غانية ملحيس - من «نازا» إلى الفعل: ماذا نفعل بما انكشف؟ في قيمة الاشتباك الفكري الفلسطيني وأفق تحويل الانكشاف إلى فعل

حين كتبتُ مقال «هندسة التطهر واستعادة الشرعية: من سينما «نازا» إلى آليات التجديد الذاتي لنظام الحداثة الغربية المهيمن»، كان هدفي محاولة تفكيك ما يتجاوز الفيلم نفسه: ليس فقط ما يكشفه «نازا» عن الجرائم المرتكبة في غزة، وإنما ما يمكن أن يحدث لهذا الكشف حين يدخل منظومات الثقافة والسياسة والقانون والدبلوماسية، وحين يصبح النقد الذاتي جزءا من المجال الذي تعيد فيه المنظومة الغربية المهيمنة إنتاج شرعيتها.
لكن ما حدث بعد نشر المقال كان، بالنسبة لي، أهم من مجرد التفاعل معه.
فقد تحوّل المقال إلى مساحة اشتباك فكري، شارك فيها كتاب ومفكرون ومخرجون وباحثون، لم يكتفوا بالموافقة أو الاختلاف، وإنما أضاف كل منهم زاوية جديدة إلى السؤال.
ولهذا لا أتعامل مع هذه التفاعلات بوصفها تعليقات على مقال سابق، بل باعتبارها مادة فكرية جديدة أنتجها الحوار نفسه.
فقد كشف النقاش أن السؤال لم يعد فقط: ماذا يقول «نازا»؟
بل أخذ يتسع إلى:
من يملك حق الشهادة؟
ماذا يحدث للشهادة بعد أن تدخل المجال الثقافي؟
هل يمكن أن يكون النقد الذاتي صادقا، ومع ذلك يُستوعب داخل منظومة تجدد شرعيتها؟
كيف يمكن ألا يتحول الاعتراف إلى نهاية القصة؟
وما مسؤوليتنا نحن تجاه كل هذا الانكشاف؟
ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال: أن نقرأ ما أضافه هذا الحوار، ثم ننتقل من تفسير ما يحدث إلى التفكير فيما ينبغي أن نفعله بما يحدث.

جمال عاشور: من قيمة الشهادة إلى سؤال ما بعد الاعتراف
فتح د. جمال عاشور النقاش من نقطة أساسية: ضرورة ألا يؤدي نقدنا للمنظومة الغربية إلى الوقوع في تعميم يجعل كل نقد غربي مؤامرة، وكل اعتراف تطهرا، وكل مؤسسة غربية جزءا من عقل واحد.
وكانت إضافته الأهم، في تقديري، هي الدفاع عن قيمة الشهادة بصرف النظر عن هوية الشاهد. فالجنود وعناصر الاستخبارات الذين يتحدثون عن الجريمة لا ينبغي رفض شهاداتهم لأنهم ينتمون إلى الجهة التي ارتكبتها.
قيمة الشهادة فيما تكشفه، وكلما اتسعت دائرة الشهود من داخل منظومة القوة، من الجندي إلى المخابراتي والقائد والسياسي وصانع القرار، اتسعت إمكانات بناء معرفة أكثر تفصيلا بالجريمة وبنيتها.
لكن جمال دفع السؤال إلى النقطة التي ستصبح لاحقا محورية في الحوار: الاعتراف ليس عدالة.
فالمشكلة تبدأ بعد الشهادة: من المسؤول؟ وماذا سيحدث بعد أن نعرف؟
وكانت استعارة «المرآة» التي اقترحها لافتة: لا نرفض المرآة لأنها جاءت من بيت الجاني، بل نأخذ منها الصورة ونُبقي على الجريمة ونطالب بالمساءلة.
هذه الإضافة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في النقيض المقابل: رفض كل ما يأتي من داخل منظومة القوة، بدل استخدام تناقضاتها وانكشافاتها لمصلحة الضحية.
وفي تفاعله الثاني، انتقل جمال خطوة أبعد، وصاغ واحدة من أكثر الأفكار كثافة في الحوار: «المشكلة ليست في أن يعترف الجاني بأن الجريمة وقعت؛ المشكلة في أن يتحول اعترافه إلى شهادة حسن سلوك».
هنا انتقل النقاش من قيمة الاعتراف إلى وظيفته. فالاعتراف الذي لا يغيّر علاقة المجتمع بالجريمة، ولا يسأل من نفّذ ومن شرّع ومن حمى ومن استفاد، يمكن أن يتحول إلى تطهير رمزي.
وطرح أيضا مسألة مهمة تتجاوز تغيير الأشخاص إلى تغيير البنية: إسقاط نتنياهو أو سموتريتش أو بن غفير لا يكفي إذا بقيت الشروط التي تسمح بإنتاجهم من جديد. ومن هنا يصبح السؤال: هل تغيّرت الوجوه، أم تغيّرت الشروط التي أنتجت الجريمة؟
وهذه الإضافة نقلت الحوار من «نازا» بوصفه فيلما إلى مفهوم أوسع: الاعتراف الذي يعيد تأهيل الجاني بدل أن يعيد الحق إلى الضحية.

بيسان عدوان: من الانكشاف الأخلاقي إلى الإنقاذ السياسي
التقطت بيسان عدوان هذه النقطة ودفعتها إلى صياغة أكثر مباشرة: «ماذا يترتب على الاعتراف؟» ووضعت التناقض أمامنا في صورته السياسية: هل يقود كشف الجريمة إلى محاسبة البنية التي أنتجتها، أم إلى إعادة تأهيلها؟
هل يصبح «الإسرائيلي التائب» شاهد إدانة، أم وسيلة لإثبات قدرة المجتمع الإسرائيلي على التطهر الذاتي؟
وهل يكفي تغيير القيادة السياسية لفتح صفحة جديدة دون مساءلة البنية التي سبقتها وستستمر بعدها؟
لكن أهم ما أضافته بيسان، في رأيي، هو صياغتها للخوف الحقيقي: أن تتحول لحظة الانكشاف الأخلاقي إلى لحظة إنقاذ سياسي. وهذا يضيف إلى مفهوم «التطهر» بعدا سياسيا واضحا: ليس الخطر في الاعتراف نفسه، بل في أن يأتي الاعتراف في لحظة تُستخدم فيها الحاجة إلى استعادة الشرعية لإغلاق السؤال بدل فتحه.

مصطفى النبيه: من سؤال الفيلم إلى سؤال الكاميرا
جاءت إضافة المخرج مصطفى النبيه من من غزة ومن داخل السينما نفسها، فهو لم يتوقف عند سؤال ماذا يكشف الفيلم، وإنما سأل: من يملك الكاميرا؟ ومن يملك حق رواية الجريمة؟ ومن يُمنح المنصة والضوء؟
وطرح سؤالا آخر شديد الأهمية: هل تحتاج السينما إلى أن تكون «محايدة» حتى تُقبل عالميًا؟
هنا انتقل الحوار من السياسة إلى جماليات التمثيل، فليس المهم فقط أن يتحدث الجاني، وإنما كيف تصوّره الكاميرا؟ هل يظهر باعتباره مسؤولا عن جريمة، أم باعتباره ذاتا إنسانية نادمة تستحق التعاطف؟
وهذا السؤال هو الذي يفتح مساحة «الكادر التائب»: فالصورة نفسها يمكن أن تعيد توزيع التعاطف والمسؤولية. وقد أضاف مصطفى بذلك بعدا مهما: المعركة ليست فقط على الرواية، وإنما على شكل ظهور الرواية، وعلى من يُمنح حق أن يكون إنسانا كامل التعقيد أمام الكاميرا.

نهى العايدي: حين يصبح النقد الذاتي موردًا للتجديد
التقطت د. نهى العايدي جوهر الأطروحة في أكثر صورها تركيبا: قدرة المنظومة المهيمنة على إنتاج نقدها الذاتي ثم استيعابه وإعادة توظيفه. لكن الأهم في مداخلتها أنها ربطت السينما بالسياسة والقانون والدبلوماسية والانتخابات، أي أن الفيلم لا ينبغي أن يبقى حدثا ثقافيا.
فإذا كانت الشهادات التي يحتويها ذات قيمة، فإن دور السياسي هو أن يعرف كيف يستثمرها في المحافل القانونية والسياسية، بحيث تتحول من اعتراف إلى مساءلة. وهنا ظهرت للمرة الأولى بصورة واضحة فكرة ستتكرر لاحقا: كيف ننقل الفيلم من المجال الثقافي إلى المجال العملي؟ أي من الشاشة إلى المحكمة، ومن الاعتراف إلى المسؤولية.

أمين كعابنة: لا نعرف لحظة ظهور الشق في الجدار
أما أمين كعابنة فقد أضاف إلى الحوار درجة مهمة من التعقيد. فهو لم يرفض فكرة «هندسة التطهر»، لكنه حذر من افتراض أن كل نقد ذاتي تطهر، أو أن كل اعتراف مجرد تكتيك. قد يكون النقد الذاتي شقا حقيقيا في الجدار، ولا نعرف لحظة ظهوره إن كان سيُمتص ويُعاد تدويره، أم يتحول إلى أداة تفكيك يصعب احتواؤها. هذه الإضافة مهمة لأنها تجعلنا نميز بين أمرين:
قدرة المنظومة على الاستيعاب، وحتمية الاستيعاب. فليست كل أزمة قابلة بالضرورة لأن تتحول إلى فرصة لتجديد الشرعية.
ومن هنا طرح أمين سؤالا أكثر أهمية من سؤال «هل يتطهر الغرب؟»: هل نستطيع نحن أن نحول لحظة التطهر التي يريدها إلى لحظة مساءلة لا يستطيع الإفلات منها؟
ثم أضاف فكرة شديدة الأهمية: أن المنظومة قد تستطيع غسل صورتها، لكنها لا تستطيع غسل الأرشيف. وهنا يتحول الأرشيف من ذاكرة إلى قوة.

آمال روحانا طوبي: الحقيقة التي قد تتجاوز وظيفة الصورة
رأت آمال روحانا طوبي أن الفيلم، حتى إذا أمكن أن يؤدي وظيفة تطمينية لدى بعض المتلقين الغربيين، فإنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة يمكن أن تقودهم إلى رؤية إسرائيل على حقيقتها. وهذه إضافة مهمة لأنها تذكّرنا بأن المتلقي ليس كتلة واحدة، وأن العمل الفني لا يمكن ضمان مساره بالكامل بعد خروجه إلى العالم.
قد تستقبل المؤسسة العمل بطريقة، بينما يستقبله الجمهور بطريقة أخرى. وقد يبدأ الفيلم في وظيفة تطمينية، ثم ينتج أسئلة لا يمكن التحكم بها.
وهذا يعني أن الصراع لا يدور فقط على إنتاج الصورة، بل على المعنى الذي قد تنتجه الصورة بعد انتشارها.

يحيى بركات: حياة الصورة بعد الفيلم
أما المخرج يحيى بركات فقد أخذ النقاش إلى منطقة سينمائية وفكرية بالغة الأهمية: حياة الفيلم بعد الفيلم.
من الجندي إلى الجيش، ومن الجيش إلى الحكومة، ثم إلى المؤسسة السياسية والإعلامية والدبلوماسية والقانونية والثقافية؛ أي إلى ما سماه «المصنع». لكن أهم ما أضافه كان سؤال: ماذا يحدث للصورة بعد أن يغادرها صانعها؟
فالفيلم لا ينتهي عند غرفة المونتاج، هناك المهرجان، والجائزة، والصحافة، والجمهور، والذاكرة، ثم السياسة.
ومن هنا تتقاطع رؤيته مع مفهوم «احتكار حق الشهادة»، خصوصا في سؤاله المؤلم: ولماذا تحتاج الحقيقة الفلسطينية إلى شاهد من داخل منظومة القوة كي تكتسب وزناً إضافيا في سوق المصداقية العالمي؟
لكن يحيى أضاف أيضا بعدا إنسانيا بالغ القوة، من خلال حكاية صاحب البيت الفلسطيني الذي عاد إلى بيته المسلوب، فأعجب بإنسانية من يسكنه، ثم جاء السؤال: «قد يكون الرجل أطيب إنسان في يافا. لكن بيت مَن هذا؟»
هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات عمقا في هذا الحوار: قد تكون أخلاق الفرد حقيقية، لكن ذلك لا يلغي طبيعة العلاقة السياسية التي يقف داخلها. وهو سؤال يمكن نقله إلى «نازا» نفسه:
قد يكون الجاني نادما وصادقا وإنسانيا في لحظة اعترافه، لكن ماذا عن العلاقة التي جعلت الجريمة ممكنة؟

