هدى خحاجي - رواية: امرأة عالقة بين الألقاب... فصل جديد: العدالة لا ترتدي ثوبًا واحدًا

لم تكن جيهان تؤمن بأن العدالة عمياء كما تصفها الكتب، بل كانت ترى أنها تفتح عينًا حين يقف أمامها صاحب نفوذ، وتغمض عينيها حين يكون المتهم رجلًا فقيرًا لا يملك سوى اسمه ووجهه المتعب. ومع ذلك، ظلت تؤمن أن هناك دائمًا مساحة صغيرة يستطيع القانون أن يتنفس فيها، وأن المحامي الحقيقي ليس من يربح كل القضايا، بل من يرفض أن يجعل ضعف موكله سببًا إضافيًا لإدانته. كانت هذه قناعتها القديمة، تلك التي حملتها معها إلى قاعات المحاكم، قبل أن تكتشف أن بعض المعارك لا تبدأ من داخل قفص الاتهام، وإنما من المكاتب الفاخرة التي تُصنع فيها الروايات قبل أن تصل إلى القاضي.

في صباح مزدحم، دخلت مريم، سكرتيرتها، إلى المكتب تحمل ملفًا رقيقًا، على غير عادتها. لم تضعه فوق الملفات الأخرى، بل أبقته بين يديها، كأنها تخشى أن يراه أحد.

قالت: «أستاذة جيهان، فيه ست مستنياكي من بدري. رافضة تمشي قبل ما تقابلك.»

رفعت جيهان عينيها عن الشاشة. «حجزت موعد؟»

«لأ. جاية من محافظة بعيدة، ومعاها ابنها. الولد عنده حوالي عشر سنين، وما نطقش بكلمة من ساعة ما وصلوا.»

تنهدت جيهان وهي تنظر إلى الساعة. كان أمامها اجتماع مع أحد كبار رجال الأعمال، وملف قضية تجارية قد يحدد مستقبل مكتبها لسنوات. قالت بحسم: «خليها تدخل خمس دقايق، وبعدها شوفي لها ميعاد.»

دخلت المرأة وهي تضم حقيبة قديمة إلى صدرها، بينما وقف الطفل إلى جوارها ممسكًا بطرف ثوبها. كانت في منتصف الأربعينيات، لكن التعب رسم على وجهها سنوات إضافية. جلست على حافة المقعد، ولم ترفع عينيها إلا حين سألتها جيهان عن سبب مجيئها.

قالت المرأة: «ابني اسمه يوسف. أبوه مات من شهرين، ومن يومها وإحنا في المحاكم. بيقولوا إن الأرض اللي سايبها مش بتاعتنا، وإن البيت اللي عشنا فيه عشرين سنة متسجل باسم واحد تاني.»

فتحت جيهان الملف. عقد بيع، وصورة بطاقة، وشهادة وفاة، ومحضر إثبات حالة. أوراق قليلة، لكنها كانت تحمل خلفها حياة كاملة مهددة بالضياع.

سألتها: «مين الشخص اللي بيطالب بالأرض؟»

أجابت المرأة بعد تردد: «رجل أعمال اسمه شريف المنشاوي.»

توقفت يد جيهان فوق الورقة.

كان الاسم مألوفًا. شريف المنشاوي لم يكن رجل أعمال عاديًا؛ كان يملك شركات ومشروعات، ويظهر في المناسبات العامة محاطًا بالمسؤولين، ويتحدث عن التنمية ومساعدة الفقراء أمام الكاميرات. قبل أسابيع قليلة، التقطت الصحف صورته وهو يفتتح مشروعًا خيريًا، وقد وقف الأطفال حوله يصفقون، بينما ابتسم هو ابتسامة رجل يعرف أن الصورة الجيدة قد تفعل ما لا تفعله عشرات الحجج.

قالت جيهان: «هل عندك محامٍ؟»

«كان عندي. أول ما عرف اسم المنشاوي، قال لي إن القضية صعبة، وإن الأفضل أقبل التعويض اللي عرضوه عليّ.»

«وإنتِ رفضتي؟»

انحنت المرأة نحو حقيبتها، وأخرجت ورقة مطوية بعناية. «رفضت. مش عشان الفلوس قليلة، لكن عشان البيت ده عمره. جوزي بناه بإيده، وكل حيطة فيه شاهدة على تعبنا. إزاي أمضي وأقول إن اللي عشته عشرين سنة مش حقي؟»

لم تجب جيهان على الفور. نظرت إلى الطفل الذي كان يرسم بإصبعه خطوطًا غير مرئية على طرف المقعد، ثم سألت الأم عن الأوراق الأصلية. أخرجت المرأة عقدًا قديمًا يحمل توقيعًا وبصمة، وإيصالات دفع متفرقة، ورسالة مكتوبة بخط اليد من زوجها الراحل.

بدأت جيهان تقرأ. كان العقد واضحًا، لكن هناك مستندًا أحدث منه بعشر سنوات ينقل ملكية الأرض إلى شركة تابعة للمنشاوي. لم يكن الأمر مجرد نزاع على الميراث؛ كان هناك احتمال أن تكون الأوراق قد استُخدمت لإعادة تسجيل الملكية بعد وفاة أحد الشهود الأساسيين.

رفعت جيهان رأسها. «هتسيبي لي كل الأوراق، وهراجعها. لكن لازم تعرفي إن القضية ممكن تطول.»

قالت المرأة بصوت خافت: «أنا مش خايفة من طولها. أنا خايفة ابني يكبر وهو فاكر إن الحق بيتباع.»

كانت الجملة أبسط من أن تكون مرافعة، وأثقل من أن تمر على جيهان دون أثر. رأت في وجه المرأة شيئًا تعرفه؛ ذلك الخوف الذي لا يأتي من الفقر وحده، بل من الشعور بأن العالم وضعك في صف الخاسرين قبل أن تبدأ المعركة.

بعد خروجها، بقيت جيهان تقلب الأوراق. لم تكن تعرف لماذا أثار الملف فيها كل هذا الغضب، لكنها كانت تدرك أن القضية تجاوزت حدود الأتعاب المهنية. لم تكن الأرض هي المسألة الوحيدة، بل الطريقة التي يستطيع بها صاحب المال أن يجعل الآخرين يشكّون في حقهم، وأن يحوّل سنوات عمرهم إلى أوراق قابلة للمساومة.

رن الهاتف الداخلي. كان موعد اجتماعها قد وصل.

دخل شريف المنشاوي بعد دقائق، برفقة مساعده ومحامٍ شاب يحمل حقيبة جلدية لامعة. صافح جيهان بثقة، وجلس قبل أن تدعوه إلى ذلك.

قال مبتسمًا: «سمعت إن عندك ملفًا يخصني.»

لم تُبدِ دهشة. «يخصك فعلًا.»

«أتمنى ما تكونيش صدقتي كل الكلام اللي بيتقال. الناس ساعات بتتمسك بأوهامها لما تكون محتاجة فلوس.»

دفعت جيهان نسخة من المستندات نحوه. «وأحيانًا تكون الأوراق نفسها هي اللي محتاجة تفسير.»

تغيرت ابتسامته قليلًا، لكنه استعاد هدوءه بسرعة. «أنا رجل أعمال، يا أستاذة جيهان. عندي مشروعات والتزامات. مش فاضي أدخل في خلافات عائلية كل شوية.»

قالت: «القضية مش خلافًا عائليًا. فيه عقد قديم، ومستند أحدث منه، وتوقيعات لازم نتأكد من صحتها.»

مال إلى الأمام، وخفض صوته كأنه يمنحها نصيحة خاصة. «خلينا واقعيين. الست دي مش هتقدر تدخل معركة طويلة. لا عندها فلوس، ولا عندها علاقات، ولا حتى محامٍ ثابت. إنتِ أكيد عارفة إن القضايا مش بتتحسم بالنصوص وحدها.»

حدقت فيه جيهان. كانت تعرف هذه الجملة، وقد سمعتها بأشكال مختلفة من رجال كثيرين. لكنها في فمه بدت كاعتراف لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.

قالت: «صحيح. أحيانًا يحاول أصحاب النفوذ تحويل ضعف الخصم إلى حجة لصالحهم. لكن ده مش معناه إننا نسلم لهم النتيجة قبل ما المحكمة تسمع القضية.»

ضحك ضحكة قصيرة. «أنا مش بضغط عليكِ. بالعكس، أنا مقدّر اسمك، ومستعد أقدم عرضًا مناسبًا لإنهاء الموضوع. الست تاخد مبلغًا محترمًا، وإنتِ توفري وقتك لقضايا أكبر.»

أغلقت جيهان الملف.

«القضايا مش بتكبر بحجم المبالغ اللي بتتدفع فيها.»

نهض مساعده مرتبكًا، بينما بقي المنشاوي جالسًا لحظة أطول. نظر إليها نظرة فاحصة، ثم قال: «أتمنى تفكري كويس قبل ما تختاري الطرف اللي هتقفي معاه.»

أجابته: «أنا بفكر في القضية، مش في الطرف اللي يقدر يضرني.»

غادر المكتب دون أن يودعها.

حين أُغلق الباب، شعرت جيهان ببرودة في أطراف أصابعها. لم تكن خائفة من تهديده، لكنها كانت تعرف أن الرجل الذي اعتاد أن يحصل على ما يريد لن يقبل بسهولة أن تقف امرأة في طريقه. كانت تعلم أيضًا أن اسمها المهني، الذي بنته على سنوات من العمل، يمكن أن يتحول في لحظة إلى ساحة للهجوم، وأن الشائعات لا تحتاج إلى دليل كي تنتشر، بينما تحتاج الحقيقة أحيانًا إلى شهور كي تُسمع.

في المساء، عادت إلى البيت وهي تحمل الملف معها. وضعت حقيبتها على الطاولة، وأخرجت الأوراق واحدة تلو الأخرى. حاولت أن تقرأها بعقل بارد، لكن صورة الطفل يوسف ظلت تعود إلى ذهنها. تذكرت نفسها وهي صغيرة، تنتظر رجلًا غائبًا، وتصدق أن كل ما ينقصها يمكن أن يعود يومًا في حقيبة هدايا. لم تكن قضية الأرض تشبه قصتها تمامًا، لكنها شعرت بأن هناك خيطًا يربط بينهما؛ كلاهما يدور حول شخص ضعيف يُطلب منه أن يقبل الخسارة كي لا يزعج أصحاب القوة.

اتصل بها آدم.

«لسه في المكتب؟»

قالت: «في البيت.»

«صوتك متغير.»

«قضية جديدة.»

«صعبة؟»

«مش عارفة لسه. بس واضح إن الطرف التاني متعود إن الناس تتنازل قبل ما تبدأ.»

صمت آدم قليلًا، ثم قال: «خلي بالك من نفسك.»

ابتسمت بسخرية. «أنا مش محتاجة حد يخاف عليّ.»

«أنا ما قلتش إنك محتاجة. قلت خلي بالك من نفسك.»

أغلقت الهاتف بعد دقائق، لكنها لم تستطع تجاهل الفرق بين خوفه عليها ومحاولة الآخرين السيطرة عليها. كان يخشى أن تتأذى، لكنه لم يحاول أن يقرر بدلًا منها. أما المنشاوي، فكان يرى أن احترامها لاسمها ينبغي أن يجعلها تخضع لما يريده.

في اليوم التالي، بدأت جيهان البحث عن الشهود. ذهبت إلى مكتب الشهر العقاري، وطلبت صورًا رسمية من المستندات، ثم استعانت بخبير لفحص التوقيعات. اكتشفت أن أحد الشهود المذكورين في عقد نقل الملكية كان قد توفي قبل التاريخ المثبت على المستند بأشهر. لم يكن ذلك وحده كافيًا لإثبات التزوير، لكنه فتح بابًا لم يكن المنشاوي يريد لأحد أن يقترب منه.

وبعد أسبوع من التحقيق، وصلتها رسالة مجهولة على هاتفها: «سيبي القضية قبل ما تخسري أكتر من وقتك.»

قرأت الرسالة مرتين، ثم حذفتها. لم تخبر مريم، ولم تتصل بآدم، ولم تمنح صاحب الرسالة متعة أن يراها مرتبكة. لكنها بدأت تدرك أن القضية لن تكون مواجهة قانونية فقط؛ فهناك من يحاول إخراجها من المحكمة قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.

في الجلسة الأولى، حضر المنشاوي بصفته طرفًا في النزاع، وجلس في الصف الأمامي محاطًا برجاله. أما أم يوسف، فجلست في آخر القاعة، تمسك بيد ابنها، وتحاول أن تخفي ارتجاف أصابعها. كان يوسف ينظر إلى الوجوه الغريبة، ثم يرفع عينيه إلى أمه كلما ارتفع صوت أحدهم، كأنه يستمد منها تفسيرًا لما يحدث.

وقفت جيهان تتحدث عن العقد القديم، وعن التناقض في تاريخ المستند الجديد، وعن ضرورة فحص التوقيعات وسماع الشهود. لم ترفع صوتها، ولم تستعرض قدرتها على المرافعة، بل وضعت أمام المحكمة الأسئلة التي حاول الطرف الآخر تجاوزها.

وحين انتهت، وقف محامي المنشاوي وقال إن موكلته لا تملك دليلًا كافيًا، وإن ادعاءاتها لا تتجاوز محاولة للاستيلاء على ممتلكات الغير.

كانت المرأة تستمع ورأسها منخفض. للحظة، ظنت جيهان أنها ستبكي أو تطلب منها التراجع، لكنها رفعت رأسها فجأة وقالت بصوت سمعه من في القاعة:

«أنا مش بطلب حاجة مش بتاعتي. أنا بطلب حقي اللي عشت عمري كله فاكرة إنه مضمون، لحد ما عرفت إن الفقير ممكن يصحى يلاقي حياته كلها بقت ملك حد تاني.»

ساد الصمت.

لم تكن كلماتها مرافعة قانونية، لكنها أعادت إلى القضية معناها الإنساني. لم تعد الأرض مساحة قابلة للبيع والشراء فحسب، بل بيتًا وذاكرة وأمانًا لطفل لم يفهم بعد لماذا صار مستقبله موضوعًا في ملف بين أيدي الغرباء.

رفعت المحكمة الجلسة، وقررت تأجيل النظر لحين ورود تقرير الخبرة. خرج المنشاوي محاطًا برجاله، ومرّ بجوار جيهان دون أن ينظر إليها. أما أم يوسف، فاقتربت منها وقالت:

«هو إحنا كده كسبنا؟»

نظرت جيهان إلى باب القاعة الذي أُغلق خلف القاضي.

«لسه. إحنا بس خلّينا القضية تتسمع.»

لم تكن الإجابة مريحة، لكنها كانت صادقة. لم تعد جيهان تعد موكليها بالنصر قبل أن تعرف الطريق، ولم تعد تخلط بين منح الأمل وبيع الوهم. كانت تعرف أن العدالة لا تُقاس فقط بالحكم النهائي، بل أيضًا بقدرة الإنسان على الوصول إلى المحكمة، وبأن يُسمع صوته دون أن يُشترى صمته، وبأن لا تتحول حاجته إلى المال إلى اعتراف قسري بأنه لا يستحق حقه.

في تلك الليلة، وقفت أمام المرآة، تنظر إلى وجهها المتعب. تذكرت الرجل الذي قال لها إن القضايا لا تُحسم بالنصوص وحدها، وتذكرت المرأة التي جاءت تحمل أوراقًا قليلة وحقًا أكبر من قدرتها على الدفاع عنه، وتذكرت يوسف وهو يمسك بيد أمه في قاعة المحكمة. أدركت أن أصعب ما في مهنتها ليس أن تعرف القانون، بل أن تحمي إيمانها به حين ترى كيف يمكن للقوة أن تلتف حوله، وكيف يستطيع المال أن يشتري الوقت والخبرة والصمت، بينما يضطر الفقير إلى بيع أشياء من حياته كي يدفع ثمن الدفاع عن نفسه.

لم تكن جيهان ساذجة إلى حد الاعتقاد بأن كل قضية تنتهي بانتصار المظلوم، ولم تكن متشائمة إلى حد التسليم بأن النفوذ ينتصر دائمًا. كانت تعرف أن الطريق بين الأمرين طويل، وأن كل خطوة فيه قد تكلّف صاحبها أكثر مما يملك. لكنها قررت أن تستمر، لا لأنها تضمن النتيجة، بل لأنها ترفض أن يصبح الخوف حكمًا نهائيًا على من لا يملكون المال.

وفي صباح اليوم التالي، وصل تقرير الخبرة الأولي إلى مكتبها. قرأته مرة، ثم أعادت قراءته ببطء. كانت هناك ملاحظة بشأن التوقيع الذي ورد على المستند محل النزاع، ومقارنة تستدعي تحقيقًا أوسع. لم يكن التقرير حكمًا، لكنه كان خيطًا يمكن تتبعه.

وضعت الأوراق في الملف، وكتبت على غلافه: «لا تنازل قبل ظهور الحقيقة».

ثم توقفت لحظة، وأعادت قراءة العبارة. لم تكتبها لتطمئن موكلتها وحدها، بل لتذكّر نفسها بأن المعركة لم تعد مجرد قضية أخرى في سجل مكتبها. كانت مواجهة مع عالم يطلب من الضعفاء أن يكونوا واقعيين حين يتعلق الأمر بحقوقهم، بينما يمنح الأقوياء كل الوقت والفرص كي يصنعوا لأنفسهم واقعًا يناسبهم.

أغلقت الملف، ورفعت عينيها نحو النافذة. لم تكن العدالة قد انتصرت بعد، ولم يكن المنشاوي قد خسر شيئًا، ولم تحصل أم يوسف على بيتها. كل ما حدث أن السؤال ظل قائمًا، وأن أحدًا لم يستطع إسكات صاحبة الحق هذه المرة.

وكان ذلك، في عالم تتفاوت فيه فرص النجاة بحسب ما يمتلكه الإنسان من قوة أو مال أو نفوذ، بداية معركة لا تعرف جيهان كيف ستنتهي، لكنها تعرف جيدًا لماذا لا يجوز لها أن تنسحب منها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى