أحيانًا يعجز القلم عن كتابة حرفٍ واحد، لا لأنّ اللغة خانته، بل لأنّ الداخل مزدحم أكثر مما يبغي. تتراكم القراءات وتتكاثر الكتب، تمتدّ الرفوف صحاري من الورق ويقف العقل حائرًا، يتلاشى اسمه بين آلاف الأسماء، عندها لا يعود السؤال: ماذا أكتب؟ بل، من أكون وسط هذا الضجيج المعرفي؟، تظنّ أنك كلما قرأت...
أن تصادف كتابًا يُفصح عمّا بداخلك بشفافية ودقة، فذلك ليس حدثًا عابرًا في حياة القراءة، بل تجربة أشبه بالمكاشفة. ثمّة كتب تمنحك معرفة، وأخرى تمنحك نفسك، ضمن هذا العمق النفسي يأتي كتاب (الجلاد تحت جلدي) للدكتور عماد رشاد عثمان، عمل يتجاوز الطابع التنموي السريع ليغوص في طبقات النفس محاولًا تفكيك...
صدِّق أو لا تصدِّق! برغم حبّي العميق للكتابة والقراءة، إلّا أنّ الأولى تعثّرت في الفترة الأخيرة تعثّرًا لا يشبهني. كنت أكتب قبل أن أتعلّم كيف أعرّف نفسي، وأقرأ قبل أن أعرف ما الذي أبحث عنه. لكن فجأة، شعرت بشيء يُبطئ يدي، يربك الجملة، ويجعل الصفحة البيضاء أكثر اتساعًا من احتمالي. ظللت أفتّش عن...
بمعزل عن المرجعيات النصية وتعدد قراءاتها، يمكن النظر إلى الوعي البشري بوصفه صيرورة زمنية لا تستقر، فهو ليس بنية مكتملة ولا معطى جاهزًا، بل حركة دائمة تتشكل عبر التجربة، والاحتكاك بالعالم، وإعادة تأويل ما نظنه يقينًا. الوعي لا يعيش خارج الزمن، بل يُصاغ داخله، وما يبدو ثابتًا في لحظة ما سرعان ما...
عندما وُجدنا في هذه الحياة، كنّا خارج دائرة الوعي مجرّد أجرام صغيرة تنبض بالحياة دون إدراك معناها، نشرب من ثدي أمهاتنا، نغلق أعيننا في استراحة مؤقتة من ضجيج الولادة، ننتظر مكتسباتنا التي لم تولد بعد. كانت ابتسامتنا الأولى سببًا في بكاء الفرح، لا لأننا وعيناها، بل لأنّ من حولنا أرادوا أن ينسجوا...
رحلة في التيه الإنساني: الهروب والمعنى والفقد
في كتابه العميق "ما وراء اللذة: مقاربة تحليلية في وصف الظاهرة الإنسانية"، يفتح الكاتب محمد الغوينم نافذة فرية نادرة على الإنسان، لا من زاوية الفعل الظاهر، بل من داخل التجربة، من صمت النفس وخشونة الصراع، من انزلاق الرغبة وتجلّي الخوف، من تلاشي المعنى...
انتهيتُ من قراءة الرواية الجديدة للكاتب سلمان رشدي "السكين: تأملات بعد محاولة قتل"، فوجدت نفسي أمام عمل لا يشبه شيئًا مما قرأته له سابقًا. هذه ليست رواية بالمعنى التقليدي، ولا هي سيرة مكتملة، بل هي نصٌّ هجين، مرقّط بالوجع، مسكون بجسدٍ لم يعد كما كان، ومحمول على ذاكرةٍ حاولت أن تتماسك رغم الدم...
الذكريات وحدها شاهدة على الفلوات التي مررنا بها، كنّا صغارًا نلعب ونلهو في المزارع والنخيل، وكانت الطبيعة تزف الناظرين، الهواء، المطر الذي كان فورة بركان تتفجر داخل العيون العميقة. وبين الحقول نشاهد العصافير بأشكالها وأنواعها، وما بين المرامي نرى تلك السمكات الصغيرة التي نسميها "الحرسون"، ومن...
تُعدّ رواية القربان للكاتب العراقي غائب طعمة فرمان واحدة من أبرز روايات الواقعية الاجتماعية في الأدب العربي، إذ ترصد بانتباه تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين في منتصف القرن العشرين، وتغوص في أحوال المهمّشين والمغلوبين على أمرهم في مواجهة تحولات قاسية، سياسية واجتماعية. ومن بين المقاطع اللافتة في...
في زمن تزداد فيه الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوار الفاعلين الثقافيين، يطلّ علينا الباحث والأستاذ سلمان الحبيب بكتابٍ نوعيّ يحمل عنوان "جدلية الثقافة والمثقف"، مقدّمًا قراءة نقدية عميقة وواعية للواقع الثقافي العربي، عبر عدسة فلسفية واجتماعية تنبض بأسئلة جوهرية قلّما تُطرح في سياقنا المعرفي...
قبل أيام، قرأت كتاب "تاريخ الكذب" للفيلسوف جاك دريدا، وهو عنوان يثير التساؤل: هل للكذب تاريخ؟
قبل قراءته، استعدت ذكرياتي وتأملت في المرات التي كذبت فيها، ولماذا فعلت ذلك، وما إذا كان للكذب دور في حياتنا. تساءلت أيضًا: هل الخوف مرتبط بالكذب؟ وما تأثير المجتمع على هذا السلوك؟ هذه التأملات...
في عالم مليء بالعنف والاضطراب، تتراكم الصور والمشاهد النفسية التي تدفعنا لإغلاق بعض الأبواب التي كنا نظنّ أنها ستظلّ مفتوحة للأبد. نحن نعيش حياة تملؤها المحطات المتتالية، نركب القطار متأثرين بنهاية الوصول، لكننا نبقى صامتين، نبحث عن المحطة الأخيرة التي تمنحنا الأمان والطمأنينة.
لم يكن البشر في...
عندما تقرأ رواية تتوقع أن تكون بين النور والظلام، متنقلًا بين مشاهد مختلفة تثير مشاعرك، وتضعك في أجواء لا تنتهي من التشويق والتفكير العميق. فالقصص ليست مجرّد كلمات تُسرد، بل هي عوالم تُبنى داخل العقول، وأحداث تتشابك لتشكل نسيجًا فنيًا يعكس خيال الكاتب ورؤيته. من هنا، تأتي أهمية الرواية التي...
عندما تغيب الشمس تميل النفوس إلى مخدعها بعد يوم طويل، يتحدثون عن يومهم في حزن وفرح، وآلام وآمال تنتظر أن تبصر النور يومًا ما، يتآلفون ويؤلفون بين الحقيقة والخيال، صراخ وهدوء، اختلاف وتوافق، صدق وكذب ونفاق ومجاملات،إنها مكتومة في بعضها لا يعلن عنها في حينها.
تلك هي ماهية الحياة تتطور بفعل...
الكتابة ليست مجرّد كلمات تُسطر على الورق، بل هي انعكاس وجداني عميق يتداخل مع العقل المتقد. إنها لغة تتجاوز الحدود المألوفة، تحمل بين طيّاتها إحساسات وتجارب قد تكون عايشتها أو كنت شاهدًا عليها. ليست الكتابة وليدة خيال بحت أو وهم زائل، بل هي الحقيقة المغموسة بالدموع والمغلفة بالألم، تلك الحقيقة...