كفاح الزهاوي

كانت مدينة لينينغراد تنساب في الأفق كمتحف اسطوري تحت سماء صافية، تأملتها هكذا وأنا أرنو إليها من خلف نافذة عربة القطار. عدت الى مقر إقامتي بعد ان انتهيت من زيارتي التطبيقية في المستشفى في المدينة السياحية عند ميناء مورمانسك المشهورة بظاهرة الشفق القطبي. حدث هذا في عام 1966. وانا في طريق العودة...
دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة بالجموع النائمة في دائرة التحشيش الاسبوعي. سمعتهم يلقنون الناس المواعظ السائغة والمهلكة، ويكسون أدمغتهم بمواد وقد هرأه الصدأ، سعياً منهم تجميد سوائل العقل، وتدمير الاتصالات الخلوية مع بعضهم البعض،...
بعـد اعتقال اخـي حاذق مباشـرة، ذهبـت الــى محــل عملــي فــي مستشــفى بعقوبــة المركــزي الــذي يبعــد عــن بيتنــا ســاعة بالسيارة، و طلبــت إجــازة لمـدة ثلاثــة أيــام، ثــم توجهت الــى كــراج النهضــة واستقليت الحافلة الكبيرة المتوجهة الــى السليمانية وكان برفقتي اخـي قحطـان الـذي عاد أدراجه...
في ضواحي المدينة تقع مقبرة بلا اسم. كان هناك رجلا اسمه مَمَدْ، ينام وسط القبور، في خلاء مكتظ بالنيام. فهو غريب الأطوار، نحيل الجسم، جبهته عريضة، له حاجبان عريضان، منفوشان، يتدلى على العينين. يظهر في وقت العصر في أرجاء المحيطة بالمركز، ويمر أمام السينما، يمشي حافي القدمين في أسمال ممزقة. وعلى...
كم هو ساذج وعقيم حينما يصدق أوهام خفافيش الظلام و يمكث أطول مدة في بحر الظلمات يعشق الدجى وزيارة القبور يتطلع الى الشمس بنظارات سوداء كي لا يرى براءة الحمامات وهن يسبحن في فضاء الأمل يتفحص صفحات دفتره وقد أتلفها سهاد الزمن سطور موسومة بتاريخ مشرق لم يبق منها سوى الذكريات...
في ليلة دهماء عندما كانت أضواء النجوم المنتشرة في السماء، تناثرت على الغيوم السوداء، استفاق من النوم بقلب متجمد، والظلمة تلف عينيه الثقيلتين، حيث كان يعيش حلما مبهماً وغريباً: وسط الضباب الكثيف وهدوء الليل تصاعدت جلجلة عربة مهترئة يجرها قطار عتيق، في زمن كان الجهل سائدا. العربة تحمل في...
في غمرة العتمة وسكون الليل وقفت وسط الزقاق المظلم، كان هذا في احدى الأمسيات الهادئة و اللاهبة وانا في طريق العودة من بيت صديقي سيروان، الواقع على الجانب الغربي من منزلنا. لم اكن استوعب سبب هذا الظلام الدامس الطافي على هذه البقعة الصغيرة في زقاقنا، وكأن المكان مخصص من أجل تعذيب النفس البشرية...
كانت الحرب العراقية - الايرانية قد دخلت عامها الرابع وأنين الثكالى والمعدومين يطفو على بحر من الشجن. الجو العام كان مشحونا بين ان يسقط النظام لإنهاء هذا الوضع المعقد وبين ان تقف الى جانب النظام وحمايته بذريعة الدفاع عن الوطن. لم يتيسر لحاذق وهو في الثانية والعشرين من عمره ان يرى في ذلك...
استيقظت من النوم ومازلت اشعر بالنعاس. قفزت من الفراش بتنهيدة وتثاؤب بصوت مرتفع مع إصدار نغمات نشاز كلما صفقت على فمي بأصابع يدي المتراصة. كان صادق الفلاح القروي في الخمسينيات من عمره قد أرسل ابنته الصغيرة ذات عشر سنوات الى مقرنا في وقت الظهيرة، طالبا المساعدة الطبية، لأن زوجته كانت تشعر...
لا يزال يجتر مرارة اسمال الزمن ويغوص في علقم الحياة، ويحترق في جذوة السيجارة فيتناثر في الدخان الكثيف المتصاعد، سابحا في بركة من الفوضى والنفاق. كيف له ان يترك هذه الشرنقة بعد ان تعفن في كنفها. يزداد يوما بعد يوم عَطناً وفسادا. ومن جدرانها تفوح، روائح كريهة تنتشر في الفضاء و تختلط مع الهواء...
كانت الأصوات المتداخلة وضحكات الرجال ترتفع بوتيرة عالية في جوٍ من المرح والانسجام قد ملأت صخبها غرفة الضيوف، هكذا تناهت الى سمعي عند دخولي المنزل. اختلست النظر من فتحة باب غرفة الضيوف، فانساب بريق رؤيتي على جمهرة من الرجال يبدو عليهم في غاية الاناقة، ببدلاتهم الرسمية، و منهم مَنْ كان يرتدي...
في ركن الحجرة حيث هناك كان قابعا بلا حراك كشبح يختبئ في الظلال، مركزاً على نقطة غير مرئية، يحدق بعينين ثاقبتين خاويتين من الأحاسيس. منذ نعومة اظفاره، أُرسيَّ على مرافئ فكره يقيناً بأن عجلة الوقت توقفت عند ذلك الحين. تساوره مشاعر مبهمة، وكأنه يرى سرابا ينتظر بهدوء ليعاكسه في الجهة الأخرى،...
كانت الساعة السابعة والنصف مساءً عندما غادر المقهى الكبير الواقع في شارع ٥٢،. زوجته داهمها قلق شديد وهي تنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط في غرفة المعيشة، كانت قد تخطت العاشرة مساءً بقليل . رددت بعض الكلمات بصوت مسموع : - ماذا حدث ؟ لماذا لم يعد الى البيت كعادته مبكراً ؟ ران عليها...
اخلعي عنكِ ثوب السواد هَشمي بلا تردد زجاج الحداد وانجلي كالقمر في ساعة الاكتمال لتنثري شذرات النور في ديجور العقل توهبي سَدَفَة البصر فرصة التأمل فتنقشع الغشاوة عن بؤبؤ العين ينبلج شعاعك على مداد رؤيته تنسكب هيبتك في مخيلته منبثقة انتِ من عتمة الضباب كسارية السفينة التي من دونها لا...
الحلم وقطار الوهم كفاح الزهاوي من غور السحب القاتمة للدخان المتصاعد يتسلل الى العالم كائن من هذا العصر ذو رأس كبير أشبه بوعاء فارغ، ساذج وعقيم، وجهه ثقيل كامد تزينه لحية رثة، يترقب هبوط الليل عن كثب، كي لا يفوته قطار الحلم، تستثيره المغامرة، وتحثه شهوة السلطة. فهو عبارة عن صوت...

هذا الملف

نصوص
71
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى