جمعي شايبي - الطنطورية لرضوى عاشور

الروائية المصرية الشهيرة ، والناقدة الفذة العظيمة ، الأستاذة الجامعية القديرة ، رضوى عاشور عليها الرحمة والرضوان ، بالسرد بكت في ثلاثية غرناطة ضياع الأندلس من آيادي المسلمين ، وفي ملحمة الطنطورية ، بسرد موغل في الألم ، تحكي مأساة فلسطين .
تستحضر رضوى عبر ذاكرتنا المعطوبة سلسلة من المجازر التي ارتكبها أعداء الإنسانية ، في الطنطورية وصبرا وشاتيلا ، في ملجئ مدرسة الأطفال بصيدا ، ومجزرة عمارة جاد بلبنان الشقيق .
لا تكتفي رضوى بأن تطلعنا على أقسى معاني النكبة ، فتحيلنا على عيش مراراتها ، ومكابدة عذابات اللجوء والتشرذم ، وإدراك فداحة خسارة الوطن وتبعاتها المدمرة .
بمنتهى الصدق ، وببراعة منقطعة النظير ، حكت لنا رضوى قصة من حملوا حيواتهم على أكفهم وعاشوا مشتتين جيلا من بعد جيل ، من فرط ما طالهم من ظلم وبطش وتقتيل وتهجير ، دون أن يتزعزع أو يتزحزح صمودهم قيد أنملة ، أو أن تخبو في قلوبهم الطاهرة البريئة شعلة حبهم الأبدي لأرضهم المقدسة السليبة .
بعيدا عن التاريخ الرسمي المكذوب الذي خطته آيادي المتغطرسين ، تعيد رضوى كتابة تاريخ فلسطين الأليم ، وسيرة الكفاح الطويل لشعبها الصامد الأصيل .
على لسان بطلتها المحورية رقية ، تدهشنا رضوى بوصفها الساحر الأخآذ لطبيعة فلسطين ، بأشجارها وأعشابها وورودها وبساتينها وحقولها ، كما أمتعتنا بتضمين نصها بقطوف من مأثورات إخواننا الفلسطينيين وآهازيجهم العذبة الشجية ، وتقاليدهم الشعبية الأصيلة ، كما أبكتنا رضوى وبحرقة وهي تسرد معاناة الفلسطينيين ، على إثر نزوحهم القسري عن أرضهم الحبيبة ، وبذلك الحزن الكبير الذي سكنهم بسبب آلة الموت العمياء التي كانت تحصد أرواح أحبتهم ، وتهدم دورهم بلا رحمة .
تقف البطلة رقية على تلة العمر التي بلغ ارتفاعها سبعون عاما من المعاناة ، فلا ترى على سفوحها غير الدمار والخراب .
فتفصح بدافع الحب والحزن والحنين والأسى عن تفاصيل أوجاعها وفواجعها .
رحلت رضوى وقد خلفت بين أسطر منجزها الكثير من الأسرار والحكم والنبوءات المخبوءة ، لعل أبرز ماقصدته من خلال نصها هي أننا قد نخسر لفترة طويلة أرضنا ، ورغم فداحة خسارتنا فإننا لا نخسر هويتنا ، ومهما هدمت دورنا ومنازلنا فإن مفاتيح أبوابها العتيقة المعلقة على صدور الجدات والأمهات والأحفاد ، تبقى يقينا راسخا ونبوءة صادقة في حق العودة ، رغم ظروفنا القاهرة وخيباتنا الكثيرة المتراكمة .
إن رضوى عاشور رحمة الله عليها حينما تكتب في رواية التاريخ بجرأتها الفريدة ، فإنها تقول دونما خوف حقائقنا المرة ، لكأن نصوصها نهج نعود من خلاله إلى فطرة آدميتنا النبيلة وإنسانيتنا الطاهرة الأولى .
تساءلت كثيرا وقلت : ماذا لو مد في عمر رضوى حتى تعيش المأساة التي أعقبت طوفان الاقصى تراها أي نص كانت ستكتبه لنا هذه الروائية الملهمة !.

جمعي شايبي .


FB_IMG_1792416409485.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى