هدى حجاجي أحمد - من رواية امرأة من زمن الحلم .. الفصل: ما بين الغياب والعودة

مرت الأسابيع بطيئة، وانشغلت المدرسة بأحداثها اليومية، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ناقصًا. حاولت أن أملأ الفراغ بالكتابة، فكتبت أكثر من أي وقت مضى. بدأت أكتب عن المرأة التي ستصبحها الفتاة الصغيرة يومًا، وعن الأشياء التي ستخسرها وهي تكبر، وعن الرجال الذين يمرون في حياتها، بعضهم يبقى، وبعضهم يرحل، وبعضهم لا يفعل شيئًا سوى أنه يترك سؤالًا لا يموت. لم أكن أعرف أنني كنت أكتب نفسي قبل أن أعرفها. وفي صباح يوم عادي، سمعت صوتًا مألوفًا في الممر. لم ألتفت فورًا، لكن قلبي عرفه قبل عيني. كان فتحي قد عاد. شعرت بارتباك مفاجئ، ثم أجبرت نفسي على الهدوء. دخل الفصل في موعده، وضع أوراقه على المكتب، ونظر إلى الطالبات. كانت ملامحه مختلفة قليلًا؛ أكثر تعبًا، وأكثر هدوءًا، وكأن شيئًا حدث في غيابه لم نعرفه. بدأ الدرس دون مقدمات، وأنا أراقب كلماته من بعيد. في نهاية الحصة، وبينما كانت الطالبات يخرجن، قال: «هالة، استني لحظة.» بقيت في مكاني، لكنه لم يقترب، وإنما ظل واقفًا عند المكتب وقال: «سمعت إنك كملتي كتابة.» قلت: «آه.» قال: «كويس.» ثم أضاف: «ما توقفيش.» سألته: «ليه؟» قال: «لأن عندك حاجة تقوليها.» سكت قليلًا، ثم قال: «بس خلي بالك من حاجة.» قلت: «إيه؟» قال: «كل ما الإنسان يكبر، بيكتشف إن الكلام مسؤولية.» لم أعرف ماذا أقول. ثم أخذ أوراقه وخرج. بقيت وحدي في الفصل، وأدركت أنني كنت أنتظر عودته أكثر مما كنت أريد الاعتراف. لكنني في اللحظة نفسها شعرت بشيء آخر؛ أن المسافة بيننا أصبحت أكبر، لا أصغر. ربما لأن الغياب يجعلنا نرى الأشخاص بصورة مختلفة، وربما لأن الإنسان حين يشتاق إلى أحد يكتشف أنه لا يملك حق الاقتراب منه كما يشاء. حملت دفتري وخرجت من الفصل. وفي الممر مررت بجوار الشجرة التي كنا نجلس تحتها في الفسحة، فتذكرت كل ما مضى. لم أكن أعرف أين ستأخذني الأيام، لكنني كنت أعرف أنني لم أعد الطالبة نفسها التي دخلت المدرسة في بداية الحكاية. كان القلم في حقيبتي، والدفتر بين يدي، والسؤال في قلبي، وربما كانت هذه هي أول مرة أفهم فيها أن بعض الحكايات لا تُكتب لكي نعرف نهايتها، وإنما لكي نفهم كيف تغيرنا الطريق إليها.

يتبع ........

IMG-20260921-WA0005.jpg


الفصل: حين يصبح الطريق أطول

لم أكن أعرف أن الطريق إلى نفسي سيكون أطول من الطريق الذي كنت أقطعه كل صباح إلى المدرسة، وأن السنوات التي ظننتها مجرد سنوات دراسة ستترك في داخلي كل هذا العدد من الأسئلة. كنت أكبر قليلًا كل يوم، ليس في العمر وحده، وإنما في قدرتي على رؤية الأشياء من أكثر من زاوية. لم تعد الحياة بالنسبة لي مجرد ما يحدث أمام عيني، بل أصبحت أبحث عما يختبئ خلف الأحداث، وعن الأسباب التي تجعل الإنسان يتصرف بطريقة دون أخرى. كنت أراقب زميلاتي، أسمع أحاديثهن عن الحب والزواج والمستقبل، وأشعر أحيانًا أننا نعيش في العالم نفسه، لكن كل واحدة منا تحمل عالمًا مختلفًا في داخلها. أما أنا، فكنت أريد شيئًا آخر؛ كنت أريد أن أتعلم، وأن أكتب، وأن يكون لي صوت لا يستطيع أحد أن يصادره. وفي صباح أحد الأيام، أعلن الأستاذ يوسف عبدالجليل أن المدرسة ستقيم ندوة ثقافية، وأن بعض الطالبات سيشاركن في إعدادها وتقديم فقراتها، ثم قال أمام الجميع: «هالة هتكون مسؤولة عن الجزء الأدبي.» نظرت إليه بدهشة، فقال مبتسمًا: «إنتِ بدأتي الطريق، كمليه.» شعرت بالفخر، لكن الفخر هذه المرة كان مصحوبًا بالخوف؛ فالنجاح حين يصبح ملحوظًا يجعل الإنسان يشعر بأنه أصبح مسؤولًا عن صورته أمام الآخرين. وبعد انتهاء الاجتماع، وجدت فتحي يقف في نهاية الممر. قال: «مبروك.» قلت: «على إيه؟» قال: «بقيتي مسؤولة عن حاجة كاملة.» قلت ممازحة: «هو أنت كنت مستني أشيل المدرسة على كتفي؟» ابتسم وقال: «لا، بس كنت مستني أشوف هتعملي إيه لما المسؤولية تكبر.» قلت: «وأنت هتحكم عليّ؟» قال: «مش دوري أحكم، دوري أقول لك لو في حاجة محتاجة تتصلح.» كانت طريقته مختلفة. لم أشعر هذه المرة أنه يريد أن يختبرني أو ينتصر عليّ في نقاش، وإنما شعرت أنه يضع أمامي مرآة صغيرة كي أرى نفسي بوضوح. بدأت العمل على الندوة، وكنت أكتب وأراجع وأحذف وأعيد صياغة الجمل حتى ساعات متأخرة. وفي يوم البروفة، أخطأت في ترتيب الفقرات، وحدث ارتباك جعلني أشعر بأن كل ما فعلته خلال الأيام الماضية انهار في لحظة. خرجت من القاعة غاضبة من نفسي، وجلست وحدي تحت شجرة الفناء. جاء فتحي، لكنه لم يجلس بجواري، وقف على مسافة وقال: «إيه اللي حصل؟» قلت بعصبية: «بوظت كل حاجة.» قال: «لا.» قلت: «إنت شفت بنفسك.» قال: «شوفت غلطة.» قلت: «والغلطة مش معناها إن كل حاجة باظت؟» قال: «لا، معناها إنك بتتعلمي.» رفعت رأسي إليه. قال: «اللي بيخاف من الغلط مش هيتعلم، واللي بيعتبر كل غلطة نهاية مش هيكمل.» بقيت صامتة. ثم قال: «ارجعي جربي تاني.» قلت: «ولو فشلت؟» أجاب ببساطة: «تبقي جربتي.» كانت جملة عادية، لكنها استقرت في داخلي. عدت إلى القاعة، وأعدت ترتيب كل شيء من جديد. وفي اليوم التالي خرجت الندوة بصورة أفضل مما توقعت. وقف الأستاذ يوسف في المقدمة، وصفق لنا، ثم قال أمام المعلمين والطالبات إن النجاح الحقيقي لا يأتي من الموهبة وحدها، وإنما من القدرة على النهوض بعد الخطأ. وبينما كان يتحدث، رأيت فتحي بين الحاضرين. لم يصفق كما فعل يوم تكريمي الأول فقط، بل كان يبتسم ابتسامة هادئة، كأنه يعرف أنني نجحت في اختبار لم يكن مكتوبًا في أي كتاب. بعد انتهاء الندوة اقترب مني وقال: «المرة دي ما كانش فيها خوف.» قلت: «كان موجود.» قال: «بس ما بانش.» ابتسمت وقلت: «يمكن اتعلمت أخبيه.» هز رأسه وقال: «لا، اتعلمتي تواجهيه.» ثم ابتعد. بقيت كلماته معي. لأول مرة فهمت أن الإنسان لا يصبح قويًا حين يتخلص من خوفه، وإنما حين يتعلم ألا يسمح للخوف أن يقرر عنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى