د. زهير الخويلدي - في التوتر التاريخي بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية مقاربة إبستيمولوجية

مقدمة

يشكل التوتر التاريخي بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية أحد أعمق المحاور التي هيكلت تطور الفكر الغربي، وما زالت تلقي بظلالها على تصورات المعرفة والحقيقة والواقع حتى اليوم. هذا التوتر ليس مجرد خلاف بين مدرستين أو حقبتين، بل هو صدع إبستيمولوجي جذري يمس أسس ما يمكن معرفته، وكيفية معرفته، وحدود هذه المعرفة، وعلاقة الذات العارفة بالوجود الذي تسعى إلى فهمه. التراث الميتافيزيقي، الممتد من التساؤلات الإغريقية الأولى حول الوجود والجوهر والعلة وصولًا إلى التركيبات الكبرى في العصور الوسطى والحديثة المبكرة، يقوم على افتراض أن الواقع يمتلك بنية معقولة يمكن للنظر العقلي أن ينفذ إليها ويكشف عن مبادئها الأولى. أما الحداثة العلمية، كما تبلورت منذ الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فتؤسس نفسها على منهج تجريبي ورياضي يعلق الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى أو يعيد صياغتها داخل حدود قابلة للقياس والملاحظة والتحقق. المقاربة الإبستيمولوجية لهذا التوتر تكشف أنه ليس صراعًا بين الجهل والمعرفة، ولا بين الخرافة والعقل، بل مواجهة بين نمطين مختلفين جذريًا في تصور طبيعة المعرفة ذاتها وشروط إمكانها ومشروعيتها. فما طبيعة التوتر التاريخي بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية؟ وكيف تنظر المقاربة الابستيمولوجية لهذا التوتر؟

البنية الإبستيمولوجية للتراث الميتافيزيقي

يقوم التراث الميتافيزيقي على جملة من الافتراضات الإبستيمولوجية المترابطة التي شكلت أفق التفكير لقرون طويلة. أول هذه الافتراضات هو الإيمان بقابلية الوجود للعقلنة الشاملة. الواقع ليس فوضى من الظواهر المتناثرة، بل كون منظم تحكمه مبادئ كلية يمكن للعقل أن يدركها. المعرفة الحقيقية هي معرفة بالعلل والمبادئ الأولى، لا مجرد وصف للظواهر السطحية. الجوهر يسبق العرض، والثابت يفسر المتغير، والغائية تكمن في صميم الأشياء وتوجه حركتها نحو كمالها الخاص. في هذا الإطار تكون المعرفة تأملية في جوهرها. العقل لا يكتفي بملاحظة ما يظهر للحواس، بل يتجاوز المعطى الحسي نحو البنى الخفية التي تجعل الظهور ممكنًا. الحدس العقلي أو الاستدلال البرهاني هما الأداتان المركزيتان، والتجربة الحسية تلعب دورًا مساعدًا أو تمهيديًا لا دورًا تأسيسيًا. الحقيقة تُفهم بوصفها تطابقًا بين الفكر والوجود، أو كشفًا عن النظام المعقول الكامن في الأشياء. الذات العارفة ليست منفصلة عن الوجود الذي تعرفه؛ بل هي قادرة، بفضل طبيعتها العقلية، على المشاركة في المعقولية الكونية. هذا التصور الإبستيمولوجي يرتبط برؤية أنطولوجية عميقة: الوجود درجات، والحقيقة مراتب، والمعرفة صعود تدريجي من المحسوس إلى المعقول، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن المتغير إلى الثابت. السؤال الأساسي ليس «كيف تعمل الأشياء؟» بالمعنى الآلي، بل «ما هي؟» و«لماذا هي على ما هي عليه؟» و«ما غايتها؟». المعرفة الميتافيزيقية تسعى إلى الإجابة عن هذه الأسئلة عبر بناء أنساق شاملة تربط الإله بالعالم بالإنسان في وحدة معقولة.

نشأة الحداثة العلمية وتحولاتها الإبستيمولوجية

نشأت الحداثة العلمية من داخل التوترات التي عرفها التراث الميتافيزيقي نفسه، لكنها سرعان ما أحدثت قطيعة إبستيمولوجية حاسمة. الثورة العلمية لم تبدأ برفض كامل للأسئلة الميتافيزيقية، بل بإعادة توجيه الاهتمام نحو كيفية اشتغال الطبيعة أكثر من ماهيتها أو غايتها النهائية. الملاحظة المنهجية، والتجريب المضبوط، والصياغة الرياضية للعلاقات بين الظواهر، أصبحت المعايير الجديدة للمعرفة الموثوقة.الإبستيمولوجيا العلمية الحديثة تقوم على افتراضات مغايرة جذريًا. الواقع الذي يمكن معرفته علميًا هو الواقع القابل للقياس والملاحظة والتكميم. الكيفيات الثانوية تُستبعد أو تُحوَّل إلى كميات، والغائيات تُقصى من التفسير العلمي لصالح العلل الفاعلة والآلية. المعرفة لم تعد تأملًا في الجواهر، بل بناءً لنماذج فرضية-استنتاجية تخضع للاختبار التجريبي. الحقيقة العلمية تصبح مؤقتة وقابلة للمراجعة، مرتبطة بنجاح التنبؤ والسيطرة التقنية أكثر من ارتباطها بالكشف عن البنية النهائية للوجود.

الذات العارفة في هذا الأفق تنفصل تدريجيًا عن الموضوع الذي تعرفه. الموضوعية تُفهم بوصفها تحييدًا للذات وميولها وتحيزاتها، والمنهج يصبح الضمان الأساسي لصحة المعرفة. التجريب لم يعد مجرد مساعدة للحواس، بل تدخلًا نشطًا في الطبيعة يعزل المتغيرات ويخلق شروطًا اصطناعية للكشف عن العلاقات الثابتة. الرياضيات تتحول من لغة للتعبير عن النظام الكوني إلى أداة لبناء هذا النظام داخل الفكر وفرضه على الظواهر. هذا التحول لم يكن سلسًا ولا كاملًا. فقد احتفظت الحداثة العلمية المبكرة بعناصر ميتافيزيقية عميقة: الإيمان بنظام رياضي للطبيعة، وبالله كضامن لهذا النظام في بعض الصياغات، وبالعقل البشري كقادر على فك شيفرة الكون. غير أن الاتجاه العام سار نحو استقلالية متزايدة للمنهج العلمي عن الأسئلة الميتافيزيقية، حتى أصبح الكثير من العلماء والمفكرين يرون في الميتافيزيقا مجالًا غير قابل للحسم أو غير ذي معنى معرفي صارم.

محاور التوتر الإبستيمولوجي الأساسية

يتجلى التوتر بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية في محاور إبستيمولوجية عدة متداخلة.

المحور الأول يتعلق بطبيعة الموضوع المعرف. الميتافيزيقا تسعى إلى معرفة الوجود بما هو وجود، أي إلى المبادئ الكلية والشاملة. العلم الحديث يقتصر على قطاعات محددة من الظواهر، ويقبل بتجزئة الواقع إلى ميادين متخصصة. ما كان وحدة معقولة يصبح شبكة من التخصصات التي قد لا تلتقي في أفق واحد.

المحور الثاني يخص منهج المعرفة. التأمل البرهاني والحدس العقلي يواجهان التجريب والقياس والتكميم. الأول يدعي الوصول إلى الضرورة العقلية، والثاني يكتفي بالاحتمال الإحصائي أو بالقوانين الفرضية القابلة للدحض. اليقين اليقيني الميتافيزيقي يصطدم بالروح النقدية والمراجعة المستمرة للعلم.

المحور الثالث يتعلق بمكانة الغائية والمعنى. التراث الميتافيزيقي يرى في الغائية مبدأ تفسيريًا أساسيًا؛ الأشياء تُفهم من خلال غاياتها وكمالها. العلم الحديث يستبعد الغائية من تفسيراته الرسمية، مكتفيًا بالعلل الآلية والفاعلة. السؤال «لماذا؟» بالمعنى الغائي يُستبدل بالسؤال «كيف؟» بالمعنى الوظيفي.

المحور الرابع يمس علاقة الذات بالموضوع. في التراث الميتافيزيقي غالبًا ما تكون الذات مشاركة في المعقولية الكونية، قادرة على الاتحاد بما تعرفه. في الحداثة العلمية تصبح الذات راصدًا منفصلًا، والمنهج يضمن موضوعية المعرفة عبر تحييد العوامل الذاتية. هذا الانفصال يولد توترًا حول إمكانية المعرفة الحقيقية وحول مكانة الوعي والجسد والقيم داخل الصورة العلمية للعالم.

المحور الخامس يتعلق بحدود المعرفة ومشروعيتها. الميتافيزيقا تطمح إلى معرفة شاملة ونهائية نسبيًا. العلم الحديث يقبل بمحدودية معارفه، ويترك الأسئلة القصوى خارج نطاقه المنهجي أو يعيد صياغتها كأسئلة غير علمية. هذا القبول بالحدود يُنظر إليه من الجهة الميتافيزيقية بوصفه تخليًا عن المهمة الأعمق للفكر، بينما يُنظر إليه من الجهة العلمية بوصفه نضجًا إبستيمولوجيًا ورفضًا للأوهام.

محاولات الاحتواء وإعادة الصياغة

لم يمر هذا التوتر دون محاولات متكررة للاحتواء أو إعادة الصياغة. بعض الاتجاهات سعت إلى تأسيس العلم نفسه على أسس ميتافيزيقية جديدة، معتبرة المنهج العلمي امتدادًا للعقلانية الميتافيزيقية بعد تنقيتها. اتجاهات أخرى حاولت حصر الميتافيزيقا في مجال الأحكام القبلية التي تجعل التجربة ممكنة، تاركة للعلم مجال الظواهر. اتجاهات ثالثة رأت في التقدم العلمي نفسه تحققًا تدريجيًا للمطامح الميتافيزيقية في السيطرة على الطبيعة وفهم نظامها. في المقابل، ظهرت مواقف جذرية ترى أن القطيعة لا يمكن رتقها. العلم الحديث، من هذا المنظور، لا يكمل الميتافيزيقا بل ينهيها بوصفها نمطًا من التفكير، أو يحولها إلى نشاط لغوي أو تعبيري بلا مضمون معرفي صارم. وفي الجهة المقابلة، ظهرت انتقادات ترى أن العلم نفسه ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية غير مفحوصة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وبقابليتها للتمثّل الرياضي، وبقيمة الموضوعية، وبإمكانية الفصل بين الراصد والمرصود. هذه الافتراضات، بحسب هذا النقد، تجعل العلم استمرارًا للميتافيزيقا في ثوب منهجي جديد أكثر مما تجعله قطيعة نهائية معها.

الامتدادات المعاصرة للتوتر الإبستيمولوجي

يستمر هذا التوتر في الفكر المعاصر بأشكال متجددة. الثورة في الفيزياء الحديثة، ولا سيما في مستويات الكم والنسبية، أعادت طرح أسئلة حول طبيعة الواقع والملاحظة والسببية كانت تُعد ميتافيزيقية. علوم الحياة والتقنيات الحيوية تطرح أسئلة حول ماهية الحي وحدود التدخل في العمليات الحيوية. الذكاء الاصطناعي والنماذج الحسابية تثير تساؤلات حول طبيعة الفهم والوعي والمعنى. في كل هذه الميادين يعود التوتر بين الرغبة في معرفة شاملة ذات طابع ميتافيزيقي وبين الالتزام المنهجي الصارم الذي يميز الممارسة العلمية. كما يظهر التوتر في النقاشات حول مكانة العلوم الإنسانية والاجتماعية. هل يمكن لهذه العلوم أن تبلغ صرامة العلوم الطبيعية، أم أن موضوعها (المعنى، القيمة، الفعل، التاريخ) يتطلب نمطًا معرفيًا مختلفًا يستعيد أبعادًا من التراث التأويلي والميتافيزيقي؟ السؤال نفسه يعيد إنتاج الصدع الإبستيمولوجي القديم في حقل جديد. على مستوى أوسع، يتجلى التوتر في الأزمة المعاصرة للمعنى. الصورة العلمية للعالم تقدم وصفًا دقيقًا وآليات فعالة للسيطرة، لكنها غالبًا ما تترك أسئلة الغاية والقيمة والمصير دون إجابة. التراث الميتافيزيقي كان يوفر أفقًا لهذه الأسئلة، حتى لو كانت إجاباته محل نزاع. الحداثة العلمية، بتعليقها لهذه الأسئلة أو بإحالتها إلى المجال الخاص، تخلق فراغًا يعاد ملؤه أحيانًا بأشكال جديدة من الميتافيزيقا الضمنية أو باللجوء إلى خطابات أخرى.

خاتمة

تكشف المقاربة الإبستيمولوجية أن التوتر بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية ليس مرحلة تاريخية منتهية، بل بنية مستمرة تشكل أفق التفكير الحديث والمعاصر. هذا التوتر ليس عيبًا يجب إزالته، بل مصدر خصوبة دائمة للفكر. فالميتافيزيقا تذكر العلم بحدوده وبالأسئلة التي تتجاوز منهجه، والعلم يذكر الميتافيزيقا بضرورة الاحتكاك بالواقع الاختباري وبخطر البناءات العقلية المنغلقة على ذاتها. فالمعرفة الإنسانية تتحرك في هذا الفضاء المتوتر: بين الرغبة في الفهم الشامل والالتزام بالمنهج المحدود، بين البحث عن المعنى والبحث عن الآلية، بين المشاركة في الوجود والرصد الموضوعي له. أي محاولة لإلغاء أحد القطبين لصالح الآخر تؤدي إلى اختزال فقير: إما إلى ميتافيزيقا تدعي معرفة ما لا يمكن التحقق منه، وإما إلى علموية تضحي بالأسئلة القصوى باسم الدقة المنهجية. الوعي الإبستيمولوجي العميق بهذا التوتر يسمح بفكر أكثر تواضعًا وأكثر طموحًا في آن معًا: تواضع يعترف بتعدد أنماط المعرفة وحدود كل نمط، وطموح يرفض أن يختزل السؤال الإنساني إلى ما يمكن قياسه أو برهنته داخل نموذج واحد. في هذا التوتر المستمر يتقرر شكل العلاقة بين العقل والوجود، وبين المعرفة والحياة، وبين ما نقدر على تفسيره وما نظل مدعوين إلى التفكير فيه حتى عندما يتجاوز حدود مناهجنا الراهنة. وبهذا المعنى يبقى التوتر التاريخي بين التراث الميتافيزيقي والحداثة العلمية ليس مجرد ذكرى من ماضي الفكر، بل الشرط الحي الذي يجعل التفكير الأصيل ممكنًا في الحاضر والمستقبل. فما العلاقة بين الذات والموضوع في الحداثة العلمية؟ وكيف يمكن التعامل مع التوتر بوصفه أفقًا مفتوحًا للفكر؟

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى