* قصة المرأة تُقْرَأُ في عينيها...
وإن كنت كثير الهلاوس والتهيؤات، أتذكر جيدا أنني، حين التقيتها أول مرة، بدا لي أنها مُتعَبة، كشف لي ذلك صوتها المرهق، وعيناها الحزينتان، وملابسها المبعثرة...
قلت لها مازحا: أتخيل أباك فظا قاسيا، يبرحك ضربا، من دون أن تعرفي السبب!
قالت: وكانت قسوة أمي...
تعجبني طريقتك في الشرب... تُدني الكأس من شفتيك ببطء، تتناول رشفات صغيرة جدا، تتذوقها في فمك، تبتلعها... فتسري في ملامحك لذة، وتحلق في سمائك فراشات...
هكذا قالت، وهي تضع كأسها فارغة على مائدة زجاجية تفصل بين أريكتينا، عليها قنينة «جاك دانييلز» ومرمدة وقارورة ماء... على حِجْرها كان «روكي» يضع رأسه...
كانت العتمة تخيم على البيت، أضواء خافتة ملونة مبثوثة في أركانه، صور ولوحات كثيرة معلقة على جدرانه، كان ينظر إليها بحب واستمتاع...
حين تأملتها، بدا لي جلها عبارة عن بورتريهات لأطفال ونساء ورجال، توقعت أنها لبعض أهله وأصدقائه ومعارفه، غير أنه فاجأني بأنها لأشخاص مجهولين! اشتراها من سوق للأشياء...
طيلة عمري، كنت أبحث عن جذوري في اللامكان، أحاول أن أرسم خريطة تيه، لا تتسع له الجغرافية. كان حلمي، وما زال، أن أدخل مدينة، أطأ ترابها، أجوب دروبها، فتتعرف إلي، تحضنني وتقول:
"أنا بيتك، هنا ينتظرك عمر آخر... لا يهمني أين درجت وتسكعت، ولا من رافقت أو عاشرت، ولا من أحببت أو كرهت، إن وقعتَ ساعدتك...