نهى بدوي: السؤال الذي يبدأ بعد الاعتراف
أضافت نهى بدوي سؤالا بسيطا وقاسيا في آن: «هل تابوا؟ هل أصلحوا؟»
وهو سؤال يتجاوز الاعتراف إلى نتائجه. فحتى إذا افترضنا حسن النية، لا يكفي أن يعترف الجاني بالجريمة. هل تغير شيء في الواقع؟ هل أعيدت الحقوق؟ هل حوسب المسؤولون؟ هل تغيرت الشروط التي أنتجت الجريمة؟
وهكذا دفعت نهى الحوار من الاعتراف بوصفه موقفا أخلاقيا إلى الإصلاح بوصفه فعلا ماديا.

نائلة الوعري: الحقيقة الفلسطينية لا تحتاج إلى شهادة الجاني
ركزت د. نائلة الوعري على مسألة دقيقة: أن الفلسطيني لم يكن بحاجة إلى شهادة الجندي الإسرائيلي لكي تصبح تجربته حقيقة. فالحقيقة الفلسطينية سبقت الاعتراف، لكن شهادات الجنود وعناصر الاستخبارات يمكن أن تكون أدلة إضافية من داخل المؤسسة نفسها. وهنا يظهر فرق مهم بين «إثبات الحقيقة» و«تعزيز ملف المساءلة».
الفلسطيني لا يحتاج إلى الآخر كي يمنحه صدقية وجوده أو ألمه.
لكن حين تأتي الشهادة من داخل منظومة القوة، فإن السؤال يصبح: كيف نستفيد منها؟
ثم أعادت نائلة النقاش إلى السؤال المركزي: هل يقود الانكشاف إلى مساءلة وتغيير حقيقيين، أم يبقى في حدود الاعتراف الأخلاقي؟

خالد الكيلاني: سؤال السماح نفسه
طرح خالد الكيلاني سؤالا مختلفا: إذا كان الفيلم يكشف ما يمكن أن يكون ضارا بصورة إسرائيل، فلماذا سُمح له بالظهور والانتشار؟ ولماذا لم يُعامل صانعوه باعتبارهم تهديدا يستوجب الاستئصال كما جرت العادة؟
بصرف النظر عن الافتراضات التي يمكن أن تُبنى على هذا السؤال، فإن أهميته الفكرية تكمن في أنه نقل النقاش إلى سياسة السماح نفسها. فليس السؤال فقط: لماذا يُمنع النقد؟
بل أيضا: متى يُسمح به؟ وتحت أي شروط؟ وما الذي يجعل نظاما قادرا على احتواء نقد كان يمكن أن يُنظر إليه في سياق آخر باعتباره تهديدا يقتضي إزاحته؟
وهنا يصبح السماح نفسه موضوعا للتحليل؛ ليس بوصفه دليلا حاسما على خطة مقصودة، وإنما بوصفه سؤالا عن قدرة المنظومة على إدارة المعارضة والاختلاف واستيعاب بعض أشكالهما.

غسان جابر: من نقد الغرب إلى مسؤوليتنا نحن
وربما كانت إضافة غسان جابر هي التي دفعت الحوار بوضوح أكبر نحو المرحلة التي ينبغي أن نصل إليها الآن؛ فقد أعاد توجيه المرآة نحو الداخل الفلسطيني.
قال، بصورة جوهرية: المشكلة ليست فقط في قدرة الغرب على
إعادة تدوير أزماته، وإنما في قدرتنا نحن على منع إعادة تدوير أزمتنا.
وإذا كانت الشهادة يمكن أن تتحول إلى وثيقة، والوثيقة إلى ملف، والملف إلى ضغط، فإن السؤال هو: هل نملك المؤسسات والأدوات التي تقوم بهذه العملية؟ وهنا يصبح نقد التطهر الغربي بلا جدوى إذا انتهينا نحن إلى الاكتفاء بمراقبته.
لقد اقترح غسان صيغة عملية شديدة الأهمية: نأخذ الاعتراف إذا خدم قضيتنا، والشهادة إذا دعمت ملفاتنا القانونية، والفيلم إذا وسع دائرة الوعي، والعقوبات إذا ضغطت على منظومة الاحتلال، لكن دون أن يصبح أي من ذلك بديلا عن الهدف الأساسي: الحقوق الفلسطينية.

بهذا المعنى، لم تكن قيمة الحوار في الوصول إلى قراءة واحدة لـ «نازا»، وإنما في توسيع مجال السؤال نفسه، حتى انتقل من الفيلم بوصفه موضوعا للنقاش إلى الانكشاف بوصفه مادة للفعل؛ ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط أن نفهم ما تكشفه الصورة، بل أن نعرف ماذا نفعل بما تكشفه

من الانكشاف إلى الفعل
هنا أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلا، لأننا إذا اكتفينا بتحليل قدرة المنظومة الغربية على التطهر، فإننا نكون قد بقينا داخل سؤالها هي. أما المطلوب فلسطينيا وعربيا فهو أن نطرح سؤالا مختلفا: كيف نستخدم تناقضات المنظومة وانكشافاتها دون أن نسمح لها بأن تحدد غاية فعلنا؟
هذه نقطة جوهرية، فنحن لا نحتاج إلى اختيار أحد طرفين:
إما رفض كل ما يأتي من الغرب، أو الارتهان لكل ما يأتي منه. هناك طريق ثالث:
الاستفادة النقدية.
نأخذ الشهادة، لكن لا نحتاج إلى الشاهد كي يمنحنا حقنا.
نأخذ الفيلم، لكن لا نترك للمهرجان تحديد وظيفته.
نستفيد من الاعتراف، لكن لا نسمح له بأن يكون بديلا عن العدالة.
نستفيد من التناقضات داخل المجتمعات الغربية، لكن لا نجعل مستقبل فلسطين مرهونا باتجاه هذه التناقضات.
نستفيد من الانكشاف، لكن لا نكتفي بالاحتفال به.
وهنا يمكن أن يتحول «نازا» من حدث ثقافي إلى مورد سياسي وقانوني ومعرفي:
الشهادات يمكن أن تُحفظ وتوثق،
المواد يمكن أن تدخل في أرشيفات متخصصة،
الوقائع يمكن أن تُربط بملفات المسؤولية،
الأعمال الفنية يمكن أن تُستخدم في بناء معرفة عامة تتجاوز لحظة المهرجان،
المواقف المتغيرة داخل المجتمعات الغربية يمكن أن تتحول إلى فرص ضغط سياسي،
والاعترافات الرسمية يمكن أن تُختبر بمدى ما يترتب عليها من أفعال.
أي أننا نحتاج إلى بناء سلسلة واضحة:
كشف وتوثيق وأرشفة ومعرفة ومساءلة وضغط سياسي وتغيير.
وإذا انقطعت السلسلة عند أي حلقة، تصبح إمكانية احتواء الكشف أكبر.
لكنّ هذا يتطلب فعلًا فلسطينيًا وعربيًا من نوع أخرى. المشكلة ليست في نقص الشهادات، ولا في نقص الصور، ولا في نقص الوثائق. ولا في نقص الأدلة.
بل ربما تكون إحدى مشكلاتنا الأساسية هي ضعف القدرة على تجميع هذه المواد وتحويلها إلى قوة متراكمة.
وهنا تأتي مسؤولية المؤسسات الفلسطينية والعربية، لا بوصفها مجرد متلقية لما ينتجه الآخر، وإنما بوصفها قادرة على إنتاج أدواتها الخاصة. نحتاج إلى: وصل الباحث بالمحامي، والمحامي بالمؤسسة الحقوقية، والمؤسسة الحقوقية بالمؤسسة السياسية، والفيلم بالأرشيف، والأرشيف بالملف القانوني، والملف القانوني بالضغط السياسي، والثقافة بالسياسة دون أن تتحول الثقافة إلى دعاية.
وهذا يعني أن الاشتباك الفكري نفسه ينبغي ألا يبقى في فضاء المقالات والمنشورات والتعليقات، يمكن أن يصبح منتجا.
فالمقال الذي يفتح سؤالا ينبغي أن يقود إلى بحث، والبحث إلى وثيقة، والوثيقة إلى ملف، والحوار إلى مبادرة، والفكرة إلى أداة.

لا نحتاج إلى إغلاق الحوار، بل إلى تنظيمه
ما كشفته هذه التفاعلات أيضا أن لدينا قدرة حقيقية على إنتاج حوار فلسطيني متعدد التخصصات: كاتب سياسي يلتقي بمخرج، ومفكر يتحاور مع قانوني، وباحث يلتقي بفنان، وشهادة شخصية تفتح سؤالا نظريا. وهذا التعدد ليس هامشيا؛ إنه أحد شروط بناء قدرة فلسطينية على الاشتباك مع منظومات المعرفة والسياسة والثقافة في العالم.
ولذلك لا ينبغي أن تقاس قيمة هذه التفاعلات بمدى اتفاق أصحابها على قراءة واحدة ل «نازا»، بل بقدرتها على إنتاج معرفة تتراكم من الحوار نفسه.
فالفكرة التي تواجه اعتراضا تتضح حدودها، والتي تلتقي بفكرة أخرى تتسع، والسؤال الذي ينتقل من كاتب إلى آخر يمكن أن يتحول من سؤال فردي إلى قضية عامة.
المطلوب إذن ليس إغلاق الحوار عند التأييد أو الرفض، وإنما تحويله إلى تراكم فكري منظم: من المقال إلى الحوار، ومن الحوار إلى إنتاج المعرفة، ومن إنتاج المعرفة إلى بناء أدوات الفعل.

إن قيمة الاشتباك الفكري هنا لا تكمن في الوصول السريع إلى اتفاق، وإنما في قدرته على إنتاج أسئلة جديدة، وكشف حدود الأفكار، وفتح مجالات لم تكن ظاهرة في البداية. وما حدث مع «نازا» يوضح أن الحوار، حين لا يُغلق عند التأييد والرفض، يمكن أن يصبح شكلا من أشكال العمل نفسه.

ماذا نفعل إذن بعد أن عرفنا؟
ربما يكون السؤال الذي بدأ به جمال عاشور وأضاف إليه غسان جابر: «ماذا ستفعلون بعد أن عرفتم؟» هو السؤال الذي يمكن أن نختم به هذه المرحلة من الحوار. لكنني أريد أن أوسعه:
ماذا سيفعل الغرب بعد أن عرف؟
ماذا سيفعل الإسرائيلي بعد أن عرف؟
ماذا ستفعل المؤسسات الثقافية بعد أن عرفت؟
وماذا سنفعل نحن؟
لأننا لا نستطيع أن نطلب من العالم ألا يحول غزة إلى مادة لتطهير ضميره، ثم نحول نحن غزة إلى مادة للاستهلاك السياسي والإعلامي.
ولا نستطيع أن نرفض احتكار الآخر للشهادة، ثم نترك شهاداتنا ووثائقنا مبعثرة بلا بنية تجمعها وتستثمرها.
علينا أن نطور قدرة فلسطينية مقابلة: قدرة على إنتاج المعرفة، وبناء الأدوات، وتراكم الحجج، وتحويل عدالة القضية إلى قوة سياسية منظمة.
وهنا ربما يكون التحدي الحقيقي بعد « نازا»: ليس أن نمنع العالم من التصفيق، ولا أن نثبت أن التصفيق كان تطهرا أو تضامنا، بل أن نسأل: ماذا سنفعل بما صفق له العالم؟
هل سيبقى الاعتراف في قاعات المهرجانات؟ أم يصبح وثيقة؟
هل ستبقى الشهادة على الشاشة؟ أم تصبح ملفا؟
هل ستبقى الصورة في الذاكرة؟ أم تتحول إلى معرفة؟
هل سيبقى التعاطف موقفا وجدانيا؟ أم يصبح ضغطا سياسيا؟
وهل سيبقى الاشتباك الفكري الفلسطيني مجرد نقاش حول فيلم، أم يستطيع أن يتحول إلى عمل منتج؟

ربما هنا تكمن القيمة الأعمق لما حدث بعد المقال. فقد بدأنا بفيلم، ثم اكتشفنا أن وراء الفيلم سؤالا عن الشهادة، ووراء الشهادة سؤالا عن المصداقية، ووراء المصداقية سؤالا عن السلطة، ووراء السلطة سؤالا عن العدالة، ووراء العدالة سؤالا عن السياسة.
والآن وصلنا إلى السؤال الذي لا يمكن أن تجيب عنه السينما وحدها، ولا المقال وحده، ولا الاعتراف وحده:
كيف نحول المعرفة إلى قوة، والكشف إلى مساءلة، والاشتباك الفكري إلى فعل؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى