د. خيري دومة - ضمير المخاطب في السرد المصري المعاصر.. الجزء الثاني

(2) سمات النوع وسمات الفترة
وشأن كل "أسلوب" أو "نوع" أدبي يتطور، يمكننا التمييز في أسلوب "السرد بضمير المخاطب" بين جانبين من السمات: الجانب الأول يرتبط بالنوع أو بالأسلوب نفسه، والجانب الثاني يرتبط بالفترات التي مر بها عبر تاريخه. إن للأسلوب أو للنوع خصائص قارة ثابتة، قد تتجلى بصور مختلفة، لكنها تشير غالبًا إلى رؤية معينة، خاصة بهذا الأسلوب وحده، لا يؤديها سواه؛ كما أن لكل أسلوب خصائص أخرى تضاف مع كل حقبة، بحيث يتغير الأسلوب نفسه بتغير الزمان والمكان والظروف. إن لضمير المخاطب خصائصه التي لا تتغير، والتي يثيرها استخدامه المتجدد في كل فترة، غير أن له خصائص أخرى تتغير كلما وُضِع في سياق تاريخي وثقافي جديد.
فمن جهة الخصائص اللغوية المميزة لضمير المخاطب، يخبرنا اللغوي الفرنسي إميل بينفينيست Emile Benveniste (مستفيدًا من مصطلحات النحويين العرب) أن "الأنا" و"الأنت"(ضميري المتكلم والمخاطب) – وعلى عكس "الهو" (ضمير الغائب) - هما الضميران الشخصيان الحقيقيان، الحاضران في موقف الكلام، وأنهما متعالقان بحيث يصعب تصور أحدهما أو فهمه بعيدًا عن الآخر، فكأن أحدهما مرآة للآخر. إن "الأنت" تحددها الـ "أنا" بالضرورة، ولا يمكن التفكير فيها خارج إطار موقف تبدؤه الـ"أنا"، كما أن الـ"أنا" في الوقت نفسه، تتحدث بالضرورة عن شيء يتعلق ضمنًا بـ"أنت".
ضمير المتكلم: "أنا"، وضمير المخاطب: "أنت"، يتبادلان الأدوار؛ فالشخص الذي أخاطبه "أنا"، وأناديه بـ"أنت"، يفكر في نفسه باعتباره "أنا"، ويمكنه أن ينقلب إلى "أنا" يتكلم، بينما أتحول "أنا " بالنسبة له، إلى "أنت" يتوجه إليه بالكلام.
وإذا كان التعريف الشائع لضمير المخاطب أنه هو "الشخص الذي يتوجه إليه ضمير المتكلم بالكلام"، فإن الشيوع لا يعني أن تلك هي وظيفته الوحيدة والثابتة؛ فضمير المخاطب يمكن أن يستخدم خارج إطار المخاطبة، ويمكن أن يستخدم للدخول في تنويعة من السياقات "غير الشخصية"؛ إذ يمكن له أن يشير إلى شخص غير محدد. وهكذا، يمكن للمرء أن يعرِّف "أنت" بأنه الشخص غير الذاتي، وذلك في مقابل الشخص الذاتي الذي يمثله "أنا". وهذان "الشخصان" معًا، يتعارضان مع الشكل "غير الشخصي": "هو".
ما يميز"أنا" عن "أنت"، أن "أنا" يصدر عنه الكلام ويقع داخله ، بينما يتوجه الكلام إلى"أنت" الذي يقع خارج الكلام. ومع أن"الأنت" تقع خارج الكلام، فإن هذا لا يقمع واقع الديالوج الإنساني ولا ينفيه كما يقول بينفينيست. ولكي أخرج أنا من "نفسي" ، وأقيم علاقة حية مع كائن ما، فأنا بالضرورة ألتقي بـ"أنت"، أو أفترضه؛ فهو "الشخص" الوحيد المتخيَّل خارجي "أنا". وإذا كان من سمات الـ"أنا" التعالي والغموض، فإن سماته هذه لا تنعكس إلا في "أنت". أضف إلى هذا، أنه لا وجود لشخص في الواقع اسمه "أنا" أو "أنت" خارج موقف الكلام. فهما علامتان "فارغتان"، يتغير معناهما وما يشيران إليه، كلما تغير هذا الموقف .
ضمير المخاطب إذن مخادع ومراوغ في ذاته، يتغير ما يشير إليه مع كل تغير للمتكلم في موقف من مواقف الخطاب. وكل قارئ في هذه الحالة، يمكن أن يكون أنت/المروي عليه في الخطاب القصصي. ولا يقتصر الأمر هنا على ملاحظات بينفينيست السابقة، حول غموض ضمير المخاطب والتباسه في اللغة، وفي كل لغة على وجه العموم، بل لابد أن نلتفت إلى ما قد يتميز به ضمير المخاطب في اللغة العربية على وجه الخصوص، حيث تتشابه على القارئ "تاء الخطاب" و "تاء المتكلم" و "تاء التأنيث"، كما تتشابه عليه ضمائر الخطاب المتصلة للمذكر والمؤنث (تَ-تِ، كَ-كِ)، وهو ما يفضي إلى مزيد من ارتباك هذا القارئ وكسر ألفته مع النص.
السرد بضمير المخاطب، وكما يعرِّفه بروس موريسيت Morrissette Bruce ، أول دارسيه المعاصرين، صورةٌ بلاغية في الأساس، تقوم بدورها في التعميم، والحديث في الأخلاق، والحديث في البديهيات، وإصدار الأحكام، والتوبيخ، والمحاضرة، وما إلى ذلك.. ويعطينا موريسيت مسحًا موجزًا لنصوص ضمير المخاطب، مع توضيح لتكاثر أشكال "الأنت"، التي ظلت كلها تتخذ شكلاً بلاغيًّا ، وهو ما لا يختفي اختفاءً كاملاً من هذه الصيغة، حتى حين تصبح صيغة سردية تمامًا، وبشكل لا تخطئه العين.
وكان البلاغيون قد أدركوا من قديم، الدورَ الذي يمكن أن يلعبه ضمير المخاطب، وأدركوا أن استحضار شخص (أو شيء) ما، عبر مناجاته وتوجيه الخطاب إليه، أقوى بكثير من مجرد الحديث عنه؛ لأن ذلك يبث الحياة فيه، وكأنما يضعه على خشبة المسرح، ولأنك في هذه الحالة لا تسمع أخبارًا عن هذا الشخص (أو الشيء)، وإنما تستحضره وتعاينه .
غير أن أسلوب "السرد بضمير المخاطب"، وإن انبنى على ذلك الشكل البلاغي الأول ولم ينفصل عنه انفصالاً كاملاً ، فإنه يختلف عنه ويتجاوزه. ويأتي الاختلاف من طبيعة الفترة التي صعد فيها استخدام هذا الأسلوب، ومن الأغراض التي يستخدم فيها، والمهام التي يؤديها؛ فهذا السرد الجديد بضمير المخاطب، ليس مجرد نصوص تشخصن المروي عليه، وتحرص على توجيه الخطاب إليه، كما كان الحال في المونولوجات الدرامية مثلاً، أو الروايات القائمة على رسائل متبادلة .. إلخ.
لقد كشف هذا الأسلوب كما يقول برايان ريتشاردسون Brian Richardson، عن إمكانات جديدة يمكن للكتاب أن يستخدموها في سرد قصصهم؛ فهو في رأيه صيغة أساسية من صيغ السرد، تمنح الكتاب المبتكرين طريقة جديدة لتناول المواقف القصصية التقليدية، وتسمح لهم أن يوضحوا حدودَ الصوت القصصي والصورَ المبتكرةَ منه.. وهو عنده أكثر الخطوات التقنية أهميةً في السرد القصصي منذ أسلوب تيار الوعي.. ورغم أنه يبدو ملائمًا على وجه الخصوص لاهتمامات ما بعد الحداثة؛ فإن الاتجاهات الجمالية الأخرى (التعبيرية، السريالية، الواقعية، الحداثة) قد وجدت فيه استراتيجية خصبة. بل إن صعود السرد بضمير المخاطب كما يقول ريتشاردسون، "هو الذي جعل التفكير من جديد، في مسألة تعدد الضمائر في السرد، أمرًا لا مفر منه".
هذا أسلوب يقدم – كما يقول - إمكانات جديدة للكشف خاصةً عن الذهن في تدفقه، عن الغرابة التي نراها في مخ البطل، وفي ذاته التي تعيش في شبه حلم خلال مغامرتها الأسطورية، أسلوب يشي بالذاتية المقموعة، والحديث الصامت، والصراع في عملية اتخاذ قرارات مصيرية.
كما أن لهذا الأسلوب إمكانات أيديولوجية غنية ؛ فهو يدعونا إلى الاستخدام الساخر لأنواع من الخطاب شائعة في التجارة، ويرينا كيف تعمل على استغلال قرائها، عبر الإيعاز إليهم بأنهم المقصودون، كما أنه يساعد في إضفاء الطابع الدرامي على معارك فرد يناضل ضد الخطاب ذي الطابع الذاتي المزيف الذي تستخدمه السلطة القامعة. الخلاصة: أنه أسلوب يلائم التعبير عن الطابع غير المستقر للذات المعاصرة، وعن تكوينها المتعدد الذي يتجاوز حدودها الفردية .
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقترن صعود ضمير المخاطب بروايات الترجمة الذاتية التي انتشرت في العقود الأخيرة، خصوصًا تلك التي يكتبها شعراء، حيث تعلو نغمة التجريد (بالمعنى البلاغي) إذ يجرد الراوي من نفسه شخصًا آخر، ينتزعه ويخاطبه معترفًا ومسائلاً.
وأيًّا ما كانت الإمكانات والآثار الناتجة عن استخدام ضمير المخاطب، فإن الأمر الذي تنتج عنه هذه الآثار المختلفة يكاد يكون واحدًا، أعني ارتباط هذا الضمير بوجود درجة أعلى من الانفعال والعاطفة، يعانيها المتكلم في النص (الشاعر، أو الكاتب، أو الراوي، أو البطل). إن انبثاق ضمير المخاطب المفاجئ في سياق سرد بضمير المتكلم أو الغائب، غالبًا ما يعني مشاعر أكثر تكثيفًا، أو انخراطًا انفعاليًّا حادًّا في الموقف الموصوف .
هذه المشاعر المكثفة، وهذا الانخراط الانفعالي الحاد المقترن باستخدام ضمير المخاطب، أنتج صورًا وأشكالاً ونغمات متنوعة عبر مراحل تاريخ الأدب، بدءًا من نغمة الالتفات البلاغي المحدود، القائم في جوهره على التنويع وكسر الرتابة، والمرتبط بأغراض بلاغية جزئية، مرورًا بنغمة الغناء التي تعلو عند مناجاة الكائنات والمجردات وتشخيصها، ونغمة الزمالة والمصاحبة والحنو التي ميزت عمل الرومانتيكيين، ونغمة الراوي الشعبي المنغمس في الجماعة عند الواقعيين، وصولاً إلى تكسير هذه النغمات جميعًا، ونقضها والسخرية منها عند الكتاب المعاصرين،وهو ما أفضى إلى صورة متشظية للذات وللعالم وللغة.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى