كان من عادتي أن أكتب عنوان الحلقة قبل أن أبدأ إعدادها، ثم أترك مساحة واسعة تحت العنوان لأضع فيها الأفكار التي تأتي تباعًا، لكنني في ذلك اليوم ظللت فترة طويلة أمام الجملة التي اخترتها للحلقة، أقرأها مرة، ثم أعود إليها مرة أخرى، كأنني لا أريد أن أبدأ قبل أن أفهمها من الداخل لا من ظاهرها.
كتبت في أعلى الصفحة:
«إن الإنسان مهما يصغر شأنه، ومهما يهبط قدره، ومهما تهن قيمته، يحب بغريزته أن تُحترم كرامته من حيث هو إنسان.»
دوستويفسكي
وضعت القلم جانبًا وقلت في نفسي: ليست جملة عابرة يمكن أن نقرأها ثم ننتقل إلى غيرها. هذه الجملة وحدها تصلح لأن تكون بابًا ندخل منه إلى أسئلة كثيرة عن الإنسان، عن السلطة، والفقر، والضعف، والإهانة، والغرور، وحتى عن الحب.
وفي موعد الحلقة، كانت الأستاذة عزة قد سبقتني إلى المكان، وجلست أمام الطاولة ترتب أوراقها، بينما كان بعض الطلبة يتجمعون حولها.
دخلتُ وأنا أحمل دفتري، فقالت عزة:
«واضح إن الحلقة النهارده تقيلة.»
قلت: «تقيلة؟»
قالت وهي تشير إلى الدفتر: «أيوه، من شكل الورق. كل مرة أشوف الكراسة بتاعتك أخاف.»
ضحكت وقلت: «ليه؟»
«لأنك لما بتكتبي صفحات كتير، لازم حد في الآخر يدفع الثمن.»
وقبل أن أجيب، جاء صوت من خلفنا:
«وأنا متأكد إن الشخص اللي هيدفع الثمن النهارده هو أنا.»
التفتُّ، فإذا بفتحي يقف عند الباب، يحمل بعض الأوراق، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا.
قلت: «إنت مالك؟»
قال: «أنا حاسس إن الحلقة هتتحول لمحاكمة.»
قلت: «وليه؟»
قال: «علشان الموضوع عن كرامة الإنسان، وأنا معروف إن كرامتي معرضة للخطر طول الوقت في حضورك.»
ضحكت عزة، بينما نظرت إليه وقلت:
«لو عندك مشكلة مع الحلقة، ممكن تخرج.»
قال فورًا:
«لا، مستحيل. أنا جيت مخصوص أشوف هالة هتتكلم عن كرامة الإنسان وهي بتتعامل معايا إزاي.»
قلت: «أهو بدأنا.»
رفعت عزة يدها وقالت:
«خلاص يا فتحي، اقعد قبل ما الحلقة تبدأ ونلاقي أول تطبيق عملي للجملة.»
جلس وهو يقول:
«أنا موافق... بس بشرط.»
قلت: «إيه؟»
قال: «أكون ضيفًا مش متهمًا.»
قلت: «على حسب سلوكك.»
ضحكت الأستاذة عزة وقالت:
«واضح أن الحلقة ستحتاج إلى وقت إضافي.»
بدأت الحلقة، ووقفت أمام الحاضرين، وقلت:
«حلقة اليوم ليست عن العظماء، ولا عن أصحاب المناصب، ولا عن الذين صنعت لهم الحياة مكانة تجعل الآخرين مضطرين إلى احترامهم. حلقتنا اليوم عن الإنسان حين تسقط عنه كل الألقاب، حين لا يبقى معه مال ولا منصب ولا شهرة ولا نفوذ، حين يصبح في أضعف حالاته، ثم يظل بداخله شيء واحد يرفض أن يُهان... كرامته.»
ساد الصمت.
ثم قلت:
«دوستويفسكي يضع يده هنا على منطقة شديدة الحساسية في النفس البشرية. هو لا يقول إن الإنسان لا يخطئ، ولا يقول إن الجميع متساوون في الأخلاق أو القيمة الاجتماعية أو الإنجاز. لكنه يفرق بين قيمة الإنسان كفرد وبين حالته أو موقعه أو أخطائه.»
نظرت إلى الأستاذة عزة وقلت:
«أستاذة عزة، لو أردنا أن نفكك الجملة كلمة كلمة، من أين نبدأ؟»
قالت:
«أبدأ من كلمة "الإنسان". لأنها أهم كلمة في الجملة كلها. قبل أن يكون فقيرًا أو غنيًا، ناجحًا أو فاشلًا، قويًا أو ضعيفًا، هو إنسان. وهذه الصفة وحدها تمنحه حقًا أساسيًا: ألا يتحول ضعفه إلى مبرر لإذلاله.»
قلت:
«إذن الإنسان هنا ليس لقبًا، بل أصل.»
قالت:
«بالضبط.»
تدخل فتحي:
«طيب لو الإنسان نفسه عامل الناس بطريقة سيئة؟»
نظرت إليه وقلت:
«ده لا يسقط عنه إنسانيته، لكنه يجعله مسؤولًا عن أفعاله.»
قال:
«يعني الكرامة مجانية؟»
قلت:
«الكرامة الإنسانية ليست جائزة تُمنح لمن يعجبنا.»
ابتسم وقال:
«إجابة خطيرة.»
قالت عزة:
«بل ضرورية. لأنك لو جعلت الكرامة مكافأة، أصبح من يملك السلطة هو الذي يقرر من يستحقها ومن لا يستحقها.»
قلت:
«وهنا نصل إلى كلمة أخرى: "مهما".»
كتبتها على السبورة.
«مهما يصغر شأنه... مهما يهبط قدره... مهما تهن قيمته.»
قلت:
«لاحظوا تكرار "مهما". لماذا كررها الكاتب؟ لأن الإنسان قد يفقد أشياء كثيرة، لكنه لا يفقد حقه في أن يُعامل كإنسان. مهما كان موقعه، ومهما كان انكساره، ومهما كانت نظرة المجتمع إليه.»
قال فتحي:
«يعني حتى الطالب اللي آخر الصف؟»
قلت:
«حتى آخر الصف.»
قال:
«طيب واللي بينام في الحصة؟»
قلت:
«يتحترم، ويتعاقب تربويًا إذا أخطأ.»
قال:
«يعني كرامة مع خصم درجات؟»
ضحكت عزة:
«فتحي، أنت دائمًا تبحث عن الثغرات.»
قلت:
«وده بالضبط الفرق بين احترام الإنسان واحترام السلوك. يمكنني أن أرفض سلوكك، لكن ليس من حقي أن أحول الرفض إلى إهانة لشخصك.»
سكت فتحي قليلًا، ثم قال:
«دي نقطة مهمة.»
نظرت إليه وقلت:
«أنت قلتها بنفسك.»
قال:
«أنا أحيانًا بقول حاجات مهمة بالصدفة.»
ضحك الجميع.
ثم عدت إلى الجملة.
«يصغر شأنه.»
قلت:
«ما معنى شأن الإنسان؟ هل هو راتبه؟ شهادته؟ مكانته؟ عدد الذين يعرفونه؟ هل الشخص الذي لا يملك شيئًا يصبح بلا شأن؟ هنا تبدأ المشكلة. المجتمع أحيانًا يخلط بين قيمة الإنسان وقيمته السوقية. يسأل: ماذا يملك؟ ماذا يعمل؟ أين يعيش؟ من يعرف؟ ثم ينسى السؤال الأهم: كيف يعامل الآخرين؟ وكيف يحب؟ وكيف يتحمل؟ وكيف يحفظ كرامة من هم أضعف منه؟»
قالت عزة:
«وقد يكون الإنسان الذي لا يملك شيئًا أكثر ثراءً من إنسان يملك كل شيء، إذا كان يحمل بداخله ضميرًا حيًا.»
قلت:
«وهنا تأتي كلمة "يهبط".»
ثم التفتُّ إلى فتحي:
«ماذا تفهم منها؟»
قال:
«يعني واحد كان فوق ونزل تحت.»
قلت:
«لكن ماذا لو لم يكن "فوق" أصلًا؟»
فكر لحظة.
قال:
«يبقى إحنا اللي حطيناه تحت.»
نظرت إليه مبتسمة.
«بالضبط.»
قالت عزة:
«وهذه أخطر نقطة. المجتمع يصنع طبقات من التقدير، ثم يتعامل معها وكأنها حقائق طبيعية. فيصبح هناك من يعتقد أنه يستحق الاحترام تلقائيًا، وهناك من يظن أنه يجب أن يتوسل حتى يُعامل بكرامة.»
قلت:
«والإنسان قد يتقبل الفقر، وقد يتقبل الفشل، وقد يتحمل المرض والوحدة، لكنه كثيرًا ما ينكسر أمام الإهانة.»
ثم كتبت كلمة أخرى:
«كرامته».
وقلت:
«لم يقل احترامه فقط، بل قال كرامته. لأن الاحترام سلوك ظاهر، أما الكرامة فهي إحساس داخلي بقيمة الذات. قد يستطيع الإنسان أن يعيش بموارد قليلة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيش وهو يشعر أن الآخرين يرونه بلا قيمة.»
قال فتحي:
«بس في ناس بتتنازل عن كرامتها علشان مصلحة.»
قلت:
«أحيانًا لا يكون ما نراه تنازلًا حقيقيًا، بل اضطرارًا. الإنسان قد يصمت لأنه يحتاج، وقد يحتمل لأنه مسؤول عن أسرة، وقد يقبل وضعًا مؤقتًا لأنه لا يملك البديل. لكن لا ينبغي أن نحاكم الإنسان على صمته من الخارج.»
أومأت عزة وقالت:
«الإنسان الذي نراه صامتًا قد يكون داخله يصرخ.»
ساد الصمت لحظة.
ثم قال فتحي:
«طيب أنا عندي سؤال.»
قلت: «اتفضل.»
قال: «هل احترام كرامة الآخر يعني إني أوافقه في كل حاجة؟»
قلت: «لا.»
قال: «يعني لو اختلفت معاه؟»
«تحترمه وتختلف معه.»
«لو أخطأ؟»
قلت
«تحاسبه على خطئه دون أن تهينه.»
«لو استفزني؟»
«ترد عليه، لكن لا تحوله إلى شيء أقل من إنسان.»
ابتسم وقال:
«يعني الواحد لازم يكون محترم حتى وهو متخانق؟»
قلت:
«هنا يظهر معدن الإنسان.»
رفعت عزة رأسها وقالت:
«وهذا هو جوهر الفكرة. الأخلاق لا تظهر عندما تسير الأمور كما نريد. تظهر عندما نغضب، وعندما نختلف، وعندما نملك القدرة على إيذاء شخص ثم نقرر ألا نفعل.»
قلت:
«وهنا ربما نفهم لماذا كان الأدب العظيم مشغولًا بالإنسان الهامشي، والمكسور، والضعيف، والمذنب، والمهمش. لأن الأدب لا ينظر إلى الإنسان من أعلى، بل يدخل إلى داخله.»
ثم التفتُّ إلى فتحي وقلت:
«وأنت، بما أنك ضيف الحلقة المشاكس، قل لنا: ما الذي يجرح كرامة الإنسان أكثر؟ الفقر أم الإهانة؟»
قال بعد تفكير:
«الإهانة.»
قلت: «ليه؟»
قال:
«لأن الفقر ممكن يتغير. لكن لما حد يحسسك إنك قليل، ممكن الكلمة تفضل معاك سنين.»
لم أعلّق فورًا.
كانت إجابته أكثر جدية مما توقعت.
قالت عزة:
«أحيانًا جملة واحدة يقولها شخص في لحظة غضب، تظل في ذاكرة شخص آخر سنوات.»
قلت:
«ولهذا يجب أن نتعلم أن الكلمات ليست بلا ثمن. الإنسان لا ينسى دائمًا ما قيل له، خصوصًا حين تأتي الإهانة من شخص كان يمنحه الثقة.»
نظر فتحي إليّ لحظة، ثم قال:
«هو الكلام ده في الحلقة ولا فيه رسالة لشخص معين؟»
ضحكت عزة.
أما أنا فقلت:
«ركز في الحلقة يا فتحي.»
قال:
«أنا مركز جدًا، بس بخاف من التلميحات.»
قلت:
«إذن خليك مؤدب.»
قال:
«أنا أصلًا مثال للكرامة الإنسانية.»
ضحكت وقلت:
«دي محتاجة ندوة مستقلة.»
ضحك الجميع.
ثم عدت إلى الجمهور:
«لكننا لا ينبغي أن نفهم الكرامة باعتبارها غرورًا. هناك فرق كبير بين أن أحفظ كرامتي وبين أن أتعالى على الآخرين. الكرامة تقول: أنا إنسان وأستحق الاحترام. أما الغرور فيقول: أنا أفضل منك وأنت أقل مني. الأولى تحمي الإنسان، والثانية تهدمه وتهدم من حوله.»
قالت عزة:
«وهنا يصبح احترام كرامة الآخر نوعًا من احترام الذات أيضًا. لأن الإنسان الذي يهين الناس باستمرار يكشف شيئًا عن نفسه أكثر مما يكشفه عن ضحاياه.»
قلت:
«وهذه ربما أجمل خلاصة للحلقة: لا تحتاج إلى أن تسحق إنسانًا لكي تثبت أنك قوي. القوة الحقيقية أن تستطيع أن تختلف دون أن تهين، وأن ترفض دون أن تحقر، وأن تغضب دون أن تتحول إلى جلاد.»
رفع فتحي يده كطالب.
قلت: «نعم يا أستاذ فتحي.»
قال:
«آخر سؤال.»
«اتفضل.»
«لو أنا زعلت من حد، وكرامتي اتجرحت، أعمل إيه؟»
نظرت إليه وقلت:
«تتكلم.»
قال: «ولو ما فهمش؟»
«تشرح مرة.»
«ولو أصر؟»
«تبتعد.»
«من غير إهانة؟»
«من غير إهانة.»
«ومن غير انتقام؟»
«من غير انتقام.»
ابتسم وقال:
«أهو ده أصعب جزء.»
قلت:
«لأنك عندما تنتقم، أنت لا تستعيد كرامتك، أنت فقط تنقل الألم من قلبك إلى قلب شخص آخر.»
سكت.
ثم قلت وأنا أغلق دفتري:
«ربما كانت كرامة الإنسان هي آخر شيء يبقى له عندما تسقط عنه كل الأشياء. قد يفقد ماله، ومكانته، وعمله، وقد يخطئ، وقد يفشل، وقد ينكسر، لكنه يظل بحاجة إلى يد لا تشير إليه باحتقار، وصوت لا يسحقه، وكلمة تقول له: أنت أخطأت، نعم، لكنك ما زلت إنسانًا.»
وقبل أن أنهي الحلقة، قالت عزة:
«وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن نخرج به اليوم هو أن احترام الإنسان لا يعني أن نعفيه من المسؤولية، بل يعني أن نحاسبه دون أن نسلبه إنسانيته.»
قلت:
«وأنا أضيف: لا تجعل اختلافك مع إنسان سببًا في نسيان أنك وإياه تشتركان في شيء واحد... أن كليكما يريد أن يشعر بأنه ليس بلا قيمة.»
رفع فتحي يده مرة أخرى.
قلت:
«إيه تاني؟»
قال:
«بس حبيت أقول إن الحلقة عجبتني.»
ابتسمت.
«بجد؟»
قال:
«آه... خصوصًا الجزء اللي اتقال فيه إن كرامة الإنسان مهمة.»
ثم سكت لحظة وأضاف:
«بس عندي اقتراح للحلقة الجاية.»
قلت بحذر:
«إيه؟»
قال:
«نتكلم عن كرامة المدرس قدام الطلبة.»
انفجرت عزة بالضحك.
قلت له:
«اخرج يا فتحي.»
قال وهو ينهض:
«أهو كده ضاعت الكرامة الإنسانية.»
وانتهت الحلقة وسط الضحك، لكنني وأنا أرتب أوراقي، عدت إلى الجملة الأولى مرة أخرى.
أدركت أن فلسفة دوستويفسكي لم تكن بعيدة عن الحياة كما تبدو في الكتب. كانت موجودة في الفصل، وفي الشارع، وفي البيت، وفي علاقة الإنسان بأخيه، وفي كلمة قد ترفع إنسانًا، وكلمة أخرى قد تهدمه.
ولأول مرة فهمت أن كرامة الإنسان لا تبدأ عندما يصبح عظيمًا؛ بل تبدأ من اللحظة التي نرفض فيها أن نهينه لأنه ضعيف.
وربما لهذا السبب ظل السؤال مفتوحًا في دفتري:
إذا كان الإنسان لا يملك أن يختار دائمًا مكانه في الحياة، أفلا يملك على الأقل أن يطلب أن يُعامل فيها بكرامة؟
كتبت في أعلى الصفحة:
«إن الإنسان مهما يصغر شأنه، ومهما يهبط قدره، ومهما تهن قيمته، يحب بغريزته أن تُحترم كرامته من حيث هو إنسان.»
دوستويفسكي
وضعت القلم جانبًا وقلت في نفسي: ليست جملة عابرة يمكن أن نقرأها ثم ننتقل إلى غيرها. هذه الجملة وحدها تصلح لأن تكون بابًا ندخل منه إلى أسئلة كثيرة عن الإنسان، عن السلطة، والفقر، والضعف، والإهانة، والغرور، وحتى عن الحب.
وفي موعد الحلقة، كانت الأستاذة عزة قد سبقتني إلى المكان، وجلست أمام الطاولة ترتب أوراقها، بينما كان بعض الطلبة يتجمعون حولها.
دخلتُ وأنا أحمل دفتري، فقالت عزة:
«واضح إن الحلقة النهارده تقيلة.»
قلت: «تقيلة؟»
قالت وهي تشير إلى الدفتر: «أيوه، من شكل الورق. كل مرة أشوف الكراسة بتاعتك أخاف.»
ضحكت وقلت: «ليه؟»
«لأنك لما بتكتبي صفحات كتير، لازم حد في الآخر يدفع الثمن.»
وقبل أن أجيب، جاء صوت من خلفنا:
«وأنا متأكد إن الشخص اللي هيدفع الثمن النهارده هو أنا.»
التفتُّ، فإذا بفتحي يقف عند الباب، يحمل بعض الأوراق، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا.
قلت: «إنت مالك؟»
قال: «أنا حاسس إن الحلقة هتتحول لمحاكمة.»
قلت: «وليه؟»
قال: «علشان الموضوع عن كرامة الإنسان، وأنا معروف إن كرامتي معرضة للخطر طول الوقت في حضورك.»
ضحكت عزة، بينما نظرت إليه وقلت:
«لو عندك مشكلة مع الحلقة، ممكن تخرج.»
قال فورًا:
«لا، مستحيل. أنا جيت مخصوص أشوف هالة هتتكلم عن كرامة الإنسان وهي بتتعامل معايا إزاي.»
قلت: «أهو بدأنا.»
رفعت عزة يدها وقالت:
«خلاص يا فتحي، اقعد قبل ما الحلقة تبدأ ونلاقي أول تطبيق عملي للجملة.»
جلس وهو يقول:
«أنا موافق... بس بشرط.»
قلت: «إيه؟»
قال: «أكون ضيفًا مش متهمًا.»
قلت: «على حسب سلوكك.»
ضحكت الأستاذة عزة وقالت:
«واضح أن الحلقة ستحتاج إلى وقت إضافي.»
بدأت الحلقة، ووقفت أمام الحاضرين، وقلت:
«حلقة اليوم ليست عن العظماء، ولا عن أصحاب المناصب، ولا عن الذين صنعت لهم الحياة مكانة تجعل الآخرين مضطرين إلى احترامهم. حلقتنا اليوم عن الإنسان حين تسقط عنه كل الألقاب، حين لا يبقى معه مال ولا منصب ولا شهرة ولا نفوذ، حين يصبح في أضعف حالاته، ثم يظل بداخله شيء واحد يرفض أن يُهان... كرامته.»
ساد الصمت.
ثم قلت:
«دوستويفسكي يضع يده هنا على منطقة شديدة الحساسية في النفس البشرية. هو لا يقول إن الإنسان لا يخطئ، ولا يقول إن الجميع متساوون في الأخلاق أو القيمة الاجتماعية أو الإنجاز. لكنه يفرق بين قيمة الإنسان كفرد وبين حالته أو موقعه أو أخطائه.»
نظرت إلى الأستاذة عزة وقلت:
«أستاذة عزة، لو أردنا أن نفكك الجملة كلمة كلمة، من أين نبدأ؟»
قالت:
«أبدأ من كلمة "الإنسان". لأنها أهم كلمة في الجملة كلها. قبل أن يكون فقيرًا أو غنيًا، ناجحًا أو فاشلًا، قويًا أو ضعيفًا، هو إنسان. وهذه الصفة وحدها تمنحه حقًا أساسيًا: ألا يتحول ضعفه إلى مبرر لإذلاله.»
قلت:
«إذن الإنسان هنا ليس لقبًا، بل أصل.»
قالت:
«بالضبط.»
تدخل فتحي:
«طيب لو الإنسان نفسه عامل الناس بطريقة سيئة؟»
نظرت إليه وقلت:
«ده لا يسقط عنه إنسانيته، لكنه يجعله مسؤولًا عن أفعاله.»
قال:
«يعني الكرامة مجانية؟»
قلت:
«الكرامة الإنسانية ليست جائزة تُمنح لمن يعجبنا.»
ابتسم وقال:
«إجابة خطيرة.»
قالت عزة:
«بل ضرورية. لأنك لو جعلت الكرامة مكافأة، أصبح من يملك السلطة هو الذي يقرر من يستحقها ومن لا يستحقها.»
قلت:
«وهنا نصل إلى كلمة أخرى: "مهما".»
كتبتها على السبورة.
«مهما يصغر شأنه... مهما يهبط قدره... مهما تهن قيمته.»
قلت:
«لاحظوا تكرار "مهما". لماذا كررها الكاتب؟ لأن الإنسان قد يفقد أشياء كثيرة، لكنه لا يفقد حقه في أن يُعامل كإنسان. مهما كان موقعه، ومهما كان انكساره، ومهما كانت نظرة المجتمع إليه.»
قال فتحي:
«يعني حتى الطالب اللي آخر الصف؟»
قلت:
«حتى آخر الصف.»
قال:
«طيب واللي بينام في الحصة؟»
قلت:
«يتحترم، ويتعاقب تربويًا إذا أخطأ.»
قال:
«يعني كرامة مع خصم درجات؟»
ضحكت عزة:
«فتحي، أنت دائمًا تبحث عن الثغرات.»
قلت:
«وده بالضبط الفرق بين احترام الإنسان واحترام السلوك. يمكنني أن أرفض سلوكك، لكن ليس من حقي أن أحول الرفض إلى إهانة لشخصك.»
سكت فتحي قليلًا، ثم قال:
«دي نقطة مهمة.»
نظرت إليه وقلت:
«أنت قلتها بنفسك.»
قال:
«أنا أحيانًا بقول حاجات مهمة بالصدفة.»
ضحك الجميع.
ثم عدت إلى الجملة.
«يصغر شأنه.»
قلت:
«ما معنى شأن الإنسان؟ هل هو راتبه؟ شهادته؟ مكانته؟ عدد الذين يعرفونه؟ هل الشخص الذي لا يملك شيئًا يصبح بلا شأن؟ هنا تبدأ المشكلة. المجتمع أحيانًا يخلط بين قيمة الإنسان وقيمته السوقية. يسأل: ماذا يملك؟ ماذا يعمل؟ أين يعيش؟ من يعرف؟ ثم ينسى السؤال الأهم: كيف يعامل الآخرين؟ وكيف يحب؟ وكيف يتحمل؟ وكيف يحفظ كرامة من هم أضعف منه؟»
قالت عزة:
«وقد يكون الإنسان الذي لا يملك شيئًا أكثر ثراءً من إنسان يملك كل شيء، إذا كان يحمل بداخله ضميرًا حيًا.»
قلت:
«وهنا تأتي كلمة "يهبط".»
ثم التفتُّ إلى فتحي:
«ماذا تفهم منها؟»
قال:
«يعني واحد كان فوق ونزل تحت.»
قلت:
«لكن ماذا لو لم يكن "فوق" أصلًا؟»
فكر لحظة.
قال:
«يبقى إحنا اللي حطيناه تحت.»
نظرت إليه مبتسمة.
«بالضبط.»
قالت عزة:
«وهذه أخطر نقطة. المجتمع يصنع طبقات من التقدير، ثم يتعامل معها وكأنها حقائق طبيعية. فيصبح هناك من يعتقد أنه يستحق الاحترام تلقائيًا، وهناك من يظن أنه يجب أن يتوسل حتى يُعامل بكرامة.»
قلت:
«والإنسان قد يتقبل الفقر، وقد يتقبل الفشل، وقد يتحمل المرض والوحدة، لكنه كثيرًا ما ينكسر أمام الإهانة.»
ثم كتبت كلمة أخرى:
«كرامته».
وقلت:
«لم يقل احترامه فقط، بل قال كرامته. لأن الاحترام سلوك ظاهر، أما الكرامة فهي إحساس داخلي بقيمة الذات. قد يستطيع الإنسان أن يعيش بموارد قليلة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيش وهو يشعر أن الآخرين يرونه بلا قيمة.»
قال فتحي:
«بس في ناس بتتنازل عن كرامتها علشان مصلحة.»
قلت:
«أحيانًا لا يكون ما نراه تنازلًا حقيقيًا، بل اضطرارًا. الإنسان قد يصمت لأنه يحتاج، وقد يحتمل لأنه مسؤول عن أسرة، وقد يقبل وضعًا مؤقتًا لأنه لا يملك البديل. لكن لا ينبغي أن نحاكم الإنسان على صمته من الخارج.»
أومأت عزة وقالت:
«الإنسان الذي نراه صامتًا قد يكون داخله يصرخ.»
ساد الصمت لحظة.
ثم قال فتحي:
«طيب أنا عندي سؤال.»
قلت: «اتفضل.»
قال: «هل احترام كرامة الآخر يعني إني أوافقه في كل حاجة؟»
قلت: «لا.»
قال: «يعني لو اختلفت معاه؟»
«تحترمه وتختلف معه.»
«لو أخطأ؟»
قلت
«تحاسبه على خطئه دون أن تهينه.»
«لو استفزني؟»
«ترد عليه، لكن لا تحوله إلى شيء أقل من إنسان.»
ابتسم وقال:
«يعني الواحد لازم يكون محترم حتى وهو متخانق؟»
قلت:
«هنا يظهر معدن الإنسان.»
رفعت عزة رأسها وقالت:
«وهذا هو جوهر الفكرة. الأخلاق لا تظهر عندما تسير الأمور كما نريد. تظهر عندما نغضب، وعندما نختلف، وعندما نملك القدرة على إيذاء شخص ثم نقرر ألا نفعل.»
قلت:
«وهنا ربما نفهم لماذا كان الأدب العظيم مشغولًا بالإنسان الهامشي، والمكسور، والضعيف، والمذنب، والمهمش. لأن الأدب لا ينظر إلى الإنسان من أعلى، بل يدخل إلى داخله.»
ثم التفتُّ إلى فتحي وقلت:
«وأنت، بما أنك ضيف الحلقة المشاكس، قل لنا: ما الذي يجرح كرامة الإنسان أكثر؟ الفقر أم الإهانة؟»
قال بعد تفكير:
«الإهانة.»
قلت: «ليه؟»
قال:
«لأن الفقر ممكن يتغير. لكن لما حد يحسسك إنك قليل، ممكن الكلمة تفضل معاك سنين.»
لم أعلّق فورًا.
كانت إجابته أكثر جدية مما توقعت.
قالت عزة:
«أحيانًا جملة واحدة يقولها شخص في لحظة غضب، تظل في ذاكرة شخص آخر سنوات.»
قلت:
«ولهذا يجب أن نتعلم أن الكلمات ليست بلا ثمن. الإنسان لا ينسى دائمًا ما قيل له، خصوصًا حين تأتي الإهانة من شخص كان يمنحه الثقة.»
نظر فتحي إليّ لحظة، ثم قال:
«هو الكلام ده في الحلقة ولا فيه رسالة لشخص معين؟»
ضحكت عزة.
أما أنا فقلت:
«ركز في الحلقة يا فتحي.»
قال:
«أنا مركز جدًا، بس بخاف من التلميحات.»
قلت:
«إذن خليك مؤدب.»
قال:
«أنا أصلًا مثال للكرامة الإنسانية.»
ضحكت وقلت:
«دي محتاجة ندوة مستقلة.»
ضحك الجميع.
ثم عدت إلى الجمهور:
«لكننا لا ينبغي أن نفهم الكرامة باعتبارها غرورًا. هناك فرق كبير بين أن أحفظ كرامتي وبين أن أتعالى على الآخرين. الكرامة تقول: أنا إنسان وأستحق الاحترام. أما الغرور فيقول: أنا أفضل منك وأنت أقل مني. الأولى تحمي الإنسان، والثانية تهدمه وتهدم من حوله.»
قالت عزة:
«وهنا يصبح احترام كرامة الآخر نوعًا من احترام الذات أيضًا. لأن الإنسان الذي يهين الناس باستمرار يكشف شيئًا عن نفسه أكثر مما يكشفه عن ضحاياه.»
قلت:
«وهذه ربما أجمل خلاصة للحلقة: لا تحتاج إلى أن تسحق إنسانًا لكي تثبت أنك قوي. القوة الحقيقية أن تستطيع أن تختلف دون أن تهين، وأن ترفض دون أن تحقر، وأن تغضب دون أن تتحول إلى جلاد.»
رفع فتحي يده كطالب.
قلت: «نعم يا أستاذ فتحي.»
قال:
«آخر سؤال.»
«اتفضل.»
«لو أنا زعلت من حد، وكرامتي اتجرحت، أعمل إيه؟»
نظرت إليه وقلت:
«تتكلم.»
قال: «ولو ما فهمش؟»
«تشرح مرة.»
«ولو أصر؟»
«تبتعد.»
«من غير إهانة؟»
«من غير إهانة.»
«ومن غير انتقام؟»
«من غير انتقام.»
ابتسم وقال:
«أهو ده أصعب جزء.»
قلت:
«لأنك عندما تنتقم، أنت لا تستعيد كرامتك، أنت فقط تنقل الألم من قلبك إلى قلب شخص آخر.»
سكت.
ثم قلت وأنا أغلق دفتري:
«ربما كانت كرامة الإنسان هي آخر شيء يبقى له عندما تسقط عنه كل الأشياء. قد يفقد ماله، ومكانته، وعمله، وقد يخطئ، وقد يفشل، وقد ينكسر، لكنه يظل بحاجة إلى يد لا تشير إليه باحتقار، وصوت لا يسحقه، وكلمة تقول له: أنت أخطأت، نعم، لكنك ما زلت إنسانًا.»
وقبل أن أنهي الحلقة، قالت عزة:
«وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن نخرج به اليوم هو أن احترام الإنسان لا يعني أن نعفيه من المسؤولية، بل يعني أن نحاسبه دون أن نسلبه إنسانيته.»
قلت:
«وأنا أضيف: لا تجعل اختلافك مع إنسان سببًا في نسيان أنك وإياه تشتركان في شيء واحد... أن كليكما يريد أن يشعر بأنه ليس بلا قيمة.»
رفع فتحي يده مرة أخرى.
قلت:
«إيه تاني؟»
قال:
«بس حبيت أقول إن الحلقة عجبتني.»
ابتسمت.
«بجد؟»
قال:
«آه... خصوصًا الجزء اللي اتقال فيه إن كرامة الإنسان مهمة.»
ثم سكت لحظة وأضاف:
«بس عندي اقتراح للحلقة الجاية.»
قلت بحذر:
«إيه؟»
قال:
«نتكلم عن كرامة المدرس قدام الطلبة.»
انفجرت عزة بالضحك.
قلت له:
«اخرج يا فتحي.»
قال وهو ينهض:
«أهو كده ضاعت الكرامة الإنسانية.»
وانتهت الحلقة وسط الضحك، لكنني وأنا أرتب أوراقي، عدت إلى الجملة الأولى مرة أخرى.
أدركت أن فلسفة دوستويفسكي لم تكن بعيدة عن الحياة كما تبدو في الكتب. كانت موجودة في الفصل، وفي الشارع، وفي البيت، وفي علاقة الإنسان بأخيه، وفي كلمة قد ترفع إنسانًا، وكلمة أخرى قد تهدمه.
ولأول مرة فهمت أن كرامة الإنسان لا تبدأ عندما يصبح عظيمًا؛ بل تبدأ من اللحظة التي نرفض فيها أن نهينه لأنه ضعيف.
وربما لهذا السبب ظل السؤال مفتوحًا في دفتري:
إذا كان الإنسان لا يملك أن يختار دائمًا مكانه في الحياة، أفلا يملك على الأقل أن يطلب أن يُعامل فيها بكرامة؟