هدى حجاجي - حين يغسل المطر ذاكرة الإنسان.. قراءة نقدية

في «يوم ممطر» يكتب د. أيمن الجندي عن المطر، لكنه في الحقيقة لا يكتب عن المطر وحده؛ يكتب عن الإنسان حين تلامسه لحظة عابرة فتوقظ داخله طبقات كاملة من الذاكرة والحياة. يبدأ النص من تفاصيل شديدة البساطة: شرفة، فنجان قهوة محوجة، عود بخور، ثم عطر وخطوة إلى الحديقة، لكن هذه التفاصيل اليومية سرعان ما تتحول إلى بوابة واسعة للتأمل في معنى الجمال والوجود.

ما يلفتني في البداية أن الكاتب لا يقدم المطر في صورة مثالية طوال الوقت؛ فهو يفرح به، ثم يقع في الحفرة المائية، يبتل جوربه الذي يكرهه، ويفسد حذاؤه، فيتحول الفرح فجأة إلى تذمر ساخر من الحياة. وهذه المفارقة من أجمل مفاتيح النص؛ لأن الحياة نفسها لا تسير على وتيرة واحدة، وقد نخرج إليها بقلب ممتلئ بالبهجة، فتعترضنا حفرة صغيرة تفسد علينا المشهد كله. لكن الإنسان الحقيقي ليس من لا يتعثر، بل من يستطيع أن يعود إلى رؤية الجمال بعد التعثر.

ومن هنا تأتي السخرية في عبارة «الحياة بنت كلب» كأنها استراحة ساخرة بين فرحتين؛ فرحة المطر الأولى، وفرحة اكتشاف أن البلل والحذاء الفاسد لا يستطيعان إفساد المشهد كله.

IMG-20261008-WA0002.jpg


ثم ينتقل الكاتب إلى الحديقة، حيث يتحول المطر من ظاهرة طبيعية إلى طاقة تحرك البشر. النساء يرفعن أيديهن إلى السماء، والمراجيح تمتلئ بالحركة، بينما تقف القطة الساخطة عاجزة عن فهم سبب سعادة البشر بالماء. وهنا يخلق الكاتب مفارقة طريفة بين الإنسان والحيوان، ثم يوسعها إلى سؤال عن علاقتنا الفطرية بالطبيعة.

وأجمل ما في النص، في رأيي، هو تلك النقلة من المطر الذي يبلل الجسد إلى المطر الذي يوقظ الذاكرة الإنسانية. فحين يستدعي الكاتب «الجد الأول» الكامن داخله، ينتقل من اللحظة الراهنة إلى زمن الإنسان الأول، ثم إلى الجد الذي عاش في الصحراء ينتظر الغيمة، ثم إلى عاشق من القرن السابع عشر ينتظر إشارة حبيبته. وكأن قطرة المطر الواحدة تختصر تاريخًا طويلًا من الخوف والرجاء والحب والامتنان.

هنا يصبح المطر لغة قديمة يفهمها الإنسان قبل أن يتعلم الكلام؛ لغة تربطه بالأرض والسماء والعطش والحياة والحب. فالماء ليس مجرد قطرات تهبط من السماء، وإنما ذاكرة كونية تختزنها أجسادنا وأرواحنا دون أن نشعر.

كما أن القهوة والبخور والشرفة والحديقة والمراجيح ليست مجرد تفاصيل للزينة، بل أدوات حسية تجعل القارئ داخل المشهد؛ يشم الرائحة، ويتذوق القهوة، ويسمع وقع المطر، ويشعر بالبلل، ثم يجد نفسه فجأة أمام سؤال أكبر من المشهد نفسه: لماذا نفرح بالمطر إلى هذا الحد؟

والإجابة التي يقودنا إليها النص ليست عقلية بقدر ما هي وجدانية؛ لأن الإنسان، مهما تقدم به العمر وتغيرت حياته، يظل بداخله ذلك الكائن القديم الذي يرفع عينيه إلى السماء حين يرى الغيمة، ويشعر بالامتنان حين تهبط الرحمة على الأرض.

ولهذا جاءت النهاية منسجمة تمامًا مع الرحلة كلها: «ألا ما أروع الحياة وما أجمل نعمة ربي!». فالنص بدأ بفنجان قهوة في شرفة وانتهى بحمد الخالق، وبين البداية والنهاية عبر الكاتب من التفاصيل الصغيرة إلى معنى كبير: أن الجمال ليس دائمًا في الأشياء الاستثنائية، وإنما قد يكون مختبئًا في يوم عادي، في مطر مفاجئ، وفي لحظة نتوقف فيها عن الشكوى لنكتشف أننا محاطون بالنعم.

«يوم ممطر» نص خفيف في ظاهره، عميق في طبقاته، يجمع بين السخرية والتأمل، وبين المشهد الحسي والفكرة الفلسفية، ويذكرنا بأن المطر لا يغسل الشوارع وحدها؛ أحيانًا يغسل شيئًا قديمًا في أرواحنا، ويعيد إلينا ذلك الإنسان الأول الذي كنا عليه قبل أن تثقلنا الحياة.

بقلم الكاتبة الروائية
هدى حجاجي أحمد – مصر
..............................
القصة
يوم ممطر

بقلم د. أيمن الجندى ١٦/ ١٢/ ٢٠١٩
أمطرت السماء فجأة.

أسرعت إلى الشرفة أشاهد المطر. ثم قررت الاحتفال به. أعددت فنجان قهوة محوجة على نار هادئة. وأشعلت عود بخور. تصاعدت الرائحة المحببة فعدت إلى الشرفة أحتسى القهوة على مهل، ومددت يدى لأستمتع بملمس المطر، قريب العهد بالسماء. ثم قررت النزول فارتديت أجمل ملابسى ونثرت عطرى المفضل وأسرعت إلى الحديقة المجاورة.

الحياة جميلة جدا ولا شك فى هذا.

■ ■ ■ ■

فى الطريق كانت السماء ما زالت تمطر، ولكن بقطرات خفيفة استمتعت بها وهى تلثم وجهى. وفجأة شاهدت بركة من الماء درت حولها باحثا عن مكان للعبور وهيئ إلى أن هناك موضعا ضحلا. بمجرد أن نزلت قدمى حتى وجدتنى فى حفرة عميقة وابتل البنطلون الأنيق حتى ساقى، لكن أكثر ما ضايقنى هو ابتلال جوربى بالكامل (وهو أكثر شىء أكرهه فى الحياة)، وذاك الصوت المستفز الذى راح يصدره الحذاء مع كل خطوة. أصبحت مثل كتكوت مبلول يتساءل ما الذى جعل الحياة فجأة قاسية؟

أهذا جزائى لأننى قررت أن أشارك الطبيعة أفراحها؟ الحياة بنت كلب ولا شك فى هذا.

■ ■ ■ ■

عند وصولى للحديقة لم أجد غير النساء، أما الرجال فكانوا أعقل من أن يعرضوا أنفسهم للبلل. الإناث مجنونات بالطاقة الغامضة التى تشع فيهن. كان المطر قد عاود الاشتداد، لكن البنات رحن يرفعن أيديهن وكأنهن يحتضن السماء ويحتضن المطر. وشاهدت امرأتين تتأرجحان على الأرجوحة. وبسرعة وجدت الفتيات جميعهن ينطلقن إلى المراجيح الخالية ويتمتعن بالمطر، وهن رائحات غاديات، وعلى وجوههن فرحة مجنونة. ولا رجل واحد مارس هذا الجنون أو أغواه المطر بالانطلاق. وهناك قطة تبدو ساخطة بشدة وتحاول أن تنفض الماء باستماتة عن فروها المبتل. القطط تكره الماء ولا تفهم لماذا يسعد به البشر.

وبرغم جوربى المبتل بالكامل وحذائى الذى فسد، فقد رحت أتأمل الشجر المغسول والعشب المبتل. ورائحة الهواء مشبعة بالماء والبكارة. تنادى فينا غرائز غامضة. تخاطب جدنا الأول الكامن داخلى والنائم منذ مائة ألف عام، عندما كان يسير فى الغابة حين انهمرت الأمطار فراح يرقص فى سعادة. أو جدى الكامن داخلى منذ عشرة آلاف عام الذى عاش فى الصحراء وهلك الزرع والضرع وأوشكت الرمال أن تتشقق. وفى كل صباح يرفع النظر إلى السماء باحثا عن غيمة شاردة، فلا يجد إلا الشمس الغاضبة تتجهم فى وجهه. وفجأة، وبدون أى توقع، امتلأت السماء بالسحاب، ففاض قلبه بالعرفان صوب خالق السحاب.

أو لعله جدى فى القرن السابع عشر، حين كان يسير تحت شباك حبيبته، فهطل المطر فجأة. وشاهدها وهى ترسل قبلة مع نقطة مطر هرع كالمجنون كى يقف تحتها ويتشربها داخله!.

■ ■ ■ ■

ألا ما أروع الحياة وما أجمل نعمة ربى! الله بلا شك جميل ولذلك خلق هذا الجمال كله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى