نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

شادية بن يحيى - الرواية الجزائرية ومتغيرات الواقع

  1. تمهيد:

    لم تتحقق الرواية باعتبارها جنسا أدبيا مستقلا، وتتميز بوجودها وشكلها الخاص في الأدب الغربي والعربي إلا في العصر الحديث، حيث ارتبط مصطلح الرواية بظهور وسيطرة الطبقة الوسطى في المجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر، فحلت هذه الطبقة محل الإقطاع الذي تميز أفراده بالمحافظة والمثالية والعجائبية، والعكس من ذلك، فقد اهتمت الطبقة البورجوازية بالواقع والمغامرات الفردية، وصور الأدب هذه الأمور المستحدثة بشكل حديث، اصطلح الأدباء على تسميته بالرواية الفنية، في حين أطلقوا اسم الرواية غير الفنية على المراحل السابقة لهذا العصر، حيث تميز الأدب القصصي منذ القديم بسيطرة أدب الطبقة الحاكمة، ولا تمثل القصص المعبرة عن الخدم والصعاليك إلا استثناء لا يمكن القياس عليه.(1)

    تبدأ الرواية في أوروبا منذ القرن الثامن عشر حاملة رسالة جديدة هي التعبير عن روح العصر، و الحديث عن خصائص الإنسان، و هناك من يعتبر رواية دونكيشوت لـ: سيرفانتس أول رواية فنية في أوروبا كونها تعتمد على المغامرة والفردية، إذا الرواية الغربية هي وليدة الطبقة البورجوازية وهي البديل عن الملحمة ولذلك اعتبر هيجل(Hegel): الرواية ملحمة العصر الحديث، وقد استفاد جورج لوكا تش من هذه الفكرة واعتبر بدوره الرواية ملحمة بورجوازية.
    وهناك من يقول أن الرواية لها جذور وأصول في الأدب العربي الذي عرف الفن ممثلا في بعض ما جاء مبثوثا في كتب الجاحظ وابن المقفع ومقامات بديع الزمان الهمذاني و الحريري، لكن البعض يرى أن الرواية فن مأخوذ عن الغرب،وقد سئل الأديب الجزائري طاهر وطار عن واقع الرواية العربية فرد: «و الرواية بالأصل فن- لا نقول دخيل على اللغة العربية وإنما فن جديد في الأدب العربي اكتشفه العرب فتبنوه مثلما اكتشفوا في بدء نهضتهم المنطق فتبنوه و الفلسفة فتبنوها ». (2)

    ويرى الدارسين أن كتاب الطهطاوي: "تلخيص الإبريز في تلخيص باريس" مطلع الفن القصصي في الأدب العربي الحديث، ثم جورجي زيدان ثم "رواية زينب" لـ محمد حسين هيكل، فقد عدوها إرهاصا أوليا لظهور الرواية العربية، ولذلك نرى أن الباحثين المصريين على الخصوص يجعلون من مصر الرائدة في مجال الرواية،رغم انتقادات بعض الدارسين منهم بطرس خلاق في كون رواية "زينب" فتحا في الأدب العربي، إلا أن بقية الأقطار قد عرفت نشأة الرواية بعد ذلك، ولم تعرفها في زمن واحد.(3)

    1- نشأة فن الرواية في الجزائر:

    إنّ نشأة الراوية الجزائرية غير مفصولة عن نشأتها في الوطني العربي، حيث لها جذور عربية و إسلامية مشتركة كصيغ القصص القرآني و السيرة النبوية و مقامات الهمذاني و الحريري و الرسائل و الرحالات.

    وقد كان أول عمل في الأدب الجزائري ينحو نحوا روائيا هو "حكاية العشاق في الحب و الاشتياق" لصاحبه محمد بن إبراهيم سنة 1849م، تبعته محاولات أخرى في شكل رحلات ذات طابع قصصي منها "ثلاث رحلات جزائرية إلى باريس " سنوات (1852م، 1878م، 1902م)(4)، تلتها نصوص أخرى كان أصحابها يتحسسون مسالك النوع الروائي دون أن يمتلكوا القدر الكافي من الوعي النظري بشروط ممارسته مثلما تجسده نصوص: "غادة أم القرى" سنة 1947م لـ أحمد رضا حوحو، و" الطالب المنكوب "سنة 1951م لـ عبد المجيد الشــافعي،

    و" الحريق" سنة 1957م لـ نور الدين بوجدرة، و "صوت الغرام" سنة 1967م لـ محمد منيع،إلاّ أن البداية الفنية التي يمكن أن نؤرخ في ضوئها لزمن تأسيس الرواية في الأدب الجزائري اقترنت بظهور نص "ريح الجنوب" سنة 1971م لـ عبد الحميد بن هدوقة.(5)

    2- الرواية الجزائرية و الواقع السياسي:

    لقد سايرت الرواية الجزائرية الواقع، و نقلت مختلف التغييرات التي طرأت على المجتمع بحكم الظروف والعوامل التي أسهمت في إحداث هذا التغيير، ومن الملاحظ أن الرواية الجزائرية قد صبغت بصبغة ثورية، خاصة الثورة ضد الاستعمار، كما سايرت النظام الاشتراكي وهذا ما نجده في عقد السبعينات، ودخلت الرواية في ما بعد مرحلة جديدة فيها ثورة و نضال وانهزام، إذ انطلق الكاتب من الواقع الذي عاشه وعايشه في زمن الأزمة فاصطلح عليه ب "أدب الأزمة". (6)

    • الرواية الجزائرية في فترة السبعينات:

    لقد سبق وأن عرفنا أن مرحلة السبعينات كانت المرحلة الفعلية لظهور راوية فنية ناضجة، وذلك من خلال أعمال عبد الحميد بن هدوقة في "ريح الجنوب"، و" وما لا تذره الرياح " لـ محمد عرعار، و "اللاز" و "الزلزال" لـطاهر وطار، و بظهور هذه الأعمال أمكننا الحديث عن تجربة روائية جزائرية جديدة متقدمة إذ أن العقد الذي تلى الاستقلال مكن الجزائر من الانفتاح الحر على اللغة العربية، وجعلهم يلجئون إلى الكتابة الروائية للتعبير عن تضاريس الواقع بكل تفاصيله وتعقيداته، سواء أكان ذلك بالرجوع إلى فترة الثورة المسلحة، أو الغوص في الحياة المعيشية الجديدة التي تجلت ملامحها من خلال التغيرات الجديدة التي طرأت علي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.

    إنّ من سمات الرواية في هذه الفترة الشجاعة الطرح و المغامرة الفنية، وهذا راجع إلى الحرية التي اكتسبها الكاتب بفعل الواقع السياسي الجديد، الذّي كان مناقضا للواقع السياسي الاستعماري قبل هذه الفترة، عـــلى اعتبار أن الكتابة فن لا يزدهر إلا في ظل الحرية و الانفتاح. فالقمع و الاضطهاد قد يدفع الكاتب إلى تبني مواقف ما كان ليتبناها لو أن الإطار السياسي كان مختلفا.

    إن الطابع السياسوي الذي انطبعت به النصوص الروائية في هذه الفترة لا يمنع الطرح الجذري الذي اتسمت به هذه النصوص الروائية و القائم على محاكمة التاريخ أو الواقع الراهن بلغة فنية جديدة.(7)

    ولقد جاء هذا الطابع كحتمية لتركيبة ثقافة الرواد الأوائل الذين كان لهم السبق في تأسيس الرواية الجزائرية الحديثة، وكل هذا تأتى لهم من خلال انخراطهم في السلك السياسي ومعايشتهم للحدث والمساهمة فيه، فالروائيون الأوائل كانوا من جيل الثورة و الاستقلال، ولذلك فقد تمتعوا بحصانة و تجربة في رصيدهم كما يقول أبو القاسم سعد الله: " رصيد الثورة و نضج سياسي و تجربة نضالية".(8)

    جعلهم الأمر يجمعون بين الإبداع و السياسة، فقد كان ابن هدوقة ممثلا لحزب أنصار الديمقراطية وحركة الطلاب الجزائريين بتونس أثناء دراسته،كذلك كان منخرطا في حزب جبهة التحرير و اشتغل في الإذاعة بعد الاستقلال، وكان الطاهر وطار عضوا في جبهة التحرير إبان تأسيسها، كما أنه اشتغل بالسياسة و الصحافة التونسية، و بعد الاستقلال تفرغ للعمل السياسي بجبهة التحرير كمراقب للجهاز المركزي للحزب.(9)

    وقد منح هذا الرصيد من التجربة السياسية هؤلاء الرواد بعدا سياسيا للرواية التي نشأت بين أيديهم، مثلا بن هدوقة أسهم براوياته في إثراء الحركة الروائية من حيث مواجه الحياة ومشاكلها و التعبير في قضايا المجتمع وطموحاته، و نشر الوعي السياسي، وتدعيم آمال الطبقة الكادحة.(10)

    كتب ابن هدوقة رواية "ربح الجنوب" في فترة الحديث عن الثورة الزراعية فأنجزها في 1970م، مساندة للخطاب السياسي الذي كان يلوح بآمال واسعة لفك العزلة عن الريف الجزائري و الخروج به إلى حياة أكثر تقدما و ازدهارا، ورفع البؤس و الشقاء عن الفلاح ومناهضة كل أشكال الاستغلال عن الإنسان و قد تكرس هذا الخطاب السياسي في قانون الثورة الزراعية الصادر رسميا في 08 نوفمبر 1971م.

    هذا هو الجو الذي تنفست فيه "ريح الجنوب"، حيث جرت أحداثها في الريف بمنطقة تقترب من الهضاب العليا بين جنوب الوطن و شماله (11)، وهي حكاية بسيطة نواتها أب إقطاعي يدعى ابن القاضي يريد تزويج ابنته نفيسة لرئيس البلدية بغرض المحافظة على أملاكه من المشروع الجديد والمتمثل في الثورة الزراعية إلا أن ابنته رفضت ذلك، لقد ربط ابن هدوقة في هذه الرواية حرية المرأة بالتخلص من الإقطاعية في شكل معادلة متكاملة لا ينجح المشروع الجديد إلا بتحقق طرفيها فيقول: «لا يمكن أن تتحرر المرأة و الأرض بدون تغيير العلاقات الاجتماعية السائدة، فالإقطاع لا يتمثل في الماديات وحدها بل هو قبل كل شيء مواقف معينة». (12)

    و مهما يكن من أمر فإن الرواية بمحيطها وشخصياتها تعبير عن وضع ريفي في بداية السبعينات يتخبط في بحر من الهموم و المشاكل متأملا في تغيير جذري تجسد في المشروع الجديد المتمثل في الثورة الزراعية.

    وفي رواية "نهاية الأمس" أعاد «بن هدوقة» طرح قضية الإقطاعية ووقوفها في وجه المشروع الإصلاحي، إذ صور لنا الروائي الصراع القائم بين البشير النموذج الإصلاحي و ابن صخري النموذج الإقطاعي فهي كما يقول محمد مصايف: " صراع بين نزعتين تمثل إحداهما الإقطاع و حب الاستغلال و الرغبة في إبقاء ما كان على ما كان وتمثل الآخرين و هي نزعة البشير و المتقدمين أمثاله العمل من أجل الصالح العام، ورفض كل أنواع الاستغلال والهيمنة و الرغبة المؤكدة في إصلاح الأوضاع الاجتماعية الفاسدة في الريف الجزائري. (13)

    أمّا الطاهر و طار، فقد جاءت أعماله لتؤرخ لكل التغييرات و التطورات الحاصلة في المجتمع الجزائري منذ الثورة المسلحة إلى غاية الاستقلال، وقد كان للإغراءات الإيديولوجية و الفنية التي تميزت بها مدرسة الواقعية الاشتراكية دور في جعل أعمال وطار تتسم بنوع من التلقائية و الرؤية الشمولية، كما جعلته قادرا على إدراك تلك العلاقات الجدلية بين الفرد و أفكاره و أفعاله و الحياة بكل صراعاتها.(14)

    عاد في رواية اللاز إلى سنوات الثورة التحريرية مصورا لنا مرحلة من مراحلها، حيث حاول فيها البحث عن بذور الأسباب التي عرقلت مسيرة الثورة بعد الاستقلال مستغلا شخصيات الرواية في دفع الأحداث و تقديم رؤاه الاجتماعية و النضالية و الثورية و الإيديولوجية، فقد حفلت بالنقد للأوضاع و الأفكار و الشخصيات و المواقف التي يراها الكاتب من وجهة نظره غير سوية، وتعتبر شخصية اللاز الشخصية المحورية التي تتطور بتطور أحداث الرواية، حيث تتحول من شخصية عادية "اللاز بن مريانة" إلى رمز الشعب الجزائري بأكمله، فكما وجد اللاز ضالته في عثوره على أبيه زيدان الممثل الأساسي للإيديولوجية الشيوعية التي يزعم إعجاب الشعب الجزائري وتعلقه بها،كما وجد الشعب الجزائري ضالته في الفاتح من نوفمبر 1954م بعد أن عاش أكثر من قرن ينسب إلى أصل غير أصله، إن الربط بين "اللاز" الفتى الشقي اللقيط الذي يحمل كل الشرور و لا يعرف من أبوه و بين الشعب الجزائري الأصيل الذي لم ينسى أصله و عقيدته، هو ربط لا يتماشى مع الواقع، و لا يمكن قبوله من وجهة النظر التاريخية و العقائدية للشعب الجزائري ومع ذلك يبقى الموقف مقبولا من الناحية الفنية. (15)

    ذلك أن وطار كما يقول في بداية روايته هذه: " أنني لست مؤرخا و لا يعنى أبدا أني أقدمت على عمل يمد بصلة كبيرة إلى التاريخ، رغم أن بعض الأحداث المروية وقعت أو وقع ما يشبهها "إنني قصاصا وقفت في زاوية معينة لألقي نظرة بوسيلتي الخاصة على حقبة من حقب ثورتنا ".(16)

    إذا كانت راوية "اللاز" قد صورت لنا مرحلة من مراحل الثورة، وذلك من خلال رؤية إيديولوجية محددة فكانت بمثابة الأرضية الفكرية للكاتب، فإن روايته الأخرى "الزلزال" جاءت لتحقق هذه الرؤية الإيديولوجية في الواقع الاجتماعي و الاقتصادي كحل شرعي لمخلفات الثورة التحريرية. فقد صور لنا الكاتب في روايته هذه حكاية إقطاعي جاء من العاصمة ليحمي أملاكه من شبح الثورة الزراعية كما تصور الرواية جانبا كبيرا من تغيير الحياة فجسد لنا واقع المدينة و مشاكلها الناتجة عن الهجرة الداخلية، وكانت مدينة قسنطينة بجسورها مسرحا لأحداث الرواية.
    هذا باختصار بعض المضامين للنصوص الروائية التي ظهرت خلال هذه الفترة و التي كانت كلها تسير في فلك الإيديولوجية الاشتراكية المتبناة من ظروف الدولة من أجل بناء الدولة الجزائرية الجديدة بعد أن أحرزت الاستقلال، و لما بدأت مرحلة الدولة الجزائرية الجديدة ساهمت كل المؤسسات في رفع هذا الصرح و ساهمت الرواية كجسر أدبي و مؤسسة اجتماعية أداتها اللغة في بناء مشروع الدولة.

    • الرواية الجزائرية في الثمانيات:

    كانت التجربة الروائية للكتاب الجزائريين في هذه الفترة نتيجة للتحولات التي حدثت في مجتمع الاستقلال، حيث مثل هذا الجيل اتجاه تجديديا حديثا في هذا النمط الأدبي الجزائري، ومن التجارب الروائية في هذه الفترة نذكر روايات واسيني الأعرج مثل "وقع الأحذية الخشنة " سنة 1981 م، و "أوجاع رجل غامر صوب البحر" سنة 1983 م، وراوية " نوار اللوز" أو " تغريبة صالح بن عامر الزوفري" سنة 1982م، التي يستثمر فيها التناص مع تغريبة ابن هلال وكتاب " المقريري" "إغاثة الأمة لكشف الغمة".(17)

    كما أخرج واسيني الأعرج نمطا روائيا آخر في هذه الفترة تحت عنوان "ما تبقى من سيرة لخضر حمروش "سنة 1983م،الذي يهدر فيها دم الشيوعي "لخضر" وهو من الشخصيات السياسية الأساسية في هذه الرواية،كان شيوعيا نقد الحكم بذبحه ذلك المجاهد البسيط "عيسى" زمن الثورة وهذه الرواية مثلت النظرة النقدية للتاريخ الرسمي الجزائري.
    كما كتب الحبيب السايح رواية" زمن التمرد" سنة 1985 م، ومن الأعمال الروائية الجزائرية في هذه الفترة أيضا أعمال الروائي جيلالي خلاص رواية "رائحة الكلب" سنة 1985م، و روايته "حمائم الشفق" سنة 1988م، كما كتب أيضا مرزاق بقطاش روايته "البزاق "سنة 1982م، و"عزوز الكابران"سنة 1989 م، الذي يقف فيها شيخ الجامع وهو شخصية من شخصيات الرواية يعد رمز للتيار السلفي المتضامن مع النزعة الوطنية، ممثلا للفكرة الوطنية الموحدة في الجوانب الإيديولوجية المتباينة، في هذه الرواية يلتقي المعلم وهو من الشخصيات الأساسية بهذا الشيخ في الزنزانة وقت صلاة الظهر حيث يؤنب شيخ الجامع هذا المعلم و يخبره بأنه غير راض عليه، لأنه في رأيه لا يعلم الأطفال ما ينبغي تعليمه وهو أن يعلمهم الحقيقة و كذا التمرد على حاكم مثل «عزوز الكابران».(18)

    إن لقاء المعلم بشيخ الجامع في الزنزانة وحوراهما حول ضرورة التمرد على عزوز الكابران هذا يشير إلى التضامن الوطني القومي مع السلفي من أجل خدمة القضية الوطنية، ولكن الملاحظ أن شخصية شيخ الجامع أكثر حضورا في النّص لتعبر عن الهيمنة الإيديولوجية الغالبة على الرواية،كما يلاحظ في هذه الرواية أن شرعية السلطة تقوم على العنف باعتباره الوسيلة الأساسية لتحقيق المطلب السياسي. (19)

    وقد أخرج رشيد بوجدرة عدة أعمال راوئية نذكر من بينها راوية "التفكك" سنة 1982 م، و" المرث" سنة 1984م، "وليليات امرأة آرق" سنة 1985، و" معركة الزقاق "سنة 1986م.(20)
    كما يتابع الطاهر وطار في هذه الفترة كتابة جزئه الثاني من رواية "اللاز"وهي تجربة العشق و الموت في زمن الحراشي "سنة 1980م، الذّي يرسم فيه مآل الثورة بعد الاستقلال، عبر الاصطفاف بين الحركة الطلابية وممن يتوسلون الدين ليجهضوا الثورة الزراعية، ويجهزوا على التحول الاشتراكي.(21)

    وغير هذا من التجارب الورائية و منظورات و رؤى أصحابها لمسالك التجديد و مواقفهم المتعددة في التعامل مع قضايا و إشكاليات الواقع الجزائري في الثمانينات، إذ رأى بعضهم في التأصيل السبيل الأمثل لتحقيق الحداثة والتجديد في تجربته الروائية، مثلما نجد ذلك عند واسيني الأعرج، أمّا البعض الآخر فقد رأى في التجديد عن طريق الاشتغال المكثف على اللغة بتحويلها إلى فضاء إبداع و تعقيد السرد السبيل الأمثل القادر على تحقيق المغايرة واكتساب تجاربهم سمات الجدة وتجاوز ما هو سائد في السرد الروائي، مثلما تجسد في تجربة رشيد بوجدرة وجيلالي خلاص و غيرها. (22)

    إن ما يلفت النظر في هذا المنحى هو هذا السعي الجاد من رواد الرواية العربية الجزائرية إلى الانخراط ضمن التوجه الجديد في الممارسة الروائية و الاستفادة من تقنيات الرواية الجديد سواء العربية منها أم العالمية،حيث نشر عبد الحميد بن هدوقة روايته "الجازية و الدراويش "سنة 1983م التي مثلت إضافة نوعية لمسيرته في علمه الروائي، حيث استثمر فيها سيرة بني هلال ليتناول من خلالها إشكاليات الثورة زمن الاستقلال، وما يتم عنها من صراعات و تناقضات و تشخيص إخفاق العديد من اختياراتها و انحراف ممارستها عن الأسس و المبادئ الأصلية التي تبنتها زمن حرب التحرير، و هي النقدية السياسية التي بلور معالمها الأديب الطاهر وطار في روايته "الحوات والقصر" سنة 1980م، و "تجربة في العشق" سنة 1988م، حيث كشف فهما عن سمعة السلطة القمعية والوصولية و الانتهازية التي تحكم جزائر الاستقلال، وهذا في صياغة جزئية لم تتهيب من المحظور السياسي. (23)

    ومع كل هذه الأعمال الروائية التي ترمي إلى إحداث التجديد و الخروج عن المألوف السردي، شهد عقد الثمانينات ظهور عدد مهم من الروايات ذات القيمة المحدودة فكريا و جماليا بسبب عدم امتلاك أصحابها عناصر الوعي والإدراك الضرورية لفهم طبيعة تحولات المجتمع الجزائري، إدراك خلفيات ما يعيشه من صراعات و تناقضات زمن الاستقلال، إضافة أيضا إلى عدم توفرهم على شروط الوعي النظري للممارسة الروائية، ولهذا جاءت نصوصهم الروائية باهتة على صعيد الكتابة وساذجة في التعبير عن الموقف من واقع الجزائر في السبعينات والثمانينات، وما ميزه من مناظر و صور تأزم متأنية من تهافت أشكال الممارسة السياسية للسلطة الحاكمة.(24)

    إنّ ما نلحظه على الكثير من هذه النصوص هو احتفائها بموضوع الثورة وتمجيدها، و قد تحقق الاستقلال من منظور ذاتي ضخم هذه الثورة و عظمتها إلى حد اعتبارها أسطورة، ونزه الرجال الذين قاموا بها من كل المذلات والأخطاء إلى حد العصمة،وهذا ما تعكسه روايات "الانفجار" 1984م، و"هموم الزمن الفلاقي" 1985م، و"بيت الحمراء" 1986، و" الانهيار" 1986م، ورواية "زمن العشق و الأخطار" 1988م، و"خيرة و الحيال" 1988م لمحمد مفلاح، و "الألواح تحترق" سنة 1982م لمحمد رتيلي، و "الضحية" 1984م لحيدوسي رابح، و أخيرا "تتلألأ الشمس" 1989م لمحمد مرتاض، و غيرها من النصوص الروائية التي أسهمت في تكريس إيديولوجية السلطة المهيمنة وهو الموقف الذي لم تلتزم به الكثير من التجارب الروائية التي تناولت هي الأخرى ثورة التحرير قبل الاستقلال و بعده، ومن منظور نقدي وهو ما عبرت عنه تجارب طاهر وطار وواسيني الأعرج و رشيد بوجدرة و جيلالي خلاص و لحبيب السايح وغيرهم من كتاب هذا الجيل الجديد. (25)

    • الرواية الجزائرية في التسعينات:

    لقد كانت فترة التسعينات حافلة بالروايات التي تحاول أن تأسس لنص روائي يبحث عن تميز إبداعي مرتبط ارتباطا عضويا بتميز المرحلة التاريخية التي أنتجته و بالواقع الاجتماعي الذي شكل الأرضية، التي استطاع من خلالها الروائيين أن يستلهموا الأحداث والشخصيات من أجل قراءة الحادثة التاريخية قراءة مرهونة بالظرف التاريخي الصعب الذي مروا به.
    وما تردد في روايات التسعينات تصوير وضعية المثقف الذي وجد نفسه سجين بين نار السلطة و جحيم الإرهاب، وسواء كان أستاذا أم كاتبا أم صحفيا أم رساما أم موظفا، فإنهم يشتركون جميعا في المطاردة و التخفي وهم يشعرون دوما أن الموت يلاحقهم.(26)
    ومازالت رواية فترة التسعينات وما بعدها مشدودة لتلك الرؤية الإيديولوجية ويرجع ذلك للأوضاع المأسوية التي يمر بها الوطن، وهذا ما ترك بصمته على الفن، فكل النصوص الروائية التي ظهرت في فترة المحنة، حاولت أن تعكس ما يتعرض له المجتمع في قالب يهيمن عليه البعد الإيديولوجي وهذا ما يؤكد الهيمنة الإيديولوجية على الخطاب الروائي الجزائري.

    • الرواية في التسعينات:

    بعد الأزمة التي عصفت بالمجتمع الجزائري خلال السنوات الماضية، و التي مست كل طبقات المجتمع، أخذت الرواية منعرجا آخر عالج موضوع الأزمة و آثارها فاتخذت راوية الأزمة من المأساة الجزائرية مدارا لها، منها تتولد أسئلة متنها الحكائي و في أحضانها تتشكل مختلف عناصر سردها.

    إنّ الإرهاب ليس حدثا بسيطا في حياة المجتمع، وقد لا يقاس بالمدة التي يستغرقها ولا بعدد الجرائم التي يقترفها بل بفظاعتها و درجة و حشيتها، وعندما يتعلق الأمر بالجزائر فإن الإرهاب تقاس خطورته بتلك المقاييس جميعا، إذ استغرق مدة غير قصيرة لكن انشغال الناس به في سعيهم اليومي و أرقهم الليلي لم يمنع بعض الكتاب من تسجيله بل إن ثقله هو الذي يفرض على الكاتب حالة من الحضور يصعب عليه أن يتنصل منه.(27)

    إذا فموضوع العنف المعروف إعلاميا بالإرهاب، كان مدار معظم الأعمال الروائية التسعينية، إلا أن هذا العنف لم يكن الطابع الوحيد الذي طبع في السنوات الماضية، إذ لم تكن عشرية الأزمة فقط بل كذلك كانت عشرية التحول نحو اقتصاد السوق و تسريح العمال و إلغاء انتخابات 1992. (28)

    حيث واكبت الرواية الجزائرية هذه المرحلة الجديدة، مرحلة التكتلات وبهذا ظهرت رواية المعارضة كبديل عن رواية السلطة التي فقدت هيبتها بعد أحداث 08 أكتوبر 1988، وبذلك فسحت المجال لرواية المعارضة بعد توفر مناخ الحرية الذي أفرزه دخول الجزائر مرحلة اختيارات جديدة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، فزالت سياسة الحزب الواحد، و جاءت التعددية الحزبية وقد رافق هذا المعطى السياسي اعتبار حرية التعبير في الدستور حقا من حقوق المواطنة، و بهذا أصبح النص الروائي ملزما بتجديد موقفه مما يحدث، و كما كان الروائي الصوت المعبر عن هموم الجماعة و الصادر عن عمقها، كان أول ردود فعله اتجاه ما يحدث هو الوعي بالمأساة الوطنية. (29)

    فقرأنا روايات لمختلف الأجيال التي تعاطت موضوع العنف السياسي و آثاره اجتماعيا و اقتصاديا وثقافيا،حيث يلتقي الطاهر وطار في "الشمعة و الدهاليز" مع واسيني الأعرج في "سيدة المقام" في البحث عن جذور الأزمة وفضح الممارسات التي تبعتها، كما جسدها آخرون كإبراهيم سعدي في" فتاوي زمن الموت" و محمد ساري في "الورم"،و بشير مفتي في "المراسيم و الجنائز"فمثلا في "سيدة المقام" يصور لنا واسيني الأعرج معاناة مريم التي ترمز للمرأة الجزائرية الصامدة، و يرجع سبب هذه المعانات إلى النظام و التيار المظلم المعادي لكل مظاهر التقدم والتحضر. (30)

    إنّ الإرهاب في "سيدة المقام" ليس حديثا عابرا، ولا مجرد خبر يقرأ أو يصنع بل إنّه أحد مكونات المدينة الروائية، فهو عنصر حاضر فيها ولو كان كعنصر هدم لا كعنصر بناء ولكنّه لا يكتفي بتسجيل حضورها، و إنما يعطيها أيضا بعدها التاريخي و الإيديولوجي و السياسي من غير أن يفرط فيما تقتضيه الكتابة الأدبية من خصوصية فنية. (31)

    وتصور لنا فضيلة فاروق حياة صحافية جزائرية في شرق البلاد من خلال روايتها "تاء الخجل"، إذ تحقق في عملية انتحار فتاة لتصل إلى حقيقة أنها قفزت من أحد جسور قسنطينة تلبية لرغبة والدها، إذ أنها اغتصبت من طرف الأيدي الآثمة، وفي الوقت الذي تصدم فيه هذه الصحفية تبدأ الإغتصابات الجماعية في جزائر التسعينات، فتصل الصدمة ذروتها و تفضل أن تغادر الوطن الجريح، لأن الوضع فيه خانق، ومن خلال رحلتها مع المغتصبات تتعاطف مع إحداهن لأنها من نفس منطقتها و تعيش معها أيام الاحتضار.(32)

    إذا فالرواية هي شهادة على واقع، و شهادة على حضور ذات المثقف المعذبة فهي تجسد في أحد أوجهها حضور المثقف و محنته في رواية الأزمة إنّها ثقافة الوطن المجروح.
    ونجد الطاهر و طار في "الشمعة و الدهاليز"،يدخل القارئ في دهاليز كثيرة إذ ما ينفك أن يخرج من دهليز حتى يدخل في آخر، و بقدر تعدد الدهاليز تعدد معها التساؤلات الكثيرة المحيرة و الشاعر الضحية كان هو الآخر واحدا بالقياس إلى عدد الملثمين، إنها حالة يتغلب فيها عنصر الشر على عنصر الخير و لكن الشمعة رغم ذلك تضيء، إنّ وقائع الشمعة و الدهاليز الروائية تجري قبل انتخابات 1992 التي خلفت ظروفا أخرى لا تعنى الرواية في هدفها الذي هو التعرف على أسباب الأزمة و ليس عن وقائعها و إن كانت وظفت بعضها.(33)

    إنّ نهاية الرواية لا ترد الإرهاب إلى جهة معينة و لا تردها خاصة إلى الحركة الأصولية كما هو معروف، بل إن إضفاء شمعة المثقف الوطني يعود إلى عدة أطراف، وكل هذه الأطراف اتفقت على شيء واحد هو العنف، و في رواية " تيميمون" يحاول بوجدرة أن يرصد لنا من عمق الصحراء الشاسعة مسلسل العنف و الاغتيالات إبان الأزمة، وإن كان وسط الصحراء بعيدا نوعا ما عن صخب الإرهاب وما يحدثه من رعب، ولكن أين له أن يبتعد، و أخبار الموت تصله مسموعة و مكتوبة من خلال المذياع و الجريدة، فيرسم لنا حرف المدارس و اغتيال المثقفين والأجانب وكذا السواح وذلك من خلال الأخبار الثمانية التي تتخلل الرواية، والتي نعرف من خلالها أنّ الاغتيالات تصوب بدقة نحو المثقفين و الفنانين، و لكنّها نضال أيضا للعاديين.
    إنّ اثر الإرهاب في "تيميمون" ليس محركا للتاريخ بل هو ظاهرة طارئة على التاريخ و حدث عارض يعيق الحركة كما يقطع حبل التسلسل في القراءة، وسيبقى محطة سوداء في طريق التاريخ مثلما تظهر الأخبار بقعا سوداء في جسد الرواية إلاّ أنّها تحول دون قراءة الرواية كما لم تحل دون كتابتها فالعقبات لا توقف مجرى التاريخ و إن بقيت وشما في جسده.
    إنّ ظاهرة الإرهاب التي ميزت الكتابة الروائية في عقد التسعينات بدأت الإشارة إليها منذ السبعينات، و جاءت بشكل صريح مع الطاهر وطار في رواية " العشق و الموت في زمن الحراشي"، إذ تصور لنا الرواية الصراع بين حركة الإخوان المسلمين و بين المتطوعين لصالح الثورة الزراعية.(34)

    وما نخلص إليه يكمن في أنّ الخطاب الروائي السياسي في الجزائر هو وليد الأفكار السياسية و الوطنية، إذ واكبت الرواية الجزائرية جل التحولات السياسية الطارئة على المجتمع الجزائري في مراحله المختلفة، فتناولنا الرواية السياسية في الجزائر في فترة السبعينات وما تميزت به من مميزات مرورا بعقد الثمانينات، وصولا إلى عقد التسعينات الذي كان حافلا بمختلف التطورات و الأحداث خصوصا في الميدانين الأمني و السياسي، أما المستوى الأدبي فقد تميز بظهور نمط جديد من الكتابة الروائية وهو رواية المحنة أو الأزمة التي خاض فيها العديد من الروائيين الكبار أمثال واسيني الأعرج و أحلام مستغانمي و رشيد بوجدرة والطاهر وطار وبشير مفتي، وإلى جانب هؤلاء الكتاب المحترفين نجد بعد الكتاب الجدد الذين كانت لهم تجربة معتبرة في هذه النمط من الرواية ومنهم الروائي الجزائري سفيان زدادقة.

    3- أدب المحنة في الرواية الجزائرية المعاصرة و الرهانات الوطنية:

    إن الأدب الجزائري شأنه شأن الآداب العالمية انعكاس للراهن الحيني، مما يحدث من تحولات و تغيرات في المسارات التي تصنع التجربة و أفق الترقب في مسيرة الدولة الجزائرية، ولعلّ الغاية من هذا تكمن في الكشف عن العنف و الإرهاب الذي برز بشكل لافت في التسعينات، و قد أثر بوجه أو بآخر على النص الجزائري، ويعنى ذلك أنه ينطوي على متغيرات جديدة في مسار الإبداع الجزائري، و بخاصة في الجنس الروائي الذّي تجسده النصوص الإبداعية الروائية التي نتفق على تسميتها من البداية بـ"أدب المحنة"، والواقع أن فترة التسعينات تجلت فيها المحنة وفرضت حضورها بقوة في الكتابة الأدبية. (35)

    ومن هنا يمكننا تمثل مجالات الإرهاب و أسبابه فضلا عن جذوره و تجلياته سواء في تراثنا العربي أم في عصرنا هذا. فحضور الإرهاب في الكتابة التراثية طاغ ينوء بما يحمل من آثار الظلم و التسلط و التعصب و التطرف، وهو يحصل حين يقع الاصطدام بين الفكر و السلطة مما يفضي إلى اليأس، مثلما فعل «ابو حيان التوحيدي» حين احرق كتبه تعبيرا عن خيبة الأمل التي آلى إليها المثقف في عصره وفي علاقته بالسلطة.

    • الرهانات الوطنية:

    ظهرت إلى الوجود أعمال روائية كسرت نمطية المألوف و البحث عن الجديد في واقع الإنسان، وكان أهم موضوعاتها:" محنة المثقف الجزائري"، و محنة صراعاته مع العالم الخارجي، و محنة البحث عن الوجود و إثبات الذات، وقبل الخوض في كل هذا كان لزاما علينا أن نتناول الراهن الوطني من كل جوانبه في علاقاته بالنص الروائي
    الجزائري انطلاقا من:

    أولا: الراهن السياسي:

    لقد وافق التعددية الحزبية المميزة للراهن الجزائري اعتبار حرية التعبير في الدستور حق من حقوق المواطنة، بمعنى أن النص الروائي الجزائري أضحى يتمتع رسميا بحرية أكبر في التعبير مقارنة بما كان عليه الأمر في عهد ما قبل التعددية، مع الإشارة إلى أن النصوص الأدبية و الروائية خاصة كانت المجال الذي تبلورت فيه حرية التعبير أكثر من الفضاءات الأخرى خاصة إذا قارنا حالة التضييق التي مورست على الإعلام و أسلوب الرقابة الذي فرض عليه يمثلها في مجال النصوص الإبداعية لوجدنا أن الإعلام قد عان من ظاهرة الرقابة أكثر مما حدث في مجال الأدب، لكن لا يجعلنا أبدا نغض الطرف عما تعرض له حبيب السايح من مضايقات بعد نشره: "زمن التمرد"، أو كيف أنه لم يسمح بتداول رواية " التطليق" لـ رشيد بوجدرة في الجزائر إلا بعد انتهاء عهد بومدين، وغير ذلك من هذه النماذج.

    غير أنّ القول إنّ الراهن السياسي يفتح مجالا أوسع لحرية التعبير على صعيد النص السردي يتطلب مع ذلك إبداء بعض التحفظات التي تجعلنا أقل تفاؤلا، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ظهور أشكال أخرى من الرقابة بالموازاة لرقابة السلطة المتمثلة في: رقابة السلطة على مؤسسات الطباعة و النشر، و رفض كل ما يتنافى و التطلعات الإيديولوجية القائمة. (36)
    فالنشر في حد ذاته أضحى من الصعوبة بما كان هذا إن لم يكن مستحيلا على أساس أنّ النشر على حساب المؤلف يكاد يصير موضة العصر في الجزائر، ومن ناحية أخرى يتجلى هذا الجانب من الراهن في النص الروائي الجزائري من خلال اقتحام ظاهرة "الإسلام السياسي" المعيشة على أرض الواقع، معظم النصوص الروائية الراهنة إن لم نقل جميعها، إلاّ أنّنا لم نلمس ذلك من خلال شخصيات روائية معبرة عن الظاهرة إلا عند الطاهر وطار في رواياته" الشمعة و الدهاليز" من خلال شخصية عمار ابن ياسر، حيث تحتل الشخصية كل الفضاء السردي للنص، أمّا إذا تعلق الأمر ببعض الأعمال الروائية الأخرى، كأعمال واسيني الأخيرة "سيدة المقام"، "ذاكرة الماء"، أو "الانزلاق " لـ حميد عبد القادر، أو "المراسيم و الجنائز" لـ بشير مفتي، فلا نجد الإشكالية الإسلاموية تحتل الفضاء السردي في صورة شخصية محورية، و تصوير الظاهرة في النص الروائي الجزائري المعاصر ينطلق دوما من موقف النقد حيث لا نعثر على موقف واضح محدد.

    أمّا في ما يتعلق بالجانب الإيديولوجي الذي يشكل الخلفية الملازمة للفعل السياسي، فقد انعكس في النص الروائي المعاصر بمختلف تشكلاته في الواقع، فأعمال واسيني الأخيرة تنطوي على خلفية إيديولوجية تحيل إلى الاتجاه الحداثي الجمهوري المدني، وهو الاتجاه الجديد الذي صار الكثير من الأدباء الجزائريين اليساريين يتبنونه بعد انهيار الإيديولوجية الماركسية و بروز التيار الإسلامي وهو الاتجاه نفسه الذي نجده في "الانزلاق" لـ حميد عبد القادر.

    أمّا الطاهر وطار الذي تأسست أعماله المكتوبة في عهد الحزب الواحد على خلفية إيديولوجية يسارية، فإننا نجده في "الشمعة و الدهاليز" ينحو نحو نوع من اليسارية النابعة من قراءة ماركسية للواقع الجديد، في ما يؤكد في أحد تصريحاته أن "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" هو تعبير عن هاجس الوئام المدني.(37)

    ونجد عند بشير المفتي في "المراسيم و الجنائز" مسعى يطمح إلى التخلص من الهيمنة التقليدية للإيديولوجيات على النص السردي الجزائري من خلال التركيز على هموم الذات، مع ذلك تظل بعض الهواجس التقليدية للرواية الجزائرية حاضرة في عمله الروائي هذا.

    ثانيا: الراهن الاقتصادي:

    لقد طبق اقتصاد السوق في مجال الثقافة بتخلي الدولة عن دعم إنتاج النص الإبداعي، و تحول هذا الأخير تبعا لذلك إلى سلعة تحتكم إلى العرض و الطلب، فظهرت أزمة النشر إذ أن غلاء المنتوج الإبداعي في ظل انتشار البطالة والتضخم المتزايد، ما لبث أن أصبح عائقا يحول دون تسويق هذا المنتوج،مما حدا بدور النشر إلى الامتناع عن طبع الأعمال الأدبية، وهكذا ظهر للمرة الأولى في تاريخ الجزائر المستقلة النص الإبداعي المطبوع على نفقات المؤلف وتحول هذا الأخير في آن واحد إلى مسوق و موزع لأعماله، و انجر عن ذلك أن النّص الأدبي المطبوع صار لا يتعدى الألفي نسخة، وهذا في أحسن الأحوال، بل حتى من حيث الحجم لم يتعدى 150 صفحة، وأصبح المبدعون الجزائريون يولون هكذا وجههم إما شطر باريس إن كانوا من كتاب اللغة الفرنسية، أو نحو المشرق لاسيما سوريا و لبنان إن كانوا من أصحاب لغة الضاد.

    4-الثابت الإيديولوجي في الكتابة الروائية:

    إنّ كل روايات مرحلة التأسيس ارتبط جلها بالإيديولوجية الاشتراكية كرؤية فكرية لتوجيه الفن وربطه بالتحولات الاجتماعية، مما عمق الوعي الإيديولوجي لدى مجموعة من الكتاب، وما يميز هذه الكتابات أن أعمالهم رافقت توجهات السلطة نحو الاتجاه الاشتراكي، فرواية" التسعينات مازالت مشدودة لتلك الرؤية الإيديولوجية وهذا راجع للوضع المأساوي الذي يمر به الوطن وهذا ما ترك بصمات على الفن ".(38)

    إذا فإنّ كل الروايات المؤرخة لفترة التسعينات أو فترة المحنة عكست ما تعرض له المجتمع بصيغة فنية حملت أثرا إيديولوجيا، وهذا ما يؤكد سيطرت الإيديولوجية على الكتابة الروائية الجزائرية.

    5- الخطاب الروائي و الخطاب الإيديولوجي:

    الإيديولوجيا هي عبارة عن منظومة الأفكار و القيم و المبادئ التي تسعى إلى تحقيقها جماعة ما أو مجموعة المواقف التي تدعوا إليها و تدافع عنها أو مجموعة الوسائل الكلامية و العملية التي تستخدمها من أجل تحقيق أغراضها، إنّ هذه الثنائية تحيلنا إلى إشكالية علاقة الفن بالواقع، أي علاقة ما هو اجتماعي بما هو فني لا يعني أنها نسخة من الواقع، بل هي عمل يحمل عناصر تتصل فيما بينها من خلال مواقف إيديولوجية.

    و الخطاب الروائي مهما كان مضمونه لا يبتعد عن الإيديولوجية نظرا لاتساع فضاءه النصي، وقربه من الحياة الاجتماعية، وما تتوفر عليه شخصياته من مواقف إيديولوجية، "فالإيديولوجيا هي نمط علاقات الناس، عاداتهم، أفكارهم و أخلاقهم" (39)، هذا يعني أن شخصيات العمل الروائي تحمل في وعيها بعدا إيديولوجي وتجسده في عادتها و أخلاقها، وعليه فالخطاب الأدبي هو تعبير عن رؤية العالم بصورة أو بأخرى لذا على المبدع إبراز تلك الرؤيا و بلورتها في أفضل صورة ممكنة و متكاملة لها.

    أي هنا يتم تحويل الأبعاد الإيديولوجية و الاجتماعية إلى فن، ومن هنا يجب أن نفرق بين الايديولوجيا في الرواية والرواية كإيديولوجيا، ففي النوع الأول تكون الإيديولوجيا مكونا جماليا في الخطاب الروائي، أما في النوع الثاني فيكون العكس حيث تتحول الرواية إلى وعاء للخطاب الإيديولوجي لا غير.(40)

    فالخطاب الروائي عندما يحمل أبعادا إديولوجية يضفي هذا عليه أبعادا جمالية فنية تخدمه في بناءه، في حين لما يكون الخطاب الروائي مجرد وعاء لإيديولوجيا فهذا يؤثر عليه فنيا و جماليا.

    6- الرواية الجزائرية و الإيدولوجيا:

    إنّ الرواية الجزائرية نشأت متصلة بالواقع السياسي المضطرب، وكان الموضوع الغالب عليها و المتحكم في المحاور مضمونها هو مضمون القضايا السياسية سواء أكانت هذه القضايا مرتبطة بحدث المستعمر أو بعد الاستقلال، السياسية والاجتماعية والإنسانية. ففي هذه الظروف تحتم على المبدع ضرورة تحديد موقفه السياسي من خلال عمله الإبداعي وهذا ما جعل الرواية الجزائرية تتفاعل مع واقع تتعدد اتجاهاته الإيديولوجية مما فرض على المبدع الجزائري موقفين اثنين:

    • إما الالتزام بفنه و الإبداع فيه، و بقاءه خارج التغيرات الحادثة في مجتمعه.

    • أو أن يتبنى موقف إيديولوجي معين و يسير وفقه في عمله الفني.

    وهذا ما حدث لجل الروائيين الجزائريين، حتى أصبح الخطاب الروائي يتنقل من خطاب إبداعي إلى خطاب إيديولوجي متضمن لمفاهيم سياسية، بحكم حمل الروائي الجزائري على عاتقه معالجة قضايا مجتمعه والمساهمة في حلها بواسطة إنتاجه الفني، والملاحظ على هذه النصوص الروائية هو سيطرة المضمون على النص الروائي كما في روايات الثمانيات المسيطر عليها البعد الإيديولوجي للنظام على كل شيء و في مختلف الميادين.

    فالواقع يفرض على المبدع أن يساير توجهات النظام السائد، لأن الخطاب الإيديولوجي لنظام عمل على توظيف النص الأدبي لصالحه هذا من جهة، ومن جهة أخرى ظهر في تلك الفترة ما يمسى بالخطاب النقدي الذي بدأ يظهر في تلك الفترة متضمنا إيديولوجية معينة فعمل على تسييس الأدب و توجيهه وفق رؤيا إيديولوجية معينة، إمّا إيديولوجية النظام أو إيديولوجية مستوردة، وهذا ما أدى إلى ظهور تيار يكتب إيديولوجية قبل أن يكتب فنا.

    وما نتج عن هذا هو تحول النص الروائي الجزائري إلى نص يرصد الصراع الإيديولوجي الحادث في المجتمع، هذا الصراع الذي تطور حتى بلغ ذروته في بداية التسعينات، فأدى هذا إلى دفع النص الروائي إلى الاهتمام و احتواء الهموم الاجتماعية فانزاحت بذلك النصوص الروائية من اللغة إلى الإيديولوجيا.

    7- انزياح الرواية من اللغة إلى الإيديولوجيا:

    إنّ الأصل في اهتمامات الكاتب في عمله الروائي أن تكون اللغة من أولى اهتماماته أولا، ثم القضايا الأخرى ثانيا، ولكن المطلع على النصوص الروائية في هذه الفترة يلاحظ مدى انزياحها عن اللغة و انغماسها في الهم الاجتماعي، فأصبح المضمون الاجتماعي مسيطرا على النص الأدبي، وقد أدت سيطرة المضمون على اللغة الفنية إلى فقدان الشحنة الشعرية التي تسمو بالعمل الروائي إلى درجة الجمالية الأدبية، حيث " اهتمت الرواية الجزائرية بالمضمون، ولم تنظر إلى الشكل إلا بوصفه خادما لهذا المضمون، الذي كان خاضعا لأفكار الواقع في تجلياته الثورية".(41)


    قائمة المراجع المعتمدة:

    -1مفقودة صالح: نشأة الرواية العربية في الجزائر(التأسيس و التأصيل)،مجلة المخبر العدد الثاني 2005، ص12.
    -2المرجع نفسه: ص 15.
    3- المرجع نفسه: ص 15.
    4- عمر بن قينة: في الأدب الجزائري الحديث - تاريخيا و أنواعا و قضيا و إعلام- ديوان المطبوعات الجامعية بن عكنون- الجزائر، د ط، 1995،ص 197-198.
    5- بن جمعة بو شوشة: سردية التجريب و حداثة السردية في الرواية العربية الجزائرية، المطبعة المغاربية للطباعة و النشر، تونس، طبعة 1، 2005، ص7.
    6-ادريس بوديبة: الرؤية و البنية في روايات الطاهر وطار، منشورات جامعة منتوري، قسنطينة، طبعة 1، 2000م، ص 50-51.
    7-إدريس بوديبة: الرؤية و البنية في روايات الطاهر وطار، ص39،40،41.
    8-أحمد فريحات: أصوات ثقافية في المغرب العربي، الدار العالمية للطباعة و النشرو التوزيع، لبنان، ط 1، 1984م، ص 87.
    9-بن جمعة بوشوشة: الرواية العربية الجزائرية،اسلئة الكتابة و الصيرورة،دار سحر النشر، ط1، 1988م، ص 15.
    10-عمار عموش: دراسات في النقد و الأدب، دار الأمل، د ط، 1998، ص 47
    11-عمر بن قينة: في الأدب الجزائري الحديث ص 198،
    12-أحمد فرحات: أصوات ثقافية في المغرب العربي، ص 89.
    13-محمد مصايف: الرواية العربية الجزائرية الحديثة بين الواقعية و الالتزام، الجزائر، د ط، 1983، ص 91
    14- إدريس بوذيبة: الروئية و البنية في روايات الطاهر و طار، ص 44، 45.
    15-عمار عموش: دراسات في النقد و الادب، ص 86،87
    16- طاهر و طار: اللاز، ص 19.
    17-بن جمعة بوشوشة: التجريب وحداث السردية في الرواية العربية الجزائرية، ص9.
    18- بن جمعة بوشوشة: التجريب وحداثة السردية في رواية العربية الجزائرية، ص9.
    19-علال شنفوفة:المتخيل والسلطة في علاقة الرواية الجزائرية بالسلطة السياسية،ص 74،75.
    20-بن جمعة بوشوشة: التجريب وحداثة السردية في رواية العربية الجزائرية، ص9.
    21- نبيل سليمان:التجريب في الرواية الجزائرية، ص 68.
    22-بن جمعة بوشوشة: التجريب و حداثة السردية في الرواية العربية الجزائرية، ص 09- 10.
    23-المرجع نفسه: ص 10
    24-المرجع نفسه: ص 11.
    25-المرجع نفسه: ص 10 – 11
    26-حسين خمري: فضاء المتخيل – مقاربات في الرواية، منشورات الاختلاف، ط1، 2002،، ص 191
    27- مخلوف عامر: أثر الإرهاب في الرواية، مجلة عالم الفكر، المجلد 22، العدد الأول بسبتمبر، د ط، 1999، ص 304.
    28- ينظر: ابراهيم سعدي: تسعينات الجزائر كنص سردي، الملتقي الدولي السابع عبد الحميد بن هدوقة للرواية، أعمال و بحوث / مجموعة محاضرات الملتقي الدولى السادس، د ط، د ت، ص 143-145.
    28- ينظر: ابراهيم سعدي: الرواية اجزائرية و الراهن الوطني، الخبر الاسوبعي عدد 4، ديسمبر 1999م، ص14
    29-ينظر: بن صبيات: الرواية الجزائرية تفتد الى البعد الذاتي حوار مع الروائي ابراهيم السعدي، جريدة الخبر الثلاثاء 11 جوان2001، ص 19.
    30-آمنة بلعلي: المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف، دار الامل و النشر و التوزيع،د ط، د ت، ص 77.
    31-مخلوف عامر: أثر الإرهاب في الكتابة الروائية،ص 316.
    32-شنفوقة علال: المختيل و السلطة في علاقة الرواية الجزائرية في السلطة السياسي، ص 83.
    33-المرجع نفسه: ص 310
    34-مخلوف عامر: أثر الإرهاب في الكتابة الروائية، ص 305-306 – 308-309.
    35- مزادي شارف: أدب المحنة في الوراية الجزائرية المعاصرة – الأدبي و الإيديولوجي في راوية التسعينات أعمال الملتقي الخامس للنقد الأدبي في الجزائر- مركز الجامعي بسعيدة، 2008م، ص 82.
    36-جلال خشاب: إشكالية الهوية في الأدب الجزائري باللغة الفرنسية، منشورات مخبر الأدب العام و المقارن، ملتقى إشكالية الأدب في الجزائر، 2006م، ص 200.
    37-بوهرور حبيب: حول الرواية الجزائرية و الراهن الوطني، مجلة الرافد، ص 45.
    38-بوداود وذناني: الثابت الايديولوجي في الكتابة الروائية عند الطاهر وطار- مقاربة في رواية الشمعة و الدهاليز- الادبي و الايديولوجي في رواية التسعينات – أعمال الملتقي الخامس للنقد الأدبي في الجزائر ص 146
    39-محمد كامل الخطيب: الرواية و الواقع دار الحداثة، ط1، 1981م، ص 108.
    40- المرجع نفسه: ص 66
    41-علال سنقوقة: المتخيل و السلطة، ص 35.


    عن ديوان العرب
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..