د. عاشور فني - حركة الشعر في الجزائر

الشعر قيمة إنسانية كبرى. بل هو- في رأينا - مصدر كل القيم الجمالية الكبرى التي حركت الحياة منذ فجر التاريخ الإنساني ودفعته نحو الرقي والتقدم: قيم الجمال والخير والحق. هذه القيمة الكبرى –الشعر- تظهر في الإبداع الإنساني في الحياة اليومية في كل الثقافات والآداب والفنون والسلوك وفي النضالات التاريخية العتيدة من اجل حياة أفضل على هذه الأرض. فتاريخ الإنسان الجميل على الأرض يتجسد في الأعمال الشعرية الخالدة التي تعبر عن حركة الحياة. فتشبث الإنسان بالقيم الجمالية العليا من تشبثه بالحياة. وهكذا يكون بوسعنا أن نقول إن الشعر هو حركة الحياة أو أن الحياة هي حركة الشعر. فما هو وضع حركة الشعر في الجزائر؟
لقد تفتقت حركة الشعر الحديث في الجزائر مع مقاومة الأمير عبد القادر الذي عانق الحياة مع قيادته للمقاومة الوطنية امتدادا إلى حركة الإحياء على مستوى الثقافة العربية حاملا أشواق حركة التصوف العالية وصولا بها إلى بعدها الإنساني العالمي. ولعلها كانت القمة التي بلغتها حركة الشعر في الجزائر مجسدة في حركة الحياة الوطنية والعالمية؛ متراجعة في طورها الإصلاحي ورافضة في طورها الثوري إلى حدودها الدنيا ممثلة في حمل الرسالة الثورية إعلاميا وسياسيا سعيا إلى بلوغ غاية قصوى تتمثل في بناء فضاء وطني- أو يتجاوز حدوده الوطنية والعربية إلى رحاب الإنسانية. لقد حملت أصوات جميلة توق الجماعة إلى الحرية ومعانقة الحياة وحملت أسئلتها الجارحة ومسائلها الجريحة: من المقاومة إلى مسألة الثورة إلى سؤال الكينونة. وها هي حركة الشعر تقف على مشارف قرن جديد –في منتصف عقده الثاني- منهكة القوى مشتتة الرؤى غائبة المعنى فاقدة الاتجاه.

محاولة لتوصيف راهن الشعر في الجزائر
أشرنا منذ عقد من السنوات إلى أن الشعر في الجزائر قد دخل في أزمة عميقة تعبر عن تحول بنيوي في الممارسة الشعرية في الجزائر مظهرها العام هو تراجع الصوت الجماعي في الشعر وبروز الصوت المفرد. وتوقف المشروع الوطني ونشأة المشاريع الفردية التي جعلت من كل شاعر ورشة قائمة بذاتها. وبدأ لنا أن لهذه الأزمة عدة مظاهر جانبية يمكن ذكر أهمها: كثرة الشعراء وانعدام التميز الإبداعي. كثرة النصوص وغياب الإبداع. وفي المجمل تتمظهر الأزمة في غياب حركة الشعر رغم صخب الشعراء.
وفي مع مطلع القرن ازدادت الممارسة الشعرية تأزما بدخول عناصر بنيوية جديدة: تراجع دور المؤسسات وتفاقم دور السوق المتوحشة وتدهور وضع الشعر في الساحة الثقافية الوطنية.

على مستوى الممارسة الشعرية
لقد استبدت النزعة البيروقراطية المقيتة المضادة للشعر بالمؤسسات التي يفترض أنها ترعى الشعر (وزارة الثقافة- اتحاد الكتاب- الجمعيات الثقافية- الجامعات وخاصة كليات الآداب – فرق البحث– الكتب التربوية- الصحافة والمجلات الأدبية) في الوقت الذي تبنت السوق سياسة عدوانية في المجال الشعري باعتماد سياسة نشر تفضيلية للأنواع التي تخضع لرقابة الناشر والموزع وغير المتطلبة من حيث الاستثمار والبرمجة مع دعم مؤسساتي للأنواع التعبيرية الاستهلاكية سريعة الربح . يضاف إلى ذلك تحرش السوق العربية -وخاصة السوق الخليجية- بتحويل الشعر إلى زينة اتصالية جذابة لفئات جديدة من الجمهور والشعراء مما يهدد باكتساح الفضاء الشعري الجزائري من قبل قوى ليست معادية للشعر فقط بل معادية لكل القيم التي تأسس عليها السؤال الشعري في الجزائر ويؤسس خصوصيته الثقافية والإنسانية.
هذه العناصر الجديدة أدخلت بعدا إضافيا يقوض موقع الشعر ومكانته في حياة الناس ويفرغه من أية فاعلية في الوقت الذي يزداد اهتمام الناس بالشعر وتزداد حاجتهم إليه في حياتهم اليومية التي أصبحت تؤثثها عناصر جمالية جديدة سمحت بانبثاق حركات شعرية في العالم زادت الشعر قربا من هواجس العصر والتصاقا بهموم الإنسان.
ومجرد نظرة طفيفة على الممارسات "الشعرية" الراهنة تفضح هذا الخلل الفادح: انغلاق النصوص - تسابق على الظهور الإعلامي- سباق على الجوائز- انهيار السلوكات- غياب العمق المعرفي – انعدام البعد الجمالي- ضحالة النقد- ...

على المستوى الثقافي العام
لم يكن الشعر يوما مسألة تخص الشعراء وحدهم بل كان الشعر قضية أدبية عامة يتناولها اللغويون والنحاة والأدباء عموما ثم توسع الأمر ليشمل النقاد الأكاديميين والمثقفين والإيديولوجيين وحتى السياسيين. وترتب عن ذلك بروز ثنائيات تعبر عن صراعات اجتماعية وسياسية طال أمدها وأفسدت القضية برمتها: الحداثة في مواجهة الأصالة والقصيدة العمودية في مقابل الحديثة وقصيدة النثر في مواجهة التفعيلة وأخيرا الشعر في مواجهة الرواية. "قضايا" استبد بها "النقد" غير النقدي وكرس بها الأمر الواقع في الثقافة: واقع استعباد الشعر للخطاب غير الشعري.
هكذا استحوذت بعض الفئات على "قضية الشعر" فاتخذت منها منبرا لقضيتها: خطباء من كل صنف تداولوا على "منبر" الشعر واتخذوه وسيلة لتبليغ خطابات مضادة للشعر. خطاب الوطنية وخطاب الحداثة وخطاب الأصالة وخطاب الجمال. كلها اتخذت من الشعر شعارا لأهدافها ووسيلة للتسلط على الساحة الثقافية باسمه. وبعد عقود من الفراغ ها هي النتيجة: تأزم الخطاب الشعري والخطاب حول الشعر في نفس الوقت وتلاشي حركة الشعر: أي فقدان الشعر علاقته بالحياة.

نحو المستقبل
يتطلب هذا الوضع اتخاذ موقف جذري من وضع الشعر ومن الخطاب حول الشعر في نفس الوقت. وفي رأيي يمكن مواجهة أزمة الشعر العامة هذه في الجزائر بصرامة أكبر في التحليل عند تبين الوجهة التي يسير عليها الشعر في الجزائر وفي العالم.
ففي الجزائر يمكن القول أن هذا المظهر العام يخفي تحولا عميقا يتمثل في تلاشي الموضوع الشعري نفسه وحلول الذات محله. تحول الموضوع تعبير عن تحول السؤال الذي يحرك الساحة الثقافية برمتها بخفوت سؤال التأسيس الوطني الحداثي وتوقف المشروع الوطني الحداثي في المنتصف. فالمشكلة اليوم تكمن في غياب المعنى بسبب تراجع السؤال الذي حرك الثقافة الجزائرية ردحا من الزمن. ولذلك لم يعد للحركة العامة من اتجاه ولا للهواجس من فاعلية في الحياة.
أما على المستوى العالمي فإن حركة الحداثة الشعرية قد فتحت آفاقها لتفضي إلى لقاء كل الأجناس الأدبية والخطابات الجمالية والفلسفية مع قبول التنوع والاختلاف الرؤيوي والجمالي واللغوي والتعدد في مصادر الاستلهام وأشكال الممارسة مما أتاح لها الانخراط في الحياة العالمية المعاصرة بكل قوة حيث لا يقف الشعر ضد الخطابات الجمالية الأخرى بل أصبح مصدرا للاستلهام والإبداع.
لقد أصبحت الساحة الثقافية الوطنية مغلقة ضد الشعر مما يقتضي فتح أفق لضخ حياة جديدة تسمح بإعطاء معنى وتحديد اتجاه عام ينتظم التجارب الفردية وصياغة سؤال عام ينتظم أسئلة الذات ويشحنها بالقوة الإبداعية. فحركة الشعر حي حركة الحياة. ذلك ما يتطلب تحديد الأولويات بوضوح.
هذه دعوة إلى الانضمام إلى حركة الشعر في الجزائر جوهرها انخراط الشعر بالحياة؛ الحياة الفكرية والجمالية والحياة الأدبية والسياسية الوطنية والعالمية.
دعوة إلى الانهماك في التفكير والتأمل العميق المعرفي لمواجهة أسئلة العصر بسلاح المعرفة؛
دعوة للإبداع والمغامرة واجتراح آفاق جديدة للذات وللوطن في العالم المعاصر؛
دعوة للفعل والتحرك والانخراط في الحياة الثقافية الوطنية والعالمية على أسس معاصرة واضحة؛
دعوة للحوار والنقاش حول وضع الشعر ومكانته في الثقافة الوطنية ودور المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني والشعراء أنفسهم؛ فحركة الشعر هي حركة الحياة.


الجزائر في 21 مارس 2015
الشاعر عاشور فني


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى