غانية ملحيس - في أفق التحرر الإنساني: الكرامة معيارا ثابتا والعقل ممارسة نقدية لا تتوقف رد على تعقيب الدكتور عبد الرحمن بسيسو «العقل الإنساني

في أفق التحرر الإنساني: الكرامة معيارا ثابتا والعقل ممارسة نقدية لا تتوقف
رد على تعقيب الدكتور عبد الرحمن بسيسو «العقل الإنساني المنير: شروط التَّحرر والنُّهوض»

غانية ملحيس
18/10/2026


يمثل السجال المتواصل مع الصديق العزيز الدكتور عبد الرحمن بسيسو نموذجا للحوار الفكري الجاد الذي تحتاج إليه ثقافة نهضوية تسعى إلى التأسيس لا التكرار. وإذا كان تعقيبه الأخير قد حاول نقل الحوار من التنظير إلى رسم خارطة طريق إجرائية لبناء شروط التنوير، فإن قوة الطرح وجسارة مقاصده لا تمنعان من التوقف النقدي عند التبعات المعرفية والسياسية للمفاهيم التي يستند إليها.

إن الخلاف بيننا لا يتصل بالانحياز المبدئي لفلسطين، ولا برفض التوحش الاستعماري الصهيوني وداعميه، ولا بالدفاع عن حق شعبنا في الحرية والكرامة؛ فهذه ثوابت لا تقبل المساومة أو التشكيك.
إنما يكمن الخلاف في السؤال المعرفي والتربوي والأخلاقي: كيف نبني عقلا يحرر الإنسان ومجتمعه، دون أن يقع، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج منطق الهيمنة ونزع الإنسانية ومصادرة حق الإنسان في نقد مقولاته.

أولا: الكرامة الإنسانية حق أصيل أم «مرتبة» تُمنح وتُسلب؟
يقدم الدكتور بسيسو تقسيما ثلاثيا للعقل والكينونة: (بشري بيولوجي محض، بشري متوحش، وإنساني منير)، وينتهي إلى أن «الإنسانية منجز وجودي يكتسب بالجهد الأخلاقي، وليست معطى بيولوجيا مسبقا»، متخذا من هذا الطرح مسوغا لنزع صفة الإنسانية عن غلاة التوحش الصهيوني ورموزه.
وهنا تحديدا يبرز المأزق الفلسفي والأخلاقي الأكبر: إذا كانت «الإنسانية» مرتبة تُكتسب وليست صفة ملازمة للوجود البشري، فمن هي السلطة المعرفية أو السياسية التي تملك حق تحديد من ارتقى إلى «الإنسانية» ومن انحط إلى «التوحش»؟

ألا يفتح هذا الباب على مصراعيه لشرعنة نزع الإنسانية عن «الآخر» المناهض أو المختلف، وهو ذات المنطق الذي تأسست عليه أيديولوجيات التمييز العنصري والمشاريع الاستعمارية الغربية بما فيها الصهيونية، التي طالما صنفت ضحاياها بوصفهم «دون البشر» أو «حيوانات بشرية» لتبرير إبادتهم؟
إن إدانة الجريمة الاستعمارية ومحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة لا تحتاجان إلى سلب صفة الإنسانية عنهم بيولوجيا أو وجوديا، بل تتأسسان على أنهم أشرار واقترفوا جرائم بشعة بحق الإنسان والكرامة.
الكرامة الإنسانية، في المنظور التحرري الحقيقي، ليست مكافأة تُمنح لمن يتطابق مع معاييرنا الأخلاقية، بل هي قيمة تأسيسية مطلقة تحمي البشر جميعا من نزع الإنسانية، وتجعل المحاسبة على الأفعال والجرائم واجبا أخلاقيا وقانونيا صارما. إننا حين نرفض منطق الإبادة والصهيونية، نرفضه لأننا نتمسك بإنسانيتنا وبالمعيار الأخلاقي الجامع، لا لأننا نصنف أنفسنا في مرتبة «أعلى» تُبيح لنا ممارسة نزع الإنسانية المفاهيمي عن أعدائنا.
ويقتضي هذا التمييز أن نفصل بين إنسانية الإنسان بوصفها صفة لوجوده البشري، وكرامته بوصفها أساسا متساويا لحقوقه، وأنسنته بوصفها مسارا أخلاقيا ومعرفيا يتجسد في أفعاله وعلاقاته.
فالبشر يتفاوتون في سلوكهم، وفي قدرتهم على احترام الآخرين أو انتهاك حقوقهم، لكن هذا التفاوت لا يحوّل الكرامة إلى مرتبة متفاوتة، ولا يجعل الحقوق امتيازا مشروطا بالحكم الأخلاقي على أصحابها.
ومن هنا، فإن وصف فعل بأنه وحشي لا يستلزم الحكم بأن فاعله خرج من الإنسانية؛ بل يتيح تحديد طبيعة الفعل وإدانته ومحاسبة مرتكبه وفق معيار أخلاقي وقانوني لا يستثني أحدا.
كما أن تصنيف العقل إلى بيولوجي محض ومنير ومتوَحش يحتاج إلى بيان المعايير التي تميز هذه الأنماط، وتحديد ما إذا كانت حالات متمايزة أم إمكانات متداخلة في الفرد والمؤسسة نفسيهما. فالتصنيف الذي لا يحدد معايير التمييز بين أنماطه وشروط الانتقال بينها قد يتحول من أداة لفهم الواقع إلى حكم معياري مغلق، يختزل تعقيد التجربة الإنسانية في ثنائيات جامدة.

ثانياً: هل نقد المعايير «خبَال تفكيكي» أم شجاعة نقدية؟
يعبّر الدكتور بسيسو عن اندهاشه من دعوتي إلى إخضاع التصورات حول «الإنارة» و«التوحش» و«الأخلاق» للنقد والمراجعة، ويصف هذا المنحى بـ «الخبال التفكيكي ما بعد الحداثي «الذي يقود إلى «النسبية السائلة» و«تجريد الذات المقاومة من سلاحها القيمي».
لكن هذا الوصف لا يعكس بدقة موقفي: إن التمييز بين الضحية والجلاد، وبين المستعمِر والمُقاوم، موقف أخلاقي وسياسي صلب لا مهادنة فيه ولا سيولة. فالنقد الذاتي الحقيقي لا يتوقف عند حدود الجبهة الخارجية، بل يمتد ليفحص السلاح المعرفي الذي نقتنيه.

تساءلتُ - وأجدد التساؤل -: أليس من واجب العقل المنير أن يفحص لغته، ومفاهيمه، والتحيزات الثقافية أو السلطوية التي قد تتسرب إلى تعريفه للتنوير؟
إن المطالبة بمراجعة المفاهيم ليست تفكيكا عدميا ولا ترفا أكاديميا معزولا، بل هي الحصن الوحيد الذي يمنع المشروع التحرري من أن يتحول - عقب انتصاره - إلى نظام استبدادي جديد يمارس القمع باسم «الإنارة» أو «إعادة صياغة الإنسان الجديد».
إن الذات المقاومة لا تُصرع بالنقد المعرفي، بل تضعف حين تحيط نفسها بهالة من التقديس المفهومي الذي يمنع المراجعة والتصويب.

ثالثاً: العقلانية بين الوصائية و«دين العصر»
يذهب الدكتور بسيسو إلى اعتبار الشرعية الدولية وحقوق الإنسان والقانون الدولي بمثابة «دين العصر الإنساني الحديث».
ورغم تقديري لأهمية المواثيق الدولية بوصفها أدوات نضالية وقانونية لكبح القوة الغاشمة، فإن إسباغ طابع «الدين» أو «المطلق» عليها ينطوي على مفارقة كبرى:
1. التغافل عن حمولتها الاستعمارية:
إن هذه الشرعية الدولية نفسها صيغت في ظل موازين قوى استعمارية، بل إن بعض قراراتها المؤسسة، وفي مقدمتها قرار تقسيم فلسطين رقم 181، أسهمت في إضفاء غطاء دولي على مشروع إقامة كيان استعماري استيطاني صهيوني في فلسطين، وتجاوزت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه.
ولا يقف الإشكال عند مضمون القرارات التي صيغت في سياقات دولية مختلة، بل يمتد إلى استمرار توظيف القانون الدولي بمكيالين، عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني أو الشعوب العربية أو شعوب الجنوب العالمي وغيرها من الشعوب غير الغربية.
2. تحويل العقل إلى عقيدة مغلقة:
إن أسر العقل في «مقدس جديد»، حتى لو كان اسمه حقوق الإنسان، ينفي عنه صفة التنوير القائم على التفحص والمساءلة المستمرة.
كما أن الحديث عن تشكيل «حاضنات» تخرج الناس من «التكلس البيولوجي» صعودا نحو «الإنسانية» يعيد إنتاج رؤية وصائية نخبويّة، تضع النخبة الفكرية في موقع «المعلم/المربي» الذي يملك مفاتيح «الإنارة»، بينما ينحصر دور المجتمع في أن يكون مادة خاما يجري «تنويرها» أو «أنسنتها».
العقل المنير الحقيقي لا يعلّم الناس كيف يكونون أناسا، بل يشاركهم في بناء الشروط المادية والسياسية والمؤسسية التي تتيح لهم ممارسة حريتهم والتعبير عن ذواتهم وتحديد غاياتهم بأنفسهم، من خلال جامعة حرة، وفضاء عام آمن، وكرامة اقتصادية تصون استقلالهم وقدرتهم على الاختيار.
والمفارقة التي تكشفها المأساة الفلسطينية، ولا سيما الإبادة في غزة، ليست في بطلان مبدأ عالمية الحقوق، بل في الفجوة العميقة بين الإقرار بها وإنفاذها، وبين عمومية الخطاب الحقوقي وانتقائية الحماية الفعلية. فالمشكلة ليست في أن تكون للإنسان حقوق عالمية، بل في أن تظل حماية هذه الحقوق متفاوتة تبعا لهوية الضحية وموقع الجاني في موازين القوة.
لذلك، لا أرى تعارضا بين التمسك بالمرجعية الحقوقية الدولية ونقد تاريخها ومؤسساتها وآليات تطبيقها؛ فالمطلوب ليس التخلي عن المبادئ الجامعة، ولا التعامل مع صيغها الراهنة بوصفها مرجعية مكتملة لا يأتيها النقد.

رابعاً: غزة والدرس الأخلاقي للعقل الأداتي
تظل جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة المحك الحقيقي لمقولاتنا جميعا. إن المأساة الكبرى في غزة لا تمثل فقط تفشي «التوحش الصهيوني»، بل تكشف عمق انفصال القدرة التقنية والعلمية والهندسية (العقل الأداتي المعولم) عن الحد الأخلاقي.
فالمؤسسة الاستعمارية الصهيونية والغرب الداعم لها لا يعملان بلا عقل، بل يوظفان عقلا أداتيا عالي الكفاءة، مدعوما بالذكاء الخوارزمي، ويسخّران التكنولوجيا والبيانات للإبادة والتدمير الشامل. ومن هنا، فإن مواجهة هذا التوحش لا تقتصر على إدانة توظيف العقل والتكنولوجيا في خدمة الإبادة، بل تقتضي التمسك بمعيار أخلاقي يحول دون اختزال الإنسان إلى مجرد وسيلة أو رقم.
وحين نصرّ على أن الكرامة الإنسانية هي الحد والمعيار، فإننا نحمي نضالنا من الانزلاق إلى المنطق الأداتي نفسه الذي نناهضه.
والتمسك بإنسانية الجاني لا يعني تبرئته أو تخفيف مسؤوليته، بل يعني مساءلته بوصفه فاعلا بشريا مسؤولا عن أفعاله، وقادرا على الاختيار، وخاضعا للمحاسبة. كما أن الإقرار بالكرامة الإنسانية لا يقتضي مساواة المعتدي بالمقاوم، ولا طمس الفارق الأخلاقي والسياسي بين ممارسة العنف الاستعماري ومقاومته؛ فالمساواة في الكرامة لا تعني المساواة في المسؤولية، والاحتكام إلى معايير أخلاقية وقانونية مشتركة لا يستلزم تجاهل اختلاف الأفعال والسياقات ومواقع القوة.
إن قوة الموقف الأخلاقي الفلسطيني لا تكمن في نزع الإنسانية عن مرتكبي الجرائم، بل في كشف جرائمهم وإدانتها، وتحديد مسؤولياتهم، والمطالبة بمحاسبتهم من دون انتقائية أو إفلات من العقاب.
ومن ثم، فإن مراجعة مفهوم التوحش ليست انصرافا عن مأساة غزة، ولا تخفيفا من فداحة ما يُرتكب بحق أهلها، بل هي سعي إلى إبقاء اللغة الأخلاقية أداة لكشف الجريمة ومقاومة الظلم وإقامة العدالة، لا بديلا عن المساءلة ولا ذريعة لتعطيلها.

خامساً: العقلانية النقدية وشماعة التقنية
يذهب الدكتور بسيسو إلى ربط تساؤلاتي المفهومية بـ «الذكاء الاصطناعي المبرمج صهيونيا»، بل يعزو ممارسة النقد التفكيكي إلى كتّاب «يسلمون عقولهم للذكاء الاصطناعي»، وكأن مساءلتي للمعايير التي يستند إليها مفهوم «العقل المنير» ليست موقفا فكريا أتحمل مسؤوليته، بل نتاج تأثير تقني خارجي.
وهذا الإحلال لتفسير مصدر الموقف محلّ مناقشة مضمونه لا يجيب عن الأسئلة التي طرحتها، بل يصرف النظر عن مقتضيات النقد الذاتي الذي يدعو إليه بسيسو نفسه.
والأهم أن نقد التقنية لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مناقشة الأسئلة الفلسفية التي يثيرها المقال، ولا أن تُختزل الخلافات حول مفهوم الإنسانية والعقلانية والتحرر في اتهام الأداة التي تستخدم في المناقشة.
فالذكاء الاصطناعي والتقنية أدوات، بينما المساءلة النقدية فعل عقلاني إنساني مستقل. إن العقل المنير لا يحصّن نفسه ضد السؤال بإحالة صاحبه إلى «المؤامرة التقنية»، ولا يدحض الحجة بالتشكيك في مصدرها المفترض، بل يواجه السؤال الفلسفي بشجاعة وتواضع معرفي يضمنان استمرار حيويته واستقلاله.

سادسا: نحو تنوير يتسع للأسئلة
إن مشروع النهضة العربية والحداثة الخاصة التي نتطلع إليها جميعا لن يتحقق بالدعوة إلى عقل يملك الإجابات المطلقة ويصنف الناس في مراتب بيولوجية وأخلاقية، بل يتحقق بـ:
1. تواضع معرفي: يعترف بحدود العقل، ويفتح المجال للتعدد والاختلاف والمراجعة.
2. بناء المؤسسات: الانتقال من الخطاب التنويري الوعظي إلى بناء الشروط المادية والسياسية والمؤسسية حامية الحريات.
3. أخلاقية صلبة ومرونة نقدية: أخلاق تصمد أمام الظلم والإبادة، ومرونة نقدية تجعل العقل يتفحص ذاته بانتظام كي لا يصنع ظلالا من السيطرة باسم التحرر.
إن الحوار مع الصديق الدكتور عبد الرحمن بسيسو سيظل ثريا ومثمرا طالما أنه يفتح أفق السؤال ولا يغلقه، وطالما بقينا متفقين على أن الغاية الأسمى هي الإنسان العربي الحر الكريم في مجتمع حر عادل.

تعليقات

د. جمال عاشور


نص غانية ملحيس ليس مجرد ردّ على الدكتور عبد الرحمن بسيسو، بل هو نقاش فلسفي حول سؤال بالغ الأهمية: هل نستطيع الدفاع عن إنسانية الإنسان من دون أن نمنح أنفسنا سلطة تحديد من يستحق أن يكون إنسانًا.
أقرأ هذا السجال باعتباره نقاشًا حول سؤال أعمق من تعريف العقل أو الإنسانية:
كيف نحمي الإنسان من الظلم من دون أن نحول أنفسنا إلى سلطة جديدة تقرر نيابة عنه ما ينبغي أن يكونه؟
تستحق غانية ملحيس التقدير لأنها تلفت النظر إلى خطر قد يظهر داخل الخطابات التحررية نفسها: أن تتحول القيم التي نرفعها إلى معايير لفرز البشر، وأن يتحول التنوير من ممارسة نقدية إلى سلطة تصنيفية.
لكن ينبغي أيضًا ألا نبالغ في الاستنتاج.
ليس كل حديث عن «الإنسانية المنجزة» دعوة إلى نزع الحقوق، وليس كل تصنيف أخلاقي محاولة للهيمنة. فقد يكون المقصود التمييز بين مجرد الوجود البشري وبين الارتقاء الأخلاقي في التعامل مع الآخرين.
الحكم يتوقف على تعريف المفاهيم والنتائج التي تُبنى عليها.
ومع ذلك، فإن المعيار الذي تقترحه الكاتبة يفتح أمامنا طريقًا مهمًا: إدانة الجريمة من دون إلغاء إنسانية مرتكبها، ومقاومة الاستعمار من دون تحويل المقاومة إلى حصانة من النقد، والدفاع عن الحقوق من دون تجاهل التناقضات التي تشوب المؤسسات المكلفة بحمايتها.
وهنا أضيف ثلاث ملاحظات.
أولًا: لا أحد يحتكر الإنسانية.
لا يحتكرها المفكر، ولا الحزب، ولا المؤسسة الدينية، ولا الدولة، ولا حتى الحركة التي ترفع شعار التحرر.
يمكننا تقييم الأفعال والمواقف والممارسات، لكن ادعاء امتلاك معيار نهائي لتصنيف البشر يعرّض أي مشروع أخلاقي لخطر التحول إلى وصاية.
ثانيًا: لا ينبغي أن تتحول الأخلاق إلى بديل عن السياسة.
قد يكون الخطاب الأخلاقي مؤثرًا، لكنه لا يوقف القتل بمفرده، ولا يضمن العدالة الاقتصادية، ولا يبني مؤسسات ديمقراطية.
الأخلاق تحدد ما ينبغي الدفاع عنه، والسياسة تحدد كيفية تنظيم القوة والموارد، والقانون يحول المبادئ إلى التزامات قابلة للمحاسبة.
إذا انفصلت الأخلاق عن المؤسسات، فقد تصبح موعظة جميلة عاجزة عن تغيير الواقع.
ثالثًا: النقد لا يعفي صاحبه من تقديم البدائل.
كما أن المطالبة بالإنارة لا تعني امتلاك الحقيقة، فإن تفكيك المفاهيم لا يكفي وحده لبناء مشروع تحرري.
لا بد من الإجابة عن أسئلة عملية: كيف نضمن حرية الاختلاف؟ كيف نمنع احتكار المعرفة؟ كيف نحاسب من ينتهك الحقوق؟ وكيف نبني مؤسسات لا تتحول إلى أدوات للسيطرة؟
قيمة النقد أنه يفتح الطريق إلى بناء أفضل، لا أنه يجعل الهدم غاية في ذاته.
التنويري حين يتحول إلى وصاية:
هناك مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.
قد يتحدث مفكر باسم العقل، ثم يغضب عندما يستخدم الآخرون عقولهم لمراجعة مفاهيمه.
وقد يدعو إلى تحرير الإنسان من الخرافة، ثم يطالب الناس بقبول تصنيفاته من دون سؤال.
وقد يرفض سلطة رجال الدين على العقول، لكنه يعيد إنتاج العلاقة نفسها حين يضع نفسه في موقع المعلم الذي يملك مفاتيح الحقيقة، ويضع المجتمع في موقع التلميذ الذي ينبغي إعادة تشكيله.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نريد تنويرًا يحرر الإنسان، أم تنويرًا يغيّر صاحب الوصاية فقط؟
لا يعني هذا أن كل مشروع تربوي أو فكري يحمل بالضرورة نزعة استبدادية؛ فالمعرفة والتعليم ضروريان، والخبرة الفكرية ليست عيبًا.
لكن الفارق كبير بين من يشارك الناس المعرفة، ومن يستخدم معرفته لاحتكار حق تعريفهم وتصنيفهم.
التنوير الذي يخاف من النقد ليس تنويرًا مكتملًا؛ إنه سلطة جديدة تستخدم لغة العقل بدلًا من لغة الطاعة.
وبالمثل، فإن نقد التنوير لا يصبح تقدمًا لمجرد أنه يرفض ادعاءاته. فالنقد الذي لا يقدم معيارًا بديلًا للتمييز بين الحجة والادعاء، وبين العدالة والظلم، قد ينتهي إلى العجز عن اتخاذ أي موقف.
لهذا، لا نحتاج إلى عقل يرفض كل يقين، ولا إلى عقل يقدّس يقينه؛ نحتاج إلى عقل يستطيع الدفاع عن مبادئه، ويظل مستعدًا لمراجعة فهمه لها
د. جمال عاشور



===========



غانية ملحيس


أشكرك على هذه القراءة العميقة، وعلى ما أضفته من أسئلة مهمة تثري النقاش وتفتح آفاقه.
أتفق معك في أن الأخلاق لا ينبغي أن تكون بديلا عن السياسة، وأن النقد لا تكتمل قيمته إلا بقدر ما يسهم في بناء البدائل والمؤسسات القادرة على حماية الحقوق وتحويل المبادئ إلى واقع ملموس.
كما أتفق على أن نقد احتكار الحقيقة لا يعني رفض المعايير الأخلاقية، ولا أن كل تمييز بين السلوك الإنساني واللاإنساني ينطوي بالضرورة على نزعة إقصائية.
ما حاولتُ التأكيد عليه هو ضرورة التمييز بين الحكم على الأفعال وتصنيف البشر في مراتب للإنسانية. فمن حقنا، بل من واجبنا، إدانة الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، والتمييز بوضوح بين الظالم والمظلوم، والمستعمِر والمقاوم؛ لكن ذلك لا يستلزم تحويل الإنسانية إلى مرتبة تُمنح أو تُسلب، ولا يجعل الاعتراف بإنسانية الجاني انتقاصا من مسؤوليته عن جريمته.
وأقدّر خصوصا ملاحظتك بشأن العلاقة بين النقد والبدائل؛ فالمقصود ليس هدم المفاهيم أو الارتياب في كل يقين، بل حماية المبادئ التي نؤمن بها من التحول إلى أدوات للوصاية، وإخضاع معاييرنا نحن أيضا للمساءلة التي نطالب الآخرين بقبولها.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي أمام أي مشروع تنويري وتحرري هو أن يجمع بين الثبات على المبادئ والقدرة على مراجعة فهمنا لها، وبين وضوح الموقف الأخلاقي والتواضع المعرفي، وبين نقد الواقع والعمل على تغييره سياسيا ومؤسسيا.
ممتنة لك على هذا الحوار المثمر، لأن غايته ليست انتصار رأي على آخر، بل توسيع مساحة التفكير المشترك، وعدالة تنصف الضحايا دون تمييز، وتحاسب الجناة دون انتقائية.
غانية ملحيس
 
أعلى