تقرؤون بقية المقال في الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد ١٨/٩/٢٠١٦
١٠
Stammhalter
في شتاء 1990 / 1991 أقمت في ( بون ) مع عائلة ألمانية ؛ مع السيد ( مارتن ) والسيدة ( جيردة ) وكان يقيم معهما ابنهما ( فيلكس ) ، وكان لهما ابنتان تدرس إحداهما العربية في جامعة ( بامبرغ ) وتعمل الثانية في وزارة الخارجية في ( بون ) وتقيم في شقة خاصة بها .
زرت العائلة مرة ثانية في 1996 وقد غدا ( فيلكس ) طالب محاماة يدرس في جامعة ( بون ) وقد استقر في شقة خاصة به مع طالب آخر ، وظل الزوجان ( مارتن وجيردة ) يقيمان وحدهما في الشقة الوسيعة ، تماما كما أن والدة ( جيردة ) السبعينية كانت تقيم وحدها في شقة خاصة .
مرة أتينا على خلفة الذكر والأنثى ومدى إصرار العائلة على إنجاب طفل ذكر حتى يحمل اسم العائلة وتذكرت خالتي التي خلفت ست إناث وظلت تنجب حتى يأتي الطفل الذكر ، فلما شرف طمعت خالتي بأخ له ، فأنجبت له اختا سابعة ( يهب لمن يشاء الذكور ) .
السيد ( مارتن ) قال لي :
كان أهلنا سابقا يخلفون حتى ينجبوا طفلا ذكرا . إنه stammhalter اي من سيحافظ على حمل اسم العائلة . كان هذا .
ولراشد حسين قصيدة عن هذا التفكير الرمادي .
16 / 9 / 2017
١١
هل برزت الشخصية الفلسطينية المرحة صاحبة الدعابة والفكاهة في النص الروائي الفلسطيني؟
إنني أفكر في كتابة مقال الأحد 23 ايلول في هذا العنوان.
مقالي اليوم في الأيام الفلسطيتية عنوانه "بلاغة البساطة..بساطة البلاغة "حول البساطة والتكلف في بعض النصوص الروائية.
16 ايلول 2018
١٢
يحيى 1
مثقفو السلطة بوجهين:
أزعم أن مثقفي السلطة الفلسطينية أكثرهم بوجهين.
مرة كتب الشاعر المتوكل طه قصيدة قال فبها إن للشاعر لسانبن وتوقفت أمامها في كتابي"أدب المقاومة "1998.
هل أخطأ أفلاطون حين طرد ألشعراء من جمهوريته؟
يريدون بلح الشام وتمر العراق. يقبضون من السلطة ويمدحون قياداتها أمامها وفي نصوصهم يشتمونها ويرون أن الشعب الفلسطيني يستحق قيادات أفضل.
الشخصية الرئيسة في رواية يحيى يخلف الأخيرة "اليد الدافئة "2017 مثال على ازدواجية مثقف السلطة.
كم في يحيى من بطل روايته أحمد؟
الإجابة تتطلب إجراء موازنة ولعل الصفحة 240 من الرواية تفتح مساحة للنقاش .
أعرف أن يحيى يخلف الذي منح ،الأسبوع الماضي، أعلى وسام للثقافة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لا يحتمل النقاش، ولكن مادام نشر روايته وانفقت في قراءتها ست سبع ساعات فمن حقي أن أثير الأسئلة رضي أم غضب.
16 ايلول 2018
١٣
الست كورونا : كورن المحافظ وأوجعتني قدماي ( 75 )
كورن المحافظ فقلت للموظف :
- لقد أراد الله أن ينتقم منكم لكثرة ما فعلتم بي .
وداعبته :
- إن شاء الله تكورن المحافظة كلها .
منذ تأسيس السلطة الفلسطينية والسلطة لا تنتصر على أحد سواي ، فهي لعجزها عن اقتحام بيوت مستوطنين أو حواجز عسكرية إسرائيلية تقتحم يوميا ، بواسطة أهلي ، الشقتين اللتين أقيم فيهما ، فتفتشهما لمعرفة الأسلحة الذرية التي أخبئها ، كما لو أنني صدام حسين ( السلطة تقتحم أيضا بعض بيوت المطلوبين المشاغبين (؟) ) .
أمس التقيت بأحد موظفي المحافظة / المقاطعة ممن أعرفهم واستخدمت سلاح العاجز - والعرب كلهم عاجزون - فدعوت على المقاطعة وصرت مثل جدتي وبقية بسطاء شعبي . كلما ظلمنا أحد توجهنا إلى الله وطلبنا منه أن ينتقم من الظالمين .
قبل مجيء السلطة قال لي طلال إن مشكلتك مع الألمان ، ومنذ جاءت السلطة صارت مشكلتي في المقاطعة ، وهو ما قاله لي أحد طلابي ، فصارت المقاطعة تهتم بأمري ومثلها الأردن ودولة أبناء العمومة و ... و ..
المحافظ كورن والمحافظة كلها على الطريق وصارت حكايتي على كل لسان ، وهي كذلك منذ عقود . هل أكرر ما يكرره قسم منا من أن الكورونا هي انتقام من الله بسبب الظلم الذي تفشى في كل مكان ؟
هل أطلب من الله أن يكورن المقاطعة هنا وفي رام الله وأن يكورن دولة الاحتلال كلها ؟
الليلة أوجعتني قدماي كما لم توجعاني من قبل . هل هذه علامات الإصابة بالكورونا ؟
كانت أمي تقول " لا من دعا لك ولا من دعا عليك " .
داعبت موظفا في المقاطعة طالبا من الله أن يكورن المقاطعة كلها فارتد الطلب وأصابني وجع شديد .
أمس كان أحد بائعي الكمامات ينادي :
- كل كمامتين بشيكل . ويبدو أن قدمي الاثنتين بحاجة إلى كمامتين . يبدو !! ومنذ مجزرة شاتيلا وصبرا ونحن ندعو على الظالمين ونطلب من الله أن ينتقم منهم ، ومنذ مجزرة شاتيلا وصبرا وفلسطينيو لبنان تسوء أوضاعهم وتتسع رقعة منفاهم ، واليوم الذكرى الثامنة والثلاثون للمجزرة .
١٦ أيلول ٢٠٢٠
١٤
سعيد في بلاط ملك :
كوز الصبر وحبة البرتقال ورؤية الشمال الفلسطيني
مع أن الشاعر سميح القاسم والروائي إميل حبيبي كانا شيوعيين حين كتبا " الصورة الأخيرة في الألبوم " ١٩٨٠ و " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ ، إلا أنهما كانا ، دون وعي ، يمدحان حياة الأمراء والملوك ، وليس هذا عموما القصد الرئيس لكتابتي .
في روايته " المتشائل " يكتب حبيبي عن سجن بطل روايته سعيد وإنزاله في زنزانة الفدائي اللاجيء القادم من لبنان ، فيجتمع الفدائي والمتعاون معا ويتعارفان ويتحاوران :
" ولم أشأ أن أخبره بأنني من حيفا فيطول الشرح . فقلت : من الناصرة .
قال : أهلنا الشجعان .
ثم سأل : شيوعي ، بالطبع ؟
قلت : بل صديق
قال : أنعم وأكرم . "
ولا يخبر المتعاون الفدائي بحقيقته :
" هل أقول له إنني كبش ومقيم ؟ أم أقول له : دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟ " .
ما الذي ذكرني ب " المتشائل " وهذه الفقرة منها ؟
ما زالت الكتابة عن إلقاء القبض على الأسرى الأربعة تشغل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المسموع أيضا ، وما زال الاتهام يوجه لوشاة فلسطينيين أيضا وما زال اسم مدينة الناصرة يتردد ، وورد على لسان قسم من الأربعة نفي لبعض هذا ، بل إن الأسير زكريا الزبيدي دافع عن أهل الناصرة صراحة ، وكنت كتبت إن التعميم خطأ ، فالناصرة مثل أي مدينة أو قرية أو مخيم ، فيها وفيها .
ما طغى على الاتهام والدفاع هو كتابة ما قاله الأربعة لمحاميهم يصفون فيه مشاعرهم بمعانقة تراب فلسطين ونباتها وتناول كوز من صبرها ورؤية أطفالها يلعبون بعد سنوات طويلة من السجن .
الصديق الفيسبوكي حنظلة حنظلة شارك شريطي فيديو ؛ واحدا لمحمود درويش يتحدث عن الناصرة ويمدحها ويمجدها ، وآخر للرئيس أبو مازن / محمود عباس يتحدث فيه أمام حاخامات يهود قال فيه إن إسرائيل وجدت لتبقى ، ما جعل أحدهم يصفق ويغني . هل الشريط حقيقي أم أنه مفبرك ؟
الصديق شجاع الصفدي ، إن لم تخني الذاكرة ، كتب فقرة طالب فيها الرئيس أن يلتفت إلى الأسرى الذين حرروا أنفسهم لأيام ويمنحهم وساما . ألا يستحق حقا هؤلاء الأبطال وساما ؟
هل وجدت المخيمات الفلسطينية أيضا يا سيادة الرئيس لتبقى ؟
لو تحدثت شخصيا أمام أي وفد إسرائيلي لما مجدت أي جانب أو أي سلوك أو أي مظهر يخص دولة إسرائيل ، ولاكتفيت بالحديث عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي المخيمات وفي الشتات وأنه لا بد من حل لهؤلاء ، حتى يعم السلام .
على فكرة ليس أبو مازن الوحيد الذي يتحدث عن معاناة اليهود . هناك كتاب عرب كثر كتبوا عما فعلته النازية باليهود كما لو أن هذا واجبهم .
إسرائيل وجدت لتبقى ، فهل على المخيمات أيضا أن تبقى مخيمات ؟ هل وجدت لتبقى ؟
ورطتنا ورطة متشعبة متعددة ممتدة من المحيط إلى الخليج ، ومن رفح إلى الناقورة ومن النهر إلى البحر !!
١٦ / ٩ / ٢٠٢١
١٥
في ذكرى شاتيلا وصبرا :
جان جينيه " أربع ساعات في شاتيلا " :
زار الكاتب الفرنسي جان جينيه شاتيلا وصبرا صباح المذبحة ، ومن حسن حظ الفلسطينيين أنه كان يومها في بيروت ، وكتب :
"إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة . إنها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى ... بالنسبة لي ، كما بالنسبة لمن بقي من السكان ، التجول قي شاتيلا وصبرا يشبه لعبة النطة ( علينا أن ننط فوق الجثث !) . وقد يستطيع طفل ميت أحيانا أن يسد الأزقة لأنها جد ضيقة والموتى كثر ، ولا شك أن رائحتهم مألوفة لدى الشيوخ : فهي لا تضايقهم . لكن ما أكثر الذباب . ... " .
( ترجمة محمد برادة ) .
( مجلة الكرمل ، عدد ٧ ، ١٩٨٣ ) .
١٦
في ١٩٨٢ تظاهر ٤٠٠ ألف إسرائيلي ضد مجازر شاتيلا وصبرا وحرب لبنان .
في الذكرى الأربعين للمذبحة المقتلة المجزرة وقف اليوم ما يقارب العشرين إسرائيليا ، وفي العدد زيادة ، على حاجز زعترة يرفعون لافتات كتب على قسم منها " كفى للاحتلال " .
حتى الإسرائيليون أصابهم الضجر ، وهو إحدى صفات البشر على رأي محمود درويش ، وقرروا أن يسبحوا على الشواطيء ويأكلوا البوظة ويتمتعوا بأشعة أيلول اللاهب . يبدو أنه ينقصهم فيتامين D ! يبدو !
١٦ أيلول ٢٠٢٢ .
١٧
شوفو تخبيصات سحر خليفة في سيرتها روايتي لروايتي ج٢ (٣) :
تكتب سحر خليفة عن أنطون سعادة وما أشيع عنه ، وحين تقرأ بعض آرائه تغير وجهة نظرها عنه . تمام ، ولكن وهي تكتب عما أشيع عنه تكتب :
" ألم يقولوا عنه خليفة هتلر ؟ ألم يقولوا عن شعار حزبه نسخة عن الصليب النازي ؟ ألم يقولوا عنه الحالم المغامر المقامر المناويء لحركتنا القومية بقيادة البعث وعبد الناصر ... "( صفحة ٢٣٣ ) .
لنبحث في غوغل عن تاريخ إعدام أنطون سعادة . لقد أعدم في ٨ / ٧ / ١٩٤٩ ولم يكن أحد يسمع بجمال عبد الناصر إلا أصدقاءه ، فكيف اتهم سعادة بأنه مناويء لعبد الناصر ؟
تخنتيها يا سحر !!
تأكدي من معلوماتك في رواياتك وفي سيرتك ، فالمعلومات الخاطئة تقلل من صدق الكتابة .
الطريف أن سحر في سيرتها تظل تنعت نفسها بأنها باحثة " وبفضل ما بدأته من بحث عن الأبطال والثورات والانتكاسات وتكرار الهزائم ، قررت البحث عن ملحمة سعادة . فمن هو في الحقيقة أنطون سعادة ؟ ... بدأت بحثا استمر عدة سنوات ... " .
إذا كانت بحثت وأخطأت مثل هذه الأخطاء فكيف لو لم تبحث ؟!
١٦ / ٩ / ٢٠٢٣
سحر خليفة : لوحة غلاف " روايتي لروايتي : الجزء الثاني ، سيرة ذاتية أدبية ":
لا أعرف بالضبط من الذي اختار لوحة غلاف كتاب سحر خليفة الأخير ٢٠٢٣ .
في وسط الغلاف صورة رؤوس أربعة ؛ ثلاثة إلى جانب بعضها هي لياسر عرفات وأحمد الشقيري ( ؟ ) وعبد القادر الحسيني - هذا إن كانت صورة الأوسط للشقيري لا لأنطون سعادة ، فسحر لا تكتب عن الشقيري وتكتب عن عرفات والحسيني وسعادة - يعلوها في الوسط رأس سحر خليفة الكاتبة . ( بعد إمعان النظر في بعض صور أنطون سعادة أرجح أن صورته في الوسط لا صورة الشقيري . نعم أرجح ) .
رأس سحر هو الأكبر . هل لهذا دلالة ؟
من المؤكد أن علينا أن نسأل ونتأكد عمن اختار الصورة . أهي سحر أم دار النشر ؟
ليس ثمة من شك في أن هناك صلة بين صورة الغلاف ومضمون الكتاب . صحيح أن سحر تبرز صورة البطل لعبد القادر الحسيني وترى في عرفات مسؤولا عما وصل الفلسطينيون إليه وأنه يستحق الرثاء ويبعث الأسى وليس جديرا برواية تكتبها عنه جدارة عبد القادر ، فهي الروائية الكبيرة ، إلا أن صورة الغلاف تضع الثلاثة إلى جانب بعضهم تعلوهم سحر .
وأنا أقرأ في الرواية قبل أن أتأمل في صورة الغلاف عقبت ساخرا :
- لم أكن أعلم أن الفلسطينيين لديهم روزا لوكسمبورع أكبر من ماركس وإنجلز وتروتسكي .
حين تقرأ " روايتي لروايتي " تقول : الحق كل الحق على حسني البورزان .
١٦ / ٩ / ٢٠٢٣ .
١٨
يوميات غزة ( ٣٤٦ ) :
أمس كان لنا صباحا يمنيا أما لسكان الخيام في غزة ف ...
كان صباح أمس لنا صباحا يمنيا سعيدا أدخل الفرح إلى قلب أنصار المقاومة، وكان للإسرائيليين كابوسا ، فقد هرع أكثر من مليوني إسرائيلي إلى الملاجيء ، ما أدى إلى إصابة تسعة منهم بجروح ، وأما القيادة الإسرائيلية فقد ذهلت .
" صباحكم يمني " هكذا كتب عديدون من أنصار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، وأما أهل غزة الذين استشهد عدد منهم ، أمس وفجر اليوم ، فقد عانوا مما يعانون منه يوميا :
- عانى الأطفال من فقدان الأمهات والآباء فبكوا بحرقة وصارت الطفولة الفلسطينية أسوأ طفولة في العالم . " بدي أمي . بدي أمي " بكى الطفل مكررا العبارة .
- شكا سكان الخيام من الحشرات وأدرج قسم منهم صورا لها مثل صورة " أبو مقص " . هكذا فعلت دعاء صفا Doaa Safaa التي كتبت " أرسلت لي أختي رسالة تقول فيها إن " أبو مقص " قتلنا " " والأخت لا تعرف من هو أبو هذا الذي يقتل في عائلتها ؟ أهو نوع من الأسلحة الجديدة أم شخص منفلت في هذه الحرب ؟ ثم تعرف أنه حشرة صارت الآن تتغذى على النازحين ليل نهار تحوم في خيامهم بأحجام كبيرة وصغيرة وتغرس مخالبها في أجسادهم الهشة . " منذ عام لا يعرف النازحون معنى الأمان أو النوم أو البيت أو الراحة أو أي شيء عادي " .
- اقتتل الناس فيما بينهم ، فأدرج أسامة أبو الجود في صفحة مخيم النصيرات الخبر الآتي :
7 قتلى في شجار عائلي بين ثلاث عائلات الآن بخانيونس " .
- وفي شريط فيديو تشاهد طفلا يحمل بعض أغراضه ويبكي بشدة ويقول " وحياة ربي خايف وحياة ربي خايف فش إلي نفس " ويعقب من أدرج الشريط " نبكي مرتين ؛ مرة عليكم ومرة من قلة حيلتنا " .
وأمس فارقنا الروائي العربي اللبناني الفلسطيني الهوى إلياس خوري عن عمر يناهز ستة وسبعين عاما ، فشغل خبر رحيله نشطاء الفيس بوك وطغى على اهتمامهم بالحرب ، وأما أنا فقد خاطبته ليلا قائلا :
- انهض يا عزيزي إلياس لساعة فقط واقرأ ما كتب عنك ، لتعرف كم يحبك الفلسطينيون ؟!
الضفة الغربية أمس لم تسلم ، فالاقتحامات والمداهمات والاعتقالات وتفتيش البيوت كثيرة .
واليوم هي الذكرى 42 لمذبحة صبرا وشاتيلا واللهم استر من بقية شهر أيلول .
١٦ / ٩ / ٢٠٢٤
١٩
صفحة مخيم النصيرات
Doaa Safaaما دورنا في حرب غزة ؟
هل صارت غزة مسرحا مهجورا ؟
[ لا متفرج في باب هاوية ... ولا أحد حيادي هنا . وعليك أن تختار دورك في النهاية ]
لي مقعد في المسرح الهجور
محمود درويش
لي مقعد في المسرح المهجور في
بيروت . قد أنسى ، وقد أتذكر
الفصل الأخير بلا حنين ... لا لشيء
بل لأن المسرحية لم تكن مكتوبة
بمهارة ...
فوضى كيوميات حرب البائسين ، وسيرة ذاتية
لغرائز المتفرجين . ممثلون يمزقون نصوصهم
ويفتشون عن المؤلف بيننا ، نحن الشهود
الجالسين على مقاعدنا .
أقول لجاري الفنان : لا تشهر سلاحك ،
وانتظر ، إلا إذا كنت المؤلف !
- لا
ويسألني : وهل أنت المؤلف ؟
- لا .
ونجلس خائفين . أقول : كن بطلا
حياديا لتنجو من مصير واضح
فيقول : لا بطل يموت مبجلا في المشهد
الثاني . سأنتظر البقية . ربما أجريت
تعديلا على أحد الفصول ، وربما أصلحت
ما صنع الحديد بإخوتي
فأقول : أنت إذا ؟
يرد : أنا وأنت مؤلفان مقنعان وشاهدان
مقنعان .
أقول : ما شأني ؟ أنا متفرج
فيقول : لا متفرج في باب هاوية ... ولا
أحد حيادي هنا . وعليك أن تختار
دورك في النهاية
فأقول : تنقصني البداية ، ما البداية ؟
( لا تعتذر عما فعلت )
١٦ / ٩ / ٢٠٢٥
١٩
غزة 711 :
الفقدان والألم والحسرة والتوحش والتهجير
ما كتبه ناشطو غزة وما أدرجوه أمس في صفحاتهم يعبر عن مشاعر الفقدان والألم والحسرة ويصور التوحش الإسرائيلي الذي يهدف إلى التهجير بعد أن تغدو الحياة في القطاع مستحيلة ، ولا يخلو أحيانا من سخرية وطرافة .
إنه ليل غزة الطويل وليل الاحتلال الإسرائيلي المتوحش ، فالأبراج تقصف وتتهاوى وسكانها ينزحون نحو الجنوب طوابير طوابير ، ويعترف قادة الجيش الإسرائيلي ، ممن شاركوا في القتال وأقيلوا ، مثل ( هارتسي هاليفي ) ، يعترفون بذلك :
" نحن نقاتل في غزة بقوة كبيرة جدا ونأسف أننا لم نقم بذلك مسبقا . لا أحد يعمل بلطف في غزة " .
ولا عجب أن تقرأ عن مسح عائلات بالكامل مثل عائلة لبد ؛ المعلمة إيمان عبدالله لبد والطبيب بلال ناصر لبد والطبيبة بنان ناصر لبد والشابة ريتال ناصر لبد والطفل اسماعيل ناصر لبد . شباب وشابات مثل الورد .
ونقرأ عن قناص في لواء " ناحال " يكشف خلال تحقيق بصحيفة " هارتس " أن قادته صرخوا عليه أن يقتل الفلسطينيين قرب مراكز توزيع المساعدات . أحيانا كان يتردد فيصرخ عليه أن يطلق النار " وكان الكثير منهم أطفال " و " أشتم اليوم رائحة جثث الأطفال ولا أعرف النوم ليلا وأتبول على نفسي من الخوف " .
٢٠
في صفحة تيسير عبد Taysir Abd الذي ينقل غالبا عن الصحف العبرية يورد رسالة صادرة عن القيادة الميدانية والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي نصها :
" لم يخف وزير الدفاع وبعض أعضاء الحكومة أن هدفنا ليس لواء غزة فحسب ، بل تدمير وتسوية أكبر عدد ممكن من المباني بالأرض لدفع ثمن استمرار الحرب ومنع عودة الغزيين إلى المدينة " .
ويدرج دكتور Dr-Bassam Said شريط فيديو يري تدمير برج الغفرى الذي يعتبر قبلة للصحفيين والأدباء والكتاب ووكالات الأنباء ويمثل ذاكرة للجميع وذاكرة خصبة له بشكل خاص ..
أما ام ايمن الصوص فتكتب شيئا طريفا عما يعانيه المواطن الغزاوي في استخدامه للعملة الورقية وتبدأ كتابتها بالسؤال :
- هل سمعت عن تصليح العملة الورقية من قبل ؟!
وتجيب :
- لا أظن
وتخبرنا حكاية أقرب إلى الخيال ، ولك أن تقرأها في صفحتها .
وتكتب الناشطة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عن إصابة محمد أبو الأمل التي تحولت إلى مأساة ، تكتب تحت عنوان " حين تصبح الإصابة # مأساة : قصة محمد في غزة " . لقد أصيب محمد في ١٣ / ٨ / ٢٠٢٥ بكسر شديد في عظم يده واختلف الأطباء في تشخيصه ، ولما كانت المشافي تعاني فقد دفع مبلغ ١٧ ألف دولار ليتعالج في مشفى خاص ، وهو يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة لمدة عامين .
وعن الفقدان والألم كتب محمد الذهبي ، قبل ثلاث ساعات من كتابتي ، عن حرب الإبادة التي " سرقت أغلى وأعز ما لدينا " " خطفت اليوم فادي ، شقيق أخي وحبيبي ورفيق دربي خالد أحمد جراد... " .
والكتابات كثيرة وأكثر منها أشرطة الفيديو التي نشاهدها وتبعث على الاكتئاب والحسرة وتشعرنا بمزيد من العجز
" أمانة والله أخوي زارعينو زراعة . أمانة أمانة . طيب وين ماما . وين أخوي التاني . بس أخوي مات . أمانة صحوه . أمانة . كنا قاعدين أجا الصاروخ علينا " تبكي طفلة فتمزق نياط القلب .
حالة تعبانة يا الله !
١٦ / ٩ / ٢٠٢٥
أبو نواس :
ما صلتي بأبي نواس ؟
منذ غدوت محاضرا في جامعة النجاح أخذت أدرسه وأدرس أشعاره ، وأذكر أنني درست مساق الشعر العباسي ما بين 1982 و 1984. بعدها أخذت أدرسه في مساق المدخل إلى تذوق النص اﻷدبي ، وغالبا ما اعتمدت على كتاب طه حسين " حديث اﻷربعاء " وكتاب آيليا حاوي " نماذج من النقد اﻷدبي " .
في فترة دراستي البكالوريوس في الجامعة اﻷردنية اشتريت " حديث اﻷربعاء " وكتاب العقاد " الحسن بن هانيء " ولاحظت الفرق في منهجي الدارسين . ولما درست في المانيا وتقدمت لامتحان الدكتوراه فقد اخترت كتاب اﻷستاذية ﻷستاذ ألماني ﻷتقدم به لامتحان ال Arabestik ، وأظن أن مؤلفه هو ( Ewald Wagner ) ، والكتاب ضخم ، وما ساعدني على فهمه أنني كنت دارسا ﻷشعار الشاعر .
حين عدت من ألمانيا وأخذت أدرس مادة مناهج النقد اﻷدبي عدت إلى كتابي العقاد وطه حسين ، وعدت أيضا إلى كتاب كمال أبو ديب " جدلية الخفاء والتجلي " ، وهكذا عرفت كيف يحلل الناقد البنيوي أشعار الشاعر ويدرسها ، وغدوت أمام ثلاثة مناهج مختلفة درست الشاعر ، عدا دراسة الدارس اﻷلماني التي اطلعت عليها .
هل عدت إلى دراسة حسين مروة " دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي " ؟ بالتأكيد .
هل أعرف شيئا عن أبي نواس؟
أنا متخصص في اﻷدب الحديث والنقد الحديث ولي باع في اﻷدب المقارن و ..و ..
٢
أمطار مبكرة :
هذا الصباح في الرابعة والربع فجرا أمطرت . مطر مبكر .
اﻷقصى في أول نشرات اﻷخبار ، ونحن في أيلول وذكرى انتفاضة اﻷقصى على اﻷبواب 28 / 9 / 2000 ويبدو أننا أمام سبع عجاف ، فقد مرت سبع هدوء هادئات .
هل أمطار هذا الفجر هي رحمة الله على شهداء صبرا وشاتيلا .
اليوم ذكرى صبرا وشاتيلا 1982 .
( صبرا هوية عصرنا حتى اﻷبد ) ..
ها هي المذابح في العالم العربي ترتكب .؟!
أمطار مبكرة والعالم العربي بالويل ولا مطر يغسل القلوب .
٣
كتاب جديد :
مع أنني لا أخطط لإصدار كتاب ، إذ أصدرت هذا العام كتاب " اوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني " 2015 ، وهو مجموعة دراسات كتبت في السنوات العشر الأخيرة ، إلا أنني وجدتني أنسق كتابا جديدا عنوانه " أدب العائدين : تساؤلات وقراءات " وهو كتاب يضم 20 مقالة نشرتها في الأيام ، هذا في قسمه الأول ، وأما قسمه الثاني فيضم مقالات كتبتها في سنوات سابقة تناولت فيها /المقالات طبعا / أعمالا شعرية وقصصية ، لكل من محمود درويش وأحمد دحبور وليانة بدر و ..و ....
أعتقد أنني بدأت أفرخ كتبا مثل صديقي الدكتور في الجامعة الأردنية ، وهذه ظاهرة ليست محمودة ، ولكن ماذا سأفعل؟
وكنت أود إدراج مقالات أخرى عن اكرم هنية ومحمود شقير ، ولكنني اكتشفت أنني أدرجتها في كتابي " قراءات في القصة القصيرة الفلسطينية " ( 2011 ) .
بقي لي في الجامعة أربع سنوات ، ولا بأس من إصدار كتابين ثلاثة فيها ، والجامعة تتطلب نشر أبحاث في مجلات ( امباكت فاكتور ) حتى تعيد نصابنا الى تسع ساعات . طيب مقالاتي الصحفية لها مردود إيجابي أفضل بكثير من اكثر أبحاث ( الامباكت فاكتور ) .
جاتنا نيلة تنيلنا يا شيوخ .
٤
ثيودور هرتسل: "أرض قديمة ـ جديدة": هوامش ... ا. د. عادل الأسطة
يونيو 26,2013
قرأ في هذه الأيام الترجمة العربية لرواية بنيامين ثيودور هرتسل (1860ـ1904) "أرض قديمة ـ جديدة". أمعن النظر في الترجمة وفي الصور وفيما آلت إليه أوضاع عرب فلسطين، وفي علاقتنا بالقدس وزيارتنا لها، وأتذكر غسان كنفاني وإميل حبيبي ومحمود درويش، أيضاً. وأتساءل: ماذا لو أعادت دولة إسرائيل الآن طباعة الترجمة، وزينتها، أيضاً، بصور جديدة؟ وماذا لو قرأ بنيامين نتنياهو وقادة دولة إسرائيل الرواية اليوم؟ هل سيمعنون في سياساتهم أم أنهم سيقولون: لقد بالغنا في سياستنا، وابتعدنا عن أفكار أبينا الروحي هرتسل؟ وقد أمعن في تساؤلاتي: ماذا تحقق من أحلام ذلك الشاب اليائس المثقف المحبط بعد مائة وعشر سنوات: (فريردريك ليفنبرغ) وصديقه المسيحي الهارب من زوجته الشابة وابن أخيه، الشاب أيضاً؟
لم يثر مترجم النص إلى العربية أسئلة كتلك التي أثارها كاتب مقدمة الطبعة الألمانية الصادرة في العام 1985 عن دار النشر اليهودية في (athenaum)، وكاتب المقدمة هو يوليوس هـ. شوبس (ص1 ـ ص12). أتى شوبس في المقدمة على سكان فلسطين العرب وموقفهم ـ في الرواية ـ من المشروع الصهيوني، وتوقف أمام ما قاله رشيد بك الإقطاعي العربي للمسيحي كينجز كورت، الذي اندهش من موافقة العرب على المشروع الصهيوني: "هل تعتبر لصاً من لا يأخذ منك، بل يعطيك؟ لقد أثرانا اليهود" لماذا نغضب منهم؟ إنهم يعيشون معنا كإخوة. لماذا ينبغي ألاّ نحبهم؟
والطريف أن ما قاله رشيد بك في الرواية قاله بعض أهل بيروت للفلسطينيين في 30 ق20، حيث غبطوا الفلسطينيين على ما هم فيه، فهم ـ كما كتب إبراهيم طوقان في أشعاره ـ أعني اللبنانيين ـ يرون أن الفلسطينيين يبيعون التراب ويأخذون بدلاً منه الذهب. وأوضح طوقان لأهل بيروت أن التراب هذا وطن، فما أموال اليهود وما كنوزهم؟ ـ هل كنا ذات يوم ـ وما زال قسم منا كذلك ـ حمقى نتغنى بالعمل في مصانع اليهود، وننسى أنهم يعطوننا اللقمة ليأخذوا الرغيف، وذلك حين يعطوننا أجرة مرتفعة ونحن نعمل لديهم؟
واللافت في المقدمة للطبعة الألمانية أن كاتبها شوبس توقف أمام كتّاب يهود رأوا أن الصهيونية لم تولِ موضوع العرب ما يستحقه، وأن أحد أكبر أخطائها أنها تجاهلت العرب في فلسطين ناحوم غولدمان، ونظرت إلى الأمر من منطلق أفكار القرن التاسع عشر التي سادت في أوروبا، ورأت أن الاستعمار الغربي خطوة ضرورية لشعوب آسيا وإفريقيا لكي تقترب هذه من الحضارة الغربية.
لقد أراد هرتسل أن يجعل من الصهيونية نموذجاً للحضارة الغربية في آسيا البربرية، متأثراً بالأفكار الاستعمارية التي سادت في ق19. وقارئ الرواية يلحظ هذا بوضوح. "ليس هناك ما يجذبني أكثر من أوروبا. فالأمران عندي سيّان" (ص56) هكذا يرد فردريك اليهودي على المسيحي كينجز كورت. وحين يزوران فلسطين لأول مرة لا تروق لهما، فهي جزء بائس متخلف من الشرق البائس، وحين تسيطر عليها الحركة الصهيونية، تجعل منها، خلال عشرين عاماً، قطعة من أوروبا، فكل شيء ينجز، ينجز على غرار ما في أوروبا، ويحفل كلام فريدريك بالتشبيهات: تشبيه ما يشاهده من إنجازات في فلسطين بما شاهده في أوروبا. هل من ضرورة لأمثلة؟
هكذا تغدو حيفا بعد عشرين سنة. الملابس فيها أوروبية، كما أن المدينة كانت ذات طابع أوروبي بصورة رئيسة، بل أكثر من هذا، فميناؤها يذكرك بميناء إيطالي كبير و"زرقة السماء والبحر وبهاء الألوان أعادا إلى الأذهان ساحل الريفيرا المبارك بفارق واحد هو أن الأبنية هنا أكثر جدة وأكثر نظافة" (ص60 من الترجمة العربية)، وحين يدهش كينجز كورت من القطار الكهربائي الذي يشاهده في حيفا يجيب فريدريك: "لم تكن مثل هذه القطارات في أوروبا منذ عشرين سنة".
ويستطيع المرء أن يأتي بأمثلة أخرى عديدة من الرواية تشبه ما سبق، واللافت أن بعض التيارات في الحركة الصهيونية لم يرق لها هذا في الرواية، وقد أتى شوبس في مقدمته على هذا الجانب، ورأى النقد الذي وجه إلى تخيلات هرتسل، فالرواية لم تعالج أموراً خاصة بالشعب اليهودي مثل اللغة العبرية والتقاليد اليهودية والأدب العبري. وذلك أن هرتسل نظر في روايته، على لسان شخصيته الرئيسة فريدريك، أن المشروع الصهيوني هو مشروع شركة تجارية كبرى، لا مشروع دولة. "إن كلام ماركوس، رئيس الأكاديميا، هو الذي حملني على هذا التفكير، فقد قال: إننا لسنا دولة، وإنما نحن شركة تعاونية كبرى.." (ص205). وربما يتذكر المرء هنا كتاب محمود درويش "يوميات الحزن العادي" (1973) وما كتبه عن إسرائيل: "إنها ليست دولة لها جيش، بل هي جيش له دولة". وربما تذكر المرء، وهو يقرأ عن ترحيب رشيد بك في الرواية بالمشروع الصهيوني، ربما تذكر درويش ثانية، حين يقول ساخراً:
"وأهنئ الجلاّد منتصراً على عين كحيلة
كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلة،
مرحى لفاتح قرية!.. مرحى لسفّاح الطفولة!.."
حقاً ماذا سيكتب هرتسل لو بعث الآن من قبره وشاهد ما جره مشروعه على سكان فلسطين العرب؟ وشاهد، أيضاً، حدود الدولة العبرية وجدار الفصل العنصري؟
في روايته يرى هرتسل أن القطارات الكهربائية ستصل إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن، أيضاً، ويرسم صورة لتعايش اليهود والمسيحيين واليهود في البلاد في ظل أجواء إنسانية، فالإنسان هو أخو الإنسان. إن كلام بطل الرواية، شحّاذ فيينا وقائد المجتمع الجديد، ديفيد لوتفيك، هو كلام هرتسل نفسه: "فهل تفهمون الآن، أيها الأصدقاء، ما أقصد؟ ليس من الاستقامة والعدل أن نأتي اليوم فنمنع من الاشتراك في منجزاتنا التي حققناها، كلّ إنسان يأتي ويمدّ إلينا يد المساعدة بغض النظر عن دينه وعنصره. ذلك أننا نعتمد على أكتاف شعوب متحضرة أخرى. وكل من يمد إلينا يده وينضم إلينا ويعترف بدستور مجتمعنا، ويأخذ على عاتقه واجبات هذا المجتمع يحق له أن يتمتع بكل حقوقنا. إننا مدينون بالشكر، عن كل مالنا، للذين عملوا قبلنا... إن شعار انتخاباتنا يجب أن يكون من الآن فصاعداً: أيها الإنسان، إنك أخي." (ص119/120)... "من هنا فإن علينا أن نهتف: أيها الإنسان، إنك أخي" و"ولكن لا قيمة لجميع أغراسكم، لأنها ستذبل وتنكمش إذا لم تزدهر بين ظهرانيكم محبة الناس والتسامح وحرية الرأي" (ص120).
هل وصلت القطارات الكهربائية إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن؟ هل تحقق هذا بعد مائة عام وعشرة أعوام أخرى؟ ربما، فالمخيمات الفلسطينية، وصلت منذ بداية، بل وقبل ذلك، 50 ق20 إلى بيروت ودمشق وعمان، بل وإلى بغداد، أيضاً. والتسامح الذي دعا إليه بطل الرواية لوتفيك قاد إلى حروب عديدة وإلى عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف اللاجئين: 1948 و1956 و1967 و1978 و1982 و1987 و2000 و2006 و2008/2009 و... و... و... جدار الفصل العنصري.
ربما يجدر التوقف أمام تصور هرتسل لتعايش الأديان في الدولة/ المشروع، وإلى تجاور أماكن العبادة. حتى اللحظة لم تهدم الدولة العبرية الجوامع، وإن أهملت بعضها، وتحفر تحت بعضها الآخر، لكن من يدري ماذا سيلمّ بالأقصى بعد أعوام، الأقصى الذي غدا الوصول إليه ضرباً من الأماني، مثله مثل القدس نفسها لنا نحن سكان هذه البلاد. هل يتخيل هرتسل أن المدينة التي كنا نزورها شهرياً، ولا أريد أن أقول أسبوعياً، غدت رؤيتها من باب الأمنيات؟
وأنا أقرأ، من جديد، الترجمة العربية لـ "أرض قديمة ـ جديدة" وجدتني أدوّن ملاحظات كثيرة ليس أبسطها: إن طروحات هرتسل تشكل خطوة تقدمية بشكل كبير لسياسات قادة دولة إسرائيل منذ عقود.
٥
غسان كنفاني وثيودور هرتسل: صراع الخطابات ... ا. د. عادل الاسطة
يوليو 08,2013
هل قرأ غسان كنفاني رواية (ثيودور هرتسل): "أرض قديمة ـ جديدة" التي أشار إلى أنها ترجمت إلى العربية، وذلك في كتابه "في الأدب الصهيوني"؟
في روايته "عائد إلى حيفا" يذكر كنفاني من الروايات الصهيونية التي درسها في كتابه، وهي عديدة، يذكر رواية (آرثر كوستلر) "لصوص في الليل" فهذه هي التي قد تكون شكلت لليهودي القادم إلى فلسطين، وهو (ايفرات كوشن)، فكرة عن فلسطين: فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ولكن الواقع كان غير ذلك، فحين وصل (ايفرات) إلى فلسطين وأقام في حيفا شاهد حرباً تجري، فمع من كانت تلك الحرب إن كانت البلاد بلا سكان؟ وسواء أقرأ كنفاني "أرض قديمة ـ جديدة" أم لم يقرأها، فإن الروايات التي درسها كنفاني "اكسودس" و"لصوص في الليل" و"نجمة في الريح" وغيرها، قد خرجت من معطف رواية (هرتسل)، وهكذا يكون خطاب أبطال كنفاني الفلسطينيين في صراع مع خطاب الرواية الصهيونية بشكل عام.
هل أخطأ الدارسون الذين قالوا إن "عائد إلى حيفا" هي رواية أفكار؟ تحفل الرواية عموماً بخطابين متعارضين هما الخطاب الصهيوني والخطاب الفلسطيني الذي يدحضه. وهكذا فإن أعمال كنفاني أعمال تصلح لأن تدرس حين يدرس المرء صراع الخطابات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إن سعيد. س بطل "عائد إلى حيفا" ـ وهو قناع لكنفاني ـ حين يرد على دوف، إنما يمثل الخطاب الفلسطيني في رده على الخطاب الصهيوني.
بل إن ما يقوله سعيد. س لزوجته صفية التي ترى حيفا بعد 1967، بعد غياب 20 سنة عنها، هو في جانب منه دحض للفكرة الصهيونية التي أظهرها (هرتسل) في روايته: فلسطين أرض خربة ومستنقعات وجزء من الشرق البائس، وحين يعود إليها اليهود ستغدو جزءاً من الغرب الحضاري. عشرون سنة تكفي لأن تتحول فلسطين إلى قطعة من أوروبا لا تقل جمالاً وتطوراً عن فرنسا وسويسرا وألمانيا. فماذا قال سعيد. س لزوجته التي أبدت اندهاشها مما رأت؟ "أنت لا ترينها، إنهم يرونها لك".
"لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفوراً، .... ذلك جزء من الحرب. إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقياً. عليكم أن تقبلوا أن تكونا خدماً لنا، معجبين بنا.. ولكن رأيت بنفسك: لم يتغير شيء.. كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير...".
ربما بدا صراع الخطابات في الرواية أوضح أكثر حين يتجادل سعيد. س مع ابنه خلدون الذي غدا دوف، فما قاله الأخير هو ما تعلمه. إنه الفكر الصهيوني مجسداً. غداً تمر الذكرى الحادية والأربعون لاستشهاد كنفاني والصراع هو الصراع. مات (هرتسل) وجاء (نتنياهو)، فهل ثمة فرق بينهما؟ واستشهد كنفاني وما زالت كتابته تقرأ، فماذا كان سيكتب عن الفرق بين (بنيامين ثيودور هرتسل) و(بنيامين نتنياهو) لو بقي حيا؟
2 ـ بنيامين ثيودور هرتسل وبنيامين نتنياهو:
وأنا أقرأ الترجمة العربية لرواية (بنيامين ثيودور هرتسل) الوحيدة "أرض قديمة ـ جديدة (الترجمة العربية 1968، وصدور الرواية بالألمانية 1903) غالباً ما ذهبت إلى أن (هرتسل) أكثر تقدمية من (نتنياهو).
كأنني ألجأ إلى ما لجأ إليه النقاد الماركسيون حين فسروا أعمال (بلزاك) الفرنسي و(كافكا) التشيكي.
كان (بلزاك) ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية (ق19)، وكان في مقالاته السياسية يدافع عنها، وحين كان يكتب رواياته كان يصور حياتها وبيوتها وبذخها وسلوكها وتصرفاتها. وحين كان النقاد الماركسيون يقرؤون رواياته كانوا يرون أنها تفضح تلك الطبقة، وهكذا كانت الروايات ذات محتوى إيجابي تقدمي، قياساً للمواقف السياسية المتخلفة ـ وفق الرؤى النقدية الماركسية.
وكان (كافكا) محبطاً ضجراً سوداوي النظرة إلى الحياة، ولم يحيَ حياة أسرية هادئة، فقد كتب رسالة إلى أبيه يفصح له فيها عن سلوكه الشائن في تعامله معه، إذ فضل أبوه الأخ عليه.
ولم يكن (كافكا) ماركسياً، أيضاً، ليكتب من منطلق ماركسي، فيرى العالم عالمين: العالم الرأسمالي المتغوّل، والعالم الاشتراكي العادل، وحين كتب (كافكا) روايته "أمريكا" وقصته الطويلة "التحول/ المسخ" وغيرها، صوّر بشاعة العلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي، دون موقف مسبق واعٍ. وقد رأى النقاد الماركسيون في أعماله فضحاً للعلاقات الإنسانية في المجتمع الرأسمالي. هل كان (كافكا) سيذهب معهم ويوافقهم على تفسيرهم لو امتد به العمر حتى مؤتمر (براغ) (1964) حيث قرؤوا أعماله فيها في حقبة الاشتراكية، هو الذي عاش في (براغ) قبل حقبتها الاشتراكية؟
(هرتسل) الذي صور في روايته حياة اليهود في المنفى، ولاحظ أنهم يختلفون فيما بينهم، فثمة يهود فقراء معدمون، وثمة يهود أثرياء، ولاحظ، أيضاً، معاناة اليهود في المجتمعات الأوروبية، حيث اعتبرت كلمة يهودي شتيمة، وحيث منعوا من ممارسة الكثير من المهن، وفضل عليهم غير اليهود، (هرتسل) قرر أن يجد حلاً لمشكلة هؤلاء اليهود في المنفى، وهكذا فكر في تأسيس الدولة اليهودية وإعادة اليهود إلى فلسطين: الأرض القديمة ـ الجديدة، وعمل على هذا. هل أراد (هرتسل) إقامة دولة يهودية؟ ثمة كتاب له عنوانه "الدولة اليهودية"، ويقول العنوان إنه يريد دولة يهودية، لكن ماذا تقول الرواية؟
في فيينا يتعرف (فردريك ليفنبرغ) إلى الطفل اليهودي الشحاذ (ديفيد لوتفيك)، ويزور عائلته في بيتها، فيرى الفقر والبؤس والعوز، وهكذا يتصدق (فردريك) على العائلة ويحسن إليها فيغدو المتبرع المفضال، ويحث العائلة، لاحقا، على الهجرة إلى فلسطين، حيث أرض الآباء والأجداد، وهناك تفيض الأرض لبناً وعسلاً، ويمكن أن تقيم العائلة في بيت صحي، وتكد وتعمل وتعيش من وراء عرقها، لا من إحسان المحسنين وتفضل المتفضلين، وهذا ما يتم، إذ تتغير أحوال هذه العائلة رأساً على قدم، وتغدو عائلة تملك منزلاً صحياً ونظيفاً، لا عائلة تقتسم الغرفة الواحدة مع ثلاث عائلات أخرى، تعاني من تهديد المؤجر بالطرد إذا لم تدفع ما عليها من إيجار.
في منافسة انتخابية بين (ديفيد لوتفيك) وصهيوني آخر هو السيد (غايار)ـ ويكون هذا متعصباً، لا يتحدث (ديفيد) عن دولة يهودية تضطهد الآخرين وتتعالى عليهم وتحتقر دياناتهم وتهدم أماكن عبادتهم. وأرجح أن كلام ديفيد هو كلام (هرتسل) نفسه الذي تأثر بالفلسفات السائدة في القرن التاسع عشر، حيث أملت جهات كثيرة بمجتمع إنساني يحترم فيه الإنسان لكونه إنساناً، لا لديانته. (ديفيد لوتفيك) يرحب بالتعايش مع الآخرين ويستقبل المسيحي (كينغر هوف/ كورت) في بيته، كما يستقبل من أحسن إليه في النمسا: (فريدريك ليفنبرغ)، وفوق هذا يقيم علاقة طيبة مع رشيد بك العربي الذي ينتمي إلى فلسطين.
وتؤكد روح الرواية احترام أماكن العبادة وتعايش الأديان، فالكنيس إلى جانب الكنيسة إلى جانب المسجد، والقطارات الكهربائية التي يجلبها وينشئها المهاجرون اليهود الأوروبيون ستصل إلى بيروت ودمشق وشرق الأردن، فلا حواجز ولا جدران ولا سياج فصل عنصري. إن ما يرمي إليه أحد المؤسسين هو إقامة شركة تعاونية تعمل لصالح الإنسان، دون النظر إلى دينه.
وأنا أقرأ الترجمة العربية للرواية تذكرت (بنيامين نتنياهو) وإصراره على إقامة دولة يهودية، ودعوته الرئيس أبو مازن للاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وتذكرت أننا غير قادرين على الوصول إلى حيفا ويافا والقدس، أيضاً. هل من ضرورة للإشارة إلى جدار الفصل العنصري؟ ولا أدري متى، آخر مرة، قرأ فيها (نتنياهو) الرواية ليرى أن من دعا إلى تأسيس الدولة لم يرد دولة دينية صافية. هل كان (هرتسل) ـ وما زال ـ أكثر تقدمية من رئيس الوزراء السيد بيبي؟
٦
ايميل حبيبي و(ثيودور هرتسل) ..
اغسطس 05,2013
هل قرأ إميل حبيبي رواية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة ـ جديدة" (1903) وكانت روايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) في جانب منها تدحض ما ورد في رواية (هرتسل)؟ في إحدى المقابلات التي أجريت مع اميل حبيبي قال إنه كتب روايته رداً على مقولات وزير المعارف الإسرائيلي (آيغال ألون) الذي قال بعد حزيران 1967 إنه ليس هناك عرب في فلسطين، ولو كان هناك فلسطينيون وشعب فلسطيني لكان له أدب، وبالتالي فأفضل برهان على عدم وجود شعب فلسطيني هو عدم وجود أدب له.
في روايته "أرض قديمة ـ جديدة" لم ينكر (هرتسل) وجود عرب في فلسطين، فقد كان هؤلاء حاضرين فيها، ممثلين بشخصية رشيد بك الذي رحب باليهود ونشاطهم ورأى فيه إثراء لأهل البلاد، وسيستغرب رشيد بك هذا من تساؤل المسيحي صديق اليهودي ـ أي من تساؤل (كينجز كورت) صديق (فريدريك ليفنبرغ): ألم يتضرر سكان البلاد من المشروع الصهيوني، وسيقول رشيد بك متسائلاً: كيف تعتبر لصاً من يقدم لك يد المساعدة ومن يعطيك؟ لقد أثرانا اليهود. بل وسيذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول إن اليهود سيجلبون الحضارة والخير العميم لسكان فلسطين. بل إن الرواية تحدثت عن وجود الكنيس إلى جانب الكنيسة إلى جانب الجامع، ودعت إلى تعايش الأديان. هل كانت رواية (هرتسل) أكثر صدقاً من مقولات (آلون)؟ ولكن ما صلة هذا بالعنوان؟
نقلت رواية (هرتسل) إلى العربية في العام 1968 ـ الطبعة التي أملك صورة عنها ـ وإن كان غسان كنفاني أشار إلى أنها نقلت في العام 1962، وصدرت في حيفا عن دار هاينس دويتش فيرلاغ.
وهذا يرجح ترجيحاً كبيراً أن يكون إميل قرأ الترجمة العربية إن لم يكن قرأ الترجمة العبرية للرواية التي كتبت أصلاً بالألمانية.
حفلت الترجمة العربية الصادرة في العام 1968 عن المجلس الأعلى للآداب والفنون التابع لوزارة المعارف والثقافة/ تل أبيب (دار النشر العربي)، وقد ترجمها (منير حداد)، حفلت بصور لفلسطين ولـ (هرتسل) وأفراد عائلته، صور تعود إلى ما قبل بدء المشروع الصهيوني وأخرى إلى ما بعد إقامة دولة إسرائيل، وغالباً ما كانت الصور توضع جنباً إلى جنب ليظهر المترجم والجهة الداعمة الفرق بين ما كانت عليه فلسطين قبل تأسيس دولة إسرائيل، وما غدت عليه بعد تأسيسها، والمترجم والجهة الداعمة يريدان أن يعززا ما ورد في الرواية. فماذا ورد في الرواية؟
يزور اليهودي (فريدريك ليفنبرغ) وصديقه المسيحي (كنجز كورت) فلسطين في بدايات ق19، ويريانها أرضاً جرداء تكثر فيها المستنقعات والملاريا، ويريان مدنها: يافا وحيفا والقدس مدناً بائسة مثل الشرق البائس المتخلف. فأين هذه البلاد ومدنها من سويسرا والريفيرا الفرنسية؟ وأين سكان هذه البلاد الوحوش من الرجل الأوروبي المتحضر؟ ويتخيل (فريدريك ليفنبرغ) فلسطين بعد عشرين عاماً من سيطرة الحركة الصهيونية عليها، يتخيلها وقد غدت قطعة من أوروبا، بل قطعة من الجنة، الشوارع عبدت وسفلتت، والمستنقعات جففت وتحولت إلى أراض زراعية مونعة ومثمرة، والقطارات الكهربائية أخذت تصل بيروت ودمشق وشرق الأردن، وغور الأردن وقد غدا أرضاً خضراء. ويمتاز أفراد الشعب القادم من أوروبا ـ أي الإسرائيليين الأوائل / الرواد / البيونير ـ يمتازون بروح المبادرة، حتى إن القطارات الكهربائية في فلسطين لتغدو أحدث من تلك الموجودة في أوروبا، ولا تختلف المصانع في الأرض القديمة ـ الجديدة عن المصانع في برلين، فأي تغيير أحدثه اليهود؟ وأية عجائب شهدتها البلاد؟ وأية معجزة تحققت؟ ويقرأ المرء في رواية (هرتسل) عشرات العبارات التي تشيد بمجهودات أبناء الشعب اليهودي والصفوة فيه، فهل راق هذا لاميل حبيبي؟
في العام 1948 أقيمت دولة إسرائيل، وتشرد ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني وأكثر، ولم يبق من الفلسطينيين في قراهم ومدنهم سوى 150,000 مواطن (شرد 650,000 مواطن). واضطر الباقون أن يعملوا في المزارع والمصانع وفي البناء، وبعد هزيمة 1967 انضم إلى هؤلاء عشرات الألوف من عمال الضفة الغربية وقطاع غزة، وازدهر البناء وازدهرت التجارة والزراعة في الدولة الناشئة، فمن الذي بنى الدولة؟ الأيدي العاملة العبرية أم الأيدي العاملة العربية؟ ومن الذي حقق المعجزة التي يتحدث عنها الإسرائيليون؟
في الروايات الصهيونية التي خرجت من معطف "أرض قديمة ـ جديدة" مثل رواية (آرثر كوستلر) "لصوص في الليل" و(ليون أوريس) (أكسودس) يصور العرب على أنهم عجزة كسالى لا يجيدون سوى البكاء، وإذا ما قارن المرء بين المناطق التي غدت تشكل دولة إسرائيل، والمناطق الفلسطينية التي حكمتها مصر والاردن، لاحظ الفرق شاسعاً وردد مقولة عجز العرب وكسلهم ـ كما تذهب الروايات الصهيونية، وكما يخدع المرء للوهلة الأولى ـ ، فماذا رأى اميل حبيبي في روايته "المتشائل"؟
في أكثر من موطن من مواطن روايته يأتي اميل على هذا الجانب، لا ليقر به، بل ليدحضه، وهكذا يحضر في روايته الخطاب الصهيوني كما يحضر نقيضه، أيضاً، فالرواية تحفل بشخصيات إسرائيلية يهودية صهيونية وبشخصيات عربية. حتى الشخصيات العربية التي تخدم الدولة العبرية وتتعاون معها، مثل شخصية سعيد بطل الرواية، لا يروق لها الخطاب الصهيوني، بل إنها تسخر منه وتتهكم على أصحابه، لأن لها رأياً آخر يقول عكس ما تقوله الرواية الصهيونية.
في الرسالة لرابعة من الكتاب الثاني "باقية" من "المتشائل" يتساءل سعيد: "فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ، ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه.." و"من شيد المباني وشق الطرقات وحرث الأرض وزرعها، في إسرائيل، غير العرب الباقية في إسرائيل؟ فالعرب الباقية، صبرا، فيما احتلته دولتنا من أرضٍ لهم لم يجد لها أحمد الشقيري متسعاً في ملفات خطبه الرنانة... إلخ.
وفي الرسالة الثالثة من الكتاب الثالث "يعاد الثانية" يزعم رجل المخابرات الصهيوني أن من كبار اليهود في دولة إسرائيل من يعتقد أن الدولة تعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون وأن هؤلاء الكبار "موقنون أننا بذلك نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة....".
وسيفخر الرجل الإسرائيلي بما أنجزه الإسرائيليون: "الخضرة، الخضرة على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان، أحيينا الموات وأمتنا الحيات (وكان يعني الأفاعي)، ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم "الخط الأخضر" مما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدينة".
وسيكتشف سعيد زيف ادعاءات الرجل الإسرائيلي حين يقيم في قرية عربية يعمل سكانها في أحد الكيبوتسات، فما إن تحاصر القرية وما إن يمنع سكانها من الخروج للعمل، حتى يتوسط أهل الكيبوتس لهم ليفك عنهم الطوق فالأراضي "تتوق إلى أيادينا الماهرة، فيتوسطون لفك الطوق، فنعود إلى العمل في حقولهم.." وهنا يعقب سعيد : "فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير، كأن اميل بهذا ينقض الرواية الصهيونية من أساسها. حقاً هل كانت رواية (هرتسل) من قراءات إميل حبيبي؟.
٧
تطور الرواية العربية في فلسطين
24 تشرين الثاني 2013
تطور الرواية العربية في فلسطين 48 (1948 ـ 2012) هو عنوان كتاب للباحثة الدارسة جهينة عمر الخطيب، والكتاب أطروحة دكتوراة أنجزت في جامعة اليرموك، وقد أشرف عليها الصديق الأستاذ الدكتور خليل الشيخ، الذي أثنى على الدراسة، فكتب لها كلمة جاء فيها: تكشف الدراسة الجادة التي أعدتها الباحثة عن مجموعة من السمات المهمة التي تضفي عليها ـ على الدراسة ـ قيمة علمية ونقدية.. ولا شك أن هذه الدراسة تأسيسية بكل ما في الكلمة من معنى، بمعنى أنها تضع القواعد لدراسات نقدية قادمة تقوم بقراءة المنجز الروائي، وتتبع ما ينطوي عليه من مظاهر كثيرة تتصل بالهوية والصراع على سرديتين، وغير ذلك من المسائل. وينبغي أن أشير إلى الحضور الواضح لشخصية الدارسة الذي يتجلى في هذا البناء الدقيق للعمل، وفي القراءة الجادة للنصوص التي تسد فراغاً في المكتبة العربية.
وعهدي بالدكتور خليل أنه جاد ولا يجامل، وقد يكون ما رآه وذهب إليه صحيحا، فهو ملم إلماماً جيداً بالأدب العربي الحديث.
طبعا هناك دراسات تأسيسية للرواية الفلسطينية، أنجزت كرسائل دكتوراة وكدراسات نقدية أيضاً، ويذكر المرء في هذا المجال دراسة الدكتوراة التي أعدها د. أحمد أبو مطر، "الرواية في الأدب الفلسطيني" (1980)، ودراسة الناقد فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" (1985)، ولا تنسى دراسات شكري عزيز الماضي ومحمد اليوجي ومحمود غنايم وآخرين كثر.
وإن كان ثمة اختلاف بين الدراسات السابقة وهذه، فهو يكمن في أنها رصدت حركة الرواية في فلسطين المحتلة في العام 1948 ـ لم تأت على الرواية في مناطق الاحتلال الثاني، فدرست أسماء قديمة مثل اميل حبيبي، وهو اسم معروف جيداً في العالم العربي، ومثل سميح القاسم، كما درست اسماء جديدة معروفة داخل فلسطين، ولكنها لم تعرف بما فيه الكفاية خارجها مثل سهيل كيوان وعطا الله منصور وشوقية عروق وحنا ابراهيم و.. و.. و..، وبما أن الكتاب أنجز في جامعة عربية، وصدر عن دار نشر معروفة في بيروت وعمان هي المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2012)، فلا شك أنه سيكون مرجعاً لدارسين لاحقين يدرسون الرواية الفلسطينية، ولا شك أن هؤلاء الدارسين، إذا ما درسوا النصوص وحياة مؤلفيها وآراءهم في الفن الروائي، لا شك في أنهم سيفيدون من هذا الكتاب الذي جمع بين دفتيه أسماء أكثر الروائيين، إن لم يكن كلهم، والذي درس أكثر النصوص، إن لم يكن كلها، وألحق، في خاتمته، مقابلات أجريت مع الكتاب الذين أبرزوا آراءهم في الرواية والذات والآخر و.. و.. و..، ولما كان كل عمل دراسي لا يكتمل، ولما كان الدارسون القراء يريدون لكل عمل أن يكون كاملاً، فإنهم يرصدون النقص وقد لا يشيدون بالإيجابيات، ولعلّهم يرمون من وراء ذلك أن يلفتوا نظر الدارسين إلى ما اعتور دراسته من شوائب، عله يلتفت إليها ويؤخذ بها لاحقاً إذا ما أعاد طباعة كتابه. وأرى أن على صاحب الكتاب ألا يرى فيما يسجل على كتابه من ملاحظات منقصة وهجوما شخصياً، فأعمال الدارسين المتابعين نفسها لا تخلو أيضاً من شوائب ونقص.
ملاحظات حول الكتاب:
يلحظ قارئ الكتاب، حين يدلف إليه وينعم النظر في نصوصه، أن ثمة مفارقة بين العنوان والمتن، فالعنوان يوحي للقارئ بأن الدراسة ستقتصر في دراستها على دراسة جنس الرواية، والمتن يقول له إنها درست الرواية والسير الذاتية أيضاً، من ذلك سيرة حنا أبو حنا وسيرة حنا ابراهيم أيضاً.
وسيلحظ قارئ الدراسة أيضاً، أحياناً، عدم دقة في قراءة النصوص، وسيختلف هنا مع ما ذهب اليه أ. د. خليل الشيخ في تصديره للكتاب.
ولعل المثال البارز الواضح على هذا هو ما ورد في أثناء كتابتها عن حكاية سميح القاسم الأوتوبيوغرافية "إلى الجحيم أيها الليلك".
تخلط الدراسة بين سمير وسميح. إن أنا السارد في الحكاية هو سميح نفسه، ولكن سمير شخص آخر، شخص ثانوي عابر.
لقد مات سمير في مخيم لاجئين خارج فلسطين، لا داخلها، وما قالته عنه "وجد نفسه مضطراً للتعايش في بلد أصبحت غريبة عنه، وفي دولة أصبح اسمها "إسرائيل" (ص 102) ينطبق على السارد/سميح.
مثال ثانٍ على عدم دقة قراءة النصوص يكمن في الصفحة التالية (ص 103) في هامش 3. تأتي الدراسة على رواية سحر خليفة "باب الساحة" فتكتب عنها : "موضوع "العميل" والخيانة، من المواضيع التي شغلت الروائيين الفلسطينيين في أدب الشتات، فالروائية سحر خليفة خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل، في روايتها "باب الساحة".. وعدا أن سحر حين كتبت روايتها هذه لم تكن من أدباء الشتات، إذ كانت تقيم في نابلس ورام الله، ولم تكن غادرتهما، فإن الكتابة عن العميل لم تشغل الرواية كلها "خصصت رواية كاملة حول شخصية العميل"، وربما كان وليد أبو بكر في روايته "الوجوه" هو من ينطبق عليه هذا.
الإفادة من المصادر والمراجع :
ما يلحظه المرء وهو يشرف على رسائل ماجستير ويناقشها هو سوء إفادة الطلبة من المصادر والمراجع، ما يعني أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة التمييز بين الكتب اللازمة للدراسة والكتب التي لا يفترض أن يستشهد بها أو أن يقتبس منها، فهم أحياناً كثيرة يأخذون من كتب تقع بين أيديهم دون مساءلة إذا ما كان تمتّ بصلة لموضوعهم المدروس.
الدارسة جهينة وقعت في هذا في غير مكان، وسأكتفي بالإشارة إلى موضعين فقط.
تمهد في ص89، وهي تدرس الشخصية الروائية، تمهد للكتابة عن الشخصية بالكتابة عنها معتمدة على كتب ليست هي الأساس للاعتماد عليها في أثناء دراسة الشخصية. تعتمد على معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب لمجدي وهبة، وعلى الشخصية اليهودية لمحمد جلاء ادريس، وعلى بنية الشكل الروائي لحسن بحراوي.
وفيما أرى فإن الكتب الأساس هي كتاب (فورستر) "أركان القصة" وكتاب محمد يوسف نجم "فن القصة" وكتاب عبد الملك مرتاض "نظرية الرواية". ويلاحظ الشيء نفسه في ص114 حين تدرس شخصية اليهودي.
إنها تعتمد على كتاب حمودة زلوم "الشخصية اليهودية في الأدب الفلسطيني الحديث"، وهو كتاب ضعيف وليس كتاباً علمياً، وعلى كتاب صبحية عودة زعرب "الشحصية اليهودية في الخطاب الروائي الفلسطيني" ومع أن زعرب دارسة أكاديمية، إلا أن كتابها ليس الأفضل في هذا الجانب.
وهناك دراسات أكثر أهمية وعلمية من هذين الكتابين، لي ولمحمود غنايم، ولم تشر الكاتبة إليهما هنا، علماً بأن كتابي هو رسالة دكتوراه، وما كتبه غنايم هو دراسة مهمة وجادة.
ضعف في الصياغة وأخطاء قاتلة في التوثيق:
لعلّ قارئ هذه الدراسة يلحظ أن صاحبتها ما زالت بحاجة إلى التمكن من الصياغة اللغوية، ففي مواطن كثيرة يلحظ ضعفاً وركاكة ظاهرين، غير أن ما يزعج حقا هو اتباع أكثر من طريقة في التوثيق، وما يزعج أكثر وأكثر هو عدم الدقة فيها، وهذا كثير، ويمكن أن ينظر المرء في ص137، وص136، 138، و ص195 و196 و197، ولا أدري كيف وافق الصديق د. خليل الشيخ وهو المتمكن، على هذا.
تطور الرواية العربية في فلسطين دراسة أكاديمية أعتقد أن على الدارسين العرب في الداخل القيام بمراجعات لها، على الدارسة أن تفيد منها إذا ما طبعت الكتاب ثانية.
٨
شاتيلا وصبرا في الرواية العربية و الفلسطينية:
من كتب عن شاتيلا وصبرا :الأدباء العرب أم الأدباء الفلسطينيون أم العالميون؟-طبعا في جنس الرواية.
سؤال ارقني هذا الاسبوع ومقالي اغلب الظن سيثير هذا السؤال.
تذكروا (جان جينيه) الفرنسي و اربع ساعات في شاتيلا في العدد٧ من العام ١٩٨٣.صباح الخير ياعزيزي الياس خوري ويا ايها الأصدقاء.
١٦/٩/٢٠١٦
٩
شاتيلا : ( جينيه) وخوري وعاشور والحسن :
وأنا أثير أسئلة عديدة تمس الكتابة عن المأساة الفلسطينية تذكرت مقالة لغسان كنفاني ورسالة لمحمود درويش .
في مقالة كنفاني " القدس بين ٣ مصائب : الاحتلال و التأليف والترجمة " ( فارس .. فارس ، ص١٧١ ) يتساءل الكاتب : " ولكن ما العمل إن كان يتوجب علينا حتى الآن أن نقرأ تاريخنا ( الجيد منه والسيء ) مكتوبا بأقلام أجنبية ؟ " . وفي رسالة درويش " هناك..شجرة خروب " ( الرسائل ، ص ٤٣ ، ط٢ ،حيفا ١٩٩٠ ) يأتي الكاتب على حوار له مع صديق يهودي ( دانيال كاتس) تعود أصوله إلى فنلندا وأقام في إسرائيل ،ولما سأل مهاجرين يهودا عن زارع شجرة الخروب ، وأجابوه بأنهم هم من زرعوها ، عرف أنهم يكذبون ، وترك إسرائيل وعاد إلى بلاده ، وهنا يكتب درويش : " ونحن الذين نحتاج إليه لنتكلم عبره عما يصيبنا ،فهل يحق للعربي أن يتحدث في الغرب بلا شاهد يهودي ؟ " ...
تقرؤون بقية المقال في الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد ١٨/٩/٢٠١٦
١٠
Stammhalter
في شتاء 1990 / 1991 أقمت في ( بون ) مع عائلة ألمانية ؛ مع السيد ( مارتن ) والسيدة ( جيردة ) وكان يقيم معهما ابنهما ( فيلكس ) ، وكان لهما ابنتان تدرس إحداهما العربية في جامعة ( بامبرغ ) وتعمل الثانية في وزارة الخارجية في ( بون ) وتقيم في شقة خاصة بها .
زرت العائلة مرة ثانية في 1996 وقد غدا ( فيلكس ) طالب محاماة يدرس في جامعة ( بون ) وقد استقر في شقة خاصة به مع طالب آخر ، وظل الزوجان ( مارتن وجيردة ) يقيمان وحدهما في الشقة الوسيعة ، تماما كما أن والدة ( جيردة ) السبعينية كانت تقيم وحدها في شقة خاصة .
مرة أتينا على خلفة الذكر والأنثى ومدى إصرار العائلة على إنجاب طفل ذكر حتى يحمل اسم العائلة وتذكرت خالتي التي خلفت ست إناث وظلت تنجب حتى يأتي الطفل الذكر ، فلما شرف طمعت خالتي بأخ له ، فأنجبت له اختا سابعة ( يهب لمن يشاء الذكور ) .
السيد ( مارتن ) قال لي :
كان أهلنا سابقا يخلفون حتى ينجبوا طفلا ذكرا . إنه stammhalter اي من سيحافظ على حمل اسم العائلة . كان هذا .
ولراشد حسين قصيدة عن هذا التفكير الرمادي .
16 / 9 / 2017
١١
هل برزت الشخصية الفلسطينية المرحة صاحبة الدعابة والفكاهة في النص الروائي الفلسطيني؟
إنني أفكر في كتابة مقال الأحد 23 ايلول في هذا العنوان.
مقالي اليوم في الأيام الفلسطيتية عنوانه "بلاغة البساطة..بساطة البلاغة "حول البساطة والتكلف في بعض النصوص الروائية.
16 ايلول 2018
١٢
يحيى 1
مثقفو السلطة بوجهين:
أزعم أن مثقفي السلطة الفلسطينية أكثرهم بوجهين.
مرة كتب الشاعر المتوكل طه قصيدة قال فبها إن للشاعر لسانبن وتوقفت أمامها في كتابي"أدب المقاومة "1998.
هل أخطأ أفلاطون حين طرد ألشعراء من جمهوريته؟
يريدون بلح الشام وتمر العراق. يقبضون من السلطة ويمدحون قياداتها أمامها وفي نصوصهم يشتمونها ويرون أن الشعب الفلسطيني يستحق قيادات أفضل.
الشخصية الرئيسة في رواية يحيى يخلف الأخيرة "اليد الدافئة "2017 مثال على ازدواجية مثقف السلطة.
كم في يحيى من بطل روايته أحمد؟
الإجابة تتطلب إجراء موازنة ولعل الصفحة 240 من الرواية تفتح مساحة للنقاش .
أعرف أن يحيى يخلف الذي منح ،الأسبوع الماضي، أعلى وسام للثقافة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لا يحتمل النقاش، ولكن مادام نشر روايته وانفقت في قراءتها ست سبع ساعات فمن حقي أن أثير الأسئلة رضي أم غضب.
16 ايلول 2018
١٣
الست كورونا : كورن المحافظ وأوجعتني قدماي ( 75 )
كورن المحافظ فقلت للموظف :
- لقد أراد الله أن ينتقم منكم لكثرة ما فعلتم بي .
وداعبته :
- إن شاء الله تكورن المحافظة كلها .
منذ تأسيس السلطة الفلسطينية والسلطة لا تنتصر على أحد سواي ، فهي لعجزها عن اقتحام بيوت مستوطنين أو حواجز عسكرية إسرائيلية تقتحم يوميا ، بواسطة أهلي ، الشقتين اللتين أقيم فيهما ، فتفتشهما لمعرفة الأسلحة الذرية التي أخبئها ، كما لو أنني صدام حسين ( السلطة تقتحم أيضا بعض بيوت المطلوبين المشاغبين (؟) ) .
أمس التقيت بأحد موظفي المحافظة / المقاطعة ممن أعرفهم واستخدمت سلاح العاجز - والعرب كلهم عاجزون - فدعوت على المقاطعة وصرت مثل جدتي وبقية بسطاء شعبي . كلما ظلمنا أحد توجهنا إلى الله وطلبنا منه أن ينتقم من الظالمين .
قبل مجيء السلطة قال لي طلال إن مشكلتك مع الألمان ، ومنذ جاءت السلطة صارت مشكلتي في المقاطعة ، وهو ما قاله لي أحد طلابي ، فصارت المقاطعة تهتم بأمري ومثلها الأردن ودولة أبناء العمومة و ... و ..
المحافظ كورن والمحافظة كلها على الطريق وصارت حكايتي على كل لسان ، وهي كذلك منذ عقود . هل أكرر ما يكرره قسم منا من أن الكورونا هي انتقام من الله بسبب الظلم الذي تفشى في كل مكان ؟
هل أطلب من الله أن يكورن المقاطعة هنا وفي رام الله وأن يكورن دولة الاحتلال كلها ؟
الليلة أوجعتني قدماي كما لم توجعاني من قبل . هل هذه علامات الإصابة بالكورونا ؟
كانت أمي تقول " لا من دعا لك ولا من دعا عليك " .
داعبت موظفا في المقاطعة طالبا من الله أن يكورن المقاطعة كلها فارتد الطلب وأصابني وجع شديد .
أمس كان أحد بائعي الكمامات ينادي :
- كل كمامتين بشيكل . ويبدو أن قدمي الاثنتين بحاجة إلى كمامتين . يبدو !! ومنذ مجزرة شاتيلا وصبرا ونحن ندعو على الظالمين ونطلب من الله أن ينتقم منهم ، ومنذ مجزرة شاتيلا وصبرا وفلسطينيو لبنان تسوء أوضاعهم وتتسع رقعة منفاهم ، واليوم الذكرى الثامنة والثلاثون للمجزرة .
١٦ أيلول ٢٠٢٠
١٤
سعيد في بلاط ملك :
كوز الصبر وحبة البرتقال ورؤية الشمال الفلسطيني
مع أن الشاعر سميح القاسم والروائي إميل حبيبي كانا شيوعيين حين كتبا " الصورة الأخيرة في الألبوم " ١٩٨٠ و " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ ، إلا أنهما كانا ، دون وعي ، يمدحان حياة الأمراء والملوك ، وليس هذا عموما القصد الرئيس لكتابتي .
في روايته " المتشائل " يكتب حبيبي عن سجن بطل روايته سعيد وإنزاله في زنزانة الفدائي اللاجيء القادم من لبنان ، فيجتمع الفدائي والمتعاون معا ويتعارفان ويتحاوران :
" ولم أشأ أن أخبره بأنني من حيفا فيطول الشرح . فقلت : من الناصرة .
قال : أهلنا الشجعان .
ثم سأل : شيوعي ، بالطبع ؟
قلت : بل صديق
قال : أنعم وأكرم . "
ولا يخبر المتعاون الفدائي بحقيقته :
" هل أقول له إنني كبش ومقيم ؟ أم أقول له : دخلت إلى بلاطكم زحفا ؟ " .
ما الذي ذكرني ب " المتشائل " وهذه الفقرة منها ؟
ما زالت الكتابة عن إلقاء القبض على الأسرى الأربعة تشغل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المسموع أيضا ، وما زال الاتهام يوجه لوشاة فلسطينيين أيضا وما زال اسم مدينة الناصرة يتردد ، وورد على لسان قسم من الأربعة نفي لبعض هذا ، بل إن الأسير زكريا الزبيدي دافع عن أهل الناصرة صراحة ، وكنت كتبت إن التعميم خطأ ، فالناصرة مثل أي مدينة أو قرية أو مخيم ، فيها وفيها .
ما طغى على الاتهام والدفاع هو كتابة ما قاله الأربعة لمحاميهم يصفون فيه مشاعرهم بمعانقة تراب فلسطين ونباتها وتناول كوز من صبرها ورؤية أطفالها يلعبون بعد سنوات طويلة من السجن .
الصديق الفيسبوكي حنظلة حنظلة شارك شريطي فيديو ؛ واحدا لمحمود درويش يتحدث عن الناصرة ويمدحها ويمجدها ، وآخر للرئيس أبو مازن / محمود عباس يتحدث فيه أمام حاخامات يهود قال فيه إن إسرائيل وجدت لتبقى ، ما جعل أحدهم يصفق ويغني . هل الشريط حقيقي أم أنه مفبرك ؟
الصديق شجاع الصفدي ، إن لم تخني الذاكرة ، كتب فقرة طالب فيها الرئيس أن يلتفت إلى الأسرى الذين حرروا أنفسهم لأيام ويمنحهم وساما . ألا يستحق حقا هؤلاء الأبطال وساما ؟
هل وجدت المخيمات الفلسطينية أيضا يا سيادة الرئيس لتبقى ؟
لو تحدثت شخصيا أمام أي وفد إسرائيلي لما مجدت أي جانب أو أي سلوك أو أي مظهر يخص دولة إسرائيل ، ولاكتفيت بالحديث عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي المخيمات وفي الشتات وأنه لا بد من حل لهؤلاء ، حتى يعم السلام .
على فكرة ليس أبو مازن الوحيد الذي يتحدث عن معاناة اليهود . هناك كتاب عرب كثر كتبوا عما فعلته النازية باليهود كما لو أن هذا واجبهم .
إسرائيل وجدت لتبقى ، فهل على المخيمات أيضا أن تبقى مخيمات ؟ هل وجدت لتبقى ؟
ورطتنا ورطة متشعبة متعددة ممتدة من المحيط إلى الخليج ، ومن رفح إلى الناقورة ومن النهر إلى البحر !!
١٦ / ٩ / ٢٠٢١
١٥
في ذكرى شاتيلا وصبرا :
جان جينيه " أربع ساعات في شاتيلا " :
زار الكاتب الفرنسي جان جينيه شاتيلا وصبرا صباح المذبحة ، ومن حسن حظ الفلسطينيين أنه كان يومها في بيروت ، وكتب :
"إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة . إنها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى ... بالنسبة لي ، كما بالنسبة لمن بقي من السكان ، التجول قي شاتيلا وصبرا يشبه لعبة النطة ( علينا أن ننط فوق الجثث !) . وقد يستطيع طفل ميت أحيانا أن يسد الأزقة لأنها جد ضيقة والموتى كثر ، ولا شك أن رائحتهم مألوفة لدى الشيوخ : فهي لا تضايقهم . لكن ما أكثر الذباب . ... " .
( ترجمة محمد برادة ) .
( مجلة الكرمل ، عدد ٧ ، ١٩٨٣ ) .
١٦
في ١٩٨٢ تظاهر ٤٠٠ ألف إسرائيلي ضد مجازر شاتيلا وصبرا وحرب لبنان .
في الذكرى الأربعين للمذبحة المقتلة المجزرة وقف اليوم ما يقارب العشرين إسرائيليا ، وفي العدد زيادة ، على حاجز زعترة يرفعون لافتات كتب على قسم منها " كفى للاحتلال " .
حتى الإسرائيليون أصابهم الضجر ، وهو إحدى صفات البشر على رأي محمود درويش ، وقرروا أن يسبحوا على الشواطيء ويأكلوا البوظة ويتمتعوا بأشعة أيلول اللاهب . يبدو أنه ينقصهم فيتامين D ! يبدو !
١٦ أيلول ٢٠٢٢ .
١٧
شوفو تخبيصات سحر خليفة في سيرتها روايتي لروايتي ج٢ (٣) :
تكتب سحر خليفة عن أنطون سعادة وما أشيع عنه ، وحين تقرأ بعض آرائه تغير وجهة نظرها عنه . تمام ، ولكن وهي تكتب عما أشيع عنه تكتب :
" ألم يقولوا عنه خليفة هتلر ؟ ألم يقولوا عن شعار حزبه نسخة عن الصليب النازي ؟ ألم يقولوا عنه الحالم المغامر المقامر المناويء لحركتنا القومية بقيادة البعث وعبد الناصر ... "( صفحة ٢٣٣ ) .
لنبحث في غوغل عن تاريخ إعدام أنطون سعادة . لقد أعدم في ٨ / ٧ / ١٩٤٩ ولم يكن أحد يسمع بجمال عبد الناصر إلا أصدقاءه ، فكيف اتهم سعادة بأنه مناويء لعبد الناصر ؟
تخنتيها يا سحر !!
تأكدي من معلوماتك في رواياتك وفي سيرتك ، فالمعلومات الخاطئة تقلل من صدق الكتابة .
الطريف أن سحر في سيرتها تظل تنعت نفسها بأنها باحثة " وبفضل ما بدأته من بحث عن الأبطال والثورات والانتكاسات وتكرار الهزائم ، قررت البحث عن ملحمة سعادة . فمن هو في الحقيقة أنطون سعادة ؟ ... بدأت بحثا استمر عدة سنوات ... " .
إذا كانت بحثت وأخطأت مثل هذه الأخطاء فكيف لو لم تبحث ؟!
١٦ / ٩ / ٢٠٢٣
سحر خليفة : لوحة غلاف " روايتي لروايتي : الجزء الثاني ، سيرة ذاتية أدبية ":
لا أعرف بالضبط من الذي اختار لوحة غلاف كتاب سحر خليفة الأخير ٢٠٢٣ .
في وسط الغلاف صورة رؤوس أربعة ؛ ثلاثة إلى جانب بعضها هي لياسر عرفات وأحمد الشقيري ( ؟ ) وعبد القادر الحسيني - هذا إن كانت صورة الأوسط للشقيري لا لأنطون سعادة ، فسحر لا تكتب عن الشقيري وتكتب عن عرفات والحسيني وسعادة - يعلوها في الوسط رأس سحر خليفة الكاتبة . ( بعد إمعان النظر في بعض صور أنطون سعادة أرجح أن صورته في الوسط لا صورة الشقيري . نعم أرجح ) .
رأس سحر هو الأكبر . هل لهذا دلالة ؟
من المؤكد أن علينا أن نسأل ونتأكد عمن اختار الصورة . أهي سحر أم دار النشر ؟
ليس ثمة من شك في أن هناك صلة بين صورة الغلاف ومضمون الكتاب . صحيح أن سحر تبرز صورة البطل لعبد القادر الحسيني وترى في عرفات مسؤولا عما وصل الفلسطينيون إليه وأنه يستحق الرثاء ويبعث الأسى وليس جديرا برواية تكتبها عنه جدارة عبد القادر ، فهي الروائية الكبيرة ، إلا أن صورة الغلاف تضع الثلاثة إلى جانب بعضهم تعلوهم سحر .
وأنا أقرأ في الرواية قبل أن أتأمل في صورة الغلاف عقبت ساخرا :
- لم أكن أعلم أن الفلسطينيين لديهم روزا لوكسمبورع أكبر من ماركس وإنجلز وتروتسكي .
حين تقرأ " روايتي لروايتي " تقول : الحق كل الحق على حسني البورزان .
١٦ / ٩ / ٢٠٢٣ .
١٨
يوميات غزة ( ٣٤٦ ) :
أمس كان لنا صباحا يمنيا أما لسكان الخيام في غزة ف ...
كان صباح أمس لنا صباحا يمنيا سعيدا أدخل الفرح إلى قلب أنصار المقاومة، وكان للإسرائيليين كابوسا ، فقد هرع أكثر من مليوني إسرائيلي إلى الملاجيء ، ما أدى إلى إصابة تسعة منهم بجروح ، وأما القيادة الإسرائيلية فقد ذهلت .
" صباحكم يمني " هكذا كتب عديدون من أنصار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ، وأما أهل غزة الذين استشهد عدد منهم ، أمس وفجر اليوم ، فقد عانوا مما يعانون منه يوميا :
- عانى الأطفال من فقدان الأمهات والآباء فبكوا بحرقة وصارت الطفولة الفلسطينية أسوأ طفولة في العالم . " بدي أمي . بدي أمي " بكى الطفل مكررا العبارة .
- شكا سكان الخيام من الحشرات وأدرج قسم منهم صورا لها مثل صورة " أبو مقص " . هكذا فعلت دعاء صفا Doaa Safaa التي كتبت " أرسلت لي أختي رسالة تقول فيها إن " أبو مقص " قتلنا " " والأخت لا تعرف من هو أبو هذا الذي يقتل في عائلتها ؟ أهو نوع من الأسلحة الجديدة أم شخص منفلت في هذه الحرب ؟ ثم تعرف أنه حشرة صارت الآن تتغذى على النازحين ليل نهار تحوم في خيامهم بأحجام كبيرة وصغيرة وتغرس مخالبها في أجسادهم الهشة . " منذ عام لا يعرف النازحون معنى الأمان أو النوم أو البيت أو الراحة أو أي شيء عادي " .
- اقتتل الناس فيما بينهم ، فأدرج أسامة أبو الجود في صفحة مخيم النصيرات الخبر الآتي :
7 قتلى في شجار عائلي بين ثلاث عائلات الآن بخانيونس " .
- وفي شريط فيديو تشاهد طفلا يحمل بعض أغراضه ويبكي بشدة ويقول " وحياة ربي خايف وحياة ربي خايف فش إلي نفس " ويعقب من أدرج الشريط " نبكي مرتين ؛ مرة عليكم ومرة من قلة حيلتنا " .
وأمس فارقنا الروائي العربي اللبناني الفلسطيني الهوى إلياس خوري عن عمر يناهز ستة وسبعين عاما ، فشغل خبر رحيله نشطاء الفيس بوك وطغى على اهتمامهم بالحرب ، وأما أنا فقد خاطبته ليلا قائلا :
- انهض يا عزيزي إلياس لساعة فقط واقرأ ما كتب عنك ، لتعرف كم يحبك الفلسطينيون ؟!
الضفة الغربية أمس لم تسلم ، فالاقتحامات والمداهمات والاعتقالات وتفتيش البيوت كثيرة .
واليوم هي الذكرى 42 لمذبحة صبرا وشاتيلا واللهم استر من بقية شهر أيلول .
١٦ / ٩ / ٢٠٢٤
١٩
صفحة مخيم النصيرات
Doaa Safaaما دورنا في حرب غزة ؟
هل صارت غزة مسرحا مهجورا ؟
[ لا متفرج في باب هاوية ... ولا أحد حيادي هنا . وعليك أن تختار دورك في النهاية ]
لي مقعد في المسرح الهجور
محمود درويش
لي مقعد في المسرح المهجور في
بيروت . قد أنسى ، وقد أتذكر
الفصل الأخير بلا حنين ... لا لشيء
بل لأن المسرحية لم تكن مكتوبة
بمهارة ...
فوضى كيوميات حرب البائسين ، وسيرة ذاتية
لغرائز المتفرجين . ممثلون يمزقون نصوصهم
ويفتشون عن المؤلف بيننا ، نحن الشهود
الجالسين على مقاعدنا .
أقول لجاري الفنان : لا تشهر سلاحك ،
وانتظر ، إلا إذا كنت المؤلف !
- لا
ويسألني : وهل أنت المؤلف ؟
- لا .
ونجلس خائفين . أقول : كن بطلا
حياديا لتنجو من مصير واضح
فيقول : لا بطل يموت مبجلا في المشهد
الثاني . سأنتظر البقية . ربما أجريت
تعديلا على أحد الفصول ، وربما أصلحت
ما صنع الحديد بإخوتي
فأقول : أنت إذا ؟
يرد : أنا وأنت مؤلفان مقنعان وشاهدان
مقنعان .
أقول : ما شأني ؟ أنا متفرج
فيقول : لا متفرج في باب هاوية ... ولا
أحد حيادي هنا . وعليك أن تختار
دورك في النهاية
فأقول : تنقصني البداية ، ما البداية ؟
( لا تعتذر عما فعلت )
١٦ / ٩ / ٢٠٢٥
١٩
غزة 711 :
الفقدان والألم والحسرة والتوحش والتهجير
ما كتبه ناشطو غزة وما أدرجوه أمس في صفحاتهم يعبر عن مشاعر الفقدان والألم والحسرة ويصور التوحش الإسرائيلي الذي يهدف إلى التهجير بعد أن تغدو الحياة في القطاع مستحيلة ، ولا يخلو أحيانا من سخرية وطرافة .
إنه ليل غزة الطويل وليل الاحتلال الإسرائيلي المتوحش ، فالأبراج تقصف وتتهاوى وسكانها ينزحون نحو الجنوب طوابير طوابير ، ويعترف قادة الجيش الإسرائيلي ، ممن شاركوا في القتال وأقيلوا ، مثل ( هارتسي هاليفي ) ، يعترفون بذلك :
" نحن نقاتل في غزة بقوة كبيرة جدا ونأسف أننا لم نقم بذلك مسبقا . لا أحد يعمل بلطف في غزة " .
ولا عجب أن تقرأ عن مسح عائلات بالكامل مثل عائلة لبد ؛ المعلمة إيمان عبدالله لبد والطبيب بلال ناصر لبد والطبيبة بنان ناصر لبد والشابة ريتال ناصر لبد والطفل اسماعيل ناصر لبد . شباب وشابات مثل الورد .
ونقرأ عن قناص في لواء " ناحال " يكشف خلال تحقيق بصحيفة " هارتس " أن قادته صرخوا عليه أن يقتل الفلسطينيين قرب مراكز توزيع المساعدات . أحيانا كان يتردد فيصرخ عليه أن يطلق النار " وكان الكثير منهم أطفال " و " أشتم اليوم رائحة جثث الأطفال ولا أعرف النوم ليلا وأتبول على نفسي من الخوف " .
٢٠
في صفحة تيسير عبد Taysir Abd الذي ينقل غالبا عن الصحف العبرية يورد رسالة صادرة عن القيادة الميدانية والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي نصها :
" لم يخف وزير الدفاع وبعض أعضاء الحكومة أن هدفنا ليس لواء غزة فحسب ، بل تدمير وتسوية أكبر عدد ممكن من المباني بالأرض لدفع ثمن استمرار الحرب ومنع عودة الغزيين إلى المدينة " .
ويدرج دكتور Dr-Bassam Said شريط فيديو يري تدمير برج الغفرى الذي يعتبر قبلة للصحفيين والأدباء والكتاب ووكالات الأنباء ويمثل ذاكرة للجميع وذاكرة خصبة له بشكل خاص ..
أما ام ايمن الصوص فتكتب شيئا طريفا عما يعانيه المواطن الغزاوي في استخدامه للعملة الورقية وتبدأ كتابتها بالسؤال :
- هل سمعت عن تصليح العملة الورقية من قبل ؟!
وتجيب :
- لا أظن
وتخبرنا حكاية أقرب إلى الخيال ، ولك أن تقرأها في صفحتها .
وتكتب الناشطة حكمت عليان المصري Hekmat Alian Almasri عن إصابة محمد أبو الأمل التي تحولت إلى مأساة ، تكتب تحت عنوان " حين تصبح الإصابة # مأساة : قصة محمد في غزة " . لقد أصيب محمد في ١٣ / ٨ / ٢٠٢٥ بكسر شديد في عظم يده واختلف الأطباء في تشخيصه ، ولما كانت المشافي تعاني فقد دفع مبلغ ١٧ ألف دولار ليتعالج في مشفى خاص ، وهو يحتاج إلى متابعة طبية دقيقة لمدة عامين .
وعن الفقدان والألم كتب محمد الذهبي ، قبل ثلاث ساعات من كتابتي ، عن حرب الإبادة التي " سرقت أغلى وأعز ما لدينا " " خطفت اليوم فادي ، شقيق أخي وحبيبي ورفيق دربي خالد أحمد جراد... " .
والكتابات كثيرة وأكثر منها أشرطة الفيديو التي نشاهدها وتبعث على الاكتئاب والحسرة وتشعرنا بمزيد من العجز
" أمانة والله أخوي زارعينو زراعة . أمانة أمانة . طيب وين ماما . وين أخوي التاني . بس أخوي مات . أمانة صحوه . أمانة . كنا قاعدين أجا الصاروخ علينا " تبكي طفلة فتمزق نياط القلب .
حالة تعبانة يا الله !
١٦ / ٩ / ٢٠٢٥