محمد اليعقابي ـ جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث

هذا الكتاب لا يدخل ضمن سلسلة الكتب التي نشرها طرابيشي تحت عنوان "نقد نقد العقل العربي" لأنه لا يرد مباشرة على الجابري، كما هو شأن الكتب الأربعة للسلسلة المذكورة. إلا أنه يرد على الأطروحة الجابرية التي تزعم أن سبب انحطاط الثقافة العربية الاسلامية خارجي (العقل المستقيل ذو الجذور الغنوصية الخارجية)، مدافعا على أطروحة معاكسة ترجع الانحطاط إلى عوامل داخلية.

يضم الكتاب (في طبعته الثانية) ثمانية فصول.

الفصل الأول: "الله والرسول: الشارع والمشرع له"

الفكرة الموجهة لهذا الفصل ملخصة في مقدمته: "القرآن خطاب قبل أن يكون نصا. وكما في كل خطاب، هناك مخاطِب ومخاطَب. وإذا كان الله هو الذي ينفرد باحتلال موقع اسم الفاعل في الخطاب القرآني، فإن موقع اسم المفعول يعود حصرا إلى الرسول. وحتى عندمايتوجه هذا الخطاب إلى عامة الناس، لا إلى الرسول حصرا، فإنما يتوجه إليهم عن طريق الذات الإلهية وبلسان حالها. فالله هو القائل دوما، والرسول هو المأمور بالقول. وكلمة "قل" الموجهة من الله إلى رسوله تتكرر في القرآن 311 مرة. وفي إحدى عشرة آية يؤكد القائل ويعيد التوكيد بأنه ما على المأمور إلا البلاغ المبين. بل أن صيغة "ما على الرسول إلا البلاغ المبين" تتكرر حرفيا في ثلاث آيات. وهذه الوظيفة الابلاغية الحصرية، الموكلة إلى الرسول، تندرج أصلا في سياق تقليد نبوي سابق يتمثل بنوح وهود ولوط وشعيب وجملة الرسل الذين يميزهم الخطاب القرآني بعض التمييز عن الأنبياء بقدر ما يحصر وظيفتهم في الإبلاغ: "فهل على الرسول إلا البلاغ المبين" (النحل: 35)

"ولعل هذا التمييز يسري مفعوله على الرسول نفسه. فبقدر ما يميز الخطاب القرآني بين النبي والرسول، وبقدر ما يجعل نصاب الأول المجزة ونصاب الثاني الرسالة، فإنه يسمي محمدا في عشرا ت الآيات "رسول الله"، ولا يسميه في آية واحدة "نبي الله". (ص 9) (ويزيد في الهامش: "ولعل هذا ما يفسر أن الرسول كان، خلافا لسائر الأنبياء، نبيا بلا معجزة" (ص 10)

"والواقع أن جدلية المخاطٌب (بالكسر) والمخاطب (بالفتح) في الخطب القرآني هي جدلية من طرف واحد، الآمر فيها مطلق الحرية والمأمور مطلق العبودية، من دون أي هامش للمناورة." (ص 10) لكن الرسول ليس خاسرا في هذه العلاقة بل رابح لأن "مصداقيته كرسول رهن بذلك. فلأنه "ما ينطق عن الهوى"، فقد ضمن لنفسه نصاب الرسولية، وربح رهانه كنبي بشر لم يؤت ما أوتيه سواه من الأنبياء من برهان المعجزة، خلا القرآن نفسه من حيث هو "كلام الله"، أو بعبارة أكثر مطابقة للنص القرآني نفسه: "وحي من الله". (ص 10)

واستقراء الآيات القرآنية يبين "أن الرسول مكفوف اليد من الناحية التشريعية، فضلا عن أنه معطل عن الإرادة الذاتية، منهى عن المبادرة، ومطالب بالخضوع التام من حيث هو مرسل (بالفتح) للمشيئة الإلهية المرسلة (بالكسر)، وهذا تحت طائلة العقاب." (ص 11)

ويمكن تصنيف هذه الآيات إلى:

آيات تقصر وظيفة الرسول على تبليغ الرسالة وتؤنبه وتتوعده بقطع الوحي عنه وبمضاعفة عذابه في الدنيا والآخرة إن هو كتم شيئا من القرآن أو زاد فيه أو بدل أو تقول (بفتح وتشديد القاف) من عنده. (ص 11)

آيات تحذر الرسول من استباق القرآن أو استعجال الوحي أو مجرد التمني فيه. (ص 14)

آيات يعلق الرسول الحكم بصددها بانتظار نزول الوحي. (ص 19)

آيات تتدخل في الحياة الخاصة للرسول وتحدد له ما هو مباح أو محرم حتى في علاقاته الزوجية ورغائب نفسه الجنسية. (ص 43)

أما الآيات التي تأمر الناس بإطاعة الرسول، فإنها لا تأمرهم بإطاعته إلا بقدر ما تقرنها بطاعة الله أولا. (ص 70)

"وما يصدق على الشريعة يصدق على السنة. فالرسول مسنون له، وليس سانا، وليس له أصلا أن يكون سانا. فالسنة هي حصرا سنة الله. وفي الوقت الذي تتكرر فيه عبارة سنة الله في القرآن ثماني مرات، فإن ست آيات تتوجه بالخطاب إلى الرسول مباشرة فيما يشبه الإنذار: "فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر: 43). والغائب الكبير في النص القرآني هو تعبير سنة الرسول الذي سيحضر بالمقابل في كتب السيرة والتفسير والفقه والحديث حضورا طاغيا. فكيف حدث هذا التحول من الإسلام القرآني إلى الإسلام السني؟"

"للإجابة على هذا السؤال، لا بد أن نتحول بدورنا من الرسالة إلى التاريخ، علما بأن ما نقصده هنا بالرسالة هو حصرا ما طلب إلى الرسول تبليغه من دون أن يكون له دور آخر سوى الأمانة والإبانة والتبليغ، وما نقصده بالتاريخ هو الكيفية التي قرأ بها البشر الرسالة التي كلف الرسول بتبليغها إياها، وعلى الأخص الكيفية التي تعاملوا بها مع شخص حاملها ليحولوه بدوره ليس فقط من مرسل (بفتح السين) إلى مرسل (بكسره)، بل كذلك من مسنون له إلى سان". ( ص 85)


الفصل الثاني: "من النبي الأمي إلى النبي الأممي"

"هذا التحول من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، أي من الإسلام الذي كان الرسول بموجبه مشرعا (بفتح الراء) له إلى الإسلام الذي صار الرسول بموجبه هو الشارع، يقترن بتحول آخر ذي خطورة لاهوتية وليس فقط تشريعية، هو ذاك الذي أعطى هذا الكتاب عنوانه: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. وقد يكون أول ما ترتب على هذا التحول الخلاف التأويلي الذي نشب حول "أمية" الرسول، وحول المرجعية التي ينبغي اعتمادها في هذا التأويل: أهي إلى القرآن نفسه أم إلى الحديث؟ (ص 89)

والمعجم القرآني واضح كل الوضوح بصدد مدلول صفة "الأمية" التي وردت في القرآن ست مرات (بصيغة المفرد والجمع)، فهي تعني المنتمي إلى أمة لا كتاب لها وليس الذي لا يعرف القراءة والكتابة كما حرف معناها فيما بعد. (ص 89-90)

وهذا التحريف في معنى الأمية صاحبه تغلب لدعوى "الأممية" بمعنى "العالمية" في اللاهوت الإسلامي في سياق التحول التاريخي والجغرافي الكبير من إسلام الرسالة إلى إسلام الفتوحات. رغم أن القرآن ينقض هذه "الأممية" في أربع آيات وكلها بمعنى ان الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة. (ص 90-91) و "من هذا المنطلق الذي قضت المشيئة الإلهية بموجبه ألا يكون البشر أمة واحدة، وأن يكون بالتالي لكل "أمة رسولها" (المؤمنون 44)، جاء دور "الأميين" ليبعث الله "فيهم" و"منهم" رسولا يؤسسهم بدورهم، ولو بعد طول تأخير، أمة كتابية". (ص 91) "ومن هذا المنطلق عينه، الذي يفترض بمقتضاه أن يكون لكل "أمة رسولها"، وبالتالي "كتابها"، تكتسي عروبة القرآن كامل دلالتها. فالله، مرسل الرسل، هو نفسه من يسن اللغة قاعدة مطلقة لتوصيل الرسالة: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" (إبراهيم:4) (ص 91)

"ونحن نحوز من داخل النص القرآني على قرينة إضافية تعزز فرضيتنا على الحصر اللغوي للرسالة باللسان العربي، وعن حصرها الجغرافي ب "أم القرى ومن حولها" من الناطقين بذلك اللسان. فسورة الروم، التي تنفرد عن غيرها من سور القرآن بالإشارة إلى حدث "جيوبوليتيكي" معاصر زمنيا للرسالة ومفارق لها مكانيا، تفتتح بالآيات الست التالية: "ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

وسبب نزول هذه الآيات أن كفار مكة فرحوا وشمتوا لانتصار الفرس على الروم، فخرج لهم أبو بكر قائلا: "أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟ فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فو الله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا" (الطبري، جامع البيان، ج 20، ص 69) (ص 93)

"إن هذا النص، الذي يتكرر شبيهه في بضع روايات أخرى، لا يدع مجالا للشك في أن حدود الرسالة الكتابية الجديدة كانت تقف – إلى حينه على الأقل – حيث تبدأ حدود الرسالة الكتابية القديمة، وهي بالمناسبة ليست محض حدود دينية، بل هي أيضا حدود لغوية باعتبار أن أهل الشام وما بعدها ما كانوا ينطقون بالعربية". (ص 94)

ولا يجد الذين أرادوا تحويل النبي "الأمي" إلى نبي "أممي" إلا آية واحدة، ضمن مجموع آيات القرآن، يؤيدون بها تأويلهم وهي الآية الثامنة والعشرون من سورة سبأ: "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون". (ص 95) مع العلم أن لكلمة "كافة" تأويل آخر "معناه كافا للناس، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام، والتاء للمبالغة". (ص 98)

أما كلمة الناس التي ترد في القرآن 240 مرة فلا تعني البشرية قاطبة في زمن لم يكن فيه هذا المفهوم قد وجد بعد. (ص 97)

"والواقع أنه في كتب الحديث وليس في القرآن، تم تحويل النبي الأمي المرسل إلى قومه إلى نبي أممي مرسل إلى الأمم قاطبة. ففي رواية على لسان هشيم بن بشير أن النبي محمد قال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". (ص 98)

"وهكذا، إن حديثا لم يكن متداولا ولا معروفا، ولا حتى ذا وجود، وما رواه أحد قبل أن يرويه راويه المنفرد والمشهور بالتدليس (...)، أمكن أن "ينسخ"، أي أن يبطل حكم نحو عشرين آية قرآنية تنص متضافرة على أن لكل أمة رسولها، وعلى أن كل رسول لا يبعث إلا إلى قومه، وعلى أن الرسالة القرآنية التي بعث بها الرسول محمد مشروطة لغويا بعروبة حاملها وبعروبة الأمة المحمولة إليها، وجغرافيا ب "أم القرى ومن حولها" من دون أن يكون أصلا لهذه الرقعة من الأرض من حد آخر سوى عروبة قاطنيها". (ص 100)

و"الإسلام الذي خرج في طور أول إلى الفتوحات حاملا الرسالة القرآنية ارتد بعد الفتوحات، وفي طوره الثاني، نحو نفسه محملا بما سيتم تكريسه تحت اسم السنة النبوية. ففي الصدر الأول، وقبل أن تستقر الفتوحات بعض الاستقرار، لم يكن للإسلام من أهل آخرين سوى أهل القرآن. ولكن بعد أن أتت الفتوحات أكلها، ظهر أهل السنة وانتزعوا الغلبة تدريجيا لأنفسهم ولمصطلحهم، حتى لم يعد تعبير أهل القرآن دارجا في الاستعمال، ولا سيما بعد تكريس الهزيمة النهائية للمعتزلة، الممثلين الأخيرين لأهل القرآن، في القرن الخامس فصاعدا." ( وفي الهامش: "قد نستطيع أن نستثني من هذا الحكم المتصوفة الذين بقوا إلى حد ما قرآنيين، ولكن معزولين في حلقاتهم وزواياهم") (ص 101)

"فالإسلام الذي حُمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه، وما أنزل أصلا برسمهم. وبالمقابل، إن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلام سنة كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته (...) في طبقة متفقهة عاتية النفوذ حبت نفسها، عن طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية وللمدونة الفقهية، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية، بسلطة تشريعية لم يقر بها القرآن للرسول نفسه. وعلى هذا النحو تكون قد نصبت نفسها وسيطة بين الله وبين المؤمنين في كل ما جل ودق من شؤون حياتهم الدينية والدنيوية معا، مع أن أهم ما ميز الإسلام القرآني عن غيره من الديانات المؤسسة لنفسها في بنى كهنوتية وتراتيب كنسية هو إلغاؤه لهذه الوساطة وتأسيسه للعلاقة بين الله والمؤمن في تواصلية مباشرة ليس فيها بين الله كمخاطب (بكسر الطاء) والمؤمن كمخاطب (بالفتح) سوى وسيط واحد هو الرسول بوصفه، حصرا، مبلغ الخطاب ومرسله الإلهي إلى متلقيه البشري." (ص 103)

"وبديهي أيضا (...) أن سيرورة تأسيس السنة هذه، التي تطاولت في الزمن على مدى قرون ثلاثة على الأقل، لا تقبل انفصالا عن سيرورة نشوء الفقه وتطوره فروعا في بادئ الأمر، ثم أصولا. فالفقه ناب في الحضارة الإسلامية كما هو معلوم مناب القانون في الحضارة الرومانية. وفي امبراطورية مترامية الأطراف ومتعددة الأقوام والإثنيات، كإمبراطورية الفتوحات الإسلامية، ما كان للذخيرة المحدودة العدد للغاية من الأحكام القرآنية أن تفي بمتطلبات التشريع القانوني جميعها في مواجهة المستجدات من النوازل. ومن هنا كان من المحتم أن تتراكم، بل أن تتضخم، المدونة الحديثية، وأن تُخلع على السنة أهلية تشريعية تضاهي تلك التي للقرآن (...)". (ص 104)

"ومن الممكن القول على سبيل الختام إن تسييد السنة قد تلاقت فيه مصالح الأوتوقراطية العربية الفاتحة ومصالح النخب والشرائح المثقفة من شعوب البلدان المفتوحة. فالأوتوقراطية ترقى إلى أعلى نصاب لها من المشروعية متى كانت في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه، ثيوقراطية. وهذه الحاكمية الإلهية تجد تتمتها الطبيعية في المحكومية الإلهية. فبالإحالة إلى مصدر إلهي للتشريع تنتفي الحدود، أو تكاد، بين النخب الحاكمة والنخب المحكومة لتتحول العلاقة بين الطرفين إلى شراكة، إن لم يكن بالاسم فعلى صعيد الواقع. ومن هنا فرض نفسه تطوير سنة نبوية إلهية المصدر لا يكون فيها "فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". فليس أرضى لكبرياء المحكومين –إن كان لاسم المفعول هذا معنى – من أن يكونوا محكومين بتشريع إلهي المصدر، ولا سيما إذا كانوا هم الشركاء الرئيسيين في تشريع هذا التشريع. وعلى هذا النحو فحسب نستطيع أن نفهم تلاقي المصالح بين نخب الفاتحين ونخب البلدان المفتوحة في تأميم الرسول العربي. فباستثناء الأقليات الدينية التي لم تتخل عن دينها (...)، فإن العلاقات في الإمبراطورية العربية الإسلامية لم تعد علاقات بين محتل ومحتل، كما هو الشأن في الإمبراطورية الرومانية مثلا. فالإمبراطورية العربية الإسلامية ما عادت تحتاج إلى القوة العسكرية لتستمر في الوجود، بل صارت تتولد ذاتيا، إن جاز التعبير، إلى حد أن الاجتياح المغولي نفسه، على قوته التدميرية الهائلة، انتهى إلى الاندماج بها بدلا من استئصالها. وذلك هو الفارق الكبير في المصير التاريخي بينها وبين الإمبراطورية الرومانية ذات التشريع الوضعي التي تلاشت من الوجود مع تلاشي قونها العسكرية واجتياحها من قبل فرع آخر من فروع المغول: قبائل الهون". (ص 105-106)

"ولكن ما ربحه الوجود العربي الإسلامي على صعيد الاستمرارية التاريخية – رغم الفاصل الطويل الذي مثلته الخلافة العثمانية – خسره على صعيد الانقطاعية الحضارية. فلئن يكن التشريع الإسلامي، الذي عزا إلى نفسه من خلال السنة المنسوبة إلى النبي مصدرا إلهيا قد صان ذلك الوجود وحفظه، فإنه في المقابل قد شله عن التطور بقدر ما جمده في وضعية ثابتة ومكررة لنفسها وعابرة لشروط الزمان والمكان. فتشريع كهذا ما كان له إلا أن يكون حاكما على التاريخ بدلا من أن يكون – كما في مثال التشريع الوضعي – محكوما به. والخروج من حكم التاريخ هو بمثابة خروج من التاريخ نفسه. وربما تكون تلك هي كبرى مفارقات إسلام التاريخ: فنسبته نفسه، على منوال لإسلام الرسالة، إلى مصدر إلهي قد قضى عليه أن يكون إسلاما لا تاريخيا. وهذه اللاتاريخية كانت ولا تزال هي النسخ المغذي للممانعة العربية، على صعيد العقليات والبنى الاجتماعية على الأقل، لآمر الحداثة". (ص 106-107)


الفصل الثالث: مالك بن أنس: هامش من الحرية.(93-179هـ / 711-795م)

"من الممكن تعريف العقل النصي، وهو العقل المميز لجميع الحضارات المتمركزة دائريا على نفسها نظير الحضارة العربية الإسلامية، بأنه العقل الذي يقدم تعقل النصوص على تعقل الواقع، أو يرهن الثاني بالأول. ولكن حتى مثل هذا التعريف ينطوي على تدرجات تتراوح بين عقل اندفاعي ينطلق من النص إلى الوقائع ليكاثر تأويلاته ويغنيها ويطورها، وعقل نكوصي يرتد من الوقائع إلى النص فيفقرها ويعدم فروقها ويلاشي تلاوينها ويفقر، بالضربة نفسها، النص وقابليته للتعدد التأويلي ومطواعيته للتكيف مع شروط الزمان والمكان تبعا للقاعدة الفقهية الشهيرة: تتبدل الأحكام بتبدل الأحوال.

ولا شك في أن العقل الذي يصدر عنه مالك بن أنس هو نموذج مبكر نسبيا لعقل نصي، أي لعقل لم يفقد بعد مرونته الجدلية ولم يتأد به انتماؤه إلى مرجعيته النصية إلى التنكر، كل التنكر، لثقل الواقع.

ولعلنا نستطيع أن نتقدم أكثر في فهم العقل المالكي إذا أجرينا تمييزا بين كيفيتين في اشتغال العقل النصي: عقل يتعقل النصوص وعقل يعقلن النصوص. وهو تمييز قد يقترب أكثر من قابلية الفهم إذا أحلنا إلى التمييز الذي تعتمده اللغة الفرنسية بين العقل المتعقل (بكسر القاف) la raison raisonnante والعقل المعقلن (بكسر اللام) la raison rationalisante. فالعقلنة la rationalisation، أو ما يمكن أن نسميه دفعا للبس بالتبرير أو التخريج العقلاني، سيرورة منطقية ونفسية معا ومن طبيعة مرضية تدعي نصاب المعقولية المسبقة واللامشروطة لكل ما يصدر عن الذات من عمل أو فكر. وبالنظر إلى كون ما يقوم للحضارة العربية الإسلامية مقام الذات هو النص بما هو كذلك، فلنقل إن العقلنة تعني في هذه الحال إعطاء شهادة معقولية مسبقة ومطلقة للنص، واعتباره ينطق بحقيقة واحدة غير قابلة لللإزدواج أو للتناقض، وتكون كل مهمة العقل المعقلن (بكسر اللام) بالتالي أن يبرئ النص من عيوبه المحتملة، وأن يسد نواقصه ويملأ فراغاته، وأن يسوي تضاريسه ويرد مختلفه إلى مؤتلفه، وأن يحذف تناقضاته أو يصهرها في نار العسف التأويلي بحيث يصح الصحيح وينعدم الخطأ وينتفي احتمال التناقض لأن النص، بحكم مصدره الإلهي، أو المقدس في الأحوال جميعا، لا يمكن أن ينطق إلا بحقيقة واحدة هي الحقيقة بألف ولام التعريف، بدون أية قابلية للإزدواج في نصابها على نحو ما قالت الرشدية اللاتينية على سبيل المثال". (ص 111-112)

فمالك "خلافا لمن سيأتي بعده ممن سيسعى بأي ثمن، وبواسطة العقلنة، إلى إغلاق الدوائر، لم يستبعد احتمال وجود تناقض في النصوص، سواء أكانت أحاديث نبوية أم آثار صحابية، بحيث قد تقول الشيء وضده مع احتفاظهما بنصاب الحقيقة. وطبيعي أن إبقاء باب التناقض مفتوحا يمثل بحد ذاته هامشا من الحرية للتعاطي معها. ولئن كان مالك يكتفي في غالب الأحيان بتعليق الحكم، فلنا أن نلاحظ أن موقفه هذا يفتح بدوره هامشا إضافيا للحرية، وإن من منظور العقل النصي دوما. فإبقاء باب التناقض مفتوحا، حتى ولو مع تعليق الحكم، يبقى مفتوحا أيضا باب خيار التأويل، وهو الباب الذي ستسعى إلى إغلاقه آلية العقلنة التي ستفرض نفسها بانتصار متعاظم ابتداء من القرن الثالث الهجري والتي ستنتهي بتكريس واحدية الحقيقة وإلى اعتبار كل خروج عليها أو مماراة فيها – ولو حتى بالتأويل - خروجا عن الصراط المستقيم وتخبطا في زيغ البدعة والضلالة، وحتى الكفر." (ص 112-113)

ويورد طرابيشي عدة أمثلة عن الأبواب التي فتحها مالك، ولم يغلقها، في تناقض النصوص. والتي عرض فيها مواقف متعارضة دون أن يحاول التوفيق بينها ليتجاوز تناقضها. ومن هذه الأبواب: باب النهي أو الترخيص عن استقبال القبلة لبول أو غائط (ص 113). باب مرور أحد بين يدي المصلي (ص 114). باب قبلة الصائم (ص 114). باب النهي عن العزل والرخصة فيه في حال الطلاق (ص 115). باب عدد الرضاعات الموجبة للتحريم (ص 116) ...

ويعلق طرابيشي قائلا: "كان من الممكن أن نعتبر صمت مالك إزاء تعارض النصوص دليلا على عبودية مطلقة لها من منطق القولة الشهيرة القائلة: الاختلاف رحمة للأمة. ولكننا نملك دليلا على العكس: فعلى الرغم من أن العقل الذي الأول الذي يصدر عنه مالك هو العقل النصي، فإن الموطأ، الحافل بنحو ألف نص، يطالعنا بمواقف لا يكتفي فيها مالك بتعليق الحكم، بل يجهر بالمعارضة لمضمونها حتى ولو كانت النصوص منسوبة للطبقة الأولى من الصحابة، بله إلى الرسول نفسه. (ص 119)

ومن الأمثلة التي يسوقها طرابيشي: أنه عكس الحديث المتواتر القائل "من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر، لكنه رزق رزقه الله" يفتي مالك بأن ذلك الصائم يكون أفطر وعليه أن يصوم يوما إضافيا بدلا عنه (ص 121). أو إفتاؤه خلاف الحديث القائل "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات"، فهو يضعف هذا الحديث ويقول: "يؤكل صيده فكيف يكره لعابه؟" (ص 122)

وكان مالك يشكك في مصداقية الكثرة من أهل الحديث. (ص 123)

- مالك، رائدا لمدرسة الرأي

يقول طرابيشي أن كثيرا من الباحثين العرب، ومنهم الجابري، اتبعوا أحمد أمين في خطأه "الابستيمولوجي التأسيسي" الذي وقع فيه في موسوعته فجر الإسلام وضحاه وظهره، إذ يقول بالحرف: "تبلورت مدرسة الحديث وتركزت في مالك وأصحابه في الحجاز، وتبلورت مدرسة الرأي وتركزت في أبي حنيفة وأصحابه في العراق". (ضحى الإسلام، ج2، ص 167) (ص 124-125) (وفي الهامش يذكر أن محمد أبو زهرة حذر من قطعية رأي أحمد أمين)

وفي رأيه "أنه إذا كان لزعامة مدرسة الرأي أن تنسب إلى أحد فإنما إلى مالك بن أنس، وإن ليس حصرا ففي الدرجة الأولى" (ص 125). ويسوق ثلاثة قرائن (ولا يقول أدلة) على كون مدرسة مالك كانت مدرسة رأيية. وتتمثل، أولا، في كون الشافعي عندما تصدى للرد على أصحاب الرأي، لم يرد على أبي حنيفة بقدر ما استهدف مالك ومدرسته الحجازية (ص 125). ثانيا كون ابن قتيبة (213-276 هج) وهو أقدم من أشار إلى معركة أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، قد أدرج مالك في عداد الأولين. ثالثا كون أبرز الشيوخ الذين أخذ عنهم مالك كانوا من أصحاب الرأي، وأشهرهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن الملقب ب "ربيعة الرأي" (ص 126-127)

ومع هذه القرائن يسوق طرابيشي دليلا مستمدا من التحليل الداخلي لمعجم مفردات مالك التي يتواتر فيها: "هذا رأيي"، "أرى"، "لا أرى"، "أحب"، "لا أحب"، "لا بأس"... وقد كان مالك واعيا بأنه "يرى" وبأن ممارسته الرأيية تحتمل الخطأ والصواب. (ص 127-128)

وكانت الممارسة الرأيية عند مالك تكتسي ثلاثة أشكال: القياس والاستحسان والاستصلاح، وإن كانت المفردة المفهومية الوحيدة التي يستعملها هي الاجتهاد (ص 130-135).

- الفقه الافتراضي

"رغم ما كيل للفقه الافتراضي من اتهامات بأنه محض ممارسة مجانية ليس من شأنها سوى تضخيم الاجتهاد الفقهي بلا طائل، فلنا أن نلاحظ أن هامشه المحيطي من الحرية إزاء النص المركزي يبقى أوسع نسبيا، وذلك بقدر ما يتعاطى ليس فقط مع الوقائع التي وقعت، بل كذلك مع الوقائع التي لم تقع والتي يمكن أن تقع، مما يرغمه على إبقاء مسام النص مفتوحة لتنجز بنجاح عملية الهضم التأويلي لها". وبالمقارنة مع الفقه الحنبلي، وكم بالأحرى مع الفقه الظاهري الذي يلتزم الصمت المطبق بعد إنطاق النص، فإن الفقه الافتراضي المالكي يقبل الوصف بأنه فقه متكلم، بل لا يتوقف عن الكلام حتى بعد أن يصمت النص". (...) "وأكثر ما يكون ذلك في المعاملات، لا في العبادات". (ص 138)

- الانعتاق النسبي من سلاسل الاسناد

"رغم أن مالكا كان واحدا من المتقدمين الذين أسسوا آلية الإسناد في رواية الأحاديث النبوية، فإنه لم يقيد نفسه بها كل التقييد، بل ترك لنفسه فسحة من الحرية فيما رواه من مراسيل، أي أحاديث منسوبة إلى النبي ولكنها منقطعة في سلسلة إسنادها بسقوط واحدة من حلقاتها، أو معضلة بسقوط حلقتين، أو حتى مرفوعة مباشرة إلى النبي من دون وساطة أو حلقة". (ص 140)

"إلام نخلص من كل هذا كله؟ هل نريد أن نقول، كما قال ابن حزم، إن الأحاديث التي رواها مالك ضعيفة لأن إسنادها مرسل؟ وهل نجعل بالتالي من قوة الإسناد معيارا لصحة الحديث؟ الواقع أننا نميل إلى افتراض العكس: فإتقان آلية الإسناد في القرن الثالث الهجري فصاعدا لم تكن وظيفته الحقيقية ضمان عدم الكذب على الرسول ووضع حد لظاهرة وضع الحديث، بل على النقيض إتاحة الفرصة للمزيد من الكذب على الرسول وللتمادي في الوضع على لسانه تحت ضمان سلسلة الضامنين. وهذا ما يفسر، فيما يفسر، التضخم المتسارع للمنظومة الحديثية مع إتقان آلية الإسناد في القرن الثالث الهجري..." (ص 143) "والواقع أن العيب الإبستيمولوجي الذي ينخر كل المنظومة الحديثية كما تضخمت في القرن الثالث فصاعدا هو قلب معيار الصحة وإزاحته من المتن إلى السند، فليس الحديث صحيحا أو ضعيفا بمتنه، أي مضمونه، بل هو صحيح أو ضعيف بقوة سنده أو ضعفه، أي بشكل تخريجه...". (ص 144)

ويخرج طرابيشي بخلاصة مفادها أن "السنة بمفهومها المالكي أكثر تعددية، واقل انغلاقية بالتالي، من السنة كما سيفرض مفهومها الشافعي. فمرجعية مالك في السنة نبوية صحابية تابعية. أما عند الشافعي فنبوية خالصة كما سنرى. ولا شك أن بين السنة متعددة الخلايا والسنة أحادية الخلية فارقا في درجة الإلزامية، وبالتالي في درجة المرونة في التأويل والاجتهاد". (ص 171-172)

لكن هذا لا يعني أن مالك استعمل هامش "الحرية" التي كان يستغلها لتعديد مرجعيته التشريعية في اتجاه خدمة المصلحة العامة (كما نقول ونفهم اليوم)، كما قد توهم بذلك مصطلحات "الاستحسان" و"الاستصلاح". فمالك، رغم ابتداعه مبدأ المصالح المرسلة، كان في الواقع متشددا في استنباط الأحكام. ويشير طرابيشي في هامش الصفحة "أن الطبع الفقهي هو عموما – بل ابستيمولوجيا إن صح التعبير – طبع متشدد، ربما خلا الفقه الحنفي في طوره الأول على الأقل". (ص 154)

"وقد تنبه القاضي عياض نفسه إلى ميل مالك للتشدد فأفرد في ترتيب المدارك بابا على حدة جعل عنوانه: "باب شدة مالك في إقامة حدود الله تعالى". وفي هذا الباب ساق اجتهادا لإمام المذاهب خالف فيه بقية أئمة المذاهب الفقهية الأخرى في قولهم بوجوب منح ولي القتيل حق العفو عن قاتله عملا بمقتضى الآية 178 من صورة البقرة: "قال عبد الجبار بن عمر: حضرت مالكا وقد أحضره الوالي في جماعة من أهل العلم، فسألهم عن رجل عدا على أخيه حتى إذا أدركه دفعه في بئر وأخذ رداءه، وأبوا الغلامين حاضران، فقال جماعة من أهل العلم: الخيار للأبوين في العفو أو في القصاص: فقال مالك: أرى أن تضرب عنقه الساعة. فقال الأبوان: أيقتل ابن بالأمس ونفجع في الآخر اليوم؟ نحن أولياء الدم وقد عفونا. فقال الوالي: يا أبا عبد الله (مالك) ليس ثم طالب غيرهما، وقد عفوا. فقال مالك: والله الذي لا إله إلا هو لا تكلمت في العلم أبدا أو تضرب عنقه... فلما رأى الوالي عزمه على السكوت قدم الغلام فضرب عنقه" (ترتيب المدارك، ج2، ص 58-59) (ص 154-155)

(ويعلق طرابيشي في الهامش: "لعل ما أسميناه ب"الطبع الفقهي" المتشدد بطبيعته يتجلى هنا في موقف القاضي عياض نفسه: فهو لم يبد معنيا على الإطلاق بمشاعر الأبوين المفجوعين بالولدين، ولا صور الجمهور الذي حضر ذلك المشهد التراجيدي قد خالجه شيء من ازدواجية المشاعر التي لا بد أن تنتاب – كما في المسرح اليوناني- كل جمهور يحضر عيانيا عرضا دراميا يتصارع فيه منطق العقل ومنطق القلب، القانون المجرد والعاطفة الإنسانية المشخصة، أو حق الله وحق الانسان كما في الشرع الإسلامي نفسه، وإنما كان كل شأن أولئك الناس الذين حضروا ذلك المشهد الحي – لا المعاد بناؤه مسرحيا- وسمعوا ما سمعوا من مرافعات متضادة وعاينوا ما عاينوا من تنفيذ للحكم بضرب عنق الغلام القاتل على مرأى مباشر من الأبوين المفجوعين بالفجيعتين المتواليتين في يوم واحد، كان كل شأنهم أنهم انصرفوا و"قد طابت نفوسهم" كما يقول القاضي عياض لأنهم رأوا مالكا "بر في يمينه إذ كان يُعلم أنه لا يحنث"، واطمأنوا إلى أنه لن ينقطع عن الإفتاء". (ص 155))

الفصل الرابع: الشافعي: تكريس السنة (150-204هـ / 767-820م)

- الحجية الإلهية للسنة

"أول ما يستوقف النظر في رسالة الشافعي، التي تقوم لأصول الفقه – حسب التوصيف الشهير للفخر الرازي - مقام منطق أرسطو لأصول الفلسفة، تكريسها لمعيارية اللغة العربية في فهم الكتاب، أي النص القرآني، بوصفه أصل أصول الفقه. لكن أول ما يستوقف النظر أيضا في موقف صاحب الرسالة مما يكرسه أصلا كبيرا ثانيا بعد الكتاب، أي السنة، هو خروجه هو نفسه على معيارية اللغة العربية. (ص 175)

ويتمثل هذا الخروج في معنى كلمة "الحكمة"، إذ ألبسها الشافعي معنى مخالفا للمعاني التي وردت بها في الآيات القرآنية الواحدة والثلاثين التي ذكرت فيها، فصارت الحكمة تعني السنة و حصرا "سنة رسول الله"(ص 176-177). ومن استقراء هذه الآيات يتضح أن "الكتاب" في القرآن ليس هو القرآن حصرا، كما توحي قراءة الشافعي. فالكتاب لفظ عام يشمل القرآن بكل تأكيد، ولكن أيضا كل ما سبقه إلى النزول. ومن الآيات السبع التي وردت فيها الصيغة الثنائية "الكتاب والحكمة" يتبين أن هذه الصيغة لا تحيل إلى الرسالة المحمدية حصرا، بل إلى الرسالة النبوية عموما ضمن سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين تبدأ بإبراهيم وتمر بعيسى وتنتهي بمحمد. (ص 178-181).

"وفي النص القرآني نفسه لا يرد أي ذكر ل "سنة رسول الله". بل السنة هي حصرا "سنة الله" التي ليس لها "تبديل" أو "تحويل"، أو "سنة الأولين"، أي ما سنه الله لهم وما أنزل بهم من عذاب لكفرهم. وحتى عندما ترد السنة في النص القرآني مضافة إلى "الأولين"، وليس إلى الله، فإنها لا تكون في هذه الحال إضافة فاعلية، بل إضافة مفعولية. فهم للسنة موضوع، لا ذات، مفعول لا فاعل. ف "سنة الأولين"، التي ترد في النص القرآني في أربع آيات، إنما هي السنة التي يمضيها الله فيهم بما يكتبه لهم من عذاب لعدم تصديقهم مرسليه من السلالة الإبراهيمية. وبتعبير القرآن نفسه: إنها "سنة الله التي قد خلت من عباده" (غافر 85). ذلك أنه ليس من نصاب لبشر في القرآن –بمن في ذلك الرسول – غير أن يكون مسنونا له. (...) ومن هنا أصلا الغياب الكبير في القرآن لتعبير "سنة رسول الله"، رغم أن هذا الغياب قد جرى هو نفسه تغييبه في رسالة الشافعي، كما في جميع كتب الأصول والفروع والتفسير." (ص 182-183)

"ولكن رغم وجود متقدمين على الشافعي من "أهل العلم" سبقوه إلى القول بوحي السنة، فإن أقوالهم كانت ستبقى مجرد أقوال متناثرة هنا وهناك لولا أن الشافعي أسسها في جسم نظري متماسك". فالشافعي هو "أول من جعل النصاب الابستيمولوجي للكتاب والسنة واحدا في المرجعية كما في الحجية". (ص 186)

"ولكن لئن يكن الشافعي قد استحق على مجهوده هذا تلقيبه ب"ناصر السنة"، فهذا لا يعني أن مشروعه في "قرأنة" السنة لم يصطدم بأي مقاومة. فبعض معالم هذه المقاومة، التي تمت تصفيتها تصفية نهائية في القرون التالية على إثر هزيمة المعتزلة واكتساح أهل الحديث لكل الساحة الفقهية، نستشفها من كتاب الشافعي نفسه، وتحديدا في "الرسالة" و "الأم" (كتابا الشافعي اللذان أملاهما). وقد صدرت هذه المقاومة عمن يمكن تسميتهم ب "القرآنيين"، وإن كان يصعب تحديد هويتهم بعد محق آثارهم، ونقصد ب "القرآنيين" من اعتبروا الكتاب وحده، دون السنة المستلحقة به، المرجع الوحيد في البيان الإلهي. وقد ضمن الشافعي "كتاب جماع العلم" من "الأم" إشارة صريحة إليهم في معرض الرد عليهم وإثبات حجية السنة في باب أفرده تحت عنوان "باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها" (أي الأحاديث). وهذا نص ما قال:"

"قال لي قائل ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه*: أنت عربي، والقران نزل بلسان من أنت منهم، وأنت أدرى بحفظه، وفيه لله فرائض أنزلها لو شك فيها شاك وقد تلبس عليه القران بحرف منها، استتبته، فإن تاب وإلا قتلته. وقد قال عز وجل في القران: "تبيانا لكل شيء"، فكيف جاز... عندك حديث ترويه عن رجل آخر عن آخر عن آخر، أو حديثين أو ثلاثة، حتى تبلغ به رسول الله (ص)، وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحدا لقيتموه، وقدمتموه في الصدق والحفظ، من أن يغلط وينسى ويخطئ في حديثه، بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم: أخطأ فلان في حديث كذا وفلان في حديث كذا، ووجدتكم تقولون، لو قال رجل لحديث أحللتم به وحرمتم: لم يقل هذا رسول الله (ص)، إنما أخطأتم أو من حدثكم، وكذبتم أو من حدثكم، لم تستتيبوه، ولم تزيدوه على أن تقولوا بئس ما قلت، أفيجوز أن يفرق (بفتح الراء) بين شيء من أحكام القرآن، وظاهره واحد عند سمعه، بخبر من (بفتح الميم) هو كما وصفتم، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعطون بها وتمنعون بها." ("الأم"، ج 7، ص 287) (*في الهامش: يذهب محمد الخضري إلى أن المعنيين بهؤلاء "الأصحاب" المعتزلة، ولكن لا يستبعد أيضا أن يكونوا من الخوارج) (ص 186-81)

وعندما كان الشافعي يصطدم "بأحاديث "صحيحة" على شرطه تنقض دعواه عن المصدر الإلهي للسنة وتؤكد على العكس على بشريتها وبشرية الرسول الصادرة عنه، فإنه لا يعدم وسيلة للالتفاف على مضمونها المناقض، متوسلا إلى ذلك بما سنسميه بالعقل التخريجي"، وهو عقل نمطي يتحكم بكل "الابستيمولوجيا الحديثية" كما سنرى لاحقا مع ابن قتيبة". (ص 189)

ومن بعد الشافعي "لن يعود أي شيء على الصعيد اللاهوتي والمعرفي كما كان من قبله. فالسنة صارت كتابا مع الكتاب وأحيطت بمثل هالة الوحي التي تحيط بالتنزيل. ولعل مثل هذا الانقلاب الـتأليهي في الإسلام لا يجد ما يناظره في تاريخ الأديان سوى الانقلاب الذي شهدته المسيحية في القرن الرابع الميلادي عندما جرى، مع تنصر الإمبراطورية الرومانية، تنصيب المسيح إلها ابنا مشاركا في الجوهر للإله الأب. ولكن مع هذا الفارق: فبدلا من تأليه شخص الرسول، جرى تكريس المصدرية الإلهية لسنته". (ص 195)

- حجية خبر الواحد (منهج المماثلة)

"قد لا نغالي إذا قلنا إن الشافعي لم يكن مؤسسا لعلم أصول الفقه في الإسلام فحسب، بل كان كذلك، وقبل ذلك، مؤسس نظرية المعرفة في الإسلام" (ص 195). "وبالفعل، إن يكن الشافعي قد خصص الشطر الأول من "الرسالة" لتكريس الحجية الإلهية للسنة، فقد خصص الشطر الثاني منها لتكريس الحجية الابستيمولوجية لخبر الواحد من السنة إياها". ولئن يكن الشافعي توسل في إثبات الحجية الإلهية بمنهج المطابقة، اللامشروعة دلاليا ومعجميا، بين الحكمة المنزلة طبقا للنص القرآني وبين السنة الموضوعة على لسان النبي أو المنسوبة إلى فعله، فقد لجأ في إثبات الحجية الابستيمولوجية لهذه السنة إلى منهج لا يقل لا مشروعية هو منهج المماثلة، بل المشابهة التي لا أساس لها سوى القياس الناقص". فمنذ كتاب "الأم"، وفي "باب حكاية قول رد خبر الخاصة"، كان الشافعي أجرى تمرينا أوليا، من منظور نظرية المعرفة، لإثبات حجية خبر الواحد. ولكن ما كان محض "لعثمة" في كتاب "الأم" أخذ شكل تأسيس نظري متكامل في كتاب "الرسالة"، من خلال الباب المطول الذي أفرده في أكثر من ثلاثمئة فقرة تحت عنوان "باب خبر الواحد". (ص 196)

"والحال أن ما يفاجئ قارئ "الرسالة" أن المشروطية التي يضعها الشافعي لقبول الرواية (رواية الواحد) هي أدنى بكثير من المشروطية التي وضعها النص القرآني لقبول الشهادة (أربعة في الزنا؛ اثنين – أو رجل امرأتين-في الأموال والوصية والطلاق وقياسا على ذلك في القصاص وسائر الأقضية) (ص 197)

"والحال أن الشافعي، في الوقت الذي لا يجيز فيه "شهادة شاهد وحده"، يصرح ب "قبول خبر الواحد"، ويعضد تصريحه هذا بالقول: "أقبل في الحديث الواحد والمرأة، ولا أقبل واحدا منهما وحده في الشهادة". "وهكذا يتضح للحال لماذا أصر الشافعي على التبيين لمحاوره الافتراضي التزامه بمبدأ المماثلة لا المقايسة. فلو كان قاس الرواية على الشهادة لكان ملزما بألا يقبل بخبر (...) إلا إذا رواه اثنان". (ص 177-178)

"على أن الأمر لا يقتصر على الكم، بل يطال الكيف. فالتهاون الكمي من جانب الشافعي في مشروطية قبول خبر الواحد، الذي يلزم به الأمة بامتدادها المكاني والزماني في حلالها وحرامها، يقارنه تهاون كيفي". ويتمثل هذا التهاون في قبوله للحديث المرسل والمنقطع. (ص 199)

- ألية الناسخ والمنسوخ

"لا شك أن الشافعي لم يكن أول من تكلم في الناسخ والمنسوخ، ولكنه بلا شك أول من أسسها في آلية قائمة بذاتها" (ص 207). وبتأسيسه لآلية الناسخ والمنسوخ، يكون الشافعي "قد أطلق من قمقمه عفريت التلاعب بالنص القرآني. إذ ليس القائل الإلهي لهذا النص هو من يحدد ما هو الناسخ وما هو المنسوخ من الآيات، بل هو المؤول البشري لهذا النص". (...) "ولسوف نرى أن هذه الآلية لن تشغل مع الأسف إلا لصالح إفقار النص القرآني لا إغنائه، وإغلاقه وتصليبه لا تفتيح مسامه، ولا سيما في العصر الذي سيعمده رجالات النهضة باسم "عصر الانحطاط"". (ص 208)

"ومع ذلك فلنذكر للشافعي أنه، وإن يكن هو المؤسس النظري لآلية الناسخ والمنسوخ، فقد امتنع، أو "لم يجرؤ"، على حد تعبير أحمد بن حنبل، أن يقول أن السنة ناسخة للقرآن، وهو ما لم يتردد الذين سيأتون من بعده على اجترائه كما سنرى". لكن هذه الجرأة تستمد منطلقها من مسلمة الشافعي التي تقول أن السنة موحى بها مثلها مثل الكتاب، "إذ الكل من عند الله" كما سيقول الغزالي. والحال أنه ما دامت السنة، كما الكتاب، من وحي الله، وما دام الوحي ينسخ بعضه بعضا، فلماذا التفريق في المكانة بعد التوحيد في المصدر (...)؟ ولهذا يجوز أن ينسخ الكتاب والسنة بعضهما البعض. (ص 209)

- نسخ القرآن بالسنة

يقول طرابيشي أن المنطلقات النظرية للشافعي تركت المجال مفتوحا لنوع من الانزياح، أو حتى الانزلاق نحو نسخ الكتاب بالسنة عند الانتقال إلى التطبيق. ويقدم شاهدين على ذلك: ويتعلق الشاهد الأول بالوصية للوارث. فالآيتين 180 و 240 من سورة البقرة: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين" – "والذين يتوفون منكم ويذَرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج". فقد حول الشافعي هاتين الآيتين المحكمتين التي يتطابق مدلولهما على منطوقهما إلى آيتين متشابهتين تحتاجان إلى تدخل من خارج النص لتنطقا بدلالة معاكسة لمنطوقهما. وهذا الدخيل هو الحديث القائل: "لا وصية لوارث". (ص210-211)

ويخصص طرابيشي عدة صفحات لمناقشة هذا الحديث. وهذا الحديث لم يدرجه مالك ضمن الأحاديث بل في عداد سنة أهل المدينة. كما أن البخاري ومسلم لم يدرجاه في صحيحيهما. ويصرح الشافعي أنه اعتمد نقل "أهل المغازي" في حين أنهم كانوا موضع تشكيك من قبل أهل الحديث...(ص 211-219)

أما الشاهد الثاني فيتعلق بحكم الزنا. فالشافعي ينسخ الحكم القرآني وهو الجلد بحديث يزعم أن رسول الله قال: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". وهذا الحديث الذي يحتج به الشافعي لنسخ عدة آيات قرآنية، هو نموذج لخبر الواحد. ويخصص طرابيشي ستة وعشرين صفحة لمناقشة هذه المسألة، أهم ما ورد فيها ضعف الأخبار حول حالات الرجم التي يدعى أنها جرت في عصر الرسول، والاستحالة التاريخية لهذه الحالات. (ص 219-247)

- تهميش العقل

"كما يقوم المنطق الأرسطي على مقدمتين كبرى وصغرى، كذلك يمكننا القول إن الابستيمولوجيا الشافعية تقوم على مصادرتين كبرى وصغرى": أما الكبرى فهي التي تقول إن الله "أنزل الكتاب تبيانا لكل شيئ" ("ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ" – النحل 89)، أما الصغرى فهي أشبه ما تكون بالنتيجة المستخلصة من الأولى لزوما: "ليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها". (ص 246-247)

"والشافعي يجعل (بهذا) من القرآن كتاب العلم الكلي" (...) "وبديهي أن ما يحجبه الشافعي عن وعي قارئه هو أن الآية 89 من سورة النحل لا تمت بصلة، من قريب أو بعيد، إلى العلم بالمعنى المعرفي للكلمة. بل إن ما يحجبه عن وعي قارئه هو أن تأويله العلمي لها لا يكتسب ظاهرا من استقامة ومن قوة في الإقناع إلا بقدر ما يفصلها عن سياقها ويعمل فيها مبضع التشطير". ذلك أن عبارة "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ" هي جزء غير قابل للتجزئة من الآية 89 وسابقتها الآية 88: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون" (النحل 88) "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين" (النحل 89). "فالتبيان الذي تتكلم عليه الآية ليس تبيان كل شيئ من أمور الدنيا، بل تبيان كل شيئ من أمور الآخرة والمحاسبة يوم الآخرة" (ص 247-248)

لكن الشافعي لم يكن من السذاجة ليتوهم، وليوهم قارئه، أن النص القرآني يمكن أن يتضمن جميع أحكام النوازل، وهي لا متناهية. وهنا يتدخل دور السنة المؤهلة "لأن تأسر في شبكتها اللامتناهية طولا وعرضا وعمقا كل ما نزل من النوازل وكل ما قد ينزل منها". (ص 249)

وهذا التضخيم لدائرة السنة يقابله تحجيم لدائرة العقل. (ص 251) "والحال أن الشافعي لا يلغي العقل عقليا، بل يستتبعه استتباعا ذليلا للآمر الديني (...)". لقد حصر العقل في دائرة ضيقة من الاستتباع ولم يلغه إلغاء تاما بتأسيسه النظري لآلية القياس، مع التشديد على النعت: النظري لأن القياس كمحض آلية للتخريج الفقهي كان معروفا من قبله (ص 253).

(يستعمل طرابيشي مصطلح العقل التخريجي كعقل يجهل مبدأ التناقض، على عكس العقل الجدلي. فالعقل التخريجي يحاول دائما إيجاد مخرج لتناقض النصوص ولو أنها تقول الشيء وضده. (ص 270).


- وسطية الشافعي؟

"راجت في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة صورة عن الشافعي تكرسه مشرعا للعقل في الإسلام وتعزو الدور الكبير الذي اضطلع به – ولا يزال – في تشكيل إحداثيات هذا العقل إلى الموقع الوسطي، وبالتالي التوفيقي، الذي احتله بين قطبين متقابلين ومتصارعين: أهل الحديث وأهل الرأي. وقد يكون أحمد أمين هو المسؤول الأول عن ترويج هذه الصورة من خلال ما قاله (...) (عن الشافعي)" (ص 260). وتبعه في ذلك أبو زهرة والجابري ونصر حامد أبو زيد (261-262).

وهذه المسلمة "تحجب عن الوعي واقعة الانقلاب اللاهوتي والابستيمولوجي الذي قاده الشافعي كمؤسس ثان للإسلام في "نشأة مستأنفة" حسب التعبير الخلدوني، وتخلع على هذا الانقلاب مشروعية تنفي عنه الصفة الانقلابية بقدر ما تصوره على أنه "جمع" (بسكون الميم) و"توسط" و"توفيق"، وبالتالي مصالحة، بين الفريقين النقيضين" (ص 263).

وما سكت عنه أحمد أمين هو أن الفخر الرازي – أحد مراجعه عن الشافعي -قال: "... أصحاب الشافعي هم الموصوفون حقا بأنهم أصحاب الحديث" (فخر الدين الرازاي، مناقب الإمام الشافعي، ص 389-394) (ص 266)


الفصل الخامس: أبو حنيفة: من الرأي إلى الحديث (80-150هـ / 699-767م)

"لن يكون في المستطاع تحديد معالم مذهب أبي حنيفة بمثل التفصيل والاستيعاب اللذين حددنا بهما معالم مذهب مالك بن أنس والشافعي على التوالي. ذلك أنه – وقد سبقهما بنحو نصف قرن – لم يترك أثرا مكتوبا. وكل ما أثر له عنه لا يعدو أقوالا ساقها تلميذاه أبو يوسف وابن الحسن في كتابين يحمل كلاهما عنوان الآثار، فضلا عن أقوال أخرى مبثوثة في هذا أو ذاك من مؤلفاتهما، كما في كتب المناقب من بعدهما". (في الهامش: يعزى إلى أبي حنيفة كتاب الفقه الأكبر، ولكنه بلا شك منحول عليه. فالكتاب يدخل، مثلا، في سجال مع الأشاعرة، مع أن الأشعري (270-324هج) يفصله عن أبي حنيفة (80-150هج) قرنان من الزمن) (ص 275).

"والحال أن ثمة مسافة، من طبيعة إبستيمولوجية، تبدو لنا فاصلة بين المعلم والتلاميذ. (في الهامش: هذه المسافة، الزمنية أيضا، هي التي أملت علينا تأخير الكلام عن أبي حنيفة إلى ما بعد مالك والشافعي). فيوم "قال" أبو حنيفة، في النصف الأول من القرن الثاني، لم تكن المدونة الحديثية قد تبلورت بعد، ولم تكن الآثار المروية عن النبي أو المتداولة على لسانه قد شقت طريقها من الحجاز إلى العراق متجاوزة المحطة الانتقالية التي كانت تمثلها الشام الأموية. أما في النصف الثاني من القرن الثاني فصاعدا، يوم "كتب" التلاميذ، فكان المسار الجغرافي والابستيمولوجي معا قد انعكس مع سقوط الحاجز الأموي وقيام الدولة العباسية التي في عهدها بدأت تلك الرحلة المعرفية الكبرى التي سميت ب "الرحلة في طلب الحديث". بل أكثر من ذلك: فتلميذا أبي حنيفة بالذات ( أبو يوسف القاضي و محمد بن الحسن الشيباني) كانا من أوائل أولئك الطالبين".... وبالإضافة إلى هذين الصاحبين الكبيرين، كان جل من روى عن أبي حنيفة من تلاميذ تلاميذه هم من أهل الحديث...(ص 276)

وكان أبو حنيفة وأصحابه "مشهورا عنهم أنهم أهل فقه وأهل رأي في الفقه، لا أهل حديث، هذا إن لم يكونوا أهل المخالفة للحديث. وهذه الصفة الرأيية ستظل لاصقة بهم كالوصمة، وسيبقى المتمذهبون بمذهبهم يدفعونها عنهم إلى قرون عدة تالية". (ص 277)

"وإزاء...الحملة الشعواء من "أهل الحديث" على "أهل الرأي" كان طبيعيا أن يتصدى هؤلاء الأخيرون، ولا سيما منهم أصحاب أبي حنيفة النعمان، للرد. وتلك هي المهمة التي سيأخذها على عاتقهم كتبة المناقب الأحناف الذين أنتجوا هذا الضرب من أدب المنافحة بغزارة فاقت في العدد جملة ما كتبه سائر المنافحين عن المذاهب الأخرى. بيد أن أكثر ما يلفت النظر في أدبيات المنافحة الحنفية أنها لم تفلح في الدفاع عن صراطية صاحب المذهب إلا بقدر ما كرست انتصار أهل الحديث، وإلا بقدر ما انضوت بالتالي تحت لواء الانقلاب الحديثي السني الذي فرض نفسه – إذا سمحنا لأنفسنا باستعارة هذا المصطلح من المعجم الحديث – كإيديولوجيا سائدة غير قابلة للتجاوز وللخروج عن مدارها. (ص 281)

"ولنا أن نلاحظ هنا أن هذا الرأي المتبرأ منه ليس أصلا الرأي المطلق، أي رأي النفس سيدة ذاتها، بل هو محض الرأي النسبي والمقيد بالنص والمحصور دوره بالاجتهاد على مستوى الفروع دون الأصول كما حدد أبو حنيفة بنفسه نصابه وشرط اشتغاله عندما قال في نص تستعيده معظم كتب المناقب والمنافحة عن المذهب: "ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله (ص)، ولا مع ما أجمع عليه أصحابه... وما جاوز ذلك فالاجتهاد بالرأي". (ص 290)

وعندما يدعي الجابري أنه "هنا مع أبي حنيفة، ومع أهل الرأي عامة، كان المشرع هو العقل" (تكوين العقل العربي، ص 106)، فإننا "نجد أنفسنا لا أمام مجرد شطحة قلم، بل أمام مغالطة إبستيمولوجية كبرى تمس لا موقف أبي حنيفة وحده من العقل فحسب، بل كذلك وأساسا مشروطية العقل في كبرى موسوعات الثقافة العربية الإسلامية التي هي موسوعة الفقه المتحالف مع الحديث: فالعقل لم يحظ قط، وما كان له أن يحظى أصلا، بنصاب المشرع عند أبي حنيفة ولا عند أي إمام آخر من أئمة الفقه والحديث في الإسلام. بل لعله ما كان ليحظى بهذا النصاب حتى لدى المعتزلة أو الفلاسفة الذين مثلوا السقف الأعلى للعقل في الإسلام. بل ما كان له أن يحظى بمثل ذلك النصاب في أي ثقافة متمحورة حول نص مقدس ونظام معرفي ذي طبيعة دينية. فالشرع ههنا لا يمكن أن يكون أحدا سوى الله منزل النص المقدس. وفيما يخص الإسلام حصرا، وكما كنا رأينا في الفصل الأول، فإن الرسول نفسه كان، قبل التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، مشرعا له لا شارعا. وما كان للعقل، لا قبل هذا التحول ولا بعده، أن يستقل بنفسه بحال: فأعلى نصاب إبستيمولوجي له – إن أقر له به – هو ممارسة فاعليته على هامش النص وبالتبعية للنص من دون أن تكون له من الحرية أكثر من تلك التي تكون لمحيط الدائرة في انئساره إلى مركزها، مهما طال قطره أو قصر." (ص 291)


الفصل السادس: ابن حزم: وثنية النص (384 -456هـ / 994-1064)

"لم يحدث قط في تاريخ الفكر الإسلامي أن أشاد أحد بسؤدد العقل كما أشاد به ابن حزم. ولكن لم يحدث قط (في هذا الفكر) أن أقال أحد العقل كما أقاله ابن حزم. هذه المفارقة هي الأكثر تمييزا لما قد يجوز لنا أن نسميه بمشروع الانقلاب الحزمي الذي بقي بالفعل مجرد مشروع معلق في الفضاء العقلي الإسلامي لم يقيض له أن يتأسس في مذهب له أنصار وأتباع واستمرارية مادية في التاريخ، رغم أنه يتمتع بصلابة مذهبية لم تتمتع بمثلها مذاهب الفقه السنية الأربع المشهورة، المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي، بل الخمسة إذا أضفنا إليها المذهب الشيعي الجعفري" (ص 295).

يجمع دارسو ابن حزم على أنه كان شافعيا قبل أن يتحول إلى المذهب الظاهري. "والواقع أن ابن حزم أخذ عن الشافعي مرتين: مرة عن الشافعي نفسه، وأخرى عن داود الأصفهاني الذي كان هو نفسه شافعيا قبل أن يبادر إلى إرساء اللبنات الأولى للمذهب الظاهري الذي سيعيد ابن حزم تأسيسه فيما يشبه أن يكون – حسب مفردات ابن خلدون – نشأة مستأنفة". (ص 296)

"للوهلة الأولى (...) يبدو ابن حزم وكأنه رائد المذهب العقلي الأكثر جذرية في الإسلام. وهكذا يفتتح كتابه "الإحكام في أصول الأحكام" بباب يعنونه بنفسه "في إثبات حجج العقول"، وفيه يعرض نظرية في المعرفة ذات منزع عقلي خالص، إذ تنكر كل مصدر آخر للمعرفة البدئية سوى العقل، وتسفه كل نظريات المعرفة الأخرى التي تردها إلى الإلهام أو الإمام أو الخبر أو التقليد، وهي النظريات المتداولة كما هو معلوم في الحقل البياني العربي، السني والشيعي على حد سواء". 297)

ويطرح طرابيشي السؤال: "هل نستنتج من ذلك أن ابن حزم كان يصدر عن مذهب عقلي خالص؟" وهذا ما يذهب إليه الجابري.

يرد طرابيشي أنه إذا تتبعنا ابن حزم إلى محطة وصوله، نجد أنه "لم ينطلق لفظا وشكلا من "كونية العقل" إلا ليخلع (...) صفة الكونية على رؤيته الدينية الشديدة الخصوصية. والظاهرية ليست أصلا "مشروعا فكريا فلسفي الأبعاد" بقدر ما هي استعادة للشافعية باتجاه أكثر غلوا في النصية مما ذهب إليه الشافعي نفسه. بل أكثر من ذلك: فلئن يكن الشافعي ترك للعقل، من خلال القياس، فرجة يتسلل منها إلى النص، فلن يكون لابن حزم من هم يبلغ حد الوسواس، كما سنرى، سوى سد تلك الفرجة وإعلان بطلان القياس وكف يد العقل إزاء سلطة النص التي لا يجوز أن تعلو عليها سلطة أخرى". (في الهامش: ليس من قبيل الصدفة أن يكون ابن حزم أطلق على أحد كتبه عنوان: إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل، أي عملية إبطال جميع أشكال تدخل العقل على النص). (ص 299)

"فشروط المعقولية (عند ابن حزم) يستمدها العقل من النص لا من نفسه. فليس من معقول إلا معقول النص حتى وإن يكن من منظور العقل لا معقولا" (ص 300). ف "ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر" (التقريب لحد المنطق، في: رسائل ابن حزم، ج4، ص 303) (ص 301)

- لا معقولية النص

"لا يكتفي ابن حزم بالإعلان عن أن العقل يستمد معقوليته لا من ذاته، بل من النص الذي لا يصح له إدراك بدونه. بل يذهب أبعد من ذلك ليعلن أن النص نفسه قد لا تكون له أي معقولية بمقاييس العقل، وأن هذه اللامعقولية تظل مع ذلك ملزمة للعقل لأنه لا خيار له سوى أن يجعل من لا معقول النص معقوله. والمحاكمة "العقلية" التي يجريها ابن حزم من هذا المنظور مذهلة للعقل حقا (...)". (ص 304) ف "لا حسن إلا ما أمر الله تعالى به، ولا قبيح إلا ما نهى الله تعالى عنه" ليس فقط في الأمور ذات الطابع العرضي كالنهي عن أكل لحم الخنزير، بل كذلك حتى في الأوامر والنواهي ذات الطابع الجوهري مثل الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، ف "الله عز وجل قادر على أن ينسخ التوحيد، وأن يأمر بالتثنية والتثليث وعبادة الأوثان، وأنه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقا، ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا (... )" (الإحكام، ج4، ص 475-476).

- شل فعالية العقل

"انطلاقا من قاعدة استنها ابن حزم لنفسه، ومؤداها أن "الخطاب لا يفهم منه إلا ما قضى لفظه فقط، وأن لكل قضية حكم اسمها فقط، وما عداه فغير محكوم له لا بوفاقها ولا بخلافها" (الإحكام، ج 7، ص 359)، رفض رفضا قاطعا ما يسميه أصحاب القياس ب"دليل الخطاب"، مؤكدا أن "كل خطاب وكل قضية، فإنما تعطيك ما فيها، ولا تعطيك حكما غيرها" (ج 7، ص 323). ومن أشهر ما رفضه من أدلة خطاب القياسيين تأويلهم للآية 23 من سورة الاسراء: "ولا تقل لهما أف". فقد توقف عند لفظ الخطاب، وأبى أن يستخلص، صنيع ما فعلوا، مدلوله الضمني إذ قالوا إن المنع من قول "أف" للوالدين يعني بداهة ودلالة أن "ضربهما أو قتلهما ممنوع، لأنهما أولى من قول: أف". فقد رمى استدلالهم هذا بأنه "شغب" و"تمويه" واستجازة "للكذب على الله"، مؤكدا بقطعية باترة أن "نهي الله تعالى عن أن يقول المرء لوالديه: "أف" ليس نهيا عن الضرب ولا عن القتل ولا عما عدا "الأف" ... فكيف يستجيزون أن ينسبوا إلى الله تعالى الحكم بما يشهدون أنه كذب؟ ونحن نعوذ بالله العظيم من أن نقول: إن نهي الله عز وجل من قول "أف" للوالدين يفهم منه النهي عن الضرب لهما أو القتل أو القذف وأي شيء من ذلك لا يسمى "أف"، فبلا شك يعلم كل ذي مسكة عقل أن النهي عن قول "أف" ليس نهيا عن القتل ولا الضرب ولا القذف، وإنما هو نهي عن قول "أف" فقط" (ج7، ص 373) (ص314)

- إدانة الاجتهاد

"بديهي أن ابن حزم إذ يرفض القياس، وهو بالتعريف اجتهاد للعقل على ضوء نص، فأحرى به أن يرفض الرأي، وهو اجتهاد للعقل على غير ضوء نص ذي صلة مباشرة بالنازلة المطلوب الإفتاء بحكمها. وبالفعل، إن حكم المجتهد برأيه ليس في نظر ابن حزم بأقل من حكم المفتري على الله، بل الكافر المحض. وعدا عن أن الاجتهاد بالرأي "باطل في الديانة" لأنه بمثابة استحداث "شرع في الدين ليس من الدين"، فإنه "باطل في اللغة" وإيقاع للفظ "على غير معناه" لأن الاجتهاد لغة "استفراغ الوسع في طلب حكم النازلة في القرآن والسنة" (الإحكام، ج7، ص 419)، أو هو أيضا طلب الحق في مظانه، ومظان الحق اثنان لا ثالث لهما: "القرآن والسنة" (ج5، ص 79). ومتى حضر القرآن أو السنة بطل الرأي..." (ص 329)

- تعليل نفي التعليل

"لا يكتفي ابن حزم برد مبدأ القياس – وكل ضرب من ضروب الاجتهاد العقلي من استحسان واستصلاح واستدلال بدليل الخطاب – بل يتصدى لتفنيد أساسه الإبستيمولوجي كما يتمثل بمبدأ التعليل" (ص 337).

يفتتح ابن حزم الباب المعنون: "في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين" بعرض مذهب القائلين بالعلل من "المتحذلقين المتأخرين" من أنصار القياس فيقول: "قالت طائفة منهم: إذا نص الله تعالى على أنه جعل شيئا ما سببا لحكم ما، فحيث ما وجد ذلك السبب وجد ذلك الحكم وقالوا: مثال ذلك قول رسول الله (ص) في السمن تقع فيه الفأرة: "فإن كان مائعا فلا تقربوه"، قالوا: فالميعان سبب ألا يقرب، فحيث ما وجد مائع حلت نجاسة فالواجب ألا يقرب" (الإحكام ج8، ص 546) (ص 337). أما بالنسبة لابن حزم فإن "أمر الرسول ب"هرق السمن المائع الذي مات فيه الفأر" لا يجب إلا في "كل سمن مات فيه فأر ولم يجب ذلك في غير السمن الذي مات فيه الفأر (...)" (ج7، ص 469). وهذا الحكم لا يصدق في غير السمن والفأر، فلو سقط فيه جرذون لما كان مأمورا بهرق السمن (ص 338). والأمر كذلك فيما يتعلق بالزكاة، فإنه لا يرى بعدها الاجتماعي ويحصرها في المواد التي ورد ذكرها دون غيرها، كالذرة والأرز والمعادن الخ. (ص 340)

- إنكار السببية

يرى ابن حزم بأن "العلل كلها منفية عن أفعال الله" (الإحكام ج7، ص 566). ولهذا ينكر كل أشكال السببية في تعليل الأحكام، بما فيها السببية التي قدمت النواة الأولى لما يمكن أن نسميه بعلم الاجتماع الفقهي في الإسلام، أي مقاصد الشريعة وقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. فابن حزم، مثلا، ينكر أن المسكر حرم لأنه مسكر (ص 360).

- تصنيم النص

وهذا النص المصنم ليس القرآن وحده بل كل ما جاء بلسان الرسول أو الصحابي أو التابعي. فكل هذه المصادر يضعها ابن حزم في مرتبة واحدة، الأمر الذي يؤدي إلى قرأنة الحديث (ص 370). حتى صار الحديث ينسخ القرآن (ص 382-383) والمشاركة البشرية في القول الإلهي (ص 373).


ويختتم طرابيشي هذا الفصل بخاتمة يمكن اعتبارها خلاصة للكتاب كله:

"ومع هذا التحول الخطير من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث تكتمل أبعاد الانقلاب "الظاهري" الذي دشنه الشافعي واستأنفه ابن حزم فيما يكاد يكون انقلابا على الانقلاب في "نشأة ثانية".

"فالشافعي كما رأينا كان أول من نظر لتحويل الرسول من مشرع له كما بينا في الفصل الأول إلى مشرع. ولكن الشافعي، بعدم إجازته نسخ القرآن بالحديث، كان أوقف سلطة الشارع الثاني، الذي هو الرسول، عند حدود سلطة الشارع الأول الذي هو الله."

أما ابن حزم، فقد تخطى العتبة التي وقف عندها الشافعي في انقلابه ليجيز نسخ القرآن بالحديث وليعطي للتشريع الرسولي عين مكانة الصدارة التي للتشريع الإلهي، بل ربما "أكثر" بحكم الاستحالة العملية لنسخ الحديث بالقرآن."

"بيد أن الانقلاب الحزمي الظاهري، على خطورته هذه، يلابسه انقلاب "باطني" أكثر خطورة بعد".

فابن حزم ، بتوكيده أن "ما رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله (ص) إنما هو حق قد قاله عليه السلام كما هو" (الإحكام، ج1، ص 116)، وبتوكيده أن ما قاله الرسول يكون قد قاله الله لأن الرسول لا يقول شيئا "من تلقاء نفسه"، ولا يقول عندما يقول إلا "من عند الله"، وبتوكيده أنه "لا يحل أن تؤخذ شريعة إلا من الله تعالى: إما من القرآن وإما من نقل ثقات عن رسول الله من طريق الآحاد والتواتر" (المحلى، ج2، المسألة 673)، فهذا كله معناه أن "الثقة" الذي وضع الحديث في الجيل الثاني أو الثالث أو الرابع، أو حتى السادس والسابع في بعض الأحيان، يكون هو من نصب نفسه مشرعا، وإن وضع تشريعه على لسان الرسول، وبالتالي على لسان الله، طبقا للمعادلة الأقنومية الحزمية" (ص 387-388) (وفي الهامش يقول طرابيشي: نبيح لقلمنا هنا أن يقتبس التعبير من اللاهوت المسيحي باعتبار أن "الأقنوم" هو المقولة التخريجية التي اعتمدها هذا اللاهوت للتأكيد على التمسك بالتوحيد رغم القول بالتثليث، وذلك من حيث أن الله واحد وأقانيمه ثلاثة).

"وبهذا المعنى لا يكون الرسول قد تحول من مشرع له إلى مشرع إلا في الظاهر فحسب؛ أما الباطن، أي على صعيد البنية التحتية للصناعة الحديثية، فالعكس هو الصحيح لأن سلسلة "الثقات" تكون هي التي استأثرت عمليا بسلطة التشريع، وهذا في سياق مسار تاريخي للإسلام طغى فيه بعد الشريعة على بعد الديانة."

"ولئن يكن ابن حزم قال: من قاس واجتهد برأيه فقد شرع، ولئن يكن الشافعي قال من قبله: من استحسن فقد شرع، فالأولى أن يقال بالنظر إلى ما آل إليه إسلام التاريخ: أن من شرع هو في واقع الحال من حدث". (ص 388)
الفصل السابع: العقل التخريجي

- المخرج التأويلي: ابن قتيبة (213-276ه/ 828 -889م)

"الشهادة التي تركها لنا ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث ثمينة من منظورات ثلاثة:

أ‌) فهو قد حفظ لنا، من خلال محاولة الرد والتفنيد، شطرا من تراث مُحِق من الوجود ومن ذاكرة الوجود، هو تراث معتزلة القرن الثالث للهجرة.

ب‌) قدم لنا، من خلال كتابه ذاك، نموذجا ناجزا عن الحرب الأيديولوجية التي دارت في القرن الثالث أيضا بين معسكرين: أهل العقل المعتزليين وأهل النقل الحديثيين.

ج‌) قدم لنا، من خلال الكتاب نفسه، أتم نموذج لاشتغال ما أسميناه ونشدد على تسميته بالعقل التخريجي، الذي نستطيع أن نحده بدوره بأنه السقف الأعلى لاشتغال العقل عند أهل النقل" (ص 391).

- ما التخريج؟

"إنه بتعريف ابن قتيبة، وكما يوحي به الاشتقاق اللفظي، "طلب المخرج" (تأويل مختلف الحديث، ص 37). وطلب المخرج ضرب من التحايل على اللفظ باللفظ ليخرج عن معناه الظاهر إلى المعنى الباطن المقصود. في ذلك يقول ابن قتيبة: "إن أحببت أن تعلم كيف يكون طلب المخرج خبرناك بأمثال، فمنها أن رجلا من الخوارج لقي رجلا من الروافض، فقال له: والله لا أفارقك حتى تبرأ من عثمان وعلي أو أقتلك. فقال: أنا والله من علي ومن عثمان بريء فتخلص منه، وإنما أراد، أنا من علي، يريد أن يتولاه، ومن عثمان بريء، فكانت براءته من عثمان وحده" (تأويل...، ص 137).

ولا يكتم ابن قتيبة قارئه أن التخريج لا يعدو في هذه الحال أن يكون ضربا من التورية، أو حتى الكذب. ولكنه لا يتردد في أن يقطع بأن الكذب باللفظ، أو حتى بالمعنى، وهذا حتى عند اليمين، مباح في أحوال معينة. هكذا يقول: "قد رخص في الكذب في الحرب لأنها خدعة، وفي الإصلاح بين الناس، وفي إرضاء الرجل أهله، ورخص له أن يوري في يمينه إلى شيء إذا ظلم وخاف على نفسه، والتورية أن ينوي غير ما نوى مستحلفه كأن كان معسرا أحلفه رجل عند حاكم على حق له عليه، فخاف الحبس، فيقول: والله ما لهذا علي شيء، ويقول في نفسه: يومي هذا، أو يقول: واللاه، يريد اللاهي (من اللهو)، إلا أنه حذف الياء وأبقى الكسرة منها دليلا عليها كما قال الله تعالى: "يا عبادِ الذين آمنوا" (تأويل... ص 36).

ويعلق طرابيشي قائلا: ويكاد كون مباحا لنا (...) لنشير إلى أن ابن قتيبة، في تأسيسه هذا لمشروعية الكذب طلبا للمخرج، يمكن أن يعد أيضا أول مؤسس في الإسلام السني لنزعة كلبية تفك الارتباط بين الأخلاق والإيمان وتعتبر الإيمان وحده ضمانة للخلاص وإن بغير أخلاق. وهو لا يجد حرجا في أن يتحرى عن سند لهذه النزعة اللاأخلاقة في الحديث النبوي نفسه، كما عندما يستشهد بحديث مروي على لسان ابن عباس من أن "رجلا حلف بالله كاذبا فدخل الجنة" مضيفا، على سبيل التأويل التخريجي: "كان يقال لأن تحلف بالله كاذبا خير من أن تحلف بغير الله صادقا" (غريب الحديث، ج2، ص 370).

"وإنما من هذا المنظور الكلبي أباح ابن قتيبة الكذب في بعض الدين حفاظا على بعضه الآخر، مستشهدا في هذا المقام بقولة للمحدث حذيفة بن اليمان: "إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله" (غريب الحديث، ص 33)" (في الهامش: جاء دفاع ابن قتيبة عن هذه المقولة في معرض رده على النظام المعتزلي الذي أكذب العديد من رواة الحديث، ومنهم حذيفة اليمان الذي اشتهر عنه أنه حلف لعثمان بن عفان "على أشياء بالله تعالى أنه ما قالها، وقد سمعوه قالها"، فبرر حلفانه هذا بقوله "إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله").

"ومن هذا المنظور الكلبي رخص ابن قتيبة في الكذب حتى في رواية الأحاديث النبوية والتوهيم في أسانيدها".(ص295-296)

- كيف التخريج؟

في "تأويل مختلف الحديث"، وتحت عنوان "ذكر الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض، والأحاديث التي تخالف عندهم كتاب الله تعالى، والأحاديث التي يدفعها النظر وحجة العقل"، يرد ابن قتيبة على المعتزلة التي تتميز بسمات إبستيمولوجية ثلاثا: أ) فهي قرآنية؛ ب) وهي تقدم حجة العقل؛ ج) وهي تعتبر التناقض الذاتي في الأحاديث دليلا على بطلان حجيتها وعلى كونها موضوعة (ص 399-400). أما الموقف المضاد لابن قتيبة فيمكن تحديده بسمات ثلاث أيضا: أ) فهو حديثي أكثر منه قرآنيا انطلاقا من القولة الشهيرة: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة" (ص 199)؛ ب) وهو يقدم حجة النقل ويستتبع لها حجة العقل؛ ج) وهو يسلم بإمكان وجود تناقض ذاتي في الأحاديث لأنها، كالقرآن نفسه، من "وحي جبريل" (ص 195)؛ وإن وجد فهو محض تناقض ظاهري يتعين حله بالتخريج، وتلك هي أصلا المهمة التي يأخذها على عاتقه في مشروعه التأويلي لمختلف الحديث. (ص 400).

ويورد طرابيشي العديد من الأمثلة التي تبين تلاعب ابن قتيبة بالألفاظ للالتفاف حول تناقضات بعض الأحاديث. كأن يقول: "إن رسول الله (ص) لم يرد بقوله "لأقضين بينكما بكتاب الله" ههنا القرآن، وإنما أراد "لأقضين بينكما بحكم الله تعالى" (أي أن كتاب الله لا يعني القرآن بل حكم الله). ويتعلق الأمر بحديث يزعم أن الرسول حكم بالرجم على امرأة والجلد والتغريب للذي زنى بها. مع العلم أن القرآن لا ينص على الرجم والتغريب (400-401).

وأحيانا يتوخى إنقاذ الحديث من لا معقولية ظاهرة فيه بافتراض وقوع راويه في السهو والغلط أو إسقاط بعض الكلمات (ص 405).


- المخرج التوهيمي: ابن سلامة الطحاوي ( 238 - 321هـ/ 852 – 933)

"لسنا ندري هل كان ابن سلامة الطحاوي أول من صاغ مفهوم "المشكل" بعد أن كان ابن قتيبة سبقه إلى صياغة مفهوم "المختلف"، ولكنه بكل تأكيد أول من أعطى إشكالية تعارض الأحاديث وتناقضها بعدا موسوعيا في سفرين ضخمين هما على التوالي: "شرح معاني الآثار"، ثم "بيان مشكل الآثار" الذي اشتهر باسم "بيان مشكل الحديث". وقد حدد الطحاوي بنفسه لنفسه المهمة التي يأخذها على عاتقه في هذين السفرين بقوله في مستهل ثانيهما: "إني نظرت في الآثار المروية عنه (ص) بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما يسقط معرفتها والعلم بها عن أكبر الناس، فمال قلبي إلى تأويلها وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها ومن استخراج الأحكام التي فيها ومن نفي الإحالات عنها"." (أبو جعفر الطحاوي، بيان مشكل الآثار، ج1، المقدمة) (ص 417)

"وكما هو واضح من هذا التحديد المنهجي الشديد الاقتضاب، فإن القطبين اللذين يدور عليهما شغل الطحاوي هما اكتشاف "الإحالات" في المدونة الحديثية ثم إعمال "آلية التأويل" ل "تبيان مشكلها" و"نفي التضاد عنها" كما سيقول في مقطع لاحق. ولكن لئن يكن ابن قتيبة ما احتاج إلى أن يداور آلية التأويل إلا لينفي التضاد عن نحو مئة حديث، فقد وجد الطحاوي نفسه مطالبا بمداورتها لينفيه عن نيف وستة آلاف من الأحاديث. وهذا التوسع الكمي كان لا بد أن يقابله تهاون كيفي في مداورة الآلية إياها. وبالفعل، وبدلا من التأويل، غالبا ما سيجد الطحاوي نفسه مضطرا إلى ركوب مركب التوهيم والتمويه ليقنع قارئه بأنه قد اهتدى إلى المخرج من ظاهر التعارضات والتناقضات التي باتت ترزح تحت وطأتها المدونة الحديثية المتضخمة، والتي قد تبدو لمن لم يؤت ما أوتيه هو من نفاذ البصيرة والتبحر في "العلم" عصية على كل تخريج أو تسوية". (ص 418)

فمثلا في "باب الماء يقع فيه النجاسة" توجد أحاديث تقول أن هذا الماء نجس وأخرى تدعي العكس. وجواب الطحاوي هو "لما كان ذلك كذلك، وقد أباح لهم النبي (ص) ماءها... استحال عندنا، والله أعلم، أن يكون سؤالهم النبي (ص) عن مائها، وجوابه إياهم في ذلك بما أجابهم، كان والنجاسة في البئر، ولكنه والله أعلم كان بعد أن أخرجت النجاسة من البير، فسألوا النبي (ص) عن ذلك هل تطهر بإخراج النجاسة منها، فلا ينجس ماؤها الذي يطرأ عليها ذلك... فقال لهم النبي (ص) إن الماء لا ينجس، يريد بذلك الماء الذي طرأ عليها بعد إخراج النجاسة منها" (شرح، ج1، ص 12) (ص 421)

- المخرج النسخي: ابن شاهين ( 297 - 385 هـ = 909 - 995 م)

ثم رات النور آلية جديدة في التخريج مع ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ من الحديث"، ومن بعده ابن موسى الحازمي في "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في الآثار". فقد أقر ابن شاهين والحازمي باحتمال وجود التناقض في الحديث فعملا على توظيف آلية مستمدة من علوم القرآن، وهي آلية الناسخ والمنسوخ. لكن مع فارق جوهري وهو أن الناسخ والمنسوخ في القرآن لا يعني إحلال نقيض محل نقيض بل إحلال "مثيل" محل "مثيل". (ص 438-439)

- المخرج الترجيحي: ابن موسى الحازمي (548- 584هج/1153-1188م)

لكن الحازمي يقر بأن آلية الناسخ والمنسوخ صعبة المراس، ويستشهد بالزهري الذي يقول: "أعيى الفقهاء وأعجزهم أن عرفوا ناسخ حديث رسول الله (ص) من منسوخه" (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ص 3). ومصدر المشكلة يكمن في صعوبة التمييز بين السابق واللاحق من الحديث. والحل الذي ارتآه الحازمي لتجاوز هذه العقبة يكمن في الترجيح (الاعتبار، ص 9). إلا أن "وجوه الترجيحات كثيرة"، إذ لا تقل عن الخمسين. وكمثال على معايير الترجيح "كثرة العدد في أحد الجانبين" (أي أن رواة أحد الأحاديث أكثر من رواة الحديث المناقض)؛ أو كون الراوي أعلم وأدين؛ أو عمر الراوي؛ أو المسافة عن الحجاز (قال الشافعي: كل حديث لا يوجد له أصل في حديث الحجازيين واه وإن تداولته الثقات" (الاعتبار، ص 12)... (ص 450-466)

- المخرج التعادلي: عبد الوهاب الشعراني (898-973هج)

استحدث الشعراني آلية أطلق عليها اسم "الميزان"، هدفت هي الأخرى إلى رفع التناقض بين النصوص عن طريق ضرب من الموازنة بين النصين المتناقضين، بحيث يحتل كل منهما مكانه في إحدى دفتي الميزان، وبحيث ينتفي التناقض بينهما ليتحول إلى محض اختلاف في الدرجة بالناقص أو بالزائد، تخفيفا أو تشديدا (ص 467). وبذلك أحال ظاهر التناقض في الأحاديث النبوية إلى باطن من التوافق، ناهيك عن التحول من منطق "الفرق بين الفرق" إلى منطق "الجمع بين الفرق" من منطلق أن "جميع المذاهب متصلة ببحر الشريعة اتصال الأصابع بالكف والظل بالشخص" (الميزان، ص 126) (ص 469).

فمثلا فيما يتعلق بحديث مسلم: "أن رسول الله (ص) كان يغتسل للجنابة قبل أن ينام"، ثم حديث البيهقي عن عائشة: "أن النبي كان ينام على جنب ولا يمس ماء". وهو لا يجد من حل لهذا التناقض بيت الحديثين سوى القول... بأن "الحديث الأول مشدد والثاني مخفف" (الميزان، ص 269) (ص 472).


الفصل الثامن: انتصار أهل الحديث

1) الانقلاب المتوكلي

أخذ الانقلاب المتوكلي أبعادا ثلاثة:

- أولا، بإغلاق المتوكل لملف خلق القرآن وبمنعه الكلام فيه – ومن الكلام أصلا – قد فتح الباب على مصراعيه أمام تسييد السنة. فكون القرآن مخلوقا أو غير مخلوق يبقى في التحليل الأول والأخير إشكالية قرآنية. أضف إلى ذلك أن كل مدار علم الكلام – الذي نهى المتوكل عن الكلام فيه – هو على إشكالية قرآنية. وبصرف النظر عن الانتصار لأهل الحديث الذي يظل من جانب المتوكل فعلا سياسيا في المقام الأول بهدف التقرب من العامة وكسب محبتها، فإن البعد الأخطر في الانقلاب المتوكلي هو البعد الابستيمولوجي إن جاز التعبير. ذلك أنه ابتداء من عصر المتوكل، وعلى مدى العصور الوسطى وصولا إلى عصر النهضة – ربما باستثناء الفاصل البويهي – سجلت الإشكالية القرآنية انكماشا، بل انحسارا كبيرا، لصالح الإشكالية الحديثية. ومن هذا المنظور نستطيع أن نقول إن الانقلاب المتوكلي كان – من دون أن يمثل بداية مطلقة – هو المقدمة للانقلاب الأخطر منه بما لا يقاس من زاوية الإبستيمولوجيا الدينية، أي التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث وتأسيس هذا الأخير في إيديولوجيا سائدة على امتداد تلك القرون العشرة الفاصلة بين عصر المتوكل وعصر النهضة، التي كان فيها الدين هو الشكل الوحيد الممكن للإيديولوجيا.

- ثانيا، إن الانقلاب المتوكلي الذي تجلبب ببعدين طائفي وطوائفي معا، من خلال معاداة الشيعة من داخل الإسلام والنصارى من خارجه، قد أرسى جذورا سوسيولوجة – فضلا عن الأيديولوجية – غير قابلة للاجتثاث ولا للتجاوز لصيرورة التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. ففي المدونة الحديثية وشروحها ستتطور أدبيات المعاداة للشيعة ولأهل الذمة، وسيرتد ذلك على الشروح المتأخرة للقرآن نفسه. وإذا نحينا أهل الذمة جانبا لنبقى داخل الإسلام، فلنا أن نلاحظ أن عملية التسنين، أي تقديم الإسلام الحديثي على الإسلام القرآني، لم تقتصر على أهل السنة وحدهم، بل شارك فيها أيضا الشيعة الذين أعاد فقهاؤهم ومتكلموهم بدورهم تأسيس الإسلام في مدونة حديثية إمامية.

- ثالثا، إن انقلاب المتوكل على السياسة التي اختطها من قبله المأمون والمعتصم والواثق هو في حقيقته انقلاب في المرجعية والعلاقة بين السلطان والرعية فيما يتعلق بالسلطة الدينية. فمع الخلفاء الذين تقدموه، يمكن القول إن الذي فرض نفسه، أو حاولوا فرضه بالأحرى، هو أن الناس لا خيار لها إلا أن تكون على دين ملوكها. ومن هنا كان "تعصبهم" على الرعية حسب تعبير المتوكل نفسه. أما هذا الأخير، فقد "لان" على العكس للرعية وماشاها في دينها. (ص 491-492) (ما يريد طرابيشي قوله هو أن أهل الحديث كانت لهم شعبية أكبر من المتكلمين لدى العامة، لهذا تقرب المتوكل من أهل الحديث محاباة للعامة)

2) ابن حنبل إمام السنة (164-241هـ / 780-855م)

"لئن نسبت إلى أحمد بن حنبل كرامات، بل وحتى معجزات...، فإن أعلى درجة بلغها بعد وفاته من التطويب بحكم ارتباطه العضوي والحصري بالإسلام الحديثي-الفقهي، هي الإمامة. ولكن بما أن الإمامة لفظ مشترك متعدد الدلالات والاستعمالات، فقد أفرد ابن حنبل دون سواه باللقب التطويبي: إمام السنة، وإن يكن احتل مكانه في الوقت نفسه في عداد سائر الصديقين والأبرار والأولياء" (ص 494). يبقى السؤال: "لم وقع الخيار على أحمد بن حنبل لتطويبه دون سواه من ضحايا المحنة (محنة خلق القرآن)، ولا سيما منهم من عذبوا أضعاف عذابه ومن دفعوا حياتهم ثمنا لصمودهم وعدم إجابتهم وتوفوا في السجن في قيودهم نظير ابن حماد والبويطي، وعلى الأخص أحمد بن نصر مصلوب بغداد وسامراء معا؟ والجواب هو أنه "ليس لهذا الإحضار لابن حنبل ولتغييب غيره سوى تعليل واحد: فابن حنبل هو صاحب "المسند"، و"المسند" هو أضخم مدونة للحديث بين سائر مدوناته، وابن حنبل هو الذي كرس المرجعية الحصرية للسنة دون سواها من المرجعيات..." (ص 531).

وقد وضع ابن حنبل، أو وضع باسمه، بيانا اعتقاديا فيه تأسيس نظري للمرجعية الحصرية السنية. ومما جاء فيه: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله (ص)، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والسنة عندنا آثار رسول الله (ص)، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى. ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة، ولم يقبلها ويؤمن لها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه... مثل أحاديث الرؤية كلها وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع، فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفا واحدا...فإننا نسلم لها وإن لم نعلم تفسيرها".

"وانطلاقا من قاعدة تقول "إن الإسناد من الدين"، لم يتردد ابن حنبل في أن يقلب معايير الصحة في الأحاديث. فالحديث إن صح فهو يصح، لا بمضمونه ومنطوقه، بل بإسناده وسلسلة رواته. وفي ذلك يقول الإمام: "نقبل الأحاديث ولا نرد شيئا منها إذا كانت أسانيدها صحيحة" (سير أعلام النبلاء،ج 11، ص 303). (ص 533)

3) مستدركات الحاكم النيسابوري

"لئن يكن "مسند" الإمام أحمد، بزيادات ابنه والقطيعي وغيرهما عليه، قد مثل البيان العملي لسيرورة التضخم المتسارع للحديث، فإن اجتهادات الحاكم النيسابوري، المتوفي سنة 405 ه، يمكن إنزالها بالمقابل منزلة البيان النظري للسيرورة عينها. ذلك أن النيسابوري لم يقتصر فقط على تصحيح (أي جعله صحيحا) ما لم يصححه غيره ممن تقدمه من الأحاديث، بل أرسى أيضا قواعد نظرية لهذا التصحيح، مما فتح الباب على مصراعيه أمام اشتغال آلية جديدة من آليات تضخم الحديث، أسماها هو نفسه بالاستدراك، أي استلحاق صحيحي البخاري ومسلم بآلاف الأحاديث المنزلة منزلتهما من الصحة الافتراضية" (ص 538) . فالحاكم النيسابوري يرى "أنه لا يجوز لأحد بالتالي أن يحكم بأن كل "من لم يخرجاه (البخاري ومسلم) في كتابيهما مجروح أو غير صدق". "ولا يجوز أن "يتوهم متوهم أنه ليس يصح من الحديث إلا ما أخرجه البخاري ومسلم". (ص 539) (هذا يعني أن النيسابوري خفض مستوى المعايير التي التزم بها البخاري ومسلم لتصحيح الأحاديث)

4) الخطيب البغدادي: التنظير لتضخم الحديث

"لم يكن الخطيب البغدادي (توفي 463ه) صاحب مسند أو مستدرك نظير الحاكم النيسابوري، ولم يكن مثله أيضا من أئمة التعديل والجرح، ولكنه كان مثله وأكثر منه نصيرا للحديث ولأصحاب الحديث حتى ليمكننا اعتباره إيديولوجيهم الأول" (ص 553). وما فعله الخطيب البغدادي هو كونه أجاز لنفسه القفز فوق الحواجز العشرة التي يختبر بها الحديث، وهي: العمر واللفظ والدقة والإسناد والذاكرة والسماع والتواتر والتدليس والجرح والتعارض. والحاصل أنه:

- إذا روى محدث "ثقة" أو "مجروح" غير مجمع على جرحه عن تابع من تابعي التابعين، أو ربما عن تابع من تابعي تابعي التابعين، حديثا سمعه منه أو قبسه من كتاب له أو منسوب إليه على سبيل الإجازة،

- وإذا كان تابعي الطبقة الثالثة قد نسي الحديث الذي رواه عنه تابعي الطبقة الرابعة، والذي كان سيبقى منسيا لولا أن رواه التابعي الأخير عمن نسيه،

- وإذا كان تابعي الطبقة الثانية الذي روي عنه الحديث ليس بريئا هو نفسه كل البراءة من التدليس (نظير سفيان الثوري الذي كان "ثقة" ولكن "يروي عن الكذابين"،

- وإذا زاد فيه من عنده زيادة لم يروها غيره،

- وإذا كان تابعي الطبقة الأولى قد روى الحديث مرسلا بلا إسناد،

- وإذا كان الصحابي الذي روي عنه الحديث رواه هو نفسه مرسلا، فرفعه إلى النبي من دون أن يكون سمع منه مباشرة بحكم صغر سنه، ومن دون أن يسمي أيضا الصحابي الأكبر سنا الذي أخذ عنه،

- وإذا كان ذلك الصحابي نفسه قد انفرد وحده برواية ذلك الحديث ولم يشاركه غيره من الصحابة في روايته،

- وإذا كان فوق ذلك كله قد رواه على المعنى، لا على اللفظ،

إذا كان هذا كله، فإن ذلك الحديث لا بد أن ينزل منزلة الصحيح الواجب قبوله والعمل به لأن نصابه من الرواية 'إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله (ص) عن جبريل، وجبريل عن الله عز وجل" (الكفاية، ص 36) (ص 575-576)

5) مجهولات الغزالي (450-505ه/1058-1111م)

أورد الغزالي في "إحياء علوم الدين" قرابة خمسة آلاف حديث، أي ضعف عدد غير المكرر من الأحاديث في كل من الصحيحين، مجردة كلها من أسانيدها ومرفوعة مباشرة إلى الرسول. وقد حاول الحافظ زين الدين العراقي (متوفي 806ه) تخريج أحاديث "الإحياء" لكنه اضطر إلى السكوت عن مخارج العشرات والعشرات من الأحاديث بقوله: " لم أظفر له بأصل" أو "لم أجد له أصلا" (ص 577-579).

6) موضوعات الجوزقاني

مع تضخم المدونة الحديثية ظهرت الحاجة إلى تطهيرها من الخروقات التي تعرضت لها، وهي المهمة التي أخذها على عاتقه الإمام الجوزقاني في "الموضوعات من الأحاديث المرفوعات"، وهي مهمة ظاهرها إبستيمولوجي لتمييز الموضوع من المرفوع، وباطنها إيديولوجي لإعادة شأن السنة وأهلها. (المرفوع من الحديث: ما هو مضاف إلى الرسول سواء كان متصلا في إسناده أم لا، ويقابله الموقوف أي المضاف إلى الصحابي). وعلى هذا النحو يحول الجوزقاني كتابه عن الموضوعات – أو ثلثه الأول على الأقل- إلى ساحة حرب لتصحيح أحاديث أهل السنة ولتكذيب أحاديث أهل الشيعة، أي رميها بأنها موضوعة، مع أن ما فيها من وضع لا يقل ظهورا للعيان عما في الأحاديث "المصححة" من أهل السنة. وبالفعل، إن جميع الأحاديث التي سيوردها الجوزقاني في "باب أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما" ستنقسم لا محالة إلى "صحاح" متى كان بطلها أبا بكر، وإلى "أباطيل" متى كان بطلها علي بن أبي طالب (ص 583-584).

7) موضوعات ابن الجوزي (508-597ه / 1116-1201؟ م)

"في ثقافة مأسورة بقوة إلى نظامها المعرفي مثل الثقافة العربية الإسلامية، ما كان الاختراق الذي مثلته "موضوعات" ابن الجوزي (ت 597ه) مما يستهان به، ولا سيما أنه حدث في القرن السادس، قرن الانغلاق شبه النهائي لذلك النظام. وبالفعل، ومن دون أن ينفلت مصنف "الموضوعات" من إسار الإيديولوجيا الحديثية لعصره، فقد كان على قدر كاف من الجرأة ليفسح مكانا ما للفكر النقدي، وحتى للإبستيمولوجيا بقدر ما يصح تعريفها بأنها معرفة المعرفة. يطالعنا ذلك الاختراق، أول ما يطالعنا، في تشكيك ابن الجوزي في موثوقية آلية الإسناد بما هي كذلك. فخلافا لما ذهب أليه أهل الحديث، ولا سيما الناطق الأول بلسانهم احمد بن حنبل، من أنه "إذا صح الإسناد فقد صح الحديث"، فإن ابن الجوزي يقلب المعادلة ليقول إن صحة الإسناد لا تقطع بصحة الحديث. وليس يتعذر أن يكون الحديث موضوعا وهو صحيح الإسناد وجميع رواته ثقات. وهي ذي محاكمته بحرفها: "ألا ترى أنه لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أن الجمل قد دخل في سم الخياط لما نفعتنا ثقتهم ولا أثرت في خبرهم لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع. وقد يتفق أن رجال الحديث كلهم ثقات والحديث موضوع أو مدلس" (الموضوعات، ج1، ص 106). (ص 597-598)

وسيعمل ابن الجوزي مبدأ المعقولية، أو بالأحرى اللامعقولية، سواء لا معقولية المعنى أو اللفظ أو ظروف السماع. (ص 598-599). كما أنه سيعمل مبدأ السببية الغائية لتفسير الغرض من وضع الأحاديث. ومن هذه الأسباب النزاع على الخلافة وما وضع فيه من أحاديث ينتصر سنيها للخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، وشيعيها للخليفة الراشد الرابع. وقد ساق ابن الجوزي في باب "في فضل أبي بكر الصديق"، والذي ساق فيه خمسة عشر حديثا موضوعا كلها في فضل الخليفة الراشد الأول وأحقيته في الخلافة، بأنه "قد تعصب قوم لا خلاق لهم يدعون التمسك بالسنة فوضعوا لأبي بكر فضائل، وفيهم من قصد معارضة الرافضة بما وضعت لعلي عليه السلام، وكلا الفريقين على خطأ" (الموضوعات، ص 303-304). (ص 600)

كما أدرج في عداد الأحاديث الموضوعة الأحاديث الاستباقية التي تتنبأ بالصيرورة التاريخية والتي هي في الواقع اسقاط ارتجاعي. وكثير منها تبدأ بصيغة: " سيكون في أمتي رجل...". وكثير من هذه الأحاديث وظفت في الصراع بين الفرق أو الخصومات السياسية. (ص 600 وما بعدها)

8) من انتصار الإيديولوجيا الحديثية إلى هزيمة العقل

"الواقع أن أصحاب الحديث ما اكتفوا بتثبيت الحجية التشريعية للسنة إلى جانب القرآن، وحتى قبل القرآن، عن طريق أحاديث تؤكد هذه الحجية، بل غالوا في هذا القياس الدائر حتى أعطوا لأنفسهم الحق، عن طريق أحاديث نسبوها للرسول، في أن يكونوا هم أنفسهم المشرعين. فبالحديث أثبتوا مرجعية الحديث، وبالحديث أثبتوا مرجعيتهم، وبالحديث انتصرا للحديث، وبالحديث انتصروا لأنفسهم في انتصارهم للحديث". (ص 614)

وقد ترتبت عن هذا التقديم المطلق للحديث ثلاث نتائج خطيرة على جدلية التقدم/التأخر الثقافي والحضاري:

- تغييب القرآن: إن لم يكن صريحا فضمنيا، وإن لم يكن منطوقا به فمسكوتا عنه، علما بأن المسكوت عنه قد يكون أشد تحكما بالبنية الابستيمولوجية التحتية من تحكم المنطوق به بالبنية الإيديولوجية الفوقية. والحال أن القرآن يبقى خطابا مفتوحا حتى بعد تقييده بنص ممصحف. والخطاب المفتوح يٌبقي بدوره باب التأويل مفتوحا، والتأويل يقتضي اشتغال العقل وإلا كف عن أن يكون تأويلا ليتقلص إلى محض تصديق. والحال أن التصديق –وليس غير التصديق-هو الفسحة الوحيدة التي تبقيها الإيديولوجية الحديثية المغلقة على نفسها مفتوحة أمام العقل. (ص 619-620)

- تغييب العقل، وتعبيره الأتم عند الإمام أبو المظفر السمعاني (ت 489ه): "إن طريق الدين هو السمع والأثر، وإن طريقة العقل والرجوع إليه وبناء السمعيات عليه مذموم في الشرع ومنهى عنه..." ويترتب على تغييب العقل العداء للفلسفة وعلم الكلام . (ص 620-624)

- القضاء على التعدديات في الإسلام: فمع سيادة الإيديولوجية الحديثية وتسييد الفرقة الناجية، منيت التعددية التي كانت ميزة كبرى للحضارة الإسلامية في القرون الأولى، بهزيمة مثلثة الأبعاد. أولها العلاقة مع الطوائف التي من خارج الإسلام؛ ثانيها العلاقة مع الفرق التي كفرت (الإسماعيلية وغيرها)؛ وثالثها الفرق "الضالة" (المعتزلة) و"الرافضة" (الشيعة). (ص 625-628)

وأدى التدامج بين الفقه والحديث إلى هيمنة إيديولوجية شمولية غير مسبوق إليها في تاريخ الإيديولوجيات لأنها تتدخل في الجزئيات كما في الكليات، ولا تترك مجالا من مجالات الحياة العامة أو الخاصة إلا وتعطي حكمها المسبق فيه، بحيث تحول من يسميه أهل الفقه بالمكلف إلى إنسان آلي لا يختلف عن الانسان الآلي كما خلقه العلم الحديث إلا بكونه يتحرك، لا بالأزرار، بل بالنصوص وأحكام النصوص. (ص 628-629).

والخلاصة: "إن تغييب القرآن وتغييب العقل وتغييب التعددية في الإيديولوجية الحديثية المنتصرة هو المسؤول الأول عن أفول العقلانية العربية الإسلامية، وعما قاد إليه هذا الأفول من انغلاق ذهني وحضاري أنهى العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية ليدخلها في ليل الانحطاط الطويل. ونحن لا نجهل أن التفسير بعامل واحد ليس مما يمكن الاكتفاء به في تعليل جدلية التقدم/التأخر الحضاري. ومن دون أن نستبعد من شبكة السببيات في هذه الجدلية أي عامل آخر، فقد قادنا بحثنا إلى التوقف عند العامل العقلي بما هو كذلك. ذلك أن الفرض الذي ننطلق منه وننتهي إليه هو أنه، في حضارات النص المقدس التي تقدم الحضارة العربية الإسلامية نموذجها الأكثر نموذجية، قد يكون العقل أول ما يتقدم كما أول ما يتأخر". (ص 630-631)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى