د. محمد عبدالله القواسمة - التكنولوجيا الرقمية ورواية سماح خليفة" أنا لست يحيى السنوار"

فرضت التكنولوجيا الرقمية تأثيرها في نواحي الحياة كافة، وتأثر بها الأدب وبخاصة الرواية بوصفها الفن الذي يتناول أحوال المجتمع والتواصل وإقامة العلاقات بين أفراده. من الروايات التي استخدمت التكنولوجيا الرقمية، وأثرت في بناء عالمها السردي رواية" أنا لست يحيى السنوار"(عمان: ناشرون، 2026م) للروائية الفلسطينية سماح خليفة.

لقد استخدمت الرواية التكنولوجيا الرقمية وأجهزتها الخلوية والإنترنت وما تناسل عنها من وسائل، وخاصة البريد الإلكتروني والفيسبوك في بناء الأحداث، وتسجيل الحوارات، وتقديم الأخبار والأماكن، من خلال التواصل وتبادل الرسائل والصور ومقاطع الفيديو بين الشخصيات الروائية.

تدور الرواية حول علاقة حب بين يحيى رئيس تحرير صحيفة النورس، التي تصدر في مدينة جنين بالضفة الغربية، وبين الممرضة آية التي تقيم في غزة. ويتبادل الاثنان السرد بضمير المتكلم عما يجري بالضفة وقطاع غزة في بداية الحرب بين الكيان المحتل وغزة، التي تفجرت في السابع من أكتوبر عام 2023م عندما هاجمت حركة حماس مدن غلاف غزة، في معركة أطلقت عليها "طوفان الأقصى"

فهذه آية، التي تتولى السرد وتشارك في الأحداث مع الصحفي يحيى، تبعد الخوف عن نفسها وتحاول تهدئتها بعد مشاهدة فيديو، يظهر فيه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد هجوم الطوفان بساعات مهددًا أهل غزة بالويل والدمار:" تبًا لك أيها النتن الجبان! هل كل ما أنا فيه بسبب مقطع تهديد ووعيد منك! لم أكن أعلم أني بهذا الجبن! على ماذا تخافين يا آية؟"(ص59)

ثم هذا يحيى، الصوت السردي الثاني يروي عن مراسل صحيفته "النورس" في غزة عن بدء هجوم الطائرات الإسرائيلية على مدن القطاع، وعن نصيحته المراسل بتوخي الحذر وعدم الاقتراب من منطقة الخطر فيرد على وقع الانفجارات، وقبل أن ينقطع الاتصال:" المنطقة كلها في مرمى القذائف، لا يوجد منطقة آمنة" (63)

وفي مقابلة مع قناة العربية يفتح يحيى الكاميرا على مشاهد من اقتحام القوات الإسرائيلية مدينة جنين ومخيمها؛ ليظهر اللقاء كأنه في قلب الحدث ووسط الدمار والخراب. ويدين في المقابلة همجية الاحتلال بلغة رمادية تعكس الخوف عليه وعلى صحيفته؛ " لكيلا يقبض أحد على لون لا ينتمي لتوجّهه، فيحاول تلطيخ مستقبلي أو مستقبل الصّحيفة"(ص67)

ويظهر دور التكنولوجيا الإلكترونية الفيسبوك بعرض ما حل من دمار في مدينة غزة على الهواء مباشرة، ثم يتركز البث الحي على تدمير البناية التي تضم الشقة التي تسكنها آية وأهلها، بوساطة صاروخ ذي قوة تدميرية هائلة، يؤدي انفجاره إلى القضاء على أهل آية جميعهم، من بينهم أختها تلك الرضيعة التي ولدت في مستشفى الشفاء يوم طوفان الأقصى، وسمتها آية نفسها طوفان. وقع التدمير في أثناء خروج آية لشراء علبة حليب لها بعد جفاف صدر أمها. وعلى أنقاض البناية يشاهد يحيى آية، وتكون المشاهدة بذرة تعرفه إليها وحبه لها من أول مشاهدة، ويكون ذلك مصدر إعجابه بمارك زوكربيرغ الذي أسّس الفيسبوك، يقول:" آية الشّابة الغزيّة الجميلة، أجمل الهدايا التي منحها لي مارك، أجمل حقيقة تعرّفت إليها في واقعه الافتراضيّ الأزرق، جمعتُ خيوط قصتها حتّى صارت نسيجًا دفّأ قلبي، ونفث فيه روح الحياة، على الرّغم من الحرب الّتي أعدمت حيواتها!"(ص74)

ثم تتطور العلاقة بين يحيى وآية من خلال تعليق كليهما على المنشورات والصور، التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وبخاصة الفيسبوك. تبدأ العلاقة بالخلاف بينهما عندما تصفه بأنه مترف، وتصف سكان الضفة الغربية بأنهم يعيشون في تبطر ورفاهية، ولا يشعرون بمعاناة أهل غزة وموتهم. (ص 88) وينتهي الخلاف بتراجع آية عن رأيها عندما يرسل إليها عبر الماسنجر صورة الدبابات الإسرائيلية، وهي تجتاح مخيم جنين، وكأنه يرد عليها بأنهما في معركة واحدة. فتتمنى في منشور لها بأن يحفظ الله أهل الضفة من كل مكروه(ص103) ثم تتعمق العلاقة بينهما، فيصارحها بحبه، حتى يصل الأمر إلى أن يعرض عليها اللقاء والزواج في الخارج؛ هربًا من الحرب والدمار والإبادة الجماعية، سواء في الضفة أم في القطاع.

من خلال التواصل الهاتفي، يتفق الطرفان على أن يخرج من الضفة إلى الأردن عن طريق جسر الشيخ حسين، وأن تخرج هي من بوابة رفح، بعد أن تكون الوثائق جاهزة بمساعدة صديقه مدحت، الموظف في الخارجية المصرية، التي كانت تشرف على المعبر في ذلك الوقت. لكن تشاء الأحداث أن يُعتقل يحيى ويستشهد مرافقه نضال في نقطة التفتيش الإسرائيلية، عندما يجتمع عليهما الجنود؛ إثر صراخ الموظفة الإسرائيلية باسم يحيى السنوار عند سماعها همس مرافقه في أذنه:" والله إنك سنوار"(ص 311)

ويستخدم الجيش الإسرائيلي في التحقيق مع يحيى لإرهابه، وجعله يعترف بأنه من جماعة السنوار مقاطع الفيديو والصور لأمه وهي جالسة تبكي على شرفة بيتهم، ثم لأخيه الأصغر مجتمعًا مع رفاقه في أحد الأزقة وكذلك لأية وهي تنتظر على معبر رفح لتخرج من غزة لملاقاته. يهدده المحقق:" ستتكلم أم يتكلم الرصاص؟ ما رأيك؟ نبدأ بأمك.. أم بأخيك.. أم بكليهما معًا؟ ونصيد عصفورين بحجر واحد"(ص337)

هكذا بوساطة التكنولوجيا الرقمية قدمت سماح خليفة عالم روايتها "أنا لست السنوار" عالمًا يموج بالخراب والدمار ونزف الدماء لكن غاب عن هذا العالم صورة المقاوم الفلسطيني وهو يقاوم بإمكاناته المتواضعة العدوان الإسرائيلي المدجج بأفتك الأسلحة التقليدية والحديثة والإلكترونية ومنجزات الذكاء الاصطناعي والمعزز بمساعدة قوى أمريكا ودول الناتو. لم تورد الرواية حتى مشهدًا واحدًا من البطولات التي أبدعها الإنسان في غزة وهو يتصدى للعدو أو يتحمل الجوع وفقد الابن والأخ والزوج والصديق اكتفت الرواية بإيراد أسماء بعض الأبطال مجرد ضحايا للبطش والقتل لا مبدعين لفنون المقاومة والصمود وإلحاق الألم والخسائر بالعدو.

لم تظهرهم وهم يصنعون الحدث حيًّا، بالصوت والصورة، فيحيى يكتفي بالحديث عن المقاومة في الضفة ولا يجسدها على أرض الواقع بل يدين وجودها ويحسم نتيجتها بأنها الخراب والدمار يقول:" المقاومة لم تختف يومًا، إنما كانت على قدم وساق في جميع مناطق الضفة، وماذا كانت النتيجة؟ دماء تلو الدماء، والشهداء تلو الشهداء، وأسرى تلو الأسرى! (ص91).

لعل في تهميش الجانب المقاوم في غزة أو في الضفة وعدم تسليط الضوء عليه أفقد الرواية صدقها الواقعي وأضعف من بنائها وحسها النضالي في ضرورة رفض الظلم والاحتلال وإعلاء شأن المدافعين عن الحق. لقد تركت الرواية القارئ يعيش في أثناء قراءتها في حالة غضب وثورة لا على المحتل فقط بل على الضحية أيضًا التي لم تقاوم جلادها، وظهرت في العالم التخييلي كأنها وجدت لتلقي الضربات، وتحمل الفتل والدمار.

وبوساطة التكنولوجيا يتحقق التعارف والتقارب بين يحيى وآية حتى انتهيا إلى الاتفاق على الزواج خوفًا من الموت وهربًا من الحرب التي أراقت الدماء ودمرت كل شيء اذ رأى يحيى بأن لا أمل في انتهائها حتى يباد أهل غزة أو يهجروا ويخلوا القطاع كي يقيم نتنياهو عليه ريفيرا جديدة لهذا ينتقد أمه وغيرها من الأمهات والجدات لأن شعلة الأمل لديهن في توقف الحرب “أكبر من أي مقولة أو تحليل أو دراسة" (ص182)

أما آية فتلتقي مع حبيبها في الرغبة في مغادرة غزة لأنها لا تحب الموت " أريد أ ن أحيا، أريد أن أنجو، أريد أن أجد نافذة صغيرة أطلّ منها على حياة لا يلطّخها غبار القصف، ودم الشهداء، وأشلاؤهم" (ص293) مع ملاحظة الاستخدام غير الموفق للفعل "يلطخها" فدم الشهداء وأشلاؤهم لا تلطخ الأرض بل تزكيها.

ويتفق الطرفان في النهاية على اللقاء والزواج خارج غزة ويبرر كل منهما سبب قبوله ترك وطنه فلسطين بعد أن كانا يصران على البقاء فيها حتى الموت وهو تبرير المثقف عادة عندما يتقلب في مواقفه كما كتب يحيى لآية :" الرحيل ليس ذنبًا إنما حق ننتزعه لنصنع مستقبلًا تستحقه أرواحنا" (ص 295) :" أنا لا أغادر الوطن، أنا فقط أبحث عن طريقة لأحيا، دون أن أموت كل يوم" (ص288) وتقول آية:" غزّة ليست مكانًا أتركه خلفي، إنّها وشم محفور في جلدي، لا يمحوه الرّحيل، كل شارع فيها، كل بيت، كلّ حجارة سور، تسكنني كما يسكن الماء الشقوق"(ص292)

ثم بواسطة التكنولوجيا الرقمية، يتولى الساردان يحيى وآية في ثنائية صوتية مهمة السرد، ورسم معالم الرواية، الأول من جنين والثاني من غزة. ولكن هذه التقنية لم توفق في بدء الرواية من نهايتها، وفي تقديم الحدث المركزي في الرواية، كارثة تدمير البناية التي تقيم فيها آية وأهلها بصاروخ متفجر. فيلفت القارئ أن الرواية تبدأ من نهايتها، فتتولى آية ويحيى رواية النهاية كل حسب معرفته وموقعه من الأحداث. فهذه آية تصف غزة بأنها مدينة أشباح ممتلئة بالجماجم والجثث، فتاتي إلى معبر رفح، لتنتظر قبل أن تعبر إلى مصر اتصالًا من يحيى؛ ليخبرها بوصوله إلى الأردن عن طريق جسر الشيخ حسين.

وهي ترغب في لقاء يحيى؛ كي تتخلص من العذاب وجنون الحرب. وتحقق حلمها في بيت دافئ يملؤه الحب والأولاد. وهي تطلب من غزة أن تسامحها، لأنها اتخذت القرار بتركها، وتبين أن سبب ذلك هو الرغبة في النجاة من الحرب والإبادة الجماعية. تريد أن تحيا بسلام، دون أن تنسى ما حدث لأمها وجميع عائلتها. إنها ترسم في خيالها أن تحيا حياة جديدة مع حبيبها، يرشفان الشاي في الصباح على أنغام أم كلثوم، بدلًا من صوت الصواريخ. لكن يطول انتظارها في المكان دون أن يتصل يحيى، وتظل مترددة في دخول المعبر.

أما يحيى فيبدأ من صباح ذلك اليوم، الذي خرج فيه مع صديقه نضال متجهين إلى الجسر اتصاله بآية، ويخبرها بأنهما سيلتقيان بعد ساعات، ويعد أن يخلصها من كل عذابات الفقد والألم، وينقذها من أنياب الحرب. ويبرر سلوكه بمغادرة الوطن بأنه ليس ممن خلقت أكتافهم لحمل البنادق، فهو ليس مثل غسان كنفاني، وإنما يحمل غصن الزيتون، ويمنح العدو قصيدة ووردة.

ونعرف من عتبة النص الموازي في بداية الفصل " دخول الزنزانة ليس كخروجها" بأن يحيى يعاني تحت الاحتلال من عذاب السجن. وهو من ناحية يتذكر والدته ورقيها له، ويحن إلى كأس الشاي من يدها، ومن ناحية أخرى يهاجم العدو بعد أن عرف من خلال تجربة السجن لماذا يحرص المقاومون على السعي لتحرير المناضلين الذين في سجون العدو، فما يحدث لهم من عذاب لا يتصوره عقل.

وفي السجن يتذكر نضال مرافقه الذي قتل على الجسر، ويتمنى لو أنه بقي على قيد الحياة ليشاركه وحدته، وليبتكرا معًا طريقة للهروب من السجن، كما فعل أبطال سجن جلبوع عام 2021م، الذين حفروا نفقًا تمكنوا من الخروج منه. لكنه يعود إلى الاعتراف بأنه لا يمتلك جرأة أولئك الأبطال؛ فهو كما يصف نفسه رجل سلام، وأفكاره حيادية، و رايته رمادية، وكان على وشك التطبيع مع العدو قبل خروجه. ولكنه لا يعلم ما يكون عليه وهو في السجن.

من الملاحظ أن هذا التقديم للنهاية من قبل آية ويحيى لم يترك للقارئ ما يشوقه لمتابعة القراءة؛ فالراوية تنتهي باعتقال يحيى وبقاء آية على بوابة رفح، ولم يتبق من حياة الشخصيات والأحداث ما يغري القارئ ويثير فضوله للمعرفة؛ فقد عرف كيف تعرف يحيى إلى آية، وكيف أحبها من أول مشاهدة لها في مقطع فيديو، وهي جالسة على حطام بيتها في غزة، وعرف باتفاقهما على الخروج من الوطن والزواج؛ للنجاة من الموت رغم إحساسهما بعذاب الضمير؛ لتركهما الأهل والوطن في تلك الظروف الصعبة.

أما عن الحدث المركزي الذي فجر علاقة الحب بين يحيى وآية، وهو ما حدث للبناية التي تقيم فيها آية وأهلها؛ فقد روي الحدث مرتين بوساطة يحيى تارة وآية تارة أخرى. فذكر يحيى ما شاهده في مقطع فيديو بثته القنوات الفضائية عن هدم البناية، في حين خروج آية لشراء علبة حليب لأختها طوفان، ثم عودتها لترى أهلها جميعًا تحت الردم. وآية تروي الحدث نفسه دون إضافة مهمة.

كان يمكن الاستغناء كما عن الفصلين الأولين اللذين بدأت بهما الرواية عن رواية أحد الساردين للحدث المركزي؛ ففي وجود روايتيهما معًا تكرار لا فائدة فنية أو بنائية له، بل إن وجودهما يبعث الملل في القارئ ويقتل تشوقه.

استطاعت الروائية سماح خليفة باستخدام التكنولوجيا الرقمية أن تبني روايتها "أنا لست يحيى السنوار" وأن تتخطى الحواجز بين مكانين متباعدين سياسيًا لا جغرافيًا بسبب الاحتلال الإسرائيلي هما الضفة الغربية وقطاع غزة فتقدم لنا عالمًا روائيًا يموج بالدمار والخراب والقتل ونزف الدماء.

لكن ماذا أرادت أن تقوله الروائية سماح خليفة من خلال هذا العالم الذي أبدعته؟

لا شك أن خروج بطل الرواية يحيى من الضفة، وأية من غزة وتركهما الوطن والأهل، يعود إلى أنهما يقفان في وجه الحرب، ويرفضان مهاجمة حركة حماس مدن غلاف غزة. ويبرران موقفهما بحبهما للحياة، والخوف من الموت والإبادة الجماعية، التي قامت بها إسرائيل في غزة ومدن الضفة الغربية، وبخاصة جنين ومخيمها. انطلاقنا من هذا الفهم رأينا عنوان الرواية "أنا لست يحيى السنوار" يعبر عن شخصية يحيى في الرواية، بأنه ليس مناضلا مثل يحيى السنوار بل إنه يرفض ما قام به، إنه جاء ليحيا لا ليموت على أرض وطنه، ثم إن مقتل طوفان الطفلة الرضيعة بعد أيام من ولادتها دلالة واضحة على رأي الرواية بأن عملية الطوفان مصيرها الفشل.

وفي المنظور الذي تدور فيه الأحداث الروائية، وما تميزت به الشخصيتان الرئيسيتان يتبين لنا ما تقوله الرواية: إنه لا فائدة من الحرب مع إسرائيل؛ لأنها دولة متوحشة، تساندها الدول الغربية كلها، وأمريكا وكثير من دول العالم، وإن أفضل وسيلة للنجاة من براثن الموت على يدها الخروج من مكان المعركة، والهجرة إلى بلد لا حرب فيه. لكن هذا الفهم يتغير، وتتضح الحقيقة فيما آلت إليه الأحداث، التي تتمثل في سجن يحيى، وبقاء آية على بوابة رفح، بأن الهروب من الأزمة ليس الوسيلة الناجعة للنجاة منها بل إن مواجهتها هي الوسيلة الأنجح. وفي الحالة الفلسطينية التي تعبر عنها الرواية فإن من الأفضل للفلسطينيين أن يبقوا في أرضهم، ويقاوموا المحتل بما يملكون من قوة، وإلا سينتهون إلى السجون، أو التشرد والاستعباد حتى في بلدهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى