هدى حجاجي -فصل: حين كان يستفزُّ عنادي

لم يمر وقت طويل حتى عاد فتحي إلى ما كتبته، وكأنه لم يستطع أن يترك كلماتي معلقة في آخر الكراسة دون رد. كان يحاول أن يشرح وجهة نظره، لا أن يدافع عن نفسه فقط، وكان بين سطوره شيء يشبه الاعتراف، وشيء آخر يشبه العناد الذي أعرفه فيه جيدًا. قرأت كلماته مرة، ثم أعدت قراءتها، وكلما ظننت أنني فهمت ما يريد قوله، وجدت في آخر السطر كلمة تستفزني من جديد.

وفي آخر الكراسة كتب جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لإشعال غضبي كله: «لا تنسي أنني رجل الحروب والمعارك.»

توقفت أمامها طويلًا، ثم قلت لنفسي: ها هو عاد إلى استفزازي من جديد! لم يكن يريد أن يترك لي فرصة للهدوء. كان يعرف أنني حين أغضب أتحول إلى شخص آخر؛ أجادل أكثر، وأتمسك برأيي أكثر، وأرفض أن أترك أي كلمة تمر دون حساب. وكان يرى أن هذا العناد من أجمل ما فيّ، وربما لهذا كان يتعمد أن يدفعني إليه كلما شعر أنني أصبحت هادئة أكثر مما ينبغي.

لم أحتمل.

أغلقت الكراسة، وذهبت إليه في المكتبة وأنا غاضبة. كنت قد خلعت الجاكيت الأزرق وتركته على الدرج، وجلست نرمين فوقه دون أن تنتبه. وما إن رأتني أتحرك مسرعة حتى نادتني: «على فين يا مجنونة؟»

لم أجبها، فقط قلت وأنا أواصل الجري: «جاية حالًا.»

كنت أبحث عنه وكأنني ذاهبة لأواجه خصمًا في معركة حقيقية، لا مدرسًا أعرف أنه سيبتسم بمجرد أن يراني غاضبة.

دخلت المكتبة، فوجدته وسط مجموعة من الطالبات، يشرح لهن درسًا عامًا في المنهج. توقفت لحظة عند الباب، ثم اقتربت. كان يشرح بهدوء شديد، وكأنه لم يكتب قبل دقائق تلك الجملة التي أشعلت رأسي.

كنت غاضبة إلى درجة أن وجهي احمرّ. كنت أرتدي قميصًا أبيض وبنطلوني الأزرق، وكان رباط شعري قد انفلت أثناء اندفاعي، فتناثرت خصلاته حول وجهي. حاولت أن أجمعه إلى الخلف بيدي، لكنني كنت متوترة أكثر من اللازم.

اقتربت منه، وضعت الكراسة أمامه بعصبية، وقلت وأنا ألمّ شعري بيدي:

«أحب أفهم... إيه الرد ده؟ أو الردود دي كلها؟»

رفع عينيه إليّ، وكأنه لم يفهم شيئًا.

قال بهدوء مستفز:

«رد إيه؟»

نظرت إليه مباشرة وقلت:

«هو ده سؤالي... مش إجابة.»

ظل ينظر إليّ لحظة، ثم نظر إلى الكراسة، ولم يقل شيئًا.

شعرت أنني لو بقيت دقيقة أخرى فسوف أقول كلامًا أكثر مما ينبغي، فتركت الكراسة أمامه وقلت:

«خلاص.»

ثم استدرت وعدت إلى نرمين.

كنت غاضبة منه، وغاضبة أكثر من نفسي لأنني ذهبت إليه أصلًا. عدت إلى الدرج وجلست بجوار نرمين ومها، وأنا أتمتم بكلمات غير مفهومة.

قالت نرمين:

«إيه يا هالة؟ إنتِ مالك؟»

قلت بضيق:

«مغرور... ومستفز... وعايز يقتلني.»

ضحكت مها، بينما قالت نرمين:

«اهدي يا هالة.»

قلت وأنا أنظر ناحية المكتبة:

«هو فاكر نفسه إيه؟ رجل الحروب والمعارك! هو أنا ناقصة حروب؟»

وقبل أن تكمل نرمين كلامها، وجدناه فوق رؤوسنا.

كان قد استأذن من الطالبات للحظات، وجاء مسرعًا خلفي. وقف أمامنا ومد يده بشيء صغير.

قال:

«خدي.»

نظرت إلى يده، فإذا به يمسك رباط شعري الذي سقط مني دون أن أنتبه.

حدقت فيه بدهشة، ثم أخذته منه دون كلمة.

قال وكأنه لم يرَ غضبي أصلًا:

«وقع منك.»

نظرت إليه وأنا أكاد أنفجر من الغيظ، فقال بكل هدوء:

«والجاكيت كمان... البسيه.»

قلت:

«ليه؟»

قال:

«علشان ما تعديش كده وتبردي وتمرضي.»

اتسعت عيناي.

ها هو يفعلها مرة أخرى.

جاء وراءي ليعيد لي رباط شعري، ثم أخذ ينصحني بارتداء الجاكيت وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن جملة «رجل الحروب والمعارك» لم تكن كافية لإشعال الحرب التي جاء الآن ليطفئها.

نظرت إليه وقلت:

«إنت بتستفزني، صح؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة لم تعجبني أبدًا، وقال:

«أنا؟ أبدًا.»

قالها ثم استدار وعاد إلى المكتبة ليكمل شرح الدرس، تاركًا إياي في مكاني، والرباط في يدي، والجاكيت الأزرق ملقى إلى جواري، وغضبي معلقًا بيننا.

نظرت إلى نرمين وقلت:

«شايفة؟»

قالت وهي تضحك:

«شايفة إيه؟»

قلت:

«هو ده... هو ده اللي بيخليني أجن.»

ضحكت نرمين، بينما بقيت أنا أراقب ظهره وهو يبتعد نحو المكتبة.

كنت أعرف أنه كان يقصد كل شيء.

كان يعرف أن عنادي يغضبني، لكنه كان يرى فيه شيئًا آخر؛ شيئًا يشبه القوة التي لم أكن أعرف أنها ظاهرة إلى هذا الحد. وكان يستفزني عمدًا كي أخرج من هدوئي، كي أقول ما في داخلي، وكي يرى تلك الفتاة التي لا تخاف أن تقف أمامه وتقول له: «لا، أنت مخطئ.»

ولم أكن أعرف وقتها أن أكثر ما كان يحبه فيّ لم يكن هدوئي ولا خجلي، وإنما تلك النار الصغيرة التي تشتعل في عيني كلما حاول أحد أن يفرض عليّ شيئًا.

أما هو، فكان يبدو سعيدًا كلما نجح في إشعالها.
........................

فصل: حين تحولتُ إلى مذيعةٍ في علم النفس

بعد ذلك اليوم، لم يتغير فتحي معي أمام الطالبات، لكنه صار أكثر حرصًا على أن يخفي ما يشعر به، وربما كان هذا في حد ذاته طريقة أخرى لاستفزازي. كان يعاملني كما يعامل بقية الطالبات، يسألني، يناقشني، يصحح لي، وأحيانًا يتعمد أن يختلف معي أمامهن، وكأنه يريد أن يقول للجميع إنني لست استثناءً عنده. لكنني كنت أعرفه أكثر مما يعرفون؛ كنت ألتقط تلك النظرة السريعة التي يسرقها نحوي ثم يعيد عينيه إلى الكتاب، وأفهم من نبرة صوته حين يناديني أن وراء الجملة شيئًا لم يقله.

ولأنني كنت قد قررت ألا أترك له آخر كلمة، جلست ذات مساء أفكر في الحلقة القادمة من برنامجنا المدرسي. كنت أريد موضوعًا في علم النفس، موضوعًا يلامس شيئًا حقيقيًا في الإنسان، وفي الوقت نفسه يحمل رسالة لا يستطيع أحد أن يمسك بها عليّ.

وقعت عيني على عنوان كتبته في أعلى الصفحة: «هوس الغرور وهوس الجنون... حين تتحول الحماقة إلى سلوك.»

ابتسمت.

قلت في نفسي: هذا هو الموضوع.

ولم أكن بحاجة إلى أن أذكر اسم فتحي، فقد كنت أعرف أن بعض الرسائل تصل إلى أصحابها دون أسماء.

بدأت إعداد الحلقة بعناية. لم أردها مجرد سخرية من شخص، وإنما أردت أن أتحدث عن الغرور حين يتضخم حتى يصبح صاحبه غير قادر على رؤية نفسه، وعن الإنسان الذي يظن أنه دائمًا على حق، وأن من حوله مطالبون بفهمه دون أن يكلف نفسه عناء فهمهم. وتحدثت عن الجنون بمعناه السلوكي لا المرضي، عن تلك الحماقات الصغيرة التي يرتكبها الإنسان وهو مقتنع أنه يمارس الحكمة، وعن أخطر ما في الأمر حين يتحول الرجل إلى أسير لصورة صنعها عن نفسه، فيرفض الاعتذار، ويعتبر التراجع ضعفًا، ويظن أن استفزاز الآخرين نوع من الذكاء.

وفي صباح الحلقة، وقفت أمام الميكروفون، وشعرت بذلك الشعور الذي يأتيني دائمًا قبل أن أبدأ. رهبة صغيرة، ثم ثقة تكبر مع أول كلمة.

قلت:

«صباح الخير على مدرستنا الجميلة، صباح الخير على أساتذتنا ومدرسينا الأفاضل، وصباح الخير على زميلاتي وزملائي، وعلى أسرة برنامجنا التي تلتقي بكم من جديد في حلقة جديدة من برنامجنا...»

رحبت بالمدرسة والمدرسين، وشكرت أسرة البرنامج، ثم تركت لحظة صمت قصيرة قبل أن أقول:

«حلقتنا اليوم قد تبدو ساخرة في بدايتها، لكنها في الحقيقة محاولة لفهم الإنسان حين يقع في حب صورته عن نفسه، فيصبح أسيرًا لها، لا يرى أخطاءه، ولا يسمع نصيحة، ولا يحتمل أن يقول له أحد: أنت مخطئ.»

كنت أتكلم بثبات، وكلما اقتربت من الجزء الخاص بـ«حماقة الرجل حين يظن أن غروره قوة»، شعرت أنني أقاوم رغبة عارمة في الضحك.

قلت: «هناك رجل يعتقد أن كل من يختلف معه يتحداه، وأن كل من لا يطيعه يعانده، وأن كل امرأة تملك رأيًا مستقلًا هي امرأة صعبة المراس. والحقيقة أن المشكلة ليست في المرأة، وإنما في رجل لم يتعلم بعد أن الحوار ليس معركة، وأن الاختلاف ليس تمردًا، وأن من يحبك ليس مطالبًا بأن يهزم نفسه حتى يثبت لك حبه.»

كانت الجملة الأخيرة مقصودة.

ومع ذلك لم أذكر اسمه.

أكملت الحلقة حتى النهاية، وتحدثت عن الغرور، وعن الوهم، وعن ضرورة أن يراجع الإنسان نفسه قبل أن يحاكم الآخرين، ثم ختمت:

«ربما لا تكون المشكلة في أننا نخطئ، فكلنا نخطئ، وإنما في أن نرفض الاعتراف بخطئنا، ثم نغضب ممن يراه.»

ما إن انتهت الحلقة حتى دوى التصفيق.

كان تصفيقًا حادًا متواصلًا، جعلني أشعر بأنني لم أقدم حلقة عادية، بل خرجت من معركة وأنا منتصرة.

كنت سعيدة جدًا.

وكان أكثر ما أسعدني أنني استطعت أن أقول ما أريد دون أن أقول لمن أقوله.

التفتُّ إلى نرمين، وضحكت. وكانت معي هالة يوسف، صديقتي، فقالت وهي تضحك:

«إنتِ جبارة يا هالة! ما بتسيبيش حقك أبدًا.»

قلت وأنا أحاول أن أبدو بريئة:

«أنا؟ أنا قلت كلام عام.»

ضحكت وقالت:

«عام إيه يا بنتي؟ ده الأستاذ فتحي مولع نار!»

انفجرت أنا ونرمين في الضحك.

قالت نرمين وهي تخفض صوتها:

«ده حيجن دلوقتي ويتفرس منك.»

قالت صفاء، التي كانت تتابعنا:

«يا بنات، ما تستهينوش بالأستاذ فتحي. ده دلوقتي حيطيّنها علينا كلنا.»

ردت عليها أخرى:

«صفاء، طيب يا أختي ابقي قولي صفاء قالت!»

ضحكنا جميعًا، لكنني في داخلي كنت أترقب المواجهة.

وكنت أعرف أنها ستأتي.

وبالفعل جاءت أسرع مما توقعت.

كانت الحصة الأولى لغة عربية، وغاب الأستاذ عامر، فوجدنا فتحي يدخل بدلًا منه.

ما إن رأيته حتى شعرت أن قلبي قفز من مكانه، لكنني تماسكت. جلست في مقعدي، وكانت صفاء في المقعد الذي خلفي. مرّ فتحي بين المقاعد، ثم توقف لحظة عندما رأى الجاكيت الأزرق.

مد يده وشده من على الكرسي.

قال بصوت هادئ، لكنه يحمل شيئًا أعرفه جيدًا:

«مش قلتلك؟»

نظرت إليه.

قلت:

«قلتلي إيه يا أستاذ؟»

نظر إليّ نظرة قصيرة، ثم قال:

«ولا حاجة.»

ساد الصمت.

البنات كلهن كنّ يتابعن الموقف دون أن يجرؤن على الكلام.

أما أنا، فكنت لا أزال أسمع التصفيق في أذني، وأشعر بسعادة غريبة لأنني استطعت أن أقول له ما أردت دون أن أذكر اسمه.

كان فتحي في قمة غضبه، وأنا كنت أعرف ذلك.

لكنه لم يصرخ.

وهذا بالذات كان أخطر.

وقف أمام الفصل، فتح الكتاب، وقال:

«افتحوا الدرس.»

ثم بدأ يشرح.

كنت أراقبه من طرف عيني، وأحاول أن أخفي ابتسامتي.

كان يشرح بعصبية، يكتب على السبورة بقوة أكبر من المعتاد، يمسح الكلمة ثم يعيد كتابتها، وكلما التفت ناحية الفصل كانت عيناه تقعان عليّ لحظة ثم تبتعدان.

فهمت الرسالة.

وفهم هو أيضًا أنني فهمتها.

وفي تلك اللحظة أدركت أن الحلقة لم تنتهِ بانتهاء البرنامج.

لقد بدأت داخل الفصل.




يتبع..........
من رواية امرأة من زمن الحلم
بقلم الكاتبة الروائية ھويدا حجاجي أحمد




IMG-20261005-WA0003.jpg IMG-20261005-WA0002.jpg
  • Like
التفاعلات: حيدر عاشور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى