في رواية خبيئة العارف ....رحلة البحث عن الكنز تنقلب إلى نتائج مغايرة

حينما تجلد سياط الفقر ظهور قليلي الحيلة، فإن خيالهم الكسيح ينوب عن أيديهم المغلولة في البحث عن حل، ولأنهم اعتادوا طأطأة الرؤوس فإنهم يتوسمون الحل آتيا من تحت أرجلهم، كأن يجدوا كنزا، لذا يتناقلون الخرافات والأحلام الفاتنة عن الكنوز.
الخميس 2017/12/07

رحلة البحث عن كنز الشيخ الصوفي
القاهرة – تدور رواية الكاتب المصري عمار علي حسن ”خبيئة العارف”، حول نفر من الناس يعملون بنظارة الأوقاف، يبحثون عن كنز يقال إنه مطمور أسفل بيت شيخ الطريقة العزمية محمد ماضي أبوالعزائم، ويقولون إن الكنز ظهر لمريدي الشيخ حينما شقوا الأرض بالفؤوس لزرع “مضخة” تجلب المياه لكن الشيخ الزاهد خشي على المريدين من غواية الذهب، فقذف في عيونهم رمالا رطبة، أغمضوا عيونهم وأزالوا الرمال وآثارها، ولما فتحوا أعينهم كان الذهب قد اختفى ولم يظهر ثانية.
يصل هذا الخبر إلى ”من يجلس على الكرسي الكبير”، حيث الحاكم يشبه شعبه في عجزه، لذا يشاركهم الحلم بالكنز لفشله في معالجة أوضاع اقتصادية صعبة، أدت ندرة الموارد إلى تفاقمها.

البحث عن الكنز

رواية ”خبيئة العارف”، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، وإن كانت عاشرة روايات عمار علي حسن، تمثل الحلقة الثالثة في مشروعه لإبداع واقعية سحرية عربية، وكما في سابقتيها ”شجرة العابد” و“جبل الطير” ينهل الروائي من نبعي التاريخ والموروث الشعبي فضلا عن وروده لغدير حكايات وكرامات المتصوفين، لكنه لا يقدم عملا تاريخيا، وكذلك ليست روايته عن سيرة الشيخ أبوالعزائم، بل تنطلق من البحث عن كنزه لتقتفي أثره وتنهل من عرفانيته.
وفي ذات الوقت تسلط الرواية الضوء على واقع تعيس تئن من سطوته الخلائق، وللتأكيد على ذلك ولنفي تاريخية الرواية، يؤكد الروائي على رمزية ”الخبيئة”، ابتداء بالعنوان حيث الجمع بين متضادين هما ”الخبيئة/ السر” و”العارف”، كذلك يلجأ إلى الاستعارة في بناء المسرحية، فيقسم روايته إلى فصول ثلاثة، في الأول ”خطى العراف” يمهد لرحلة البحث، ويظهر الثاني ”أوراق العارف” عقدة الدراما/ الرحلة، وفي الثالث تسقط الأقنعة وتتكشف الحقائق بشأن الباحثين عن الخبيئة والطامعين فيها فيتجلى الحل بالسير في ”طريق المعروف”.
الجالس على الكرسي الكبير يأمر ناظر وقف البلد وموظفيه وأجهزة الأمن بالبحث عن الكنز، ولم يفته أن يستدعي ساحرا مغربيا ليفك طلاسم الخبيئة، ويستعين بما يسخر من جان -هكذا تبين الرواية ملمحا ثانيا من ملامح الحاكم- أما ناظر الوقف فيكون أكثر فطنة، فيلجأ إلى أستاذ جامعي يدعى الدكتور “خيري محفوظ” وهو باحث تاريخي مهتم بالمتصوفة وآثارهم، في البدء يشك في الأمر، لكن ما إن يعرف حقيقة مهمته حتى تثور مطامعه وطموحاته في تولي منصب كبير، فإن أفلح في مهمته وحقق حلم الجالس على الكرسي لن يبخل عليه بشيء.
هنا تضيف الرواية ملمحا إضافيا تكتمل به صورة الحاكم، حينما حكى عنه ناظر الأوقاف “رأى في منامه، وهو الذي يصدق ما يحلم به، ويجري خلفه فور استيقاظه، رجلا يرفل في جلباب أبيض واسع، ويمسك عصا بيمناه، ويرفع يسراه نحو السماء البعيدة. كان يمشي على مهل، ثم يقف في أماكن يختارها، ويضرب قدميه في الأرض فتنفلق، وتخرج منها شرائح سميكة وسبائك ومشغولات ذهبية”.
يبدأ خيري محفوظ مهمته بمخاطبة الحاكم عبر رسالة خطية طويلة، تظهر مدى نفاقه وانتهازيته، فهو يصف تكليفه بكتابة سيرة الشيخ “محمد ماضي أبوالعزائم” بالحكاية التي يريد من خلالها التسرية عن الحاكم، ثم يمتدح نفسه وطريقته في كتابة التاريخ، قبل أن يعرض ما يمكنه تقديمه من خدمات “وهي طريقة أتمنى أن تروق لكم، فتتاح لي فرصة تأليف كتب التاريخ لمختلف المراحل التعليمية، أو تأليف كتاب عن حياتكم، فنعمق حب الوطن وحبكم في قلوب الناشئة”.
ولا تنتهي الرسالة قبل أن يبلغ التزلف مداه “وأنتهز هذه الفرصة الثمينة لأبلغ فخامتكم أنني من قرية بدلتا النيل، هي نفسها التي ينتمي إليها جدكم، قبل أن ترحل الأسرة الكريمة إلى القاهرة، ولا أقصد من هذا سوى أن أبين لكم أن هناك جذورا مشتركة بيننا، ربما تلهمني، عن بعد، بما تقصدونه بدقة من كتاب سيرة هذا الرجل الصوفي”.

رحلة العارف

بعد الرسالة تبدأ المهمة، يرحل المؤرخ من القاهرة مقتفيا أثر الشيخ إلى محلة أبوعلي ثم مدينة البرلس ثم يرتحل جنوبا إلى إدفو حيث أول مدرسة عمل بها الشيخ وبعدها الإبراهيمية بالشرقية، فالمنيا، ومنها إلى أسوان فوادي حلفا وسواكن والسودان حيث قضى الشيخ أبوالعزائم سنوات منفاه الإجباري قبل أن يعود إلى أسوان ثم يستقر أخيرا في القاهرة. عبر هذه الرحلة الشاقة تقربنا الرواية من الشيخ أبوالعزائم وأفكاره وأشعاره وآثاره وأيضا كراماته، فتكسب الرواية بعدا معرفيا فوق أبعادها الفنية.
ينتهي المؤرخ من دراسته عن الشيخ أبوالعزائم، فيرفع تقريرا برحلته الطويلة إلى ناظر وقف البلد، لا يتضمن التقرير ما يرغبون فيه، فيكتب مسؤولو أمن السلطة تقريرا مضادا يتهمون فيه المؤرخ بتضليل الجالس على الكرسي الكبير، وتعمد إبعاده عن الكنز.
هنا يتغير كل شيء، فخيري محفوظ الذي رحل من مكان إلى مكان تقصيا لحكايات وأخبار تعينه في الوصول إلى الكنز، رأى تغيّر الأحوال، ولاحظ “حُمَّى نبش المقابر، وحفر الأرض، بحثاً عن المخبوء في باطنها”، ينبش هو في داخله فيتغير، وتلك رحلته الأهم المطمورة تحت ركام الرحلة المكلف بها، يتخلص على إثرها من مطامعه، ويكتشف أن كنزه في قلبه، والرحلة بمشاقها وبالمحنة التي أعقبتها لم تكن إلا ثمنا لوصوله إلى ذاته ليكون كما هو ”خيري” و”محفوظ”.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى