الأستاذ الدكتور محمد محمود أبو علي - "التوهج الثوري في الشعر والمسرح (الحب والوهم، مسرحية رجل الخوف للأديب شريف محيي الدين إبراهيم )

لقد أيد كتاب مصر وفنانوها وإعلاميوها الثورة بعد أن أطاحت بالنظام، ورفع الجميع أعلام النصر، وذرفوا دموع الفرح، وتبادلوا التهاني، وطهّروا جراحهم، وناموا سعداء كالأطفال.

لقد وُجد ـ في كل وقت ـ أدباء حقيقيون عميقو الشعور، راجحو الفكر، حتى ليستطيع أحدهم أن يتنبأ بالأحداث. فالشعراء مثلًا عند العرب الأقدمين كانوا بمنزلة الكهان في التنبؤ والتأثير، بل والسحرة. ولقد أرجع العرب هذه الخصوصية إلى أمور الجن والشياطين، ونرى أنها ترجع إلى عمق الشعور ورجاحة الفكر عند هؤلاء.

فكرة مسرحية «رجل الخوف» هي فكرة «أبو شامة الأسواني» و«العمدة في الزوجة الثانية» و«رجال أمن الدولة في القاهرة 30» و«الكرنك» و«التوت والنبوت» و«الحرافيش» وثلاثة أعمال أخرى لنجيب محفوظ، وغير ذلك مما تعرض لزمن الفتوات.

يحاول المؤلف تحديد بعض مظاهر الفساد في شخصية الفتوة الظالم، أو قل بلغة السياسيين الطاغية المستبد، أو الذئب المستبد الذي ينهش أعراض شعبه.

تربو الشخصيات على خمس عشرة شخصية من الكبار والصغار والفتوات والبلطجية والأطفال.

يبدأ المؤلف مسرحيته ببارقة أمل، وفرح شعبي في قرية، زواج عبد الله الفران، شاب قوي وذكي، من أمل البدري، الفتاة الجميلة.

وفجأة يظهر الطاغية عزيز وبلطجيته، ويطلب الزواج من أمل، وبالفعل يجلس إلى جوارها.

يتنامى الصراع المسرحي بين أبطال المسرحية الذين انقسموا إلى فريقين: الحق الضعيف بقيادة عبد الله وشيخ المسجد والأنصار، والباطل القوي بقيادة عزيز والبلطجية.

نجح عزيز ورجاله، كأمن الدولة وفلول النظام، في زرع الرعب في قلوب الناس، لدرجة أنه حين وقعت وقيعة بين عزيز وأحد رجاله، وانفض رجاله من حوله، خاف الناس من القضاء عليه:

«ينطلق برعي ونوارة ورجالهما إلى خارج الساحة، بينما صوت ضحكات نوارة وبرعي يجلجل في الآفاق ـ يتطلع عزيز إلى أهل البلد في قسوة، كانوا جميعًا ساكنين».

عزيز: «فيه حد منكم راضع من صدر أمه؟.. فيه حد منكم له عندي حاجة؟.. فيه حد فيكم شايف نفسه راجل؟!»

يتجه عزيز إلى عبد الله، مصرًّا على انتزاع أمل منه.

عزيز: «إبعد يا واد من هنا، وكفاية لعب عيال».

عبد الله: «عاوز إيه يا عزيز؟»

عزيز: «إنت عارف كويس أنا عايز إيه».

عبد الله (في هستيرية): «إنت مجنون.. مجنون».

عزيز: «أوعى يا واد تفتكر إني دايب في هوا المحروسة».

أمل (في إعياء): «إبعد من هنا يا حيوان».

عزيز: «مقبولة منك برضه يا ست الحسن.. بس إنت لازم تعرفي إن عزيز لما يعوز حاجة لازم ياخدها.. الحكاية مش حكاية جمالك الفتان اللي خطف قلبي.. فوقي يا سنيورة.. عزيز لما يشاور لحاجة لازم تبقى في إيده».

عبد الله: «امشي من هنا يا عزيز بدل ما يخلص عليك أهل البلد.. أنا لحد دلوقتي برضه حايشهم عنك.. ابعد يا عزيز أحسن لك».

عزيز (في سخرية صائحًا): «أهل البلد مين يا عبيط؟ إنت فاكر إني من غير سلاحي ورجالتي مش هيخافوا مني؟!»

يبدو جميع أهل البلد وهم ساكنون، وكأن على رؤوسهم الطير.

عزيز (مواصلًا): «دول خلاص انتهوا.. أهل البلد دي ماتوا.. ماتوا من زمان».

يطلق عزيز ضحكة ساخرة.

عزيز (مواصلًا): «حد فيكم يقدر يقرب من عزيز؟ أنا أهوه واقف لوحدي من غير شوكت بيه ولا رجالة، ومفيش حتى معايا سلاح».

(صائحًا): «حد فيكم يقرب مني؟.. أنا واقف أهوه وصدري مفتوح ومستني؟»

تمر عدة لحظات، ثم ينظر عزيز إلى عبد الله.

ولا تهتز قوة عزيز وجبروته إلا حين أخبرته دلال الراقصة بموت عبد الرحمن ابنه، فبدأ الثور الهائج تخور قواه، وبدأ الضعيف المستكين يقوى، والتحم الفريقان، فانتهى الصراع بسقوط الطاغية.

هل كان لموت حفيد مبارك علاقة بسقوط عزيز/مبارك، أم أن تاريخية الحدث، موت الحفيد، سبقت الأمر؟

انتهى الأمر بانتصار عبد الله الذي دافع عن حقه بكل السبل، وتكبد الغالي والنفيس ليحافظ على زوجته، المعادل الموضوعي للعرض والوطن.

انتهت هذه الدراسة إلى عدة نتائج منها: قيام مصر بالثورة بعد أن أطاحت بالنظام، سواء أكانوا من المحبين أم المعارضين. وعلى الرغم من ظهور ما يشبه الرياء الثوري ـ إن جاز التعبير ـ إلا أن هناك أدباء حقيقيين ظهرت إرهاصات الثورة في شعرهم قبل الثورة بكثير، سواء في الشعر أو المسرح، منهم أمل دنقل وعبد الرحمن الشرقاوي ونزار قباني وحسن طلب وغيرهم.

وجد فريق آخر تناصًّا مع أحداث تاريخية شابهت ما يحدث اليوم، وما دار في خلدهم أن تاريخ الفساد والإطاحة به يعيد نفسه ويتكرر في تكرر الحضارات وبداياتها وانتهائها. فكلما ظهر الفساد ظهرت الثورات، وحين تشابهت الأنوار والظلم وثورة يناير وما كان يحدث من قبل، ظن المتناصون مع التاريخ أنهم تنبؤوا بالثورة، في حين أن الثورة لها أسبابها.

للشعر رسالته التي لا ينكرها أحد في قيادة الشعوب وتثوير الناس ضد كل فساد وضد كل طغيان، وله فضل التنبؤ بأحداث المستقبل كما حدث مع أمل دنقل وحسن طلب، فالأدب معهما رفض للواقع وتمرد عليه.

اختلفت مذاهب شعراء مصر والعالم العربي قبيل ثورات الربيع العربي؛ فمنهم من داهن السلطة طمعًا في منصب أو مال، ومنهم من تمرد ورفض الواقع ورفع من قيمة الشعر ومكانته، ومنهم من رسم بشعره خرائط للحرية.

واختلفت مذاهبهم أيضًا أثناء الثورة، فمنهم من اقتصر على توثيق أحداث الثورة وأيامها، فأصبح الشعر معهم ديوان الثورة.

كان لشعراء البحيرة وأدبائها موقعهم البارز، فظهرت مسرحيات شعرية في الأقاليم تؤرخ للتوهج الثوري ورفض الواقع.

أثبت المسرح باختلاف أنواعه واختلاف نصوصه النهاية الحتمية للفساد والظلم والطغيان، فكله إلى زوال.

تناص المسرحيون بطريقة رائعة مع أحداث التاريخ؛ فمنهم من وظف الشدة المستنصرية نتيجة كبرى لكل فساد، وجعل منها محورًا رئيسًا لنهاية كل فساد. ومنهم من تناص مع الأحداث، المسلمين وفتح الأندلس، وجعل من طغيان حكام الأندلس سببًا في زوالهم على يد الحكام المسلمين الصالحين، وكأن الأدب يريد أن يعدد نهايات الفساد وبدايات الصلاح.

ظهرت نهايات الفساد أيضًا في المسرح النثري في ثورة الشعب على شخصية الفتوة الظالم أو الحاكم الذئب بلغة الفلاسفة.

يوجه الأدباء رسائل تهديد للظالمين في كل مكان، فنهاياتهم تصنعها شعوبهم قبل أعدائهم، فنظام رودريك وقع من الداخل قبل أن يخترقه المسلمون ويقضوا عليه.

إجمالا :
توقفنا أمام عدة نصوص مسرحية تجعل من الظلم والفساد فكرة رئيسة، وتنتهي بنهاية الظلم والطغيان على أيدي الشباب الثائر الرافض.

في المسرحية الأولى «للنيل ميراث حزين»، يهجم الشعب على قصر فخر الدين أيوب، ويموت أنصاره ويتفرقون تفرق حزب الفلول.

وفي الثانية «موت يليق بنا»، رفض الجمع شرعًا أن يكون واليًا عليهم، وبالفعل أرسل الخليفة العثماني محمد علي واليًا على مصر.

وفي الثالثة «بقعة ألم»، تسقط أمن الدولة، ويلوح فجر الحرية في الأفق على ألسنة المنشدين.

وفي الرابعة «النوارس حلقت عاليًا»، يسقط رودريك، المعادل الموضوعي للظلم والفساد، وينتصر موسى بن نصير، رمز العدل والسلام.

وفي الخامسة «الحب والوهم»، يقع عزيز، رمز الظلم والطغيان في كل العصور، مقتولًا بين الناس على يد الشاب القوي عبد الله.

وعلى الرغم من أن أصحاب هذه الأعمال لم يقصدوا التمهيد لثورة يناير، فإنها جميعًا جاءت متفقة دون قصد على نهاية الفساد، اتفاق شريعة حياة، لا اتفاق منهج ثوار، اتفاق ما فهمناه من التاريخ من دوام نهاية الفاسدين؛ فدولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.

لا نريد أن نلوي أعناق النصوص، ونخوض مع الخائضين، زاعمين نفاقًا أو رياءً أو امتطاءً لنزعات جديدة، أن فلانًا تنبأ بالثورة باليوم والساعة وتطورات الأحداث. انتهى زمن المفاجآت على ما يبدو؛ فهذا يعني أن كل الكتاب المصريين تنبؤوا بثورة 25 يناير 2011، وكلٌّ على طريقته، ويحاول أن يثبت صدق ما زعم، لويًا ذراع نصوصه ليًّا، وهو يعلم بأننا لن نفاجأ، وربما صفقنا له بحرارة.

إن المحور الرئيس لهذا المقال كله أن التنبؤ بالثورة ليس شيئًا خارقًا، ولا يدل على عبقرية صاحبه؛ إنما الأمر بسيط وبديهي، فالثورة على الظلم هي النتيجة الحتمية للظلم، فإذا اشتد الاستبداد والفساد ـ في أي عصر كان ـ فلا بد أن ينفجر المظلومون في وجه هؤلاء الطغاة.


* الأستاذ الدكتور محمد محمود أبو علي: أستاذ النقد والبلاغة كلية آداب جامعة دمنهور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى