نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

غياث المرزوق - اللُّقَـــــاب -2- «عَنْ وَسْوَاسِ التَّلَقُّب»

  1. فَأَمَّا الوُضَعَاءُ المُتَعَاظِمُونَ،
    فَالأَلْقَابُ لا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ أَوْسِمَةً لِسِيمَائِهِمْ.
    وَأَمَّا العُظَمَاءُ المُتَوَاضِعُونَ،
    فَهُمْ لَيْسُوا بِحَاجَةٍ، بَتَّةً، إِلى تَغْيِيرِ أَسْمَائِهِمْ.

    جورج برنارد شو


    تحدَّثنا، في القسمِ الأوَّلِ من هذا البحثِ، عن نوعَيْ التعالُقِ الباطنيِّ ما بين تلك البنى النفسانيةِ التي تعمل بمثابة «إواليَّاتٍ» مباشرةٍ في تَسْيارِ المسلكِ السَّويِّ لحالةِ الحُبِّ الجنسانيِّ-المُغاير heterosexual love، أو الحياةِ العاطفية، بوجه العموم. وقلنا إنَّ التعاضُدَ التقابليَّ ما بين بنيتَيْ الأنانيةِ egoism والغَيْريةِ altruism، حيث إنَّ البنيةَ الأولى تُكْمِلها بنيةُ النرجسيةِ narcissismإكْمالاً لَبيديًّا، كما رأيت، إنَّما يلقى ذاتَه مُتَحَيِّدًا كلَّ التَّحَيُّدِ في ذلك التعاضدِ الترادُفيِّ ما بين بنيتَيْ الأنانيةِ الغَيْرية altruistic egoism والمُغالاةِ الجنسية sexual overvaluation، مهما كانت إرهاصَاتُ هذا المسلكِ السَّويِّ في البداية. ومن المنظورِ الحيويِّ (أو البيولوجي)، علاوةً على ذلك، فإنَّ المُغالاةَ الجنسيةَ المُتَكَلَّمَ عنها، هنا، لا تعدو أن تكونَ، في الأساسِ، امتدادًا جسمانيًّا، أو تعدِّيًا تشريحيًّا، بالأحرى، لما يمكن أن نسمِّيهِ قياسًا بـ«المُغالاة النفسية» psychical overvaluation. إذ يلجأ المسندُ إليه إلى مَرْكَزَةِ، أو إلى توظيفِ، هذه المُغالاةِ النفسيةِ في كائنِ الرَّغبةِ، في المقام الأوَّل، فيميلُ بذاك إلى تأفيلِ نجمِ تَوَجْدُنِهِ الحِسَّانِيِّ في وُدَافِ الذَّكَرِ (أو في وَدَفَةِ الأنثى، بقدر ما يخصُّها الأمرُ كذلك)، وينزعُ من ثمَّ إلى تجاوزِ مدى حِسَّانِيَّتَيْهِمَا تجاوزًا أسمى وجدانيةً، إن صحَّ القول – وهو التجاوزُ الذي تتجرَّدُ «ذَهْنَنَتُهُ» mentalization كوَصيدٍ لاشَهْوانيٍّ للمُغالاةِ النفسيةِ هذه، والذي تتمدَّى «جَنْسَنَتُهُ» sexualization كوَصيدٍ شَهْوانيٍّ للمُغالاةِ الجنسيةِ تلك، بصفتها امتدادًا جسمانيًّا، أو تعدِّيًا تشريحيًّا، للأولى[1]. زيدي على ذلك أيضًا، أنَّ المُغالاةَ الجنسيةَ، من جرَّاءِ جَنْسَنَةِ التجاوزِ الأسمى وجدانيةً بعينِهِ، تسعى إلى التغلغلِ في ذهنِ المسندِ إليه، بوصفهِ ذهنًا راغبًا أصلاً، لكيما تُخلِّقَ حالةً ذهنيةً ينبري منها متيَّمًا تَتْييمًا عقليًّا بـِ«تَمَامٍ»، أيًّا كان كَمُّهُ وكيفُهُ في الواقع، لكنَّهُ تَمَامٌ مرغوبٌ فيه غامرٌ كلَّ الغَمْر، تمامٌ كان كائنُ الرَّغبةِ قد أحرزهُ في نظرِ المسندِ إليهِ ذاتِهِ، فأسفرَ بالتالي عن توهُّنِ القوَّةِ الحُكْمية، أو القرارية، عند هذا الأخيرِ، من جهةٍ، وأسفرَ بالتعدِّي عن «تَفَتْنُنِ» إذعانهِ المُسَذَّجِ للقوَّةِ الحُكْمية، أو القرارية، نفسِها عند ذاك الأوَّل، من جهةٍ أخرى. دعيني، إذن، أُورِدْ ما استشهدتُ بِهِ من قصيدةِ حُبِّ غوته في نهايةِ القسم الأول، مرةً ثانية، عَسَى أنْ تتبلْوَرَ الحالةُ الذهنيةُ التي نحن بصددِها أكثرَ فأكثر:

    حِينَمَا تَجُودُ بِنَفْسِهَا عَلَيَّ
    تَعْظُمُ نَفْسِي أَيَّمَا عَظَمُوتٍ فِيَّ
    وَحِينَمَا تُشِيحُ بِوَجْهِهَا عَنِّي
    أَهِيمُ عَلَى وَجْهِي خَلِيًّا كُلَّ الخُلُوِّ مِنِّي[2]

    وهكذا، فإنَّ هذا الإذعانَ المُسَذَّجَ، أو «التَّفَتْنُنَ» بهِ، على وجه التخصيص، لَهو التحوُّلُ الغَيْريُّ الذي يُوَلِّدُ في سريرةِ كائنِ الرَّغبةِ شعورًا تضليليًّا بالجَلال العارم، كما سبق ذكرُه هناك، والذي يستحيلُ في نهايةِ المطافِ إلى مصدرِ سُلطةٍ، أو حتى تسلُّط(يةٍ) بطُغْيانيةٍ أكبرَ، مصدرٍ ذي أهميةٍ لا تَبْرَح تَسْتَوْثِنُ في الذِّهْنِ استيثانًا إلى حدِّ الوِثانةِ عينِها، لا بل تشبُّ عن طوقها، كذلك – وفي هذا ما يذكِّر بـ«تَسَحْرُنِ» الإخناعِ المُغَفَّلِ، في دخيلة المُنَوَّم hypnotized، للقوّة الحُكْمية، أو القرارية، عند المُنَوِّم hypnotist، وبالأخصِّ فيما يتعلَّق بالمشحون اللَّبيديِّ ومَرْكَزَتهِ، أو توظيفهِ، على نحوٍ جدِّ لاواعٍ، أو، بالحريِّ، لامتأمِّلٍ. تأمَّلي، مثلاً، أيَّ فحوىً تشائين في البيتَيْن الأوَّلَيْن من رُباعية غوته، فإنَّ ذاك التعظيمَ، أو التبجيلَ، النفسانيَّ الذي يفيضُ بفَيْضهِ جارفًا كلَّ رَمْلَةٍ غَيْريَّةٍ من على قاع تلك الأنانيةِ المكنونة في كائن الرَّغبة، والذي تتزامنُ غُمورتُهُ مع قوَّةٍ إسناديةٍ مستوهَبَةٍ أيَّما استيهابٍ، قوَّةٍ تعمدُ إلى امتصاصِ، أو اشترابِ، ما تَجَرَّفَهُ فَيْضٌ موازٍ، برمَّتهِ، من جوفِ تلك الأنانية (الغَيْرية) المكنونة في المسندِ إليهِ، إنما هو تعظيمٌ، أو تبجيلٌ، يتمثَّلُ في طُموحٍ متعالٍ بعُلُوِّ السَّماءِ حقيقةً، طُموحٍ إلى إمتاعٍ ذاتيٍّ ليس له إلاَّ أن يتأوَّجَ في توكيدِ الذَّاتِ، وليس له من ثمَّ إلاَّ أن يروقَ رَوْقًا في عَيْنِ الطبيعة الإنسانية عينِها، لأنهُ يتجلَّى كترويحٍ نفسانيٍّ شُموليٍّ، أو كونيٍّ، لا مِراءَ في طبيعتهِ، وبغضِّ الطَّرْف عن إسناديَّتهِ «المتساميةِ» transcendental من سبيلِ عُرامٍ جَماليٍّ متألِّقٍ كلَّ التألُّقِ، سواءً تجلَّت إشراقتُهُ التخيُّلِيَّةُ في قوَّةِ «الشَّعْرَنَة» poeticization، بوصفها قوَّةً فاعليةً، أم تجلَّت في قوَّة «التَّشَعْرُن»، بوصفها قوَّةً منفعليةً. وسواءً كان ما يُفَحِّي به البيتانِ الأخيرانِ متواريًا عن النظر «الواعي»، أم لم يكن، البيتانِ اللذانِ يكْفَلانِ، بمحضِ تداعيهما، صونَ التوازنِ التَّصَوْرُنِيِّ، أو «التَّفَكْرُنِيِّ» ideational (نسبةً إلى «تكوُّن الصُّوَرِ» أو «تكوُّن الفِكَرِ»، على الترتيب، هنا)، فإنَّ ثَمَّةَ فحوىً واحدًا لَهُ دلالةٌ لا يُسْتهان بها، والحالُ هذه، فحوىً قد يُلَفِّفُ الحالةَ الذِّهنيةَ كلَّها بتلافيفِ نَحْسٍ وشُؤْمٍ يَحْدَوْدِقان بشموليَّتها، أو كونيَّتها، دونما انقطاع، نظرًا لتربُّص عادِياتِ الزمانِ البغيضةِ التي ليس لها أن تقبلَ التحدِّي بأيِّما نَحْوٍ كان، والتي لا تني تُوقِعُ الرُّعبَ والرَّهبةَ كلَّهما في الذِّهْنِ السَّويِّ حتى، كعاديةِ السُّقْم العضوي وعاديةِ الموت المفاجئ، وما بينهما كذلك - دَعيكِ من صارِفاتِ الدَّهْرِ القميئةِ التي لها أن تقبلَ التحدِّي بِنَحْوٍ أو بآخَرَ، كصارفةِ الغَدْر القَصْدي وصارفة الهَجْر الجَبْري، وما بينهما كذلك.

    وحتى لو حاول كُنْهُ العقلِ البشريِّ، أنَّى تواجدَ، أن يُهَيِّلَ عادياتٍ وصارفاتٍ مناحِسَ شُؤْمَياتٍ بالقوَّةِ من هذا القبيل، حتى لو حاول أن يُهَيِّلَها بهالاتٍ تفاؤليةٍ ومتورِّدةٍ كلَّ التورُّد، لن يتفيَّأَ بظلالِها ذلك التعبيرُ عن المُغالاةِ الجنسيةِ الذي يتولَّدُ منه تحوُّلٌ غَيْريٌّ، تارةً أولى، فيتولَّدُ من هذا التحوُّلِ، بدورهِ هو الآخَرُ، إذعانٌ مُسَذَّجٌ، تارةً ثانية، فيولِّد هذا الإذعانُ في سريرةِ كائنِ الرَّغبةِ، بدوره هو الآخَرُ، شعورًا تضليليًّا بالجَلال العارم، ولا ريب. وذلك لأنَّ هذا التعبيرَ عن المُغالاةِ الجنسيةِ، وما يترتَّبُ عليه من شعورٍ تضليليٍّ بالجَلال العارم كذلك، لَجِدُّ قَابِلٍ لِلْمقارنةِ بذلك النزوعِ الاستيهاميِّ غيرِ السَّويِّ نحو هُواس العِظَم، أو العَظَمة، megalomania، ذلك الهُواسِ المتعضِّدِ، أو في الطريق إلى التعضُّدِ، الذي يقترنُ بحالاتٍ مَرَضيةٍ-نفسيةٍ بالغةٍ من الخطورة أيَّما مبلغٍ، كحالاتِ الوُهام paranoia وحالاتِ الفُصام schizophrenia (وقد جرتِ العادةُ على تسمية هذا المرض الأخيرِ قديمًا بـ«العُتاه الباكر» dementia praecox). ففي هذه الحالاتِ المَرَضية-النفسية بعُضاليَّتها، وهي حالاتٌ تستمدُّ بناها السريريةَ، أصلاً، من مختلفِ أشكالِ الذُّهان الوظيفي functional psychosis في حدِّ ذاته، فإنَّ المشحونَ اللَّبيديَّ الذي يتحتَّمُ عليه أن يُسْتَنْفَجَ استنفاجًا فاعليًّا بإزاءِ كائنِ الرَّغبةِ، إنَّما هو، ببساطةٍ، مشحونٌ مفتقَرٌ إليه، أو، بالقمينِ، مشحونٌ مُحْتازٌ عليه لكنه متعطِّبٌ تعطُّبًا نفسانيًّا، ممَّا يُفضي بالمسندِ إليه «الرَّاغبِ»، والحالُ هذه، إلى مَرْكَزَةِ، أو إلى توظيفِ، ما تبقَّى له من مشحونٍ لَبيديٍّ «حَميدٍ»، أو «سليمٍ»، على نحوٍ منفعليٍّ، أو انعكاسيٍّ، في الأنا (الشاهدة) المكنونة فيه. وهكذا، وفي هذا الانطواءِ النفسانيِّ الذي يُراوِدُ نوعَ اللبيدو عن نفسهِ، إن جازَ القولُ، ما يفسِّرُ فقدانَ «معنى» الواقعِ في الزِّوادِ الذِّهنيِّ المتشظِّي لدى كلٍّ من الوُهاميِّ والفُصاميِّ، فيما يظهر، لا ما يعلِّل ضياعَ هذا المعنى في الجهازِ الذِّهنيِّ «اللامتشظِّي» عند كلٍّ من الزَّاهدِ والنَّاسكِ المُتَقَشِّفَيْنِ، حسبما يرتئيه يونغ[3].

    يستَتْبعُ من سَابقِ الشَّرحِ، إذن، أنَّ النُّزوعَ غيرَ السَّويِّ نحو هُواسِ العِظَم، أو العَظَمة، الذي يتولَّهُ به المسندُ إليه تولُّهًا «استيهاميًّا» متعضِّدًا، كما هي الحالُ في شتَّى أشكالِ الذُّهانِ الوظيفيِّ، بوجه العموم، إنَّما هو نزوعٌ مَرَضيٌّ-نفسيٌّ تتجذَّرُ جذورُهُ الحيوية (أو البيولوجية) في تلك الآلية التشريحيةِ التي تسيرُ بمقتضاها سيرورةُ ما يُسَمَّى بـ«التهيُّج الإحليلي» urethral erotism، وذلك في إبَّانِ تَكَوُّنِ «الشخصيةِ النفسانيةِ» psychical character، واختلافِها باختلافِ أطوارِ التطوُّرِ اللَّبيدي والتطوُّرِ الأنوي كذلك. إذ تقتضي هذه الآليةُ التشريحيةُ، في جملةِ ما تقتضيهِ، أنَّ الحاجةَ المِلْحَاحَ إلى التبوُّلِ micturition لن يتمَّ إشباعُها إشباعًا حَيَويًّا ارتياحيًّا إلاَّ إذا صِيرَ، في الآنِ نفسهِ، إلى تسويفِ الحاجةِ اللَّحُوحِ إلى الإمْنَاء ejaculation، أو حتى إلى التخلِّي عنها بكافَّتِها - والعكسُ بالعكس، بطبيعةِ الحال. ثمَّ إنَّ هذه القُطابيةَ polarity الباطنيةَ المنشأِ بين مادَّتَيْ «البَوْلِ» و«المَنِيِّ»، بدورها هي الأخرى، لَتَتَأصَّلُ أصولُها الأسطورية (أو الميثولوجية) في تلك الطِّباقيةِ antithesis الظاهريةِ المَنْبَتِ بين مادَّتَيْ «المَاءِ» و«النَّارِ»، فيما يبدو - خصوصًا وأنَّ هٰتَيْنِ المادَّتَيْنِ الأخيرتَيْن تتجلَّيانِ بوصفهما عنصرَيْن من بين تلك العناصرِ الأربعة (بمعيَّةِ «الهَواءِ» و«التُّرابِ»، قبلَئِذٍ)، أو العناصر الخمسة (بمعيَّةِ «الأثِيرِ» أيضًا، بعدَئِذٍ)، العناصرِ التي أضفيت عليها خَلَّةُ «المَثْلَنَةِ»، أو التَّمَثْلُن، idealization، فاكتسبتْ من ثمَّ خَلَّةَ «الأَلْهَنَةِ»، أو التَّألْهُن، deification، حينما كانت عناصرَ «مجهولةً» بالنسبةِ إلى العقلِ البشريِّ في قديم الزمان. من هنا، يجيءُ التحليلُ النفسيُّ مُشَمِّرًا عن ساعدِ الجِدِّ بمِعْوَلهِ لكي ينبُشَ ما يرمُسهُ ذانك العنصرانِ اللذانِ يقفانِ على طرفَيْ نقيضٍ: فبينما يوحي طرفٌ إلى أنَّ انسيابَ «مَاءِ» السائلِ البَوْلي يُخْمِدُ اندلاعَ «نَارِ» السائلِ المَنَوي، وذلك من خلال تسلطُنِ الحاجةِ المِلْحَاحِ على الحاجةِ اللَّحُوح، يلمع طرفٌ آخَرُ إلى أنَّ اندلاعَ «نَارِ» السائلِ المَنَوي يسُدُّ انسيابَ «مَاءِ» السائلِ البَوْلي، وذلك من جرَّاءِ تَسَأْدُدِ الحاجةِ اللَّحُوح على الحاجةِ المِلْحَاحِ[4].

    واستنادًا إلى ذلك، فإنَّ «التعبيرَ عن» هُواسَ العِظَم، أو العَظَمة، الذي يقبل المقارنةَ كلَّها بالتعبيرِ عمَّا سُمِّي بـ«المُغالاة الجنسية»، كما رأيت، إنَّما يتمثَّل، في جملة ما يتمثَّل، في واحدٍ من ذينك النَّمَطَيْن المتباينَيْن اللذين يحدِّدان اختيارَ كائنِ الرَّغبة object-choice، ألا وهو: النَّمَط «الغَيْري»، أو الوَكْلي، anaclitic. إذ أنَّ المسندَ إليهِ الذَّكَريَّ، على وجه التحديد، لَهُوَ الذي يتنمَّط بهذا النَّمَط «الغَيْري»، أو الوَكْلي، أشدَّ ممَّا يتنمَّط به المسندُ إليهِ الأنثويُّ، على الرَّغم من أنَّ تبايُنَ هذا النَّمَطِ المعنيِّ عن النَّمَطِ المقابل، أي النَّمَط «النَّرجسيِّ» narcissistic، ليس تبايُنًا مُسْرَفًا فيه إسرافًا شديدًا ولا حتى مؤكَّدًا عليه تأكيدًا شُموليًّا، أو كونيًّا. بيدَ أنَّ ما يجري التشديدُ عليه تشديدًا شُموليًّا، أو كونيًّا، مع ذلك، هو أنَّ المسندَ إليهِ (الرَّاغِبَ)، سواءً كانَ ذَكَريًّا أم أنثويًّا، إبَّانَ مرحلةِ الطفولة، إنَّما هو كائنٌ راغِبٌ قائمٌ، بادِئَ ذي بدءٍ، قُبالةَ كائنَيْ رغبةٍ اثنين على الأقلِّ، ألا وهما: المسندُ إليهِ ذاتُهُ والمرأةُ الحاضنة ذاتُها (أي الأمُّ الرَّؤُومُ، أو من تنوبُ منابَها). وفضلاً عن ذلك، فإنَّ هذا التشديدَ الشُّموليَّ، أو الكونيَّ، كذلك، لَيَفْتَرِضُ افتراضًا قَبْليًّا وجودَ نرجسيةٍ أوَّليةٍ، أو بدائيةٍ، لا مَحال، نرجسيةٍ تتبدَّى تبدِّيًا سائدًا أمامَ المسندِ إليهِ (الرَّاغِبِ) في اختيار كائنِ رغبتهِ، والحالُ هذه. مرَّةً أُخرى، فإنَّ اختيارَ كائنِ الرَّغبةِ ذي النَّمَط «الغَيْري»، أو الوَكْلي، الذي تمَّ تعيينُه على أكملِ وجهٍ، إنَّما هو اختيارٌ يتنمْذَجُ به المسندُ إليهِ الذَّكَريُّ أكثرَ ممَّا يتنمْذَجُ به المسندُ إليهِ الأنثويُّ – ومن هذا التَّنَمْذُجِ ما يُسْفِرُ عن تعزيزِ وُلوعٍ «استيهاميٍّ» بالمُغالاةِ الجنسيةِ عند المسندِ إليهِ الأوَّل، فَيُسْفِرُ من ثمَّ عن أتْمَتَةِ هذا الوُلوع في نهاية المطاف. إذ لا تعدو هذه المُغالاةُ الجنسيةُ المُولَعُ بها أن تكونَ، في الجوهرِ، مُغالاةً مُتَمَخِّضَةً تمخُّضًا فَيْضيًّا عن مكنونِ تلك النرجسيةِ الأوَّليةِ، أو البدائيةِ (في نفسانيةِ المسندِ إليهِ الذَّكَريِّ، لا الأنثويّ)، ولا تعدو أن تكونَ، بالتالي، مُغالاةً متطابقةً كلَّ التطابقِ مع مَرْكَزَةِ، أو توظيفِ، اللبيدو النرجسيِّ narcissistic libido، في كائنِ الرَّغبةِ في حدِّ ذاتهِ[5].

    أمَّا بالنسبةِ إلى حالاتِ الذُّهانِ الوظيفيِّ الأشدِّ خُطورةً، كحالاتِ الفُصامِ، مثلاً («الفُصامِ» الذي اُعْتيدَ على تسميتهِ قديمًا بـ«العُتاه الباكر» dementia praecox، كما رأيت)، فلا تُعَرَّفُ البنيةُ السَّريريةُ المعنيَّةُ حَصْرًا بنوعيَّةِ العَرَضِ المَرَضي-النفسي الذي يتولَّد تولُّدًا إرغاميًّا من لامَرْكَزَةِ، أو لاتوظيفِ، المشحونِ اللَّبيديِّ في كائنِ الرَّغبة، ولا تُحَدَّدُ هذه البنيةُ من ثمَّ بما يتمخَّضُ عن هذه اللامَرْكَزَةِ، أو هذا اللاتوظيفِ، من استنفاجٍ منفعليٍّ، أو انعكاسيٍّ، للمشحونِ اللَّبيديِّ نفسِهِ، على اعتباره كمًّا من اللبيدو النرجسيِّ، بإزاءِ الأنا (الشاهدة) المكنونةِ في المسندِ إليهِ ذاتِهِ (انظري أعلاه). خلافًا لهذا التحديدِ وذاك التعريفِ، في واقعِ الأمر، ثمَّةَ ظواهرُ نفسانيةٌ أُخرى تُحَتِّمُ استحالةَ كمٍّ لافتٍ من المشحونِ اللَّبيديِّ نفسِهِ إلى كمٍّ لافتٍ مقابلٍ من اللبيدو النرجسيِّ: إذْ تُظْهِرُ هذه الظواهرُ، أولاً، كيف أنَّ هذا الكمَّ الأخيرَ ينزع نزوعًا لا مناصَ منه إلى استقطابِ كائنِ رغبةٍ، أو كوائنِ رغبةٍ، من جديدٍ، وتُظْهِرُ، ثانيًا، كيف أنَّ هذا النزوعَ، بدوره هو الآخَر، يعكس ميولَ المسندِ إليهِ، وإن كانت ميولاً يَؤوسًا بَراحًا، إلى تحقيقِ الشِّفاءِ المَديد، وتُظْهِرُ، ثالثًا، كيف أنَّ هذه الميولَ، بدورها هي الأُخرى، تنضوي إليها نظائرُ نفسانيةٌ في حالاتِ العُصابِ النَّقْلي-العاطفي transference neurosis الأقلِّ خطورةً، كحالاتِ العُصاب الهُجاسي obsessional neurosis وحالاتِ الهُراع hysteria (أو «الرُّحَام»، إن أردتِ القياسَ الحرفيَّ من كلمةِ «الرَّحِم» عينِها). غيرَ أنَّ الفارقَ الجوهريَّ، فيما له مِسَاسٌ بظواهرَ نفسانيةٍ أُخرى كهذه، إنَّما يشيرُ إلى حقيقةٍ مفادُها بأنَّ اللبيدو النرجسيَّ الكامنَ، في حالات الفُصام تلك، تحديدًا، لا يتمسَّكُ بكائنِ الرَّغبةِ المستقطَبِ، من جديدٍ، على اعتبارهِ كينونةً تَفَكْرُنيةً متكاملةً، كما هي الحالُ في السَّيرورةِ الإدراكيةِ لـ«تمثيلِ الكائنِ» object-presentation (أو «تمثيلِ الشيءِ»، في مقالاتٍ سابقة)، بل يتشبَّثُ بذاك المظهرِ الخارجيِّ، أو القِشْريِّ، الذي ينتمي إليهِ بوصفهِ ماهيةً ترمُّزيةً متفسِّخةً ليس إلاَّ، كما هي الحالُ في السَّيرورةِ الإحساسيةِ لـ«تمثيلِ الكلمةِ» word-presentation. إنَّ هذه الثنائيةَ النفسانيةَ الفرويديةَ «المغمورةَ»، إذن، أي ثنائية تمثيلَيْ «الكلمةِ-الكائنِ» word-object، في حدِّ ذاتِها، لَهي الثنائيةُ التي تقاربُ مقاربةً مفهوميةً جليَّةً، فيما يظهر، تلك الثنائيةَ البنيويةَ السُّوسُورية (نسبةً إلى دو سوسور) الأكثر شهرةً، أي ثنائية تمثيلَيْ «الدَّالِّ-المدلولِ» signifier-signified، على الترتيب – ناهيكِ، بطبيعةِ الحال، عن حَقْنِ هذه الثنائيةِ الأخيرةِ بفحاوٍ نفسانيةٍ لها أهميَّتُها الخاصَّةُ، ضمنَ إطارِ المنهج اللاكاني في التحليل النفسي، كما سبق إيضاحُه في مكانٍ آخر[6].

    وبالنظر الوَكيدِ إلى فَحْوى الفُصام schizophrenia بصَيْرورتِهِ، وإلى ما تَفْحُو بهِ بنيتُهُ السَّريريةُ أيضًا – حيث إنَّ الأنانيةَ «المُفْرِطةَ التَّلَبْدُنِ»، ها هنا، ليس لها سوى أن تأسِرَ ذهنَ الفُصاميِّ schizophrenic بسطحيَّةِ، أو بقشريَّةِ، العالَم الظاهريِّ، فتستبي من ثمَّ خيالَهُ برمزيَّةِ، أو بشِعاريَّةِ، هذا العالَم –، فإنَّ فَحْواءَ ما يمكنُ دعاؤُهُ الآنَ بـ«اللُّقاب» agnomenosis بدَيْمومتهِ، وإنَّ ما تُفَحِّي بهِ بنيتُهُ السَّريريةُ كذلك، لَسَوْفَ يُحَرِّضَانِ التقاربَ النفسانيَّ الضمنيَّ ما بين هٰذَيْن الدَّاءَيْنِ (أي الفُصام واللُّقاب)، دونما ريب، وذلك في إرهاصاتِ الفَرْدانيةِ غيرِ السَّويةِ، أو المَرَضيةِ المنشأ، وحتى حين لا تألو هذه الفَرْدانيةُ جَهْدًا في انتضالِ، أو في استشهارِ، مناقبَ «غَيْريةٍ» و«إيثاريةٍ»، بِحَمِيَّةٍ أو بأخرى: فكما أنَّ الفُصاميَّ schizophrenic، من جرَّاءِ سَعْيِهِ الجَهيضِ وراءَ استقطابِ كائنِ رغبتِهِ المتواري من جديدٍ، يَرْضَى لنفسِهِ كلَّ المَرْضَاةِ بتشبُّثِهِ بمجرَّدِ تمثيلِ «الكلمةِ» بدلاً من تمسُّكِهِ بتمثيلِ «الكائنِ» (انظري أعلاه)، فإنَّ اللُّقابيَّ agnomenotic، من خلالِ دَأْبِهِ العَقيمِ في «استردادِ» معنى هُويَّتِهِ المتلاشي من جديدٍ كذلك، يُلْفي نفسَهُ جَذْلانَ مُنْتَفِشًا خيلولةً بمجرَّدِ تجسيدِ «لَقَبٍ» من الألقابِ تجسيدًا جُزافيًّا مَحْضًا، لَقَبٍ مكتسَبٍ نَغيلٍ أو منغَّلٍ إنْ هو، في الحقيقةِ، إلاَّ مِخاضٌ تجريبيٌّ قُحٌّ عن تحجُّرِ عُرْفانيةٍ مَشاعيةٍ فاسدة. ومثلما أنَّ الفُصاميَّ – في عَقِبِ ارتضائِهِ الغامرِ ذاك – يَغْتَمِسُ اغْتِمَاسًا كلِّيًّا في «تَفَتْنُنِ» إذعانِهِ لكلِّ ما لهُ رِبَاطٌ بتمثيلِ «الكلمةِ» word، لا بتمثيلِ «الكائنِ» object، حيالَ تَجَلِّي التشويهِ العاطفيِّ للحدِّ الفاصلِ ما بين عالَمِ الواقعِ وعالَمِ الوَهْم، فإنَّ اللُّقابيَّ – من أثرِ انتفاشِهِ العارمِ ذاك، أيضًا – يَرْتَمِسُ ارْتِمَاسًا رُمِّيًّا في «تَسَحْرُنِ» إخناعِهِ لِرُمِّ ما لهُ وِصَالٌ بتجسيدِ «اللَّقَبِ» agnomen المكتسَبِ النَّغيلِ أو المنغَّلِ، لا بمعنى هُويَّتِهِ المؤاتي، إزاءَ تَبَدِّي التشويهِ العاطفيِّ المُتَحدَّثِ عنه كذلك. من هذه الحيثية، إذن، يبدو أنَّ ارْتِمَاسَ اللُّقابيِّ في «تَسَحْرُنِ» إخناعِهِ، على هذه الشاكلةِ (الرُّمِّيَّةِ)، إنَّما مردُّهُ إلى أنَّ هناك «قُوَّتَيْن» متعارضتَيْن تعارضًا تزامنيًّا synchronic، من حيث الفعل، «قُوَّةً» جاذبةً مُحْيِيَةً و«قُوَّةً» نابذةً مُوهِنَةً (أو حتى مُمِيتَةً)، تينك «القُوَّتَيْن» اللتين تتكمَّنان في كُمونيَّةِ ذلك «التَّسَحْرُن» المُنَوَّهِ عنهُ، في حدِّ ذاتهِ، على الرَّغم من تَهْيِيلِهِ المستديمِ بهالاتٍ وَهْميةٍ، أو تضليليةٍ، كما رأيت. وفي هٰتَيْن القُوَّتَيْن المتعارضتَيْن، كما ترين كذلك، ما يستدعي صورةَ الحُسَامِ ذي الحدَّيْن الذي تتأبَّطُهُ بنيةُ النرجسيةِ الأوَّليةِ، أو البدائيةِ، تلك الصورةَ التي سبقَ ذِكْرُها في بدايةِ القسم الأول من هذا البحث.

    ذلك من حيثُ التقاربُ النفسانيُّ الضمنيُّ ما بين بنيتَيْ الفُصام واللُّقاب، تخصيصًا: بَيْدَ أنَّ التباعدَ النفسانيَّ الصريحَ ما بين هٰتَيْن البنيتَيْن، على النقيض من ذلك، وبالأخصِّ فيما لهُ مِساسٌ بإرهاصاتِ الفَرْدانيةِ غيرِ السَّويةِ، أو المَرَضيةِ المنشأ، الآنفةِ الذكر، لَسَوْفَ يُلقي الضوءَ، ولا شكَّ، على تلك الآليةِ، أو الآلياتِ، التي تتحكَّم في كيفيةِ التوزيعِ الباطنيِّ للمشحونِ اللَّبيديِّ المُمَرْكَزِ، أو المُوَظَّفِ، ضمنَ «الحدودِ» اللَّاسَوائيَّةِ لكلٍّ من هٰذَيْن الدَّاءَيْنِ النفسيَّيْن (أي دائَيْ الفُصام واللُّقاب ذاتَيْهما)، حتى وإنْ كان هذا المشحونُ اللَّبيديُّ بكلِّيَّتِهِ ينطبعُ، في الجوهر، على طبيعةٍ نرجسيةٍ كذلك. ويمكنُ تبيانُ هذا التباعدِ النفسانيِّ الصريحِ، بتفصيلٍ أكثرَ منهُ في حالِ التقاربِ النفسانيِّ الضمنيِّ، على الشكل الآتي:

    فأما في بنيةِ الفُصام، من طرفٍ، فإنَّ مُحَتِّماتِ determinants السَّيرورةِ الارتداديةِ التي ينفصلُ المشحونُ اللَّبيديُّ من طريقِها عن مجرَّدِ تمثيلِ «الكائنِ»، والتي تُفضي إلى تراكمِ هذا المشحونِ في الأنا (الشاهدة) المكنونةِ في المسندِ إليهِ (لكيما يصبحَ كمًّا من اللبيدو النرجسيِّ، كما رأيت)، إنَّما تشابهُ، من حيث المبدأ، مُحَتِّماتِ السَّيرورةِ الانكفائيةِ التي يعملُ الكبتُ (الثانويُّ) من سبيلِها عملاً متأخِّرًا: إذْ لا يعدو هذا الكبتُ أن يكونَ مناورةً دفاعيةً يتذرَّع بها المسندُ إليهِ طُموحًا إلى – أو، بالحري، «طَمَعًا في» – مَرْكَزَةِ، أو توظيفِ، المشحونِ اللَّبيديِّ ذاتِهِ في أناهُ (الشاهدة). وهكذا، إذن، فإنَّ هذا التشابُهَ المبدئِيَّ بين مُحَتِّماتِ السِّيرورتَيْن المعنيَّتَيْن يشتدُّ اشتدادًا أكثرَ فأكثر، ما دام تَنْضَاحُ اللبيدو النرجسيِّ عينِهِ يكابد سدًّا، أو إعاقةً، «لاغَيْرِيَّيْن»، وما دامت الدوافعُ الغَرَزيةُ، أو حتى مشتقَّاتُها المتموِّهةُ التي تنجمُ عن هذا التَّنْضَاحِ المُكابدِ، تُستبقى قَصِيَّةً عن نظام الوَعْي consciousness، دونَ غيرِهِ من الأنظمة الثلاثة. ويتجلَّى هذا الاستبقاءُ، والحالُ هذه، بمثابةِ شرطٍ نفسانيٍّ «قَبْليٍّ» يقتضي مدى تعديلِهِ، أو حتى «توليفِهِ»، نوعًا من الاستقلابِ (السَّبْقِيِّ) من أجلِ تمثيلِ «الكائنِ» المعنيِّ في نظام اللاوَعْي unconsciousness، أولاً، ويقتضي، من ثمَّ، نوعًا لازمًا آخَرَ من إعادةِ الاستقلابِ (اللَّحْقِيِّ) من أجل تمثيلِ «الكلمةِ» المعنيَّةِ في نظام ما قبلَ-الوَعْي preconsciousness، ثانيًا. وبالتالي، فإنَّ مَرْكَزَةَ، أو توظيفَ، المشحونِ اللَّبيديِّ ذاك في تمثيل «الكلمةِ» المقصودةِ، على هذا النَّحْوِ ما قبلَ-الواعي، لا يستسلمانِ، من تلقاءِ نفسَيْهما، لفعلِ الكبتِ (الثانويِّ)، بوصفِهِ مخاتلةً دفاعيةً، قبلَ كلِّ شيءٍ، وإنَّ «إعادةَ استقطابِ» كائنِ الرَّغبةِ المقصودِ، بلاتَوِّيَّتِها، أو بلامباشريَّتِها، من جرَّاءِ ما يمكنُ أن نُسَمِّيَهُ الآن بـ«تَلَفْظُنِهِ المُؤَصْلَن» indigenized verbalization (أي تكوُّن لَفْظِ هذا «الكائنِ» حينما تُضْفَى عليهِ صفةٌ أصيلة)، إنَّما هي «إعادةٌ» لازمةٌ لزومًا محتومًا، ولا رَيْب، «إعادةٌ» تمثِّلُ محاولةَ المسندِ إليهِ الأولى في تحقيقِ الشِّفاءِ المديدِ، في المقام الأول[7].

    وأما في بنيةِ اللُّقاب، من طرفٍ آخَرَ، فليس ثمَّةَ من عائقةٍ نفسيةٍ، أو حتى ذهنيةٍ، تُعيقُ الأنا (الشاهدةَ) المكنونةَ في المسندِ إليهِ عن تَنْضَاحِ اللبيدو النرجسيِّ المُتَكَلَّمِ عنهُ بأيِّما هيئةٍ كانتْ، وذلك لسببَيْن جوهريَّيْن مُكَمِّلَيْن لبعضهما البعض، فيما يبدو: أوَّلاً، لأنَّ هذا اللبيدو النرجسيَّ قد تمركزَ، أو قد توظَّفَ، أصلاً في تمثيل «اللَّقبِ» المعنيِّ the agnomen in question، على نَحْوٍ ما قبلَ-واعٍ أيضًا، لا بل أشدَّ إغراقًا في نظام ما قبل-الوَعْي حتى منه في تمثيل «الكلمةِ» المعنيَّةِ the word in question؛ وثانيًا، لأنَّ كائنَ الرَّغبةِ ذاتَهُ، باعتبارهِ المسندَ إليهِ ذاتَهُ، فضلاً عن ذلك، لا يفتأ يُشْرَبُ إشرابًا مُتَزايِدًا بمُدودٍ نرجسيةٍ، لكيما تنتفخَ أوداجُهُ انتفاخًا أشدَّ فأشدَّ، ولكيما تَطْفِرَ جوانحُهُ طَفْرًا أكثرَ فأكثرَ – خصوصًا وأنَّ تلك المُدودَ النرجسيةَ إنَّما تُسْبِغُها عليهِ إسباغًا مستديمًا نياباتٌ أُخرى تظهرُ على السُّلَّمِ البشريِّ «أعلى منهُ مَرْهَصَةً» تَمَسُّحِيَّةَ و/أو تملُّقيَّةً و/أو تزلُّفيَّةً، أو حتى نياباتٌ أُخرى تظهرُ على السُّلَّمِ البشريِّ ذاته «أدنى منهُ مرتبةً» نفسيَّةً و/أو ذهنيةً و/أو اجتماعيةً. وعلى الرَّغم من أنَّ اللُّقابيَّ، في سريرتهِ، يبلغ ذلك الأوجَ الهُواسيَّ-العِظَمِيَّ الذي يبلغُهُ الذُّهانيُّ الوظيفيُّ عينُهُ، بوجه العموم، وبالرَّغم من أنَّ مَرْكَزَةَ، أو توظيفَ، ذاك المشحونِ اللَّبيديِّ في تمثيل «اللَّقبِ» المعنيِّ، على ذاك النَّحْوِ ما قبلَ-الواعي كذلك، لا يُذْعِنانِ، في حدِّ ذاتَيْهما، لفعلِ الكبتِ (الثانويِّ) – مَرْكَزَةٌ، أو توظيفٌ، مَثَلُهُما، في ذلك، كَمَثَلِ نظيرَيْهما عند الفُصاميِّ، على وجه التحديد –، إلاَّ أنَّ استملاكَ اللُّقابيِّ لِكائنِ الرَّغبةِ ذاتِهِ استملاكًا تَوِّيًّا، أو مباشريًّا، وذلك من خلال ما يمكنُ أن ندعوه الآن بـ«تَلَفْظُنِهِ المُزَنَّم» hybridized verbalization (أي تكوُّن لَفْظِ هذا «الكائنِ» حينما تُضْفَى عليهِ صفةٌ زَنيمةٌ، لا أصيلة)، ليس له، والحالُ هذه، أن يمثِّلَ محاولةَ المسندِ إليهِ الأولى، أو أيَّةَ محاولةٍ أُخرى، في تحقيق الشِّفاءِ المديدِ، على أيِّما وجهٍ بتاتًا.

    ويستَتْبعُ من آنِفِ الشَّرحِ، كذلك، أنَّ ذلك الارْتِمَاسَ الرُّمِّيَّ الذي يَرْتَمِسُهُ اللُّقابيُّ، من أثر انتفاشِهِ العارمِ، في «تَسَحْرُنِ» إخناعِهِ لِرُمِّ ما لهُ مِساسٌ بتمثيلِ «اللَّقبِ» agnomen، كما هي الحال تمامًا في ذلك الاغْتِمَاسِ الكُلِّيِّ الذي يَغْتَمِسُهُ الفُصاميُّ، في عَقِبِ ارتضائِهِ الغامرِ، في «تَفَتْنُنِ» إذعانِهِ لكلِّ ما لهُ وِصالٌ بتمثيلِ «الكلمةِ» word، إنَّما يُضفي على مدلولِ اللَّقَبِ بتجسيده «المُزَنَّم» (أو حتى على مدلولِ الكلمةِ بتجسيمها «المُؤَصْلَن»، بقدر ما يتعلَّق الأمرُ بها كذلك)، إنَّما يُضفي عليه صفةً بُداديةً، أو بُدِّيةً، fetishistic، ولا شكَّ، نظرًا لذلك التعبيرِ عن «المُغالاةِ الجنسيةِ» الذي يتمخَّضُ عنه شعورٌ تضليليٌّ بالجَلالِ العارم، والذي يقبل المقارنةَ كلَّها بهُواسِ العِظَم، أو العَظَمة، على اعتباره تولُّعًا استيهاميًّا مُتَسَنِّدًا في أنواع الذُّهانِ الوظيفيِّ، بوجهِ العمومِ، كما رأيت. إذ يُعْزَى إضفاءُ هذه الصفةِ البُداديةِ، أو البُدِّيةِ، إلى رُصودٍ مَرَضيةٍ-نفسيةٍ تبيِّنُ كيف أنَّ كائنَ الرَّغبةِ، في إطار البنيةِ النفسانيةِ للبُداد fetishism، بفحوائهِ الانحرافيِّ المحدَّد، لا يجري تمثيلُهُ تمثيلاً اختياريًّا مأخوذًا على علاَّته بلحمِهِ وشحمِهِ، كأيِّما كائنٍ مرغوبٍ فيه رَغَبًا سَوِيًّا، بل يجري استبدالُهُ استبدالاً إلزاميًّا بوَغْلٍ أيقونيٍّ iconic intruder ينتمي إليه، بمثابةٍ أو بأُخرى: إما استبدالٌ عن طريقِ «شَظِيَّةٍ حَياتيَّةٍ» مُتَوَلَّعٍ بها (كالقَدَم، مثلاً)، شَظِيَّةٍ ليس لها أن تكونَ غَرَضًا موائمًا من بلوغِ الإشباعِ الجنسيِّ السَّويِّ، بطبيعةِ الحال؛ وإما استبدالٌ عن سبيلِ حتى «كِسْرَةٍ جَماديَّةٍ» مُتَوَلَّهٍ بها (كالحذاء، مثلاً)، كِسْرَةٍ تحملُ بين طَيَّاتها، في جملةِ ما تحملُ، تجلِّيًا من تجلِّياتِ ما يُسمَّى في علم البلاغة بـ«الشَّخْصَنَة» prosopopoeia، فيما له رِباطٌ بإدراك الفحواءِ الانحرافيِّ الذي تفحِّي به «الجنسانيةُ» المعنيَّة[8]. وفي أيٍّ من هٰذَيْنِ الاستبدالَيْنِ، علاوةً على ذلك، ما يذكِّرُ كذلك بكيفيةِ تشبُّثِ اللبيدو النرجسيِّ، في إطارِ البنيةِ النفسانيةِ للفُصام (أو اللُّقاب، توسُّعًا)، بالمظهرِ الخارجيِّ، أو القِشْريِّ، الذي يظهرُ بهِ كائنُ الرَّغبةِ، وكأنه ماهيةٌ ترمُّزيةٌ متفسِّخة، أي تشبُّثه بتمثيلِ الكلمةِ word عينِها (أو تمثيلِ اللَّقبِ agnomen عينِهِ، توسُّعًا)، بدلاً من التمسُّك بمَبْطَنِهِ الواقعيِّ، أو الفِعْليِّ، بصفتِهِ كينونةً تَفَكْرُنيةً متكاملةً، أي التمسُّك بتمثيلِ الكائنِ object نفسِهِ.

    وهكذا، ومن زاويةِ علم النفس (أو السايكولوجيا) ومفهومِهِ عن البُدادِ fetishism، بصفتِهِ شكلاً من أشكالِ الانحرافِ الجنسيِّ، فإنَّ الوَغْلَ الأيقونيَّ iconic intruder الذي اسْتُبْدِلَ استبدالاً إلزاميًّا بكائنِ الرَّغبةِ الفِعْليِّ (كالقدم أو الحذاء، في المثالَيْن الآنِفَيْ الذكر)، إنَّما يصبح «بُدًّا» fetish مُتَعَبَّدًا لَهُ تَعَبُّدًا هُجاسيًّا في ذهنيةِ البُداديِّ fetishist المعنيِّ، ولا شكَّ، البُداديِّ الذي يظنُّ أنَّ معبودَه الأمثلَ، والرَّغبةُ فيهِ جامحةٌ، قد تجسَّد فعلاً بحذافيرهِ في الوجودِ الجسديِّ لهذا «البُدِّ». وهكذا، أيضًا، ومن زاوية علم الإنسان (أو الأنثروپولوجيا) ومفهومِهِ عن البُدادِ ذاتِهِ كذلك، لدى إجراءِ المقارنة، فإنَّ الوَغْلَ الأيقونيَّ المقابلَ، ها هنا، سَواءً وَغَلَ على الذِّهنِ وُغُولاً بِجَمَادِيَّتِهِ (كشيءٍ من الأشياء)، أمْ وَغَلَ عليهِ وَغَلانًا أشدَّ فأشدَّ بِحَيَاتِيَّتِهِ (كحيوانٍ من الحيوانات)، إنَّما يغدو «بُدًّا» مُتَسَبَّحًا لَهُ تَسَبُّحًا وسواسيًّا في مخيِّلةِ مَنْ يُقالُ عنه بـ«المتوحِّش البدائيِّ» primitive savage، والحالُ هذه، المتوحِّشِ الذي يخالُ أنَّ إلاهَهُ الأوَّلَ والآخِرَ، والنَّزوةُ فيهِ عاتيةٌ، قد تجسَّم حقًّا بِكُلاَّنيَّتِهِ في «الواقع» المادِّيِّ لهذا «البُدِّ». صحيحٌ أنَّ ثَمَّةَ بضعةً من المُيولِ البُدِّيَّةِ، أو البُدَادِيَّةِ، لا تزال تتنشَّبُ في المسلك السَّويِّ لحالةِ الحُبِّ الجنسانيِّ-المُغاير heterosexual love، أو الحياة العاطفية، بوجه العموم. صحيحٌ كذلك أنَّ هذه المُيولَ تشيرُ إلى حالاتٍ سويَّةٍ، أو لامَرَضيةِ المنشأ، كحالةِ غيابِ كائنِ الرَّغبةِ، أو «لامُتَاحِيَّتِهِ»، من جهةٍ، وحالةِ استحالةِ الوصولِ إلى الإشباعِ الجنسيِّ في حالِ حُضُورهِ، أو «مُتَاحِيَّتِهِ»، من جهةٍ أُخرى. بيد أنَّ ما يناظرُ أيًّا من هٰتَيْن الحالتَيْن، حقيقةً، لا يتكشَّف عن لاسَوائيَّتِهِ، أو مَرَضيَّةِ منشأهِ، إلاَّ إذا «البُدُّ» ذاتُهُ، أو التَّحَرُّقُ إليهِ بديلاً، لم يَعُدْ بقادرٍ على الاقترانِ بكائنِ الرَّغبةِ من كُلِّ بُدٍّ، بمثابةِ شرطٍ نفسانيٍّ من الضرورةِ بمكانٍ، فيُسْفِرُ الانفكاكُ الناجمُ، حينئذٍ، عن الفحواءِ الأشدِّ انحرافًا الذي يفحِّي به تحوُّلُ «البُدِّ» ذاتِهِ تحوُّلاً مَسْخِيًّا مقلوبًا reversed (metamorphosed) transformation إلى كائنِ الرَّغبةِ نفسهِ[9].

    من هذه الحيثية، إذن، فإنَّ الدَّوْرَ الجديدَ الذي يؤدِّيهِ «البُدُّ» ذاتُهُ، بصفتهِ الآنَ وَغْلاً أيقونيًّا مُتَحَوِّلاً أو مَسِيخًا بسببٍ من عجزِهِ عن الاقترانِ بكائنِ الرَّغبةِ – وهو دورٌ يميطُ اللِّثامَ مَيْطًا ذِكْرَويًّا، في واقع الأمر، عن طورٍ مغمورٍ، أو محجوبٍ، من أطوار التطوُّر اللَّبيديِّ، إبَّانَ مرحلةِ الطفولة –، إنَّما يستوجبُ التوكيدَ الشديدَ على مدى وطأتهِ التحطيميةِ (أي وطأةِ الدَّوْرِ)، هاهنا، بغيةَ التوكيدِ الأكثرِ شدَّةً على الالتقاءِ النفسانيِّ الضمنيِّ ما بين البُداديِّ fetishist واللُّقابيِّ agnomenotic، وبالأخصِّ في إرهاصاتِ الفَرْدانيةِ غيرِ السّويةِ، أو المَرَضيةِ المنشأ (انظري أعلاه): دَعيكِ، بالطبع، من انقسام الأنا (الشاهدةِ) المكنونةِ في المريضِ الأوَّلِ، أو بالحَرِيِّ انشطارِها، بين جنسانيةِ الذكورةِ وجنسانيةِ الأنوثةِ، نظرًا للفارق التَّطَوُّري الحتميِّ بين الجنسانيَّتَيْن في سلوكيةِ الطفولة، كما سبق ذكرُه في موضعٍ آخر[10]. فكما أنَّ البُداديَّ (أو المتوحِّشَ البدائيَّ، بقدر ما يتعلَّقُ الأمرُ بهِ كذلك) يزعُمُ كلَّ الزَّعْمِ أنَّ بُدَّهُ المُختارَ chosen fetish لَمجهَّزٌ تخلُّقًا بقابليةٍ جنسيةٍ (أو مسلَّحٌ تكوُّنًا بقابليةٍ إعجازيةٍ، بالنسبة إلى «المريض» الأخير)، وأنَّ حُضورَ هذه القابليةِ، فضلاً عن ذلك، يضمنُ صَوْنَ الإثارةِ والإشباعِ الذاتيِّ، ويضمنُ من ثمَّ اطِّرادَهما على النحو «المرغوب فيهِ»، فإنَّ اللُّقابيَّ يحسَبُ كلَّ المَحْسَبَةِ أيضًا أنَّ لَقَبَهُ المكتسَبَ acquired agnomen لَمزوَّدٌ تميُّزًا بأهميةٍ نفسيةٍ-اجتماعيةٍ «مؤثِّرةٍ»، لا بل «خارقةٍ»، وأنَّ ظهورَ هذه الأهميةِ، علاوةً على ذلك، يكفلُ حِفْظَ الغَوايةِ والإمتاع الذاتيِّ، ويكفلُ من ثمَّ استمرارَهما على النحو «المرغوب فيهِ» كذلك. ومثلما أنَّ البُداديَّ (أو المتوحِّشَ البدائيَّ) موقِنٌ إيقانًا تَعَامَوِيًّا بأنَّ غيابَ القوَّةِ الشَّهْوانية (أو القوَّةِ السِّحْرانية، بالنسبة إلى «المريض» الأخير) التي تستكنُّ في بُدَّهِ المُختارِ، لَيعني غيابَ كلٍّ من القدرة الجَسَدية والقدرة الذِّهْنية، فإنَّ اللُّقابيَّ مقتنعٌ اقتناعًا تَعَامُهيًّا أيضًا بأنَّ اختفاءَ النُّفوذِيةِ «العُرْفانية»، أو حتى النُّفوذِيةِ «الشَّرْعانية»، اللتين تكمنان في لَقَبهِ المكتسَبِ، لَيدلاَّن على اختفاءِ كلٍّ من الهُويةِ النفسية والمرهصةِ الاجتماعية. غير أنَّ الافتراقَ النفسانيَّ الصَّريحَ ما بين البُداديِّ واللُّقابيِّ، وخصوصًا في إرهاصاتِ الفَرْدانيةِ غيرِ السّويةِ، أو المَرَضيةِ المنشأ، كما ذُكِر، إنَّما يَمَسُّ كلاًّ من نوعيةِ التعبير عن المُغالاة الجنسية ونمطيةِ اختيارِ كائنِ الرَّغبة، فيما يبدو: فبينما يقتضي الحُبُّ «الفاشلُ» عند البُداديِّ أنَّ التعبيرَ عن المُغالاة الجنسية هذا يعملُ عملاً فاعليًّا active بموجب النَّمط «الغَيْريِّ»، أو الوَكْليِّ، anaclitic (أي يعملُ عملاً من المسندِ إليهِ إلى كائنِ الرَّغبة)، يستلزمُ الحُبُّ «الفالحُ» لدى اللُّقابيِّ أنَّ التعبيرَ عن المُغالاة الجنسية ذاك يسيرُ سَيْرًا منفعليًّا، أو انعكاسيًّا، passive بمقتضى النَّمط النَّرْجِسي narcissistic (أي يسيرُ سَيْرًا من المسندِ إليهِ إلى المسندِ إليهِ ذاته).

    وهكذا، ومن جرَّاءِ تعريفِ بنيةِ اللُّقابِ ببنيةٍ سَريريةٍ تتمخَّضُ عن أنانيةٍ مفرطةِ التَّلَبْدُن overlibidinized، أو بالأحرى «مفرطةِ التَّعَدْوُن» overaggressified، في المقام الأوَّل، يمكن الآن تسليطُ الضَّوءِ على السِّمَتَيْن الجوهريَّتَيْن اللتين تتَّسمُ بهما هذه البنيةُ، على اعتبارهما سِمَتَيْن مَرَضيَّتَيْن-نفسيَّتَيْن تبلغان من الخطورةِ مبلغًا، لكيما يُعْمَدَ إلى اقتراح مصطلحٍ جديدٍ، في مقتضى هذه القرينة، مصطلحٍ يدلُّ به اللَّقَبُ المُكْتَسَبُ على هٰتَيْن السِّمَتَيْن إزاءَ تَلَفْظُنِهِ المُزَنَّم، أو المُنَغَّل، كما سبق ذكرُهُ: أولاً، هُواس العِظَم، أو العَظَمَة، megalomania الذي تتنمَّطُ به بنى الذُّهانِ الوظيفيِّ بصورةٍ عامة، كبنيةِ الفُصام schizophrenia وبنيةِ الوُهام paranoia، وغيرهما؛ وثانيًا، هُجاس (البُدِّ) (fetish) obsessiveness الذي تَتَنَمْذَجُ به كذلك بنيةُ البُدادِ fetishism، بوصفهِ شكلاً من أشكال الانحرافِ الجنسيِّ، قبلَ كلِّ شيء. فَلْيُحَدَّدْ، لهذا السَّبَبِ، نوعُ ذلك اللَّقَبِ المُكْتَسَب بنوعٍ محدَّدٍ من أنواع الدَّوالِّ يحملُ بين طيَّاتِهِ، في جملةِ ما يحملُ، تَيْنِك السِّمَتين المَرَضيَّتَيْن-النفسيَّتَيْن الخطيرتَيْن ذاتَيْهما (سَمِّيهِ اصطلاحًا، من الآن فصاعدًا، «الدَّالَّ الهُواسيَّ-الهُجاسيَّ» manic-obsessive signifier). ولْيُمَيَّزْ هذا الدَّالُّ، للسَّبَبِ ذاتِهِ، عن سائر أنواع الدَّوالِّ، قاطبةً، وبالأخصِّ تلك الدَّوالِّ التي تمَّت مواضعتُها ضمن إطار المنهج اللاكاني في التحليل النفسي[11]. وعلى وجهٍ أكثرَ تحديدًا، إذن، فإنَّ مفهومَ الدَّالِّ الهُواسيِّ-الهُجاسيِّ، في هذا السياق، إنَّما يتميَّزُ كلَّ التميُّز حتى عن مفهومِ ما يصطلح عليه لاكانُ نفسُهُ بـ«الدَّالِّ السِّياديِّ» master signifier، بالرَّغم مِمَّا يُبديانِهِ للعيان، عند الوهلة الأولى، من تطابقٍ في استحواذِ التدليلِ القضيبيِّ استحواذًا لا رحمةَ فيه، على كينونةِ المسندِ إليهِ برمَّتها، أي وجوده وتفكيره على حدٍّ سَواء، وبالرَّغم عَمَّا يفحِّي به هذا الاستحواذُ من فحواءَ، يُستفادُ منه في تعليل اللُّجوء المستمرِّ إلى مناوراتٍ أو مخاتلاتٍ أو محايلاتٍ دفاعيةٍ، وذلك تسنيدًا، ومن ثمَّ تعضيدًا للأنا (الشاهدة). ويمكنُ النظرُ إلى هذا التميُّزِ ما بين مفهومَيْ «الدَّالِّ السِّياديِّ» و«الدَّالَّ الهُواسيَّ-الهُجاسيَّ»، بتوضيحٍ اصطلاحيٍّ أكثرَ، على الشكل التالي:

    فمن طرفٍ، يشيرُ، أوّلاً وآخِرًا، ما «يتسأدَدُ» بِهِ، أو «يتسوَّدُ» بِهِ، أو «يَتَسَيْدَدُ» بِهِ، الدَّالُّ السِّياديُّ في ذهنيَّةِ العُصابيِّ، بوجهِ العموم، إلى آليَّةٍ نَظْميةٍ باطنيةٍ تبدو «مماثلةً» (سَمِّيها اصطلاحًا، كذلك، «الترميزَ الذَّاتيَّ-الحركةِ» automatic symbolization، بالمعنى «العِصَامِيِّ» لصفةِ «الذَّاتِ»، هنا): إذ يُتَقَوَّلُ الدَّالُّ السِّياديُّ المعنيُّ، من طريقِ هذه الآليَّةِ النَّظْمية، تقوُّلاً مُغْرِقًا على لسانِ المسندِ إليهِ ذاتِهِ، في عددٍ معيَّنٍ من القرائنِ، لا أيّةِ قرينةٍ. ووفقًا لذلك، يفضي هذا التقوُّلُ المُغْرِقُ بالدَّالِّ المعنيِّ إلى إفراغِهِ إفراغًا استباقيًّا من معناهُ الحرفيِّ، أو حتى من «مدلولهِ» المعتادِ، في نظام «ما قبلَ الوعي»، فيُسْفِرُ من ثمَّ عن إشرابه إشرابًا ارتجاعيًّا بمعنى قسيمهِ الطِّباقيِّ، أو «مدلولهِ» المقابل، في نظام «اللاوعي»، كما هي الحالُ في القَسَمِ المُغْرِقِ بـ«الشَّرَف» وبـ«العِرْض» (من لدن الذكور، في أغلب الظَّنِّ)، ذينك الدَّالَّيْن اللذين يحملانِ بين طيَّاتِهما، في الحَيِّزِ الأوَّلِ، كلَّ ظلٍّ من ظلالِ معنيَيْ «الخِزْي» و«العَار»، أو حتى مدلولَيْهما المعتادَيْن، على سبيل المثال، لا الحصر. من هنا، يتجلَّى «الدَّالُّ السِّياديُّ»، كمصطلحٍ تحليليٍّ-نفسيٍّ عَمَدَ لاكانُ إلى اشتقاقِ مفهومِهِ، أصلاً، من ذلك التعالق الجدليِّ، أو «التَّنَافَوِيِّ»، ما بين السيِّد والعَبْد – أيْ أنَّ كلاًّ منهما يَسْعَى إلى ابتناءِ الآخَر وانتقاضِهِ في آنٍ واحدٍ، حسبما يراهُ هيغِل (1770-1831) –، يتجلَّى بصفته عنصرًا توجيهيًّا، أو «تعليميًّا»، بالأحرى، عنصرًا تنبني على أساسهِ كُلاَّنِيَّةٌ وجوديةٌ في جناحِ «مُتَوالِيَةٍ دَالَّةٍ» signifying chain لا تنتهي، بمعنى أنَّ الدَّالَّ المُشْرَبَ، أو المدجَّجَ، بنقيضِهِ، والحالُ هذه، وسَواءً كان المسندُ إليهِ طائعًا أم كارهًا، إنَّما يمثِّلُ كينونةَ هذا المسندِ إليهِ من أجلِ كلٍّ من الدَّوالِّ الأخرى بأسرها، دونما استثناء[12].

    ومن طرفٍ آخَر، يدلُّ، قولاً وفعلاً، ما «يَتَهَوَّسُ» بِهِ، وما «يَتَهَجَّسُ» بِهِ، الدَّالُّ الهُواسيُّ-الهُجاسيُّ في ذهنيَّةِ اللُّقابيِّ، بوجهِ الخصوص، على آليَّةٍ نَظْميةٍ باطنيةٍ تظهرُ «مغايرةً»، هذهِ المرَّة (سَمِّيها اصطلاحًا، كذلك، «الترميزَ الآخَرِيَّ-الحركةِ» heteromatic symbolization، بالمعنى «العِظَامِيِّ» لصفة «الآخَرِ»، ها هنا): إذْ يُتَقَوَّلُ الدَّالُّ الهُواسيُّ-الهُجاسيُّ المقصودُ، من سبيلِ هذه الآليَّةِ النَّظْمية، تقوُّلاً مُفْرِطًا على لسانِ نيابةٍ، أو نياباتٍ، غيرِ المسندِ إليهِ، ولكن من أجل المسندِ إليهِ ذاتِهِ، بفعلِ حَشْوِهِ الجَلِيِّ (أيْ حَشْوِ الدَّالِّ) في قرينةٍ من القرائن، أيَّةً كانت. وتبعًا لذلك، يؤدِّي هذا التقوُّلُ المُفْرِطُ بالدَّالِّ المقصودِ، بدَوْرِهِ، إلى ترسيخِ معناهُ الحرفيِّ، أو «مدلولهِ» المعتادِ، ترسيخًا استباقيًّا، في نظام «ما قبلَ الوعي» - حتى وإنْ كان مِخاضًا تجريبيًّا قُحًّا عن تحجُّرِ عُرْفانيةٍ مَشاعيةٍ فاسدةٍ، كما رأيت -، فيحدو من ثمَّ إلى تهجينِهِ تهجينًا ارتجاعيًّا بظلالٍ أُخرى من ذلك المعنى الحرفيِّ، أو «المدلولِ» المعتادِ، ظلالٍ ذاتِ تجريبيةٍ أشدَّ قَحَاحَةً، في «نظام الوعي». وهكذا، يصبحُ الدَّالُّ المقصودُ محبَّلاً بـ«أهميةٍ» نفسيةٍ-اجتماعيةٍ ليس لها سِوَى أنْ تطغى على اسم العلم الأصلي، أو فَحْوَى الهُوية المُدْرَكِ، بالحَرِيِّ، كما هي الحالُ تمامًا في التلفُّظِ المُفْرِطِ باللَّقَب «سيدي» ورتبتِهِ في السلك العسكري، أو حتى باللَّقَب «أستاذ» ومنزلتِهِ في السلك الإداري، أو حتى باللَّقَب «دكتور» ومرهصتِهِ في السلك الطِّبابي، أو حتى بغيرها من الألقابِ التي تتمتَّع بقوَّةٍ تعظيميةٍ تبجيليةٍ، في الظاهر، ولكنَّها تفتقر إلى أيةِ قيمةٍ حقيقيةٍ واقعيةٍ فعليةٍ جديرةٍ بالذِّكر، في الباطن[13]. من هنا، يتبدَّى «الدَّالُّ الهُواسيُّ-الهُجاسيُّ»، كَوِسَامٍ وهميٍّ تضليليٍّ قلَّدتْهُ، في البدءِ، نياباتٌ «أعلى مقامًا»، فتداولتْهُ من ثمَّ نياباتٌ نظائرُ «أدنى مكانًا»، يتبدَّى بصفتِهِ عنصرًا استيضاعيًّا، أو تحقيريًّا، للنَّفسِ، ولا رَيْبَ، إن رامت ما ترومُهُ النَّفسُ الإنسانيةُ السَّوِيَّةُ من صَوْن احترامِ الذَّات كحدٍّ مؤاتٍ. ثُمَّ إنَّ هذا العنصرَ الاستيضاعيَّ، أو التحقيريَّ، في حدِّ ذاتِهِ لا يَنِي يخضعُ لـ«متتاليةٍ» series من أشكالِ إعادةِ التّنفُّجِ الخَاوي، أو من تحوُّلاتٍ نَفَّاخَةٍ نفسانيًّا، بالخليق، تحوُّلاتٍ تقوم عليها كُلاَّنِيَّةٌ وجوديةٌ أشدُّ تنفُّجًا وتنفُّخًا، بحيث إنَّ كلاًّ من هذه التحوُّلاتِ يحقن بين جنبَي «اللَّقَبِ» نفسِهِ ظلاًّ آخرَ، أو أكثرَ، من ظلالِ المعنى والدَّلالة، ظلاًّ مُرْتَهَنًا بمدى تَلَبْدُن، أو حتى تَّعَدْوُن، الأنانيةِ التي ينطوي عليها التكوينُ النفسانيُّ عند اللُّقابيِّ، في الأساس.

    يتبيَّنُ من هذا الكلامِ عن الفارقِ الجوهريِّ بين «الدَّالِّ السِّياديِّ» و«الدَّالَّ الهُواسيَّ-الهُجاسيَّ»، إذن، أنَّ هذا الدَّالَّ الأخيرَ، بوصفِهِ «لَقَبًا مكتسَبًا»، قبلَ كلِّ شيءٍ، إنَّما ينجلي عن تبايُنٍ جِدِّ صارخٍ بينَهُ وبينَ «اسم العلم» بصفتِهِ «دَالاًّ اِسْمِيًّا» أقلَّ أهميةً، حتى لو كان دَالاًّ حَصينًا ومَنيعًا وصامدًا، دَالاًّ لا يميل إلى تبديلِ معناهُ، أو إلى تغيير «مدلولهِ» المعتادِ، في أيَّةِ لحظةٍ من لحظاتِ التَّقُوُّلِ، أو التَّفُوُّهِ، – على النقيض من غيرِهِ من أنواعِ الدَّوالِّ قاطبةً، حسبما يسلِّم به التنظيرُ اللاكاني، كما سترَيْن بتفصيلٍ أكثرَ في القسم الثالث. ففي كلِّ سِمَةٍ من سِمَاتِ «التهجُّن» و«التزنُّم» و«التنغُّل»، أو أيِّما سِمَةٍ مرادفةٍ تشائين في هذه القرينة، ففيها ما يكشفُ النقابَ الآن عن ثلاثةِ أصنافٍ معمَّمةٍ من «اللُّقابِ»، كبنيةٍ سريريةٍ، على الأقلِّ، ألا وهي: لُقاب التمهُّن(ية) professionalism ولُقاب التحزُّب(ية) factionalism ولُقاب التسلُّط(ية) authoritarianism، وفيها ما يدعو من ثمَّ إلى توضيح هاتِهِ الأصناف بأمثلةٍ ملموسةٍ ومُستقاةٍ من رُصودٍ فعليةٍ لا تزال قائمةً على أرض الواقع، ويا للأسف!، من كلِّ جانحةٍ تَقُضُّ المَوْتَ في نَوْمٍ (لكي نوردَ المجازَ هنا، مرَّةً ثانية)، في كلٍّ من المسمَّيَيْن، زعمًا، «المجتمع المتخلِّف» و«المجتمع المتقدِّم».

    [انتهى القسم الثاني من هذا البحث ويليه القسم الثالث]


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المراجع

    - Adonis (A. A. Said) (1989): كلام البدايات [The Beginnings of Arabic Poetics]. Beirut: Daar al-Aadaab.

    - Darwish, M. (2004): طباق [Counterpoint]. al-Karmel, 81:68-79.

    - Dennett, D. C. (1991): Consciousness Explained. Penguin Books (1993).

    - Freud, S. (1900): The Interpretation of Dreams. Penguin Freud Library, vol. 4.

    - Freud, S. (1905a): Three Essays on the Theory of Sexuality. Penguin Freud Library, vol. 7.

    - Freud, S. (1905b): Fragment of an Analysis of a Case of Hysteria. Penguin Freud Library, vol. 8.

    - Freud, S. (1908): Character and anal erotism. Penguin Freud Library, vol. 7.

    - Freud, S. (1914): On narcissism: An introduction. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1915a): Instincts and their vicissitudes. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1915b): Repression. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1915c): The unconscious. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1915d): Thoughts for the times on war and death. Penguin Freud Library, vol. 12.

    - Freud, S. (1916-7): Introductory Lectures on Psychoanalysis. Penguin Freud Library, vol. 1.

    - Freud, S. (1917): A metapsychological supplement to the theory of dreams. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1923): The Ego and the Id. Penguin Freud Library, vol. 11.

    - Freud, S. (1930): Civilization and its Discontents. Penguin Freud Library, vol. 12.

    - Freud, S. (1932): The acquisition and control of fire. Penguin Freud Library, vol. 13.

    - Fromm, E. (1950): Psychoanalysis and Religion. New Haven & London: Yale University Press.

    - Fromm, E. (1976): To Have or To Be. Continuum (1997).

    - al-Hakeem, T. (1938): تحت شمس الفكر [Under the Sun of Thought]. Cairo: Daar Mişr.

    - al-Hakeem, T. (1974): عودة الوعي [The Return of Consciousness]. Cairo: Daar al-Shuruuq.

    - Lacan, J. (1953): Some reflections on the ego. International Journal of Psychoanalysis, 34:11-17.

    - Lacan, J. (1966a): Écrits: A Selection. Trans. A. Sheridan. London: Routledge (1997).

    - Lacan, J. (1966b): Écrits. Trans. B. Fink. New York: Norton (2006).

    - Lacan, J. (1972-3): The Seminar. Book XX. Encore: On Feminine Sexuality, The Limits of Love and Knowledge. Trans. B. Fink. New York: Norton (1998).

    - el-Marzouk, Gh. (2007a): الدمج[Identification]. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2007b): Identification. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2008a): الأنا [The ego]. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2008b): The ego. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2009a): المسند إليه[The subject]. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2009b): The subject. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2009c): الدال[The signifier]. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2009d): The signifier. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2016a): اللقاب 1 [Agnomenosis 1]. Damascus: Maaber.

    - el-Marzouk, Gh. (2016b): Agnomenosis 1. Damascus: Maaber.

    - Orwell, G. (1958): The Collected Essays, Journalism and Letters: My Country Right or Left 1940-1943. Penguin Books (1982), vol. 2.

    - Said, E. W. (1992): The Question of Palestine. London: Vintage.

    - Said, E. W. (1994a): The Politics of Dispossession: The Struggle for Palestinian Self-Determination 1969-1994. London: Chatto & Windus.

    - Said, E. W. (1994b): Representations of the Intellectual. London: Vintage.

    - Žižek, S. (2006): Lacan. London: Granta Books.

    ***

    [1] وللإحاطة بالتعبير عن المغالاةِ الجنسية sexual overvaluation علمًا أشد تعمُّقًا، مع ذلك، ثمَّةَ شيءٌ من الجدل قمينٌ بالتنويه عنه، هنا، يكتنف مفهومَ هذا التعبيرِ بصفته امتدادًا جسمانيًّا، أو تعدِّيًا تشريحيًّا، للمُغالاةِ النفسية psychical overvaluation المُشارِ إليها في النص، خصوصًا فيما لهُ مِساسٌ بأهمِّيَّته النفسية بالنسبة إلى كلٍّ من الجنسين. وفي هذا السياق، يرتئي فرويد أنَّ البنية النفسانيةَ التي يتكشَّف عنها التعبيرُ عن المغالاةِ الجنسية عينهُ لَأكثرُ قبولاً للاستشفافِ، ومن ثمَّ أكثرُ احتمالاً للتنقُّبِ الميدانيِّ، عند الذَّكّر منها عند الأنثى، بوسيلةٍ أو بأخرى. وأقلُّ من هذا الارتئاءِ الصَّريحِ، بفطنتهِ ودهائهِ، أنهُ يطوي كَشْحًا على ارتئاءٍ ضمنيٍّ آخَرَ، فيما يبدو، ارتئاءٍ يلمِّح إلى أنَّ إفراطَ التَّلَبْدُن overlibidinization، في حالة الحُبِّ الجنساني-المغاير، على وجه التحديد، إنَّما هو أشدُّ استعدادًا لإفراطِ التَّعَدْوُن overaggressification، بوصفه عَرَضًا مَرَضيًّا-نفسيًّا، لدى الذَّكَر منه لدى الأنثى – فهل في هذا ما يفسِّر مدى «الحيوانيَّةِ»، أو مدى «البهيميَّةِ»، عند الأوَّلِ مقارنةً بـ«نظيرتَيْهما» عند الأخيرة؟ بيد أنَّ فرويد يعزو ارتئاءَهُ الصَّريحَ ذاك إلى رُصودٍ تجريبيةٍ توضِّح أنَّ الحياة العاطفيةَ عند الذكور، سواءً كانت هذه الحياة سويةً أم غيرَ سويةٍ، أو مَرَضيةَ المنشأ، إنَّما هي حياةٌ أكثرُ مطاوَعةً على البحث التحليلي-النفسي منها عند الإناث – إذْ لا تزالُ مثيلاتُ تلك الرُّصودِ قائمةً بإلحاحٍ في هذا الزمن، فيما يظهر. علاوةً على ذلك، فإنَّ الرُّصودَ التجريبيةَ الأخرى التي تبيِّن أنَّ الحياة العاطفيةَ لدى الإناث ما زال يكتنفها غموضٌ والتباسٌ لا قرارَ لهما، لَرُصودٌ قد يكون مردُّها إلى عواملَ نفسيةٍ في حدِّ ذاتها، منها ذلك التكتُّم التقليديُّ الذي يقتضي عدمَ الوفاءِ في إفشاءِ أسرارٍ دفينةٍ (إلى المُحَلِّلِ، خاصَّةً)، من طرفٍ، وقد يكون مآلُها إلى عواملَ اجتماعيةٍ كذلك، منها أثرُ الحضارةِ الذي يقف حائلاً، أو حوائلَ، دون التطوُّر الطبيعيِّ للنفس الإنسانية بوجه العموم، من طرفٍ آخَر. وفي حاشيةٍ أضافها إلى المقال الأوَّل من كتابهِ ثلاثة مقالات في نظرية الجنسانية سنة 1920 (أي بعد خمسة عشر عامًا، أو يزيد)، يشير فرويد إلى عددٍ من الدراسات الميدانية النموذجية التي تبرهنُ، أو تنحو نحوَ البرهانِ، على أنَّ «النساءَ [عادةً] لا يأبهنَ بالتعبيرِ عن أيَّةِ مُغالاةٍ جنسيةٍ إزاءَ الرجالِ، ولكنَّهنَّ قلَّما يتغافلنَ عن التعبيرِ عنها حيالَ أطفالِهِنَّ أنفسِهِم» (قا: فرويد، 1905 آ، ص 63، الحاشية: 3).

    [2] را: المرزوق، 2016 آ؛ المرزوق، 2016 ب.

    [3] قا: فرويد، 1914، ص 73.

    [4] لاحظي، هنا، أنَّ هذه الطِّباقيةَ الظاهريةَ المَنْبَتِ بين عنصرَيْ «المَاء» و«النَّار» ذَيْنِك لا تتجذَّر جذورُها التزمُّنيةُ، أو العبر-زمنية، diachronic في أسطورة پروميثيوس اليونانية الشهيرة فحسب، بل تتجذَّر جذورُها كذلك في العديد من الأساطير العالمية الأخرى التي سبقتها، أو حتى التي عاصرتها، وبالأخصِّ تلك الأساطير التي يدور مغزاها حول اكتساب القدرة على التحكُّم في سِحْرانيةِ قوَّةِ «النَّار»، بمكيدةٍ أو بأخرى. غير أنَّ فحواءَ هذه الطِّباقيةِ ذا الأهمية التحليلية-النفسية، فضلاً عن ذلك، لَهو الفحواءُ الذي يشير إلى الأصل المُدهشِ لهذه السِّمة الإناسيةِ الجليَّة، على الرَّغم من كونه أصلاً تحزُّريًّا وحَدْسيًّا بطبيعته. إذ يبدو أنَّ الإنسانَ الأصليَّ، أو البدائيَّ، والحالة هذه، كان ينزعُ نزوعًا قهريًّا إلى إشباع رغبةٍ طُفوليةٍ، أو طَفاليةٍ، infantile desire جَموحٍ في إطفاء «النَّار»، كقوَّةٍ طبيعيةٍ محيِّرة، بـ«مَاءِ» تَبَوُّلهِ، تلك الرَّغبةِ التي تستحضر لعِيانِ الذِّهْن منظرًا قضيبيًّا، ولا ريب، حينما تندلع ألسنةُ اللُّهَاب منتصبةً بشموخها عاليًا فَعَالِيًا. ثمَّ إنَّ فكرةَ إطفاءِ «النَّار» بـ«مَاءِ» التبوُّل هذه قد واصلت ظهورَها فعلاً، بصفتها فكرةً هجائية-تهكُّمية، في نماذجَ من الأدب الروائي الأوروبي، في القرنين السادس عشر والثامن عشر، عن سبيلِ عمالقةٍ ومُرَّادٍ أسطوريِّين (لادُنْيَوِيِّين) لهم مساسٌ بأقوال وأفعالٍ دنيويةٍ محضًا، بشكلٍ أو بآخرَ، كأمثالِ أولئك العمالقة والمُرَّاد الذين تُخُيِّلوا في رواية غارغانتوا وپانتاغرول Gargantua and Pantagruel لفرانسوا رابليه (1494؟-1553)، ورواية رِحَلات غاليڤَر Gulliver’s Travels لجوناثان سويفت (1667-1745). وحتى في إبَّانِ ذلك الظهور الهجائي-التهكُّمي، بحداثتهِ النسبية، تتجلَّى فكرةُ إطفاءِ «النَّار» بـ«مَاءِ» التبوُّل تلك، أساسًا، في مشهدِ تفاعلٍ جنسيٍّ ما بين كائنَيْن ذكريَّين اثنين على الأقلِّ، البائلِ الرَّاغبِ ذاتهِ ولسانِ اللَّهيبِ المنتصِب، فتتبدَّى من ثمَّ بوصفها استمتاعًا إغرائيًّا لا يُقاوَم بفحولةٍ مُتَبَجَّحٍ بها تبجُّحًا نُعاظيًّا، وذلك من خلال مُماراةٍ جنسانيةٍ-مُماثلة homosexual، فيما يظهر. وهكذا، ومن جرَّاء إخمادِ «نَار» الفحولةِ النُّعاظية هذه، يظهر أيضًا أن الإنسانَ الأصليَّ، أو البدائيَّ، كان قد أفلح في ترويض قوَّةِ «النَّار»، باعتبارها قوَّةً طبيعيةً لم تعد محيِّرةً، فأفلح بذلك في تدجينها وإخضاعها لمشيئتهِ: إذ ينجلي هذا «الفتحُ» الثقافيُّ اللافتُ، في حدِّ ذاتهِ، بصفتهِ مكافأةً تقديريةً على نكرانِ الدافع الغَرَزيِّ المعنيِّ وعلى التخلِّي عنه تخلِّيًا محتومًا. وينوِّه فرويد نفسهُ، في هذا الصدد، عن تلك التجارب التحليلية-النفسية التي تثبت صحَّة العلاقة الأساسية بين طباقية «الماء-النار» وسيرورة «التهيُّج الإحليلي»، من طرفٍ، وصحَّة العلاقة المناظِرة بين سيرورة «التهيُّج الإحليلي» وآلية «الطُّموح الدَّفْعي-الغَرَزي»، من طرفٍ آخر (قا: فرويد، 1905 ب، ص 99 وما يتبعها؛ فرويد، 1908، ص 215؛ فرويد، 1930، ص 287 وما يتبعها، الحاشية: 3؛ فرويد، 1932، ص 229 وما يتبعها).

    [5] قا: فرويد، 1914، ص 81 وما يتبعها.

    [6] را: أيضًا، المرزوق، 2009 ج؛ المرزوق، 2009 د.

    [7] قا: فرويد، 1915 ب، ص 146 وما يتبعها؛ فرويد، 1915 ج، ص 208 وما يتبعها.

    [8] وفي هذه القرينة، مع ذلك، يُؤمل من القارئة الكريمة ألاَّ تخلطَ خطأً بين ما يُسمَّى بـ«الشَّخْصَنَة» prosopopoeia، بوصفها صورةً بلاغيةً، أو بيانيةً، وبين ما يُدعى بـ«التشخيص» personification، بوصفه صورةً بلاغيةً، أو بيانيةً، أُخرى، على الرَّغم من أنَّ كِلا المصطلحَيْن لا يزالانِ يُسْتَخْدَمانِ استخدامًا متعاوضًا في إطار نظرية الأدب، أو النقد الأدبي، بوجه العموم. إذ يدلُّ هذا الاستخدامُ المتعاوضُ، في حدِّ ذاته، على أنَّ صفةً شخصيةً ما، أو سَجِيَّةً إنسانيةً ما، سواءً كانت إيجابيةً أم سلبيةً، إنَّما تُضْفَى على شيءٍ ملموسٍ، أو خَلَّةٍ ملموسة، أو حتى تجريدٍ محمولٍ أو محمولٍ عليه، بكيفيةٍ أو بأُخرى. غيرَ أنَّ التحليلَ النفسيَّ، في السياق المُشارِ إليهِ في النصِّ، لا يكتفي حقيقةً بهذا الخلطِ الجُزافيِّ في دلالةِ الاستعمال، ما دام المصطلحان المقصودان يتميَّزان تميُّزًا تأثيليًّا (أو تأصيليًّا) صارخًا عن بعضهما البعض، من وجهة النظر اللغوية، على الأقلِّ. فأما مصطلح «الشَّخْصَنَة» prosopopoeia، من طرفٍ – المصطلحُ الذي يعني بمجازيَّتِهِ «المَسْرَحة» أو «التَّمَسْرُح» dramatization، والذي تمَّ اشتقاقُهُ عن طريق اللغة اللاتينية، في القرن السادس عشر، من أصلٍ دفينٍ يعني بحرفيَّتِهِ «الوَجْهَنَة» أو «التَّوَجْهُن» facialization (أي تكوين أو تكوُّن الوجه، على الترتيب) في اللغة اليونانية –، فيوحي، أكثرَ ما يوحي، إلى تلك الكيفية البلاغية، أو البيانية، التي يُستحضَرُ بها استحضارًا تخصيصيًّا شخصٌ مُتَخَيَّلٌ، أو غائبٌ، أو حتى في عِداد الموتى، من خلال تجسيدٍ حَياتيٍّ، أو جَماديٍّ، معيَّنٍ ينوبُ منابَ النيابةِ الإنسانية المعنيَّة بنحوٍ أو بآخَر، النيابةِ التي تؤدِّي فعلاً من الأفعال، أو تصدر قولاً من الأقوال. وتبعًا لذلك، فإنَّ هذا التجسيدَ الحَياتيَّ، أو الجَماديَّ، المعيَّن إنَّما يتَّخذُ هيئةَ ما يمكنُ الاصطلاحُ عليه بـ«التَّشَخْصُن المُخَصَّص» particularized personalization، بمغزى أنَّ التجسيدَ المعيَّنَ ذاتَه يفعل فعلَهُ أو يقول قولَهُ منابًا عن شخصٍ مفرَدٍ وأوحدَ في القرينة، شخصٍ بصفته نيابةً إنسانيةً «خاصَّةً» ليس غير، كما هي الحال في مثالي القدم والحذاء المذكورين في النصِّ، ذينك الوَغْلَيْن الأيقونيَّيْن اللذين يمثِّلُ كلٌّ منهما كائنَ الرَّغبةِ «الخاصَّ» بالمسند إليه. وأما مصطلح «التشخيص» personification، من طرفٍ آخَر، فيؤكِّد مدلولُهُ الاعتياديُّ، أو المعياريُّ، على تلك الكيفية البلاغية، أو البيانية، التي تُعْزَى بها عزوًا لاتخصيصيًّا سمةٌ إنسانيةٌ، أو مجموعةٌ من السمات الإنسانية، إلى تجسيمٍ حَياتيٍّ، أو جَماديٍّ، محدَّدٍ، وذلك من أجلِ الرُّقِيِّ بقيمته الأدبية و/أو الفنية، في المقام الأوَّل. ووفقًا لذلك، فإنَّ هذا التجسيمَ الحَياتيَّ، أو الجَماديَّ، المحدَّد إنَّما ينتحلُ شكلَ ما يمكنُ الاصطلاح عليه بـ«التَّشَخْصُن المُعَمَّم» generalized personalization، على النقيض من نظيره «المُخَصَّص»، بفحوى أنَّ التجسيمَ المحدَّدَ ذاتَه يفعل فعلَهُ أو يقول قولَهُ منابًا عن أيِّما شخصٍ كان في القرينة، شخصٍ باعتباره نيابةً إنسانيةً «عامَّةً» ولا ريب، سَواءً كانت هذه النيابةُ ذكريةً أم أنثوية، كما هي الحال في مثال القمر في قصيدة ويليام بَتْلَر ييتْس (1865-1939) القمر المخبول The Crazed Moon، حيث عمد الشاعر إلى «تشخيص» القمر بصورة امرأةٍ «عامَّةٍ» لا معرَّفةٍ ولا مسمَّاةٍ، امرأةٍ قد دُخِلَ في عقلها بسببٍ من إفراطها في الحَبَل. وفيما يلي المقطع الأوَّل من هذه القصيدة ذات التصميم الدائري، فيما يظهر (لاحظي، هنا، أن القمرَ مؤنَّثٌ والشمسَ مذكَّرٌ في اللغة الإنكليزية، أو الفرنسية، إلخ – على العكس ممَّا هما عليه في اللغة العربية، أو الألمانية، إلخ):

    مَخْبُولاً مِنَ الإنْجَابِ الكَثِير
    يَتَرَنَّحُ القَمَرُ بِأعْطَافِهِ فِي السَّمَاء
    فَيُخَبِّلُنَا بِنَظَرَاتِهِ القَانِطَة
    نَظَرَاتِ عَيْنَيْهِ الشَّارِدَتَيْن
    وَنَحْنُ نَتَلَمَّسُ طَرِيقَنَا، نَتَلَمَّسُهُ هَبَاءً
    كَيْ نَلْمِسَ بَنِينَ قَدْ وُلِدُوا مِنْ بُرَحِينَ مِخَاضِهِ

    [9] قا: فرويد، 1905 آ، ص 65 وما يتبعها.

    [10] را: أيضًا، المرزوق، 2009 آ؛ المرزوق، 2009 ب.

    [11] را: المرزوق، 2009 ج؛ المرزوق، 2009 د.

    [12] قا: لاكان، 1966 آ، ص 99؛ لاكان، 1966 ب، ص 259؛ لاكان، 3-1972، ص 33 وما يتبعها.

    [13] قا: أيضًا، الحكيم، 1938، ص 146 وما يتبعها.




    * منقول عن موقع معابر للفائدة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..