د. محمد عباس محمد عرابي- الكلمة ومتعلقاتها في ديوان موارد الشوارد

عرض محمد عباس محمد عرابي


الكلمة في الشعر الجميل ليست حروفًا تنتظم، ولا أصواتًا تتآلف فحسب، وإنما هي كائن حيّ تنبض فيه التجربة، وتستيقظ في أعماقه العاطفة، وتتوارى وراء ظاهره دلالات لا تنفد بانتهاء القراءة. وقد تكون الكلمة في يد الشاعر فرسًا يسرجها، أو طائرًا يطلقه في فضاءات الخيال، أو قلمًا يودع فيه خلجات النفس، أو رسالة تعبر حدود الزمان والمكان لتبلغ قلوبًا لم يعرفها صاحبها، وأممًا لم يعاصرها.
ومن هنا تتضح مكانة الكلمة في شعر الشاعر القدير عائض الثبيتي في ديوان موارد الشوارد؛ إذ لا تبدو مجرد أداة للتعبير عن تجربة وجدانية، بل تتحول إلى موضوع للتأمل، ووسيلة لصناعة الجمال، وجسر يصل بين الحب والشعر، وبين الفقد والخلود، وبين التجربة الفردية والذاكرة الإنسانية. فالشاعر لا يكتفي بأن يقول ما يشعر به، وإنما يجعلنا نتأمل كيف تتحول المشاعر إلى كلمات، وكيف تغدو الكلمات قصائد، وكيف تستطيع القصائد أن تقاوم الفناء، وتمنح أصحابها حياة أخرى في وجدان المتلقين.
فالشاعر ينتقل بالكلمة بين صور شتى؛ فهي في موضع ترثي قتيلًا، وفي آخر تمتطي خيل القوافي، وفي ثالث تلوذ بالقلم، وفي رابع تبرز على شرف البيان، وتستحيل مقالًا مستطابًا تتجاوب معه السريرة والجهار. وهذا التنوع يكشف عن وعي بطبيعة الكتابة الشعرية، وعن إدراك أن الكلمة لا تستمد قيمتها من معناها المعجمي وحده، بل مما تحمله من إيحاء، وما تستدعيه من صور، وما تقيمه من علاقات مع سائر مفردات النص.
أولًا: الكلمة في مواجهة الفقد؛ حين يرثي الشعر صاحبه
يقول الشاعر:
عزَّ التلاقي فأضحى
دون المنى مستحيلا
حتى دهتك المنايا
والشعر يرثي قتيلا
يا قيس رب القوافي
تتأسس هذه الأبيات على مفارقة وجدانية عميقة؛ إذ يبدأ الشاعر عائض الثبيتي من تعذر اللقاء، ثم يمضي إلى استحالة الأمنية، حتى ينتهي إلى حضور الموت الذي يقطع ما بقي من أمل. وهكذا تتدرج التجربة من الحرمان إلى الفقد، ومن استحالة الوصال إلى مأساة الغياب النهائي.
في قوله: «عزَّ التلاقي» إيجاز يحمل وراءه عالمًا من المعاناة؛ فالتلاقي، وهو في أصله اجتماع بعد افتراق، يصبح عزيز المنال، وكأن المسافة بين المحبين لم تعد مسافة مكانية يمكن اجتيازها، وإنما تحولت إلى حاجز نفسي أو قدري يستعصي على التجاوز. واختيار الفعل «عزَّ» بما يوحي به من الندرة والصعوبة يفتح الباب أمام الإحساس بأن الأمل يتراجع شيئًا فشيئًا.
ثم يأتي قوله: «فأضحى دون المنى مستحيلًا» ليعمق هذا الإحساس؛ فالفعل «أضحى» يفيد التحول، وينقل التجربة من حالة كانت تحتمل الرجاء إلى حالة استقر فيها اليأس. أما «المنى» فتتسع دلالتها لتشمل مختلف أشواق النفس وأحلامها، وبذلك لا يعود المستحيل أمنية بعينها، وإنما يصبح مصيرًا يظلل عالم الشاعر كله.
غير أن الذروة الفنية تتجلى في قوله:
«حتى دهتك المنايا والشعر يرثي قتيلا».
إن الشاعر عائض الثبيتي لا يقدم الموت في صورة خبر مباشر، وإنما يضعه في مواجهة الشعر؛ فالمنايا تنال من الإنسان، بينما يظل الشعر حاضرًا ليشهد على الفقد ويصوغ مرارته. ومن هنا تنشأ مفارقة مؤثرة: الجسد يذهب، ولكن الكلمة تبقى لتروي خبر ذهابه.
وفي إسناد فعل الرثاء إلى الشعر، لا إلى الشاعر وحده، مسحة من التشخيص؛ إذ يغدو الشعر كائنًا يشارك في الحزن، ويقف على مأتم صاحبه، ويحمل صوته بعد أن يعجز الصوت البشري عن الاستمرار. وهذه الصورة ترفع الشعر من مرتبة الأداة إلى مرتبة الرفيق الذي يشهد النهاية، ويحفظ أثر الراحل.
وتنبغي هنا ملاحظة أن عبارة «الشعر يرثي قتيلا» تنطوي على توتر دلالي؛ فالشعر، الذي يُنتظر منه أن يخلّد الحياة، يقف في هذا الموضع أمام الموت، لا ليمنعه، بل ليقاوم محو الذاكرة. وكأن الرثاء هو الفعل الذي يسترد به الشعر بعض ما انتزعته المنايا.
ثم يأتي النداء: «يا قيس رب القوافي»، فيمنح المخاطب صفة تتصل بالإبداع والتمكن من الشعر. وإضافة القوافي إليه توحي بسلطانه في عالم القول، وكأن الشاعر يريد أن يوازن بين ما امتلكه قيس من قدرة على إنشاء الكلام، وما يملكه الشعر من قدرة على إبقاء اسمه حيًّا في ذاكرة الآخرين.
وهنا تتجلى منزلة الكلمة في أبهى صورها: إنها لا ترد غائبًا، ولا ترفع عن الإنسان حكم الفناء، لكنها تمنحه حضورًا رمزيًّا يتجاوز حدود حياته الفردية. فالموت ينهي العمر، أما الشعر فيعيد تشكيله داخل الذاكرة.
ثانيًا: «إسراج الخيل للقوافي»؛ الكلمة جوادًا، والشعر ميدانًا
يقول الشاعر القدير عائض الثبيتي :
وأن يستهيم العمر في جعل ودها
لزامًا على شعري بفحوى فرائدي
ولكن لي من دون مرأى جبينها
سبيلًا دعاني من قبيل الأماجد
فطوحت أسباب الهوى في مراتع
بها الصب لا ينسني جماح الطرائد
وأسرجت خيلًا للقوافي قوامها
مفاهيم أرباب النهى والمقاصد
في هذه الأبيات ينتقل الشاعر من الكلمة التي تواجه الموت إلى الكلمة التي تخوض تجربة الإبداع؛ فالشعر ليس انفعالًا عابرًا يفيض من النفس ثم ينقضي، وإنما هو بناء يحتاج إلى رؤية، ووعي، واختيار، وقدرة على توجيه اللغة نحو غايات فكرية وجمالية.
وتكمن أهمية الصورة المركزية في قوله:
«وأسرجت خيلًا للقوافي».
فالإسراج فعل يرتبط بإعداد الخيل للركوب والانطلاق، ويقتضي معرفة بأدواته وإحكامًا لتفاصيله. وحين ينقل الشاعر هذا الفعل إلى عالم القوافي، فإنه يجعل الشعر ميدانًا للحركة، ويجعل القوافي خيلًا تحتاج إلى إعداد وتوجيه. وليس الأمر مجرد استعارة تزيينية، بل هو تصور لطبيعة الإبداع ذاته.
فالقصيدة، وفق هذه الصورة، لا تولد مكتملة من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى شاعر يهيئ أدواته، ويختار ألفاظه، وينظم علاقاتها، ويمنحها وجهتها. وكما لا يكفي امتلاك الخيل لتحقيق السبق ما لم يحسن الفارس قيادتها، لا يكفي امتلاك المفردات لإنتاج الشعر ما لم يمتلك الشاعر حسن التصرف فيها.
وتزداد الصورة عمقًا في قوله:
«قوامها مفاهيم أرباب النهى والمقاصد».
فالشاعر لا يجعل قوام خيله من القوة الجسدية أو الاندفاع العاطفي وحدهما، وإنما يجعله من المفاهيم التي يصدر عنها أصحاب العقل والرأي والغاية. وهنا تتضافر الصورة الحسية، المتمثلة في الخيل المسرجة، مع المعنى العقلي المجرد، المتمثل في المفاهيم والمقاصد.
إن الكلمة في هذا السياق ليست زينة صوتية، ولا استجابة عاطفية خالصة؛ إنها أداة فكرية، تتشكل وفق رؤية، وتنتظم داخل مقصد، وتكتسب قيمتها من قدرتها على حمل المعنى وتوصيله.
ومن اللافت أن الشاعر جمع بين «القوافي» و«المفاهيم»؛ فالأولى تحيل إلى الجانب الموسيقي الظاهر من الشعر، والثانية تحيل إلى بنيته الفكرية. وبهذا الجمع يرفض، ضمنًا، الفصل بين جمال الصياغة وعمق الدلالة؛ فالشعر الذي يستحق البقاء هو الذي يجمع بين حسن العبارة ورجاحة الفكرة.
أما قوله:
وأن يستهيم العمر في جعل ودها
لزامًا على شعري بفحوى فرائدي
فيكشف عن صلة الوجدان بالتشكيل اللغوي؛ إذ يتداخل الحب مع الشعر، ويتحول الود إلى موضوع تتجه إليه القصيدة. غير أن التعبير «بفحوى فرائدي» يوحي بأن الشاعر لا يريد مجرد التصريح بالعاطفة، بل يسعى إلى تضمينها في فرائد القول، أي في المعاني والصياغات التي يطمح إلى تميزها.
وبذلك يغدو الشعر فعلًا مركبًا تتفاعل فيه ثلاثة عناصر: العاطفة التي تمنحه الحرارة، والفكرة التي تمنحه الاتجاه، واللغة التي تمنحه صورته الباقية.
ثالثًا: من القلم إلى الأمم؛ الكلمة التي تتجاوز حدود صاحبها
وفي قصيدة «تسكابة من معين الرضا» يقول الشاعر:
من أجل عينيك لاذ الشعر بالقلم
وأردف الحرف قولًا طاف بالأمم
غنت عصافير صبحي في حمائلها
بعد الدجى في شتاء طال بالسأم
تتضح في هذين البيتين قدرة الشاعر على بناء شبكة من العلاقات بين الشعر والقلم والحرف والقول والأمم. وهذه المفردات ليست متجاورة اعتباطًا، بل ينتظمها مسار دلالي يصور انتقال المعنى من التجربة الخاصة إلى المجال الإنساني الأوسع.
يبدأ المسار بقوله:
«من أجل عينيك لاذ الشعر بالقلم».
إن فعل «لاذ» يوحي بالالتجاء والاحتماء، ويمنح الشعر هيئة كائن يبحث عن ملاذ. أما القلم فيغدو موضعًا يستقر فيه الشعر، ووسيلة يجد بها طريقه إلى التدوين والبقاء. وفي هذا التعبير تشخيص يجعل الشعر فاعلًا يتحرك ويختار، بدل أن يكون مجرد نتاج سلبي لعملية الكتابة.
ولعل أجمل ما في الصورة أنها تقيم علاقة بين العاطفة وأداة التعبير؛ فعبارة «من أجل عينيك» تضع الدافع الوجداني في مقدمة المشهد، بينما يأتي القلم ليمنح ذلك الدافع صورته المكتوبة. وهكذا يتحول الحب إلى طاقة منتجة للقول، ويتحول القول إلى أثر يمكن أن يتجاوز لحظة نشأته.
ثم ينتقل الشاعر إلى قوله:
«وأردف الحرف قولًا طاف بالأمم».
وفي هذه العبارة تتسع دائرة الحركة؛ فبعد أن كان الشعر يلتمس القلم، أصبح الحرف يردف قولًا، أي يضيف إليه ويصاحبه، ثم ينطلق القول ليطوف بالأمم.
إن الأفعال «لاذ» و«أردف» و«طاف» ترسم حركة متدرجة: التماس الأداة، ثم بناء القول، ثم الانتشار. وكأن الشاعر يقدم تصورًا مصغرًا لرحلة النص الأدبي من لحظة الإلهام إلى لحظة التلقي؛ فالمعنى يبدأ في وجدان فرد، ثم يتجسد في اللغة، ثم يخرج إلى العالم ليجد قراءه.
وتكتسب كلمة «الأمم» أهمية خاصة؛ لأنها تنقل الصورة من النطاق الشخصي إلى النطاق الجمعي. فالشاعر لا يتحدث عن قارئ واحد أو مجلس محدود، بل عن انتشار يتجاوز الحدود الضيقة، ويجعل للكلمة قدرة على عبور المسافات الثقافية والإنسانية.
ومع ذلك، فإن هذا الانتشار لا يتحقق بالكلمات وحدها؛ إذ تتوقف فاعلية النص على صدقه الفني، ووضوح رسالته، وقدرته على مخاطبة التجربة الإنسانية المشتركة. وهنا تتضح قيمة الحرف حين لا يكون مجرد رسم، بل يصبح حاملًا لمعنى يستطيع الآخرون أن يجدوا فيه شيئًا من أنفسهم.
ثم يأتي البيت الثاني:
غنت عصافير صبحي في حمائلها
بعد الدجى في شتاء طال بالسأم
فتتغير نبرة النص من مشهد الالتجاء والانتشار إلى مشهد الغناء والانبعاث. وتبرز فيه ألفاظ «غنت» و«عصافير» و«صبحي» بما تحمله من إيحاءات الحياة والحركة والتجدد، في مقابل «الدجى» و«شتاء» و«السأم» التي توحي بالظلمة والامتداد الثقيل والفتور.
وهذا التضاد ليس مجرد مقابلة بين ألفاظ متباينة، بل هو بناء نفسي ينقل القارئ من حالة الركود إلى حالة الانبعاث. فالصباح هنا لا يؤدي وظيفته الزمنية وحدها، وإنما يصبح رمزًا لبداية جديدة، كما يغدو غناء العصافير صورة للفرح الذي يستعيد صوته بعد طول صمت.
وبذلك تتسع وظيفة الكلمة؛ فهي لا تنقل التجربة فحسب، بل تعيد ترتيبها وجدانيًّا، وتحول الإحساس بالضيق إلى أفق من الرجاء. إنها قادرة على أن تمنح المعاناة شكلًا، وأن تجعل من ذلك الشكل منفذًا إلى الأمل.
رابعًا: «شرف البيان»؛ الكلمة مقام رفيع ومسؤولية جمالية
ويقول الشاعر القدير عائض الثبيتي:
برزت على شرف البيان لأحرفي
منذ البداية والمدى تذكاري
أصبو لنفحة عطرها ونسيمها
وتهيم في نغماتها أوتاري
ولها المقال المستطاب يروقني
فتطيب لي بسريرتي وجهاري
حيث نرى في هذه الأبيات الكلمة وقد انتقلت من كونها وسيلة للإبداع إلى كونها قيمة جمالية يتطلع الشاعر إلى الارتقاء بها. فالتعبير «شرف البيان» يضع اللغة في مقام رفيع، ويربطها بالقدرة على الإفصاح الجميل، وحسن عرض المعنى، وإحكام الصياغة.
وتبرز دلالة الشرف هنا من كون البيان ليس مجرد القدرة على الكلام، وإنما القدرة على اختيار ما يليق من الكلام، وصوغ المعنى في صورة تحترم العقل والذوق، وتمنح الفكرة حضورها المؤثر.
وفي قوله:
«برزت على شرف البيان لأحرفي»
تظهر صورة توحي بالظهور والارتقاء؛ فالأحرف لا تبقى خاملة في مواضعها، وإنما تتقدم إلى مقام من مقامات البيان. وبهذا يمنح الشاعر الحروف قيمة تتجاوز وجودها المادي، لتصبح أدوات بناء فني تستمد منزلتها من طريقة استعمالها، ومن المعاني التي تنهض بحملها.
أما قوله:
«منذ البداية والمدى تذكاري»
فيشير إلى طموح الشاعر إلى أن تكون للكلمة ذاكرة ممتدة. فالمبدع لا يكتب للحظة الراهنة وحدها، بل يأمل أن يجد قوله طريقًا إلى المستقبل، وأن تتجاوز تجربته حدود الزمن الذي نشأت فيه.
ومن هنا يتصل «المدى» بـ«التذكار»؛ فالأول يوحي بالامتداد، والثاني يوحي بالبقاء في الذاكرة. وكأن الشاعر يجعل من الكلمة وسيلة لمقاومة التلاشي، ومن الكتابة محاولة لترك أثر يتجاوز حدود الحضور العابر.
ثم ينساب النص في صورة حسية رقيقة:
أصبو لنفحة عطرها ونسيمها
وتهيم في نغماتها أوتاري
إن «نفحة العطر» و«النسيم» صورتان تنتميان إلى عالم الحواس، ولكنهما تؤديان هنا وظيفة وجدانية؛ إذ تحيلان إلى اللطف والجاذبية والراحة النفسية. وتأتي «النغمات» لتضيف إلى الصورة بعدًا سمعيًّا، فيتداخل الشم واللمس والسمع في تجربة جمالية واحدة.
وهذا التداخل الحسي يفتح أمام القارئ بابًا من أبواب التذوق؛ فالكلمة لا تكتفي بأن تخبره عن الجمال، بل تحاول أن تجعله يشعر به. إنها تستعير من العطر انتشاره، ومن النسيم رقته، ومن النغم موسيقاه، لتبني صورة للبيان بوصفه تجربة متعددة الأبعاد.
ويزيد المشهد جمالًا إسناد الهيام إلى الأوتار؛ فالأوتار، وهي أدوات موسيقية، تتحول في الصورة إلى كائنات تهيم وتنجذب. وهذه الاستعارة تمنح الموسيقى روحًا عاطفية، وتوحي بأن اللغة الجميلة لا تُستقبل بالعقل وحده، بل تتجاوب معها النفس ويستجيب لها الوجدان.
أما قوله:
«ولها المقال المستطاب يروقني»
فيكشف عن معيار ذوقي يقوم على استحسان القول وطيب موقعه من النفس. فالمقال المستطاب ليس كل كلام، بل الكلام الذي يحسن تركيبه، وتستقيم دلالته، وتنسجم أجزاؤه، ويجد المتلقي في عبارته ما يبعث على القبول والارتياح.
وتبرز هنا صلة الكلمة بالذوق؛ فحسن القول لا ينفصل عن حسن التلقي، كما أن جودة التعبير لا تكتمل في وعي الشاعر إلا حين يجد صدى في نفس القارئ.
ثم يبلغ المقطع غايته في قوله:
«فتطيب لي بسريرتي وجهاري».
يجمع الشاعر بين السريرة والجهار، فيقيم علاقة بين الباطن والظاهر، وبين ما يستقر في النفس وما يعلن للناس. ويمكن أن يُفهم من هذا الجمع أن الكلمة الجميلة تحقق نوعًا من الانسجام الداخلي؛ فهي لا تمنح الشاعر متعة التعبير أمام الآخرين فحسب، بل تمنحه كذلك رضًا يتصل بما يضمره في نفسه.
ومن هنا تتجاوز الكلمة حدود الصنعة إلى مجال أعمق، هو مجال الصدق والتوافق بين الذات وما تعلن عنه. فالبيان، في أرقى صوره، ليس مجرد براعة في ترتيب الألفاظ، بل هو أيضًا قدرة على التعبير عما يستقر في الوجدان دون أن تفقد العبارة جمالها أو وضوحها.
خامسًا: متعلقات الكلمة في شعر الثبيتي ؛ شبكة من العلاقات لا مفردة منفردة
إذا جمعنا هذه الشواهد، وجدنا أن الشاعر لا ينظر إلى الكلمة معزولة عن محيطها، وإنما يمنحها قيمتها من خلال العلاقات التي تقيمها مع الشعر والقلم والحرف والقافية والبيان والعاطفة والعقل. فالكلمة في النص الأدبي ليست وحدة مغلقة، بل مركز تتفرع منه دلالات متعددة.
ويمكن الوقوف عند أبرز هذه المتعلقات:
1. الكلمة والشعر: علاقة التكوين والخلود
يتجلى هذا الارتباط في قوله: «والشعر يرثي قتيلا». فالشعر هنا شاهد على الفقد، وحارس للذاكرة، ووسيلة لإبقاء الأثر الإنساني بعد غياب صاحبه. كما يتجلى في «أسرجت خيلًا للقوافي»، حيث تصبح الكلمة جزءًا من بناء فني يحتاج إلى مهارة وإحكام.
فالشعر يمنح الكلمة سياقها الجمالي، والكلمة تمنح الشعر مادته التي يتشكل بها. ومن تفاعل الاثنين ينشأ النص القادر على الجمع بين التعبير والتأثير.
2. الكلمة والقلم: علاقة التجسيد والتدوين
في قوله: «لاذ الشعر بالقلم» تتجسد حاجة المعنى إلى وسيلة تخرجه من حيز التجربة الخاصة إلى فضاء الكتابة. فالقلم ليس غاية في ذاته، وإنما هو أداة لحفظ القول وتثبيت أثره.
ومع ذلك، لا تنحصر وظيفة الكتابة في التوثيق؛ إذ تستطيع أن تعيد تشكيل التجربة، وأن تمنحها بناءً فنيًّا لم يكن لها في صورتها الأولية.
3. الكلمة والحرف: علاقة البناء والتشكيل
في قوله: «وأردف الحرف قولًا طاف بالأمم» نلمح الحرف بوصفه وحدة تدخل في تكوين القول، ولكنها لا تستمد قيمتها من وجودها المنفرد، وإنما من انتظامها في بنية ذات معنى.
فالحروف تتآلف لتنتج الكلمات، والكلمات تنتظم لتنتج التراكيب، والتراكيب تتساند لتشكيل النص. وهكذا تنتقل اللغة من وحدات صغيرة إلى بناء متكامل تتحدد قيمته بسلامة العلاقات بين أجزائه.
4. الكلمة والقافية: علاقة الموسيقى بالدلالة
تظهر هذه العلاقة في «خيلًا للقوافي»، حيث ترتبط القافية بالحركة والانطلاق، كما ترتبط في مواضع أخرى بنغم الأوتار. والقافية في الشعر ليست مجرد تشابه صوتي في أواخر الأبيات؛ إذ يمكن أن تؤدي دورًا في توحيد الإيقاع، وتعزيز التوقع السمعي، وإبراز بعض المعاني.
غير أن الموسيقى لا تغني عن الدلالة، كما أن المعنى لا يستغني عن حسن الصياغة. والجمال الشعري الأصيل يتولد من التوازن بينهما، حين يصبح الصوت جزءًا من التجربة لا غلافًا خارجيًّا لها.
5. الكلمة والعاطفة: علاقة الإلهام والتعبير
تبدو العاطفة في هذه النصوص منطلقًا للقول؛ فالحب يدفع الشعر إلى القلم، والفقد يستدعي الرثاء، والرجاء يتصل بصورة الصباح، والتطلع إلى الجمال يوقظ الرغبة في المقال المستطاب.
لكن العاطفة لا تظهر في صورتها الخام، بل يعاد تشكيلها داخل اللغة. وهذه هي إحدى أهم وظائف الشاعر: أن ينقل التجربة من انفعال شخصي محدود إلى صورة فنية تستطيع أن توقظ انفعالات الآخرين.
6. الكلمة والعقل: علاقة الرؤية والمقصد
يتضح هذا الجانب في قوله: «مفاهيم أرباب النهى والمقاصد». فالكلمة ليست مجرد استجابة وجدانية، بل هي أداة للتفكير، وحامل للرؤية، ووسيلة لتوجيه المعنى نحو غاية.
وهنا يلتقي الوعي اللغوي بالوعي الفكري؛ فالشاعر الذي يحسن اختيار ألفاظه لا يكتفي بسلامة العبارة، وإنما يحرص على أن تؤدي الفكرة وظيفتها، وأن يتناسب اللفظ مع المقصد، وأن تتآزر الصياغة والدلالة.
7. الكلمة والذاكرة: علاقة البقاء ومقاومة النسيان
يتجلى هذا البعد في «والمدى تذكاري»، كما يظهر في طواف القول بالأمم. فالكتابة تتيح للتجربة أن تغادر حدود لحظتها الأولى، وأن تدخل في حوار مع قراء لم يشهدوا زمنها.
وهذا الخلود ليس ضمانًا آليًّا تمنحه الكتابة لكل قول؛ وإنما هو أفق يبلغه النص بقدر ما يحمل من صدق فني، وعمق إنساني، وقدرة على التجدد في التلقي.
سادسًا: ملامح البلاغة في بناء الصورة الشعرية
إن البلاغة في هذه الشواهد لا تقوم على المحسنات اللفظية وحدها، بل تتجلى في طريقة بناء الصور، واختيار الأفعال، وإقامة العلاقات بين المعاني، وتحويل المجرد إلى محسوس.
ومن أبرز ملامحها:
أولًا: التشخيص. ويتجلى في إسناد الرثاء إلى الشعر، والالتجاء إلى الشعر، والهيام إلى الأوتار. وهذه الصور تجعل المعاني والأدوات كائنات حية تتحرك وتتأثر، فتقرب التجربة المجردة إلى وجدان القارئ.
ثانيًا: الاستعارة الممتدة. وأبرز أمثلتها «أسرجت خيلًا للقوافي»، إذ لا تقف الصورة عند استعارة واحدة، بل تفتح مجالًا متكاملًا تتجاور فيه الخيل والإسراج والقوافي والمفاهيم. وبهذا تتحول عملية الإبداع إلى مشهد حركي تتفاعل عناصره.
ثالثًا: التضاد الدلالي. ويتضح في المقابلة بين «الدجى» و«صبحي»، وبين «شتاء طال بالسأم» وغناء العصافير. ويؤدي هذا التضاد وظيفة نفسية؛ لأنه يجعل التحول من العتمة إلى النور محسوسًا في بناء الصورة.
رابعًا: التدرج الحركي. ففي «لاذ الشعر بالقلم، وأردف الحرف قولًا، وطاف بالأمم» نتابع حركة تتسع تدريجيًّا من موضع محدود إلى فضاء واسع. وهذا التدرج يمنح المعنى بعدًا سرديًّا، ويجعل رحلة الكلمة قابلة للتخيل.
خامسًا: التراسل الحسي. ويظهر في اجتماع العطر والنسيم والنغمات في صورة واحدة. وهذا التداخل يثري التجربة، ويجعل الجمال اللغوي محسوسًا عبر أكثر من قناة إدراكية.
سادسًا: الإيحاء. فكلمات مثل «الشرف» و«المدى» و«المنايا» و«الأمم» تتجاوز معانيها المباشرة إلى ظلال أوسع تتصل بالمكانة والخلود والفناء والانتشار. وهذه الطاقة الإيحائية من أبرز ما يمنح الكلمة الأدبية قدرتها على البقاء في الذهن.
ومع ذلك، فإن الحكم البلاغي الدقيق ينبغي أن يراعي السياق الكامل لكل قصيدة، وألا يكتفي بعزل التعبير عن بنيته العامة؛ فالصورة قد تتعدد دلالاتها، وتتفاوت قوتها بحسب ما يسبقها وما يلحقها من كلام.
سابعًا: بين جمال الكلمة ومسؤوليتها
إن التأمل في هذه الأبيات يقودنا إلى سؤال يتجاوز الصناعة الشعرية: ما الذي يجعل الكلمة جديرة بأن تبقى؟
ليست الإجابة في فصاحتها وحدها، ولا في غرابة صورتها، ولا في انتظام قافيتها، بل في قدرتها على الجمع بين الجمال والمعنى، وبين حرارة العاطفة ورجاحة الفكر، وبين خصوصية التجربة وإمكان المشاركة الإنسانية فيها.
فالكلمة التي لا تحمل إلا زخرفًا صوتيًّا قد تثير الإعجاب العابر، لكنها سرعان ما تخبو إذا خلا باطنها من المعنى. والكلمة التي تحمل فكرة عميقة دون صياغة مؤثرة قد تبلغ العقل، لكنها لا تبلغ الوجدان بالقدر نفسه. أما الكلمة الشعرية الناضجة فهي التي تحسن مخاطبة العقل والقلب معًا، وتمنح المعنى صورة تستقر في الذاكرة.
ومن هنا يمكن فهم قيمة قول الشاعر إن قوام خيل القوافي هو مفاهيم أصحاب النهى والمقاصد؛ فالشعر في هذا التصور ليس استعراضًا للقدرة على نظم الألفاظ، بل هو فعل مسؤول، تتضافر فيه الرؤية واللغة والغاية.
كما أن انتشار القول بين الأمم لا ينبغي أن يكون غاية منفصلة عن قيمته؛ فالانتشار يوسع دائرة التأثير، لكنه لا يصنع الجودة من العدم. وما يمنح النص جدارة البقاء هو قدرته على تجديد المعنى في كل قراءة، وأن يجد فيه الإنسان ما يضيء تجربته، أو يوسع نظرته، أو يوقظ حساسيته تجاه الحياة.
ولعل هذا ما يجعل الكلمة في هذه النصوص متصلة بمسألة الخلود الأدبي: فالشاعر يرحل، وتبقى قصيدته ما بقيت قادرة على استدعاء تجربة إنسانية حقيقية، وما ظل القارئ يجد في عباراتها معنى يستحق التأمل.
خاتمة: الكلمة حياة أخرى للشاعر
لقد كشفت الشواهد الشعرية عن تصور متعدد الأبعاد للكلمة؛ فهي في مشهد الرثاء تقف في مواجهة الموت، وفي مشهد إسراج الخيل تتحول إلى أداة إبداع تتطلب وعيًا ومهارة، وفي قصيدة «تسكابة من معين الرضا» تصبح رحلة تبدأ من العاطفة، وتمر بالقلم والحرف، وتنتهي إلى فضاء الأمم، ثم تغدو في «شرف البيان» قيمة جمالية يتطلع الشاعر إلى الارتقاء بها.
وهكذا تتوزع الكلمة بين الوجدان والعقل، وبين الموسيقى والدلالة، وبين التجربة الفردية والذاكرة الجماعية. وهي لا تكتسب مكانتها من مفرداتها منفردة، بل من شبكة العلاقات التي تنسجها مع الشعر والقلم والحرف والقافية والبيان، ومن قدرتها على تحويل المعنى إلى صورة، والصورة إلى أثر، والأثر إلى حضور متجدد.
إن الكلمة عند الشاعر القدير عائض الثبيتي في ديوان موارد الشوارد ليست صوتًا يمر في الهواء ثم يتلاشى، وإنما هي أثر يسعى إلى البقاء؛ وليست حروفًا مرصوصة في سطور، بل خيل مسرجة تنطلق في ميادين المعنى؛ وليست حبيسة تجربة صاحبها، بل رسالة يمكن أن تطوف بالأمم، وتجد في كل نفس صدى مختلفًا.
وإذا كان الموت ينتزع الإنسان من عالم الأحياء، فإن الكلمة الصادقة تستطيع أن تنتزع اسمه من قبضة النسيان؛ وإذا كانت الحياة تنتهي عند حدود العمر، فإن الشعر يفتح لها أفقًا آخر في الذاكرة والوجدان.
وهنا تكمن عظمة الكلمة: أنها لا تمنح صاحبها حياة لا تنتهي، ولكنها تمنح تجربته فرصة لأن تعيش بعده؛ ولا توقف حركة الزمن، ولكنها تحفظ بعض ما كان جديرًا بألا يضيع منه؛ ولا تلغي الفقد، لكنها تمنحه معنى، وتجعل من الحزن شهادة، ومن الحب قصيدة، ومن الحروف أثرًا إنسانيًّا قابلًا للتجدد. فطوبى للكلمة حين تحسن حمل المعنى، وطوبى للشعر حين يكون قوامه الفكر، ووقوده الوجدان، ووسيلته البيان، وغايته أن يترك في النفس أثرًا لا تمحوه عوادي الأيام.
المراجع :عائض الثبيتي، ديوان موارد الشوارد، الطائف ،نادي الطائف الأدبي ،الشارق ،دار الانتشار العربي ،2020م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى