خليل حمد - فالج لا تعالج: حرب الكورونا وجبهة العنف المجتمعي.

يذكرني الفيسبوك هذا الصباح انني في مثل هذا اليوم من العام الماضي، نشرت تغريدة على صفحتي هذا نصها :
"يا جماعة الحياة صعبة صحيح. فالإنسان يواجه تحديات.. أفراد من العائلة يمرضون والبعض يهرمون وموش دايما بتحصل على الوظيفة او الترقية التي تبحث عنها، لكن الصحيح هو ان المرونة والإيجابية مطلوبة حتى تواجه هالمشاكل والتحديات وتعيش الحياة."
كان هذا في العام الماضي وقبل الهجوم الكوروني اللعين، فماذا نقول عن زمن الكورونا الذي اشتد وقسى وطال وقلب حياتنا رأس على عقب؟ واي صعوبة كنا نتحدث عنها في زمن ما قبل الكورونا، مقارنة بما نحن فيه من وضع كارثي مؤلم ومخيف؟ حتى ان المرض لم يعد مرضا عاديا وانما أصبح كورونا، وباء، وجائحة، بما تحمله هذه الكلمات من مخاطر والم وموت محتمل. فلا وجه شبه ولا مجال للمقارنة بين زمن ومشاكل ما قبل الكورونا، وزمن ومشاكل ما بعد الكورونا. وكانا كنا في الجنة وأصبحنا في نار الكورونا.
والمعروف ان الضغط يولد الانفجار، كما تقول القاعدة الفيزيائية... فماذا نتوقع إذا من هذه الحالة الكارثية التي نتجت عن حرب الكورونا؟
لا شك ان الكورونا وإفرازاتها تمثل بيئة خصبة لنمو مشاعر الخوف، والقلق، والإحباط، والغضب، وما الى ذلك من مشاعر سلبية. وهي مصدر هائل للاضطرابات النفسية، والانحرافات السلوكية. كيف لا ونحن نستشعر ونشاهد المشاكل المجتمعية التي برزت كنتيجة لحرب الكورونا، وتشمل دون حصر، الخوف وفقدان الأمان، والمشاكل الصحية المرتبطة بالعدوى الكورونية، والاغلاقات وانقطاع التواصل، والقلق من تبخر المدخرات وعدم توفر دخل مناسب، والوقوع في متاهات العوز والحاجة بسبب التعثر المالي للاسر زيادة على الصعوبات الاقتصادية. فكيف لا ينعكس كل ذلك على سلوك الافراد في المجتمعات على شكل مظاهر عنف إذا؟!
كما هو معرف فأن العنف يزيد في أوقات الطوارئ، والأزمات، بما فيها، ان لم يكن على رأسها، الأوبئة، فحرب الكورونا لم تقتصر على التهديد المباشر لصحة وحياة الانسان، وانما فتحت جبهات حرب حقيقية من الخوف والقلق في النواحي النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية. ومن الطبيعي توقع افرازات مجنونة لكل هذه الضغوط، قد تترجم الى اعمال عنف مجتمعي، وقد حصل ما هو متوقع والأيام القادمة حبلى بالمزيد.
وكما لاحظنا ولمسنا فقد حصل فعلا زيادة غير معتادة في حالات العنف المرئي تتمثل في جرائم القتل غير المسبوقة هنا وهناك، فما بالك في حالات العنف الذي يتم في الخفاء، وقد يكون ضحاياه من الأطفال والنساء بسبب حالات العزلة والاغلاق التي تكررت وجعلت الاسرة تعيش ظروف قاهرة ومنغلقة وضاغطة.
والابواب مفتوحة للمزيد في ظل استمرار حرب الكورونا، وتبعاتها وما يرتبط بها وينتج عنها من اثار خطيرة وجسيمة في المجالات النفسية والاجتماعية والاقتصادية عدا عن الصحية وغياب الشعور بالأمن والأمان الصحي في ظل عدم وضوح الصورة وتفاقم الوضع الصحي، وانتشار الاخبار عن قرب انهيار النظام الصحي، وعدم وجود اسرة في المستشفيات لاستقبال المرضى الذين يحتاجون للعناية المكثفة، وحالة الإرهاق التي تبدو جليه على الطواقم الطبية.
والمشكلة الأكبر انه لا يبدو ان هناك نهاية لما نحن فيه بل اننا نعيش على مستوى العالم اجمع حالة تخبط وعجز امام العدو الكوروني الشرس، والذي يفتك باعداد ليست قليلة ويتطور ويتمحور مما استدعى عند بعض الدول مزيدا من الاغلاقات التي سيكون لها تبعات اقتصادية ونفسية واجتماعية اشد، وسوف ينتج عنها وللأسف مزيدا من العنف المجتمعي كتحصيل حاصل.
والصحيح وكما تشير التقارير فان العنف المجتمعي ارتفع بشكل هائل في كافة المجتمعات وليس فقط في مجتمعنا المحلي، مما دعا الأمين العام للأمم المتحدة الى الدعوة لوقف إطلاق النار في جبهة العنف المجتمعي، والاسري، معتبرا ان ما يجري من ارتفاع غير مسبوق في العنف المجتمعي اشبه بحالة حرب، تستدعي وقف إطلاق النار، وليس مجرد ظاهرة اجتماعية عنيفة، وعلى اعتبار ان العنف تجاوز بكثير المستويات المعهودة في زمن السلم.
فما العمل إذا؟ هل نستسلم لكل هذه الضغوط النفسية التي افرزتها الكورونا وتبعاتها، ونسقط في متون العنف ايضا؟ هل نترك الموج يجرفنا نحو الجنون، وفقدان السيطرة، وممارسة العنف، او ان نكون ضحايا له؟
علينا ان ندرك أولا بأن الضغط يولد الانفجار، وان الضغوط النفسية التي نتجت عن الجائحة وتباعاتها امر ليس هينا ولا عاديا، وانما هو سبب حقيقي في دفعنا الى ما يشبه الجنون في تصرفاتنا، ويتمثل ذلك في اضطرابات نفسية، قد تدفعنا لارتكاب اعمال عنيفة ليست من طبيعتنا.
وما يجعل الامر أكثر صعوبة عندنا هو غياب الارشاد النفسي بشكل كامل تقريبا، وهو مغيب أصلا حتى في الظروف العادية، فلا تكاد تجد دراسات او تحليلات او وصفات علاجية وارشادية نفسية لحالات اليأس والاضطراب والخوف والكآبة وفقدان الامان الاقتصادي المرتبطة بحالة الحرب التي نعيشها. وكأن خدمات الارشاد النفسي تراجعت في عز الازمة بدلا من ان تتكثف.
وما يزيد الطين بلة هو التباعد الاجتماعي، وحالات العزلة الناتجة عن الاغلاقات وانقطاع العلاقات الحميمية مثل التسليم وحضور المناسبات والحفلات ومