الدكتورة عزة بدر - «ملمس البحر وميلاد جديد» عن رواية عدالة الذئاب للأديب أحمد عبدالله إسماعيل

هذه قصة شاب ارتحل فى عرض البحر باحثًا عن مستقبل واعد، لكن هجرته كانت غير شرعية، فلم تتوفر له أسباب الاستقرار والشعور بالأمان بعد أن تعرضت السفينة التى أبحر بها ورفاقه للغرق.
فى هذه الرواية التى صوّرت مصير الشاب «سمير» وما مرت به حياته من أنواء نرى قدرة كاتبها أحمد عبدالله إسماعيل على تصوير صراعات أبطاله مع مصائرهم وما تعرضوا له من أخطار.
وفى روايته تلك التى صدرت حديثًا عن دار زحمة كُتاب للنشر والتوزيع بعنوان: «عدالة الذئاب»، نرى ما تبناه أبطالها من سلوكيات ورؤى أثرت فى حيواتهم، وما آلت إليه مصائرهم، نجح «سمير» فى أن يشق موج البحر العاتى سابحًا بين الحياة والموت، وعندما نجا كان يفكر بأن تكون تلك النجاة ليست من الغرق فقط بل ستكون بالنسبة له ميلادًا جديدًا، كان موهوبًا فى لعب الكرة وأتاح له صديقه «جهاد» أن يكون لاعب كرة فى نادى أهلى غزة، ثم احترف فى إيطاليا، والتقى فتاة من أصول بولندية هى «إيفا» تزوجها لكنها عندما حملت طالبها بالتخلى عن حملها، وكانا قد انفصلا، لكنها رحلت دون أن تخبره باحتفاظها بحملها، ثم تزوجت من يهودى متطرف هو «إبراهام»، وعاشا فى الأرض المحتلة، وتبنى «إبراهام» طفلها، ونسبه إليه، وسمّاه «شلومو»، ورباه على التفكير المتطرف، وزرع فى ذهنه أفكارًا مضللة عن العرب، ولما التقى الأب والابن فى ملاعب الكرة فى إيطاليا دون أن يعرفا حقيقة صلتهما، تعرف «سمير» على ابنه من اسم أمه فى ملفه وأوراقه، «إيفا فريدمان»، جمعتهما الملاعب والكرة، وقد حاولت الأم إخبار ابنها بحقيقة نسبه فيمنعها «إبراهام» فهو لا يريد للعربى أن يكون أبًا شرعيًا، فيهددها وعندما تتعرض لحادث مُدبّر تدرك أن قضية ابنها لم تعد قضيتها وحدها، وإنما أصبحت فكرة مهددة لإبراهام الذى يعتقد أن من يملك الماضى وحتى لو كان مختلفًا يملك المستقبل! يرفع «سمير» قضية لإثبات نسب الابن، ويقرر القاضى ثبوت النسب مع ترك الاختيار للابن ليقرر مع من يعيش، وبالطبع لا ينفذ الحكم فيخوض «سمير» صراعًا نفسيًا، وصراعًا مع ابنه، ومن خلال المونولوج الداخلى للأب والابن تتشكل ملامح الأحداث والمصائر، فيقول الابن لنفسه: «أنا ابن رجلين، وابن أرضين، وابن حقيقتين تتصارعان فى صدرى».
و«سمير» يحاول استعادة ابنه فتدور بينهما حوارات عديدة، يقول الأب:
«لن أتركك تعيش فى بيت من سرق أرضنا»، فيقول الابن ساخرًا: «أنت حجر من طين، لن تعيد الذكريات تشييدك»!
«سمير» ذو الجذور المصرية، والجنسية الإيطالية يحاول استعادة ابنه، وكأنه يستعيد الأرض السليبة فى فلسطين، والتى يرسم خارطتها وشمًا على ذراعيه، ويقول لابنه: «يا بُنى لقد أغتصبت أرضنا مرتين، مرة عندما سُلبت بيوتنا، ومرة عندما سُلب منا حق العودة إليها».
والابن فى صراعه مع كلمات أمه، وكلمات أبيه، ومشاعره الخاصة، وضغط «إبراهام» المتطرف الذى ربّاه، يجعل الابن يبدأ فى البحث عن هويته الحقيقية، فأمضى وقتًا يقلب فى صفحات عن الحضارة المصرية على الإنترنت، ولمست وجدانه عبارة تقول «:اللغة العربية لغة كل الشعر وكل اللهفة»، واكتشف «أن لغته الحقيقية كانت نبضًا محبوسًا فى صدره ورنة غائبة عن نغمة هويته» ثم قرر زيارة مصر ووقف منبهرًا أمام الأهرامات، ماسحًا حجرًا قديمًا براحة يده، ثم انحنى لتحتضن كفه حفنة من ترابها، وحين فاجأه صوت الأذان يعانق السماء، للمرة الأولى استدار ليبحث فى كل اتجاه كمن يسمع صدى صوت يسكن أعماق روحه.
عاد الابن إلى الأرض المحتلة، وقرر بناء ملعب للأطفال يكون نواة لأكاديمية رياضية حسب وصية والده الذى توفى وهو يحلم بعودته إلى كنفه، لكن «إبراهام» دبّر انفجارًا أتى على الملعب بالكامل، لكن الابن «سليمان» - وهذا اسمه الجديد الذى اختاره له «سمير» - بدأ فى تشييد الملعب وهناك «رأى الطفل الفلسطينى الذى أنقذه «جهاد»، وهو يلعب مع أطفال القرية وضحكاته تملأ المكان كما لو أن الحرب لم تمس براءته، وترددت كلمات أبيه فى أذنه: «الأحلام لا تموت يا بُنى بل تتحول إلى جمر ينتظر نفخة الأمل ليتوهج من جديد».
تغيَّرت شخصية «سليمان» فأصبحت رؤاه إيجابية تسعى للتغيير، وبدأت الصور المغلوطة التى زرعها فى خياله «إبراهام» عن العرب، تتغير، فقرر أن يبقى ليشيد الملعب، الذى جمع فيه الأطفال، وهو يهمس: سأبقى هنا أمشى على حافة الهاوية، حاملًا قلبًا كشمعة فى عتمة الليل لأن الهروب خسارة للذات والتخلى عن جزء منا هو الموت البطىء».
نجح الكاتب فى أن يرسم شخصياته فكما رأينا «سمير» يُغالب الموج فى ست ساعات كاملة، وتعلم السباحة بين حافتى الحياة والموت، رأينا ابنه «سليمان» يُغالب سطوة «إبراهام» ونفوذه، وتهديداته لأمه.
وصف السارد ميلاد «سمير» فرأينا حياته الجديدة وهو يصفها على لسان بطله: «ما إن لامستُ الماء حتى ارتجف جسدى ارتجافة أفلتت من إرادتى، لسعة الملوحة تسللت إلى شفتى، وملمس البحر انطبع على جلدى، كجلد بارد يلتف حولى، غُصت حتى كتفى فشعرت بالأعماق تنقض علىّ مثل يد خفية تجرنى إلى هاوية بلا قاع، كان صراعى مع البحر صراعًا مع نفسى: أن أعيش لا كناج عابر بل كمن يختار ولادة ثانية، ولادة تصنعها إرادتى وحدى.
وكما ولد الأب من جديد، ولد الابن من جديد، ويصوِّر السارد ذلك فيقول: يبحث الابن على الإنترنت بأصابع مرتعشة عن «إفريقية»، و«مصر»، و«العرب».
وانشقت الشاشة كنافذة على ذاكرة منسية، توهج النيل كخيط من زمن ضائع، بينما أحس أن التماثيل الفرعونية تُحدق فيه بنظرة صارمة، توقف نبضه عند صورة غروب يحتضن الأهرامات، شعر فى أعماقه بأن صخورًا عاشت آلاف السنين تناديه باسم لم يُسم به قط»، وها هو صوت أبيه يدق فى رأسه كنداء أخير: «ليس مقامك بين جدران اغتصبت فبيتك حيث ينتظرك قلب لم يعرف غير الحب»، وفى مشهد مُعبِّر يختتم الكاتب روايته:
«أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت إلى الوراء، بين أصابعه تذكرة إلى القاهرة، لأول مرة منذ سنوات يشعر بقلبه يخفق بنبض جديد، وكأن طائرًا حطّ أخيرًا على الغصن الذى كان يبحث عنه طوال عمره».
لقد ولد مثل أبيه من جديد.
Rédiger
Écrire à أحمد عبدالله إسماعيل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى