صفاء ذياب - حكايات تتوالد...

"إن تدوين النصوص وكتابتها استخدم دوماً لقهر الإتلاف الذي قد يلحقه الزمان، والنسيان الذي قد يسببه التقادم، وذلك لترسيخ المعنى وحفظه من الكلام الذي ينسخ بعضه بعضاً. لذا ارتبطت النصوص المكتوبة دوماً بالمؤسسات الآيديولوجية التي تسعى إلى المحافظة والتقليد كالمؤسسات القضائية والكنسية والتعليمية حيث يكون النص المكتوب سلطة تحاول تلك المؤسسات أن تفرض عن طريقها نفوذها وسيادتها.
فكأن الكتابة هي الوسيلة التي يصبح بها النص الميتافيزيقي موضوعاً أخلاقياً يقضي منا احترامه وتقديسه ومعاملته بنزاهة علمية.
هذا الحضور الذي يطبع الزمان هنا يطبع الكائن كذلك. والكتابة الميتافيزيقية تقوم في نهاية التحليل، على أنطولوجيا التطابق والوحدة، أي على أنطولوجيا تعتبر الكائن موحداً باستطاعة وحدة المفهوم أن تضمه وتجمعه في كل منسجم. يقول نيتشه: تعطي الميتافيزيقا لكتاب الطبيعة تأويلاً روحياً كذلك الذي كانت الكنيسة وعلماؤها يعطونه للكتاب المقدس".
يبحث الكاتب المغربي عبد السلام بنعبد العالي في كتابه (هايدغر ضد هيجل.. التراث والاختلاف) عن مفهوم الزمان بين هذين الفيلسوفين، لكنه في الوقت نفسه لا يقف عند آرائهما فقط، بل في كيفية فهم الزمان وتحولاته عبر التاريخ، مبيناً أن الإنسان لا يوجد ككائن تاريخي، بل زماني، فليس الوجود البشري زمانياً لأنه يحتل موقعاً في التاريخ. إنه، على العكس من ذلك، وجود تاريخي لأنه زماني. ومع هذا؛ فإن مفهومي التاريخ والزمان لا يمكن أن يتحددان بطريقة نهائية، بل يبقيان مترجرجين ما فتئت اللحظة تمضي إلى غير رجعة، لتتحول إلى تاريخ بعد أن كانت زماناً ما ربما سيتغير به الكثير.
غير ان هناك نقطة مهمة تفصل ما بين الشفاهية والكتابية في البحث عما هو زمان وما هو تاريخ، اللذان ربما يندمجان في جانب ويفترقان في جانب آخر. فالشفاهية زمان مفتوح لا يمكن الإمساك به، أما الكتابية فهي زمان مقيد تحول تدريجياً إلى تاريخ. فلا يمكن أن نعدَّ النص الشفاهي تاريخاً ما لم يدوَّن، حينها تتحدد ماهيته وقدسيته وتتشكل سلطته على القارئ. أما السامع، فيبقى مندهشاً بالزمان الذي لا بداية له ولا نهاية حتى يوقفه التدوين.
يمكننا من خلال ذلك ضرب أمثلة كثيرة، فلا حدود للحكاية الشفاهية، ولا نهاية لها، وفي بعض الأحيان لا بداية أيضاً، فهي باقية أبداً تتمدد حول الرواة، ويعتاش عليها راوٍ بعد آخر حتى تمتد السلسلة منذ ما قبل التاريخ لتعبر المستقبل إلى اللامعلوم. في حين ما أن يتم تدوين الحكاية؛ أية حكاية كانت، يموت الراوي وتتيبس شفاهه ليتحول في لحظة التدوين إلى حجر لا يغير نطقه شيئاً في سير الحكاية.
جانب الزمان والتاريخ يحدد الكثير من بنى الحكاية، فعندما كانت زماناً، لم تكن تحت رهن مكان واحد، مكان محدد، بل كان الطواف هو ما تريده دائماً، وما يريده الرواة والمستمعون في الوقت ذاته. فتتداخل الحكايات مع بعض وينتقل جزء من حكاية ما إلى حكاية أخرى ويكون ضمن بنيتها، وهذا هو ما يدعو كل بلد الى الادعاء بأن هذه الحكاية من تراثه القديم، وبلد آخر له الادعاء نفسه، وفي الأصل ان الحكاية حينما كانت زماناً لا بلد لها. وربما من قراءة بسيطة، نفهم كيف تشابهت حكايات السندباد في بعض رحلاته مع حكاية الملك سيف بن ذي يزن، فمثلما وصل السندباد إلى جبل المغناطيس، وصل الملك سيف أيضاً للجبل نفسه، ومثلما صعد الرجل العجيب ذو القدمين الطويلتين على ظهر السندباد ولم يتمكن من الخلاص منه إلا بعد أن عصر له العنب حتى سكر حدَّ الثمالة، تخلص أيضاً الملك سيف... وهكذا تتوالد الحكايات، وترتبط بعضها ببعض حتى لحظة تحولها إلى تاريخ بعد أن دوِّنت، فلا نعرف الآن من الأقدم (تاريخياً) ألف ليلة وليلة أم سيرة الملك سيف بن ذي يزن.



- الصباح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى