إبراهيم عبد المجيد - عطر جار النبي.. الحلو...

أظنه كان عام 1970 أو 1971 وكنت كالعادة أمر علي محطة الرمل أتابع آخر اصدارات الكتب. أشتري أو أستعير. أجل. كان بعض الباعة يعيرون الكتب للقراء نظير قروش قليلة. كان الوقت مغرب. ورأيت أمامي ثلاثة كتاب من المحلة الكبري ,محمد المنسي قنديل وجار النبي الحلو وسعيد الكفراوي. لا أذكر كيف تعرفنا علي بعضنا. لم نكن قد التقينا من قبل ولكن كان كل منا يعرف الآخر من خلال مانشرناه من قصص قصيرة قليلة العدد في المجلات المشهورة ذلك الوقت مثل الطليعة والهلال ومجلة المجلة.
كان اللقاء جميلا وأذكر انني رأيتهم سعداء جدًا فهم وسط الضوء والاتساع وفي الإسكندرية. بعد ذلك توطدت العلاقة بيننا. ووفدت إلي القاهرة نهائيا عام 1974 وكان المنسي قنديل قد سبقني وسعيد الكفراوي وعدد آخر من كتاب المحلة مثل الشاعر فريد أبوسعدة. صار سهلا لقاء الأدباء علي مقهي ريش أو البستان اوغيرهما من المقاهي.حدثت امور كثيرة لكل منا وتفرقنا في البلاد وعاد بعضنا لكن المهم اننا حافظنا علي الحب الجميل الذي نشأ بيننا كجيل واحد يحمل هموما واحدة وقادمين تقريبا من بيئات شعبية متشابهة.
أضيف لنا أصدقاء من القاهرة أو وفدوا إليها من بلادهم فلا فرق فهم أدباء لكن جار النبي الحلو ظل في بلده المحلة. لا يبرحها حتي الآن وطبعا لن يفعل.كان اسمه وحده كفيلا أن يجعله في الذاكرة إلي الأبد.ولا أظنه اسما يتكرر في البلاد. لكن قصصه القصيرة حجزت له مكانا مهما بين كتاب هذا الفن الكبار وكان في إحدي الفترات أكثرنا إنتاجا ونشرًا وبالذات في صحيفة المساء الأدبية التي كان يشرف عليها المرحوم الكاتب الكبير عبدالفتاح الجمل.
عصم جار ابتعاده عن القاهرة من ضوضائها ومؤامراتها وإن كان دائما ابن خندق اليساريين الحالمين بتغيير العالم مثل كل أبناء ذلك الجيل. وميزت جار بيننا ضحكة عالية مندهشة ومدهشة لا تعترف بالمدينة إذ لا يضحكها الا ابن الخلاء الريفي. وكان دائم الفخر بأصدقائه.
وكما حدث للكثير منا انشغل بسبب الحياة وتكاليفها بالكتابة في أجناس أخري من الفن مثل أدب الأطفال والكتابة التليفزيونية للأطفال. حوالي تسعة مسلسلات وخمسة كتب فضلا عن النشر في المجلات العربية والمصرية.
ونال جار النبي كثيرا من الجوائز علي إبداعه في ادب الطفل. وخلال ذلك أيضا كتب أكثر من خمس مجموعات قصصية وثلاث روايات.لغة جار في كل أعماله فيها احتفاء بالحياة وحب من فيها حتي لو أمسكت بالأسي والوحشة حتي تكاد تظنه كاتبا رومانسيا وهو ليس كذلك. فقط ينسال الواقع بين الحروف حاملا روح الشخصيات الحلوة والمعذبة.
لماذا هذا الحديث كله؟ لأنه صديقي الجميل؟ أجل. فجار بالنسبة لجميع من عرفوه زائر خفيف وروح فياضة بالمحبة والغفران.لكن ايضا لانه أصدر رواية جديدة عن دار المحروسة عنوانها "عطر قديم". لماذا العطر القديم؟ لأنه يحكي لنا سيرة بطل من زمان آخر. زمنه هو وزماني وزمن جيلنا كله الذي كان كلما اجتهد لتغيير الحياة إلي الأفضل من حوله كلما نجح الخصوم في الرجوع بها إلي الوراء. يحكي جار رحلة البطل وأهله وأصحابه بين القرية والقاهرة والإسكندرية والعلمين وغيرها مع الآخرين عبر زمان قد يقفز بك إلي الحرب العالمية الأولي خطفا.
كما يأتي بك إلي الستينيات والهزيمة والسبعينيات والنصر وكثير كثير مما أحس به جيلنا وفر من يده حلوا أومرا. عطر قديم هو لكنه باق لأنها رحلة إلي الخسارة قدم فيها المحبون للمكان والوطن أجمل مشاعرهم. ولغة الحكي عند جار لا تتركك لأنها إذا أوجزت اجملت وإذا استفاضت لا تبوح إلا بما هو داخل الروح دون أن يعلن لك جار رأيه مباشرا أو واضحا في هذا العبث الذي تحركنا وتحرك فيه بطل الرواية وشخوصها.
طبعا يمكن للنقاد أن يقولوا إنها رواية سيرة. والحقيقة انك قد تعرف شخصيات بعينها مثل الشاعر فريد الذي هو في الغالب فريد أبوسعدة ومثل الكاتب عبدالفتاح الذي هو المرحوم عبدالفتاح الجمل لكن هل يعرف القارئ البعيد. لا أظن ؟ إذن نبتعد عن القول بالسيرة هنا ونقر بأنها رواية جميلة تمسك بشخصيات خيرة تنجح أو تخسر وتمسك بزمن جميل رغم انه لم يواتها أبدا. جميل ليس لأن هناك نوستالجيا عندي.
جميل لأن الكاتب كتبه ببراعة وتكثيف فني راق. أهنئ صديقي ولم لا فهو كاتب كبير, جار النبي الحلو بهذا العمل الذي قرأته في ساعتين أو أكثر قليلا. لم يتركني ولم اتركه وأشكره أن نثر كل هذا العطر الجميل بيننا في الحياة والكتابة.
هذه الأحجار في الطريق!
في قانون المرور الجديد الذي يبدو أنه لم يستخدم أبدا نصاً قوياً علي عقاب من يضع الأحجار أو غيرها أمام المحلات أو البيوت ليمنع وقوف السيارات.لاحظت أن هذه الظاهرة قد ازدادت جدا بعد هذا القانون. ازدادت بشكل مجنون وعلي من لا يصدق أن يمشي في الشوارع الجانبية الواسعة والضيقة بين شارعي الهرم وفيصل وعلي الناحية الأخري من فيصل.لا اندهش من وجود الحجارة. اندهش فقط من زيادتها جداً بعد هذا القانون.


إبراهيم عبدالمجيد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى