فصل: حين صار السؤال أكاستوقفتني العبارة طويلًا. لا أعرف لماذا استهوتني إلى هذا الحد، ربما لأنها لامست شيئًا كنت أشعر به دون أن أجد له اسمًا. أحيانًا يعيش الإنسان يومه طبيعيًا، يذهب إلى المدرسة، يضحك مع أصدقائه، يكتب مقالًا، ينشغل بمسابقة، ثم يكتشف فجأة أن تحت كل هذا الاستقرار هاوية صامتة، لا يراها أحد، لكنها موجودة.
ظللت أفكر فيها وأنا مشغولة بكتابة مقال العدد الجديد من الجريدة، حتى كدت أنسى كل شيء حولي.
وفي وسط انشغالي، رأيت صديقة لي أعرفها منذ كنا في المرحلة الابتدائية. كانت زهرة، كما عرفتها دائمًا، سريعة الخطوات وسريعة الكلام، جاءت نحوي وهي تبتسم وقالت:
«قرأت مقالك في الجريدة... كان رائع.»
ابتسمت وقلت:
«شكرًا يا زهرة.»
قالت بحماس:
«مرحبًا... وبكرة موعد المسابقة، أوعي تنسي.»
رفعت رأسي إليها.
«بكرة؟»
ضحكت:
«أيوه بكرة.»
وضعت يدي على رأسي وقلت:
«أنا فعلًا نسيت.»
قالت عزة، التي كانت تقف بجوارها:
«لا يا هالة، لازم تكوني هناك.»
قلت وأنا أعود إلى أوراقي:
«مش هأعدكم.»
وفي تلك اللحظة جاء صوت أعرفه جيدًا:
«علشان إحنا بقينا ماما ومشغولة؟»
رفعت رأسي.
فتحي.
قلت:
«يا صباح الخير.»
رد بابتسامة:
«صباح النور.»
كان يحمل في يده بعض الأوراق، ويبدو أنه جاء لشيء محدد، لكنه كعادته لم يترك فرصة دون أن يضع فيها جملة تستفزني.
قال:
«أنا اخترت موضوع وعايزك تطلعي عليه.»
مددت يدي، فأعطاني الورقة.
قرأت العنوان، ثم بدأت أقرأ النص.
كان مكتوبًا:
«الفيلسوف صديق المفاهيم، وهو خالقها. لكن الخلق هو دائمًا سفر، وترحال، وانتقال، وعبور؛ لذلك الفيلسوف رحّال: يخترع مفاهيم جديدة كما يخترع آخرون أراضي جديدة أو شعوبًا جديدة. إن التفكير إبحار بين قارات الفكر، دون خريطة مسبقة.»
ثم في الأسفل:
«جيل دولوز – ما هي الفلسفة؟»
رفعت عيني إليه.
قلت:
«نظرة للموضوع؟»
قال:
«أيوه.»
عدت إلى الورقة، ثم قلت دون تردد:
«بس الموضوع كبير.»
«كبير إزاي؟»
«كبير حتى على عقلية طلبة جامعة، فما بالك بطالب ثانوية عامة؟»
تجهم وجهي دون أن أشعر.
ابتسم فتحي.
قال:
«على العموم، فكري وخدي وقتك. ما ترديش دلوقتي.»
ثم جمع أوراقه وقال:
«المهم دلوقتي عندي موعد مهم. سلام.»
قلت:
«سلام.»
استدار ليغادر، لكنه لم يبتعد كثيرًا حتى سمع صوت زهرة تقول لعزة:
«بصي ضفيرة هالة حلوة النهارده.»
ضحكت عزة وقالت:
«آه، شكلها حلو.»
لمست ضفيرتي وقلت:
«ميرسي، مع إني عملتها وأنا مستعجلة.»
كان فتحي قد توقف دون أن يلتفت.
قال فجأة:
«منذ أن تخلّت النساء عن جدل الضفائر، ونحن نكتب قصائد رديئة.»
التفتُّ إليه بدهشة.
لم أفهم من أين جاء بهذا الكلام.
قلت:
«إيه؟»
ضحك:
«ولا حاجة.»
ثم نظر إلى ضفيرتي وقال:
«تعرفي إنك أوحيتِ لي بفكرة؟»
قلت:
«فكرة إيه؟»
«هأدونها.»
«عن الضفيرة؟»
«آه.»
ثم أضاف:
«تصلح لمطلع قصيدة.»
ضحكت وقلت:
«والله؟»
قال بثقة:
«طبعًا»
ضحكت مرة أخرى، ولم أكن أعرف هل كان يقصد أن يستفزني أم أنه قالها بعفوية.
لكنني لم أهتم كثيرًا.
كنت قد بدأت أفكر في موضوع الفلسفة من جديد.
جل دولوز، المفاهيم، السفر، الترحال، التفكير بوصفه إبحارًا بين قارات لا خريطة لها...
كانت الفكرة قد بدأت تشتغل في رأسي.
أما فتحي فظل يراقبني من بعيد.
كان يرى شيئًا ربما لم أكن أراه في نفسي.
تلك الطاقة التي تتحرك داخلي كلما واجهت فكرة صعبة، ذلك الحماس الذي يجعلني أنسى المسابقة والوقت والناس، وأدخل في معركة جديدة مع سؤال لا أعرف كيف سأخرج منه.
كان يعرف أنني إذا قلت «الموضوع كبير»، فهذا لا يعني أنني سأتركه.
بل يعني أنني بدأت أفكر فيه.
راقبني وأنا أقلب الورقة مرة أخرى، ثم أضعها في كراستي، وأكتب تحتها بعض الملاحظات.
لم يقل شيئًا.
كان يعرف أن أفضل ما يمكن أن يفعله الآن هو الصمت.
فأنا حين أتحمس لفكرة، لا أحتاج إلى من يقودني إليها.
كنت أحتاج فقط إلى شخص يضعها أمامي، ثم يتركني أبحر وحدي.
وهذا ما فعله.
أما أنا، فلم أكن أعرف أنني وأنا أستعد لمسابقة الغد، كنت أبدأ رحلة أخرى تمامًا؛ رحلة داخل سؤال أكبر من المدرسة، وأكبر من المسابقة، وربما أكبر من قدرتي على الإجابة.
وضعت القلم فوق الورقة، وكتبت:
«ربما لا تكون الفلسفة أن نمتلك الإجابة، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لندخل السؤال دون خريطة.»
ثم نظرت إلى الضفيرة التي امتدت على كتفي.
ابتسمت.
وتذكرت جملة فتحي.
فضحكت وحدي.
لم يكن يعرف أنه أعطاني، في دقائق قليلة، فكرتين للكتابة بدلًا من واحدة.
وكان هو يظن أنه يراقب طاقتي وحماسي فقط.
أما أنا، فلم أكن أعرف وقتها أن بعض الذين يمرون بنا لا يكتفون بمراقبة ما نكتب...
بل يصبحون، من حيث لا يشعرون، جزءًا من أسباب كتابتنا.
ظللت أفكر فيها وأنا مشغولة بكتابة مقال العدد الجديد من الجريدة، حتى كدت أنسى كل شيء حولي.
وفي وسط انشغالي، رأيت صديقة لي أعرفها منذ كنا في المرحلة الابتدائية. كانت زهرة، كما عرفتها دائمًا، سريعة الخطوات وسريعة الكلام، جاءت نحوي وهي تبتسم وقالت:
«قرأت مقالك في الجريدة... كان رائع.»
ابتسمت وقلت:
«شكرًا يا زهرة.»
قالت بحماس:
«مرحبًا... وبكرة موعد المسابقة، أوعي تنسي.»
رفعت رأسي إليها.
«بكرة؟»
ضحكت:
«أيوه بكرة.»
وضعت يدي على رأسي وقلت:
«أنا فعلًا نسيت.»
قالت عزة، التي كانت تقف بجوارها:
«لا يا هالة، لازم تكوني هناك.»
قلت وأنا أعود إلى أوراقي:
«مش هأعدكم.»
وفي تلك اللحظة جاء صوت أعرفه جيدًا:
«علشان إحنا بقينا ماما ومشغولة؟»
رفعت رأسي.
فتحي.
قلت:
«يا صباح الخير.»
رد بابتسامة:
«صباح النور.»
كان يحمل في يده بعض الأوراق، ويبدو أنه جاء لشيء محدد، لكنه كعادته لم يترك فرصة دون أن يضع فيها جملة تستفزني.
قال:
«أنا اخترت موضوع وعايزك تطلعي عليه.»
مددت يدي، فأعطاني الورقة.
قرأت العنوان، ثم بدأت أقرأ النص.
كان مكتوبًا:
«الفيلسوف صديق المفاهيم، وهو خالقها. لكن الخلق هو دائمًا سفر، وترحال، وانتقال، وعبور؛ لذلك الفيلسوف رحّال: يخترع مفاهيم جديدة كما يخترع آخرون أراضي جديدة أو شعوبًا جديدة. إن التفكير إبحار بين قارات الفكر، دون خريطة مسبقة.»
ثم في الأسفل:
«جيل دولوز – ما هي الفلسفة؟»
رفعت عيني إليه.
قلت:
«نظرة للموضوع؟»
قال:
«أيوه.»
عدت إلى الورقة، ثم قلت دون تردد:
«بس الموضوع كبير.»
«كبير إزاي؟»
«كبير حتى على عقلية طلبة جامعة، فما بالك بطالب ثانوية عامة؟»
تجهم وجهي دون أن أشعر.
ابتسم فتحي.
قال:
«على العموم، فكري وخدي وقتك. ما ترديش دلوقتي.»
ثم جمع أوراقه وقال:
«المهم دلوقتي عندي موعد مهم. سلام.»
قلت:
«سلام.»
استدار ليغادر، لكنه لم يبتعد كثيرًا حتى سمع صوت زهرة تقول لعزة:
«بصي ضفيرة هالة حلوة النهارده.»
ضحكت عزة وقالت:
«آه، شكلها حلو.»
لمست ضفيرتي وقلت:
«ميرسي، مع إني عملتها وأنا مستعجلة.»
كان فتحي قد توقف دون أن يلتفت.
قال فجأة:
«منذ أن تخلّت النساء عن جدل الضفائر، ونحن نكتب قصائد رديئة.»
التفتُّ إليه بدهشة.
لم أفهم من أين جاء بهذا الكلام.
قلت:
«إيه؟»
ضحك:
«ولا حاجة.»
ثم نظر إلى ضفيرتي وقال:
«تعرفي إنك أوحيتِ لي بفكرة؟»
قلت:
«فكرة إيه؟»
«هأدونها.»
«عن الضفيرة؟»
«آه.»
ثم أضاف:
«تصلح لمطلع قصيدة.»
ضحكت وقلت:
«والله؟»
قال بثقة:
«طبعًا»
ضحكت مرة أخرى، ولم أكن أعرف هل كان يقصد أن يستفزني أم أنه قالها بعفوية.
لكنني لم أهتم كثيرًا.
كنت قد بدأت أفكر في موضوع الفلسفة من جديد.
جل دولوز، المفاهيم، السفر، الترحال، التفكير بوصفه إبحارًا بين قارات لا خريطة لها...
كانت الفكرة قد بدأت تشتغل في رأسي.
أما فتحي فظل يراقبني من بعيد.
كان يرى شيئًا ربما لم أكن أراه في نفسي.
تلك الطاقة التي تتحرك داخلي كلما واجهت فكرة صعبة، ذلك الحماس الذي يجعلني أنسى المسابقة والوقت والناس، وأدخل في معركة جديدة مع سؤال لا أعرف كيف سأخرج منه.
كان يعرف أنني إذا قلت «الموضوع كبير»، فهذا لا يعني أنني سأتركه.
بل يعني أنني بدأت أفكر فيه.
راقبني وأنا أقلب الورقة مرة أخرى، ثم أضعها في كراستي، وأكتب تحتها بعض الملاحظات.
لم يقل شيئًا.
كان يعرف أن أفضل ما يمكن أن يفعله الآن هو الصمت.
فأنا حين أتحمس لفكرة، لا أحتاج إلى من يقودني إليها.
كنت أحتاج فقط إلى شخص يضعها أمامي، ثم يتركني أبحر وحدي.
وهذا ما فعله.
أما أنا، فلم أكن أعرف أنني وأنا أستعد لمسابقة الغد، كنت أبدأ رحلة أخرى تمامًا؛ رحلة داخل سؤال أكبر من المدرسة، وأكبر من المسابقة، وربما أكبر من قدرتي على الإجابة.
وضعت القلم فوق الورقة، وكتبت:
«ربما لا تكون الفلسفة أن نمتلك الإجابة، بل أن نمتلك الشجاعة الكافية لندخل السؤال دون خريطة.»
ثم نظرت إلى الضفيرة التي امتدت على كتفي.
ابتسمت.
وتذكرت جملة فتحي.
فضحكت وحدي.
لم يكن يعرف أنه أعطاني، في دقائق قليلة، فكرتين للكتابة بدلًا من واحدة.
وكان هو يظن أنه يراقب طاقتي وحماسي فقط.
أما أنا، فلم أكن أعرف وقتها أن بعض الذين يمرون بنا لا يكتفون بمراقبة ما نكتب...
بل يصبحون، من حيث لا يشعرون، جزءًا من أسباب كتابتنا.