أحمد حسن الزيات - أبو الطيب المتنبي بمناسبة ذكراه الألف - 2 -

ولد أبو الطيب في ذرور القرن الرابع عظيما بالاستعداد، قويا بالنشأة، طموحا بالفطرة؛ فلا تحاول أن ترجع هذه الصفات فيه إلى أحوال داعية وأسباب موجبة، فأن إعجاز القدرة أن يولد الملك في حجر السوقية، ويدرج العبقري في عش الفدم، ويظهر النبي في بيت المشرك؛ إنما العظمة خلقةٌ في العظيم، تقويها عوامل وتضعفها عوامل؛ فولادة المتنبي بالكوفة، وتجواله في البادية، وتنقله في القبائل، وكدحه الدائب أربعاً وثلاثين سنة وراء الرزق الشرود، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من هول إلى هول، نمت فيه أخلاق الجرأة والصراحة والصدق والصبر والمغامرة واللسن؛ واتصاله بسيف الدولة الأديب الشجاع السمح، هذب فيه الشاعرية والفروسية، وهما غريزتا البداوة، وخصيصتا العروبة؛ ثم ظهوره في العصر الذي تحللت فيه روابط الخلافة، وتعددت حواضر الأدب، وتطاولت كفايات السيف والقلم إلى العروش المقدسة والمناصب الفخمة، وأثمر تداخل الثقافات المختلفة ما أثمر من شمول العلم، ونضوج العقل، واعتراض الشكوك، وتعدد الفرق، وسع في ذهنه أفق المعرفة، وقوى في نفسه الطموح إلى الرياسة، وهيج في رأسه الثورة على القدر، وأراه بعض الكتاب في بغداد يصل بالأدب إلى الوزارة، وبعض العبيد في مصر يصل بالحيلة إلى الإمارة، فطوع له رأيه في نفسه أن يبايع لها بالملك، ثم أخذها بسمت الملوك، وألزمها شارة الخاصة، وعاشر الدهماء معاشرة الأنوف المكره، وساير الرؤساء مسايرة الغريب الحاقد، وسخر قوته وعبقريته في طلب هذا (الحق) وتحقيق هذا المطلب، حتى ملأ الدنيا بذكره، وشغل الناس بأمره

المتنبي في كتاب الأدب العربي فصل قائم بذاته؛ لأن حياته التي اختلفت عليها العوامل، وازدحمت فيها الأحداث، واعتركت بها الآمال، وفاضت منها التجارب، أمكنته من نوع جديد في الشعر يتسم بالتفكير الحي، والابتكار الجرئ، والأداء الحر، فأقبل عليه عشاق الأدب وطلاب الشهرة من ذوي السلطان في خراسان والعراق والشام ومصر، يتسابقون إلى وده، ويتنافسون في رضاه، وربما توسل بعضهم بالشفاعة ليحطبه في حبله، وجلس أحدهم بين يديه ليسمع مدحه فيه، وهو يتصون عن مدح السوقة، ويتكرم عن موقف الشاعر؛ فسعى إليه الرؤساء المحرومون بالعداوة، واجتمع عليه الشعراء المغمورون بالحسد، وتعاون هؤلاء وأولئك على تعقب سقطاته وجحود فضله؛ فكان من أثر الكتب التي ألفت في نقده، والقصائد التي قيلت في هجوه، والخصومة الأدبية التي أثيرت من حوله، والحركة الذهنية التي نشأت من شعره، أن سار ذكره مسير الشمس، وصار شعره سجل الخلود، وغدا مدحه مطمح الملوك، وأصبح أدبه وما اتصل به من النقود والشروح مكتبة!

عقلية المتنبي عقلية بدوية خالصة: تتعلق بالحس أكثر من تعلقها بالمعنى، وتعتد بالواقع أكثر من اعتدادها بالخيال، وتعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحيلة. لذلك كان ذهول الصوفية نابياً في عقله، وشعور الجمال خابياً في قلبه، واثر الدين ضعيفاً في حياته؛ ثم كانت فلسفته حاجة الدنيا، وخطته سنة الطبيعة، وفكرته صورة الواقع، وغايته غاية الرجل الطماح: شخصيته تبغي الظهور، وشهوته ترغب المال، وحيوته تطلب الغلب، وعظمته تريد الحكم؛ لذلك كان أخص ما يميزه بروز شخصيته في شعره، وصدق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأغراض الحياة

عبقرية أبى الطيب سباحة الجناح، لماحة الطرف، مبسوطة الأفق؛ ولكنه قيدها بالمادة وحصرها في ما تدور عليه من كاذب المدح ولاذع الهجاء، فقرت قرار الطائر الحبيس، تخافت بالأغاريد المزورة على طبيعتها، وتكابد الشوق الملح إلى الهواء والسماء والروض؛ ثم تفلت أحيانا من ربقة القيد فتحلق في سماء الإلهام وتهتف بالمعجز من قلائد الحكم وشوارد الأمثال وطرائف الذهن، حتى في الأغراض المبتذلة والمواقف الوضيعة

وهكذا كانت قوى المتنبي ومواهبه مقهورة معذبة! ولعله كان أقسى ما يكون على قريحته وعبقريته! فقد أرادهما على الابتكار في مدح لا يعتقده، ووصف لا يحسه، فجاءت معانيه في أمثال هذه الأغراض توليداً في عقله، لا نقلا عن شعوره؛ ومن ثم كثر فيها الإغراق لقيامها على الدعاوى المرسلة، والغموض لانتزاعها من الخوالج المبهمة، والتناقض لتعبيرها عن غير كائن، والتشابه لتفصيلها على غير معين

أما في ما يشعر به كالهجاء والعتاب والنقد والفخر والشكوى، فسيل لا يحجزه سد، وبحر لا يحصره ساحل. وهو في تدفع السيل وعمق البحر وسعة العباب، مثله في بطء الحركة واختلاج الأداء وضيق الفكرة: شخصية مفروضة على الذهن، وروح شعاعة على الإحساس، وزفيف في الارتفاع والإسفاف يدل على جناح النسر!

والحق أن المتنبي شاعر القوة، شاعر الحرب، شاعر المغامرة، شاعر المجد! فلو كان سياسيا لكان مكيافللي، أو قائداً لكان نابليون، أو فيلسوفاً لكان نيتشه!

أحمد حسن الزيات



مجلة الرسالة - العدد 130
بتاريخ: 30 - 12 - 1935

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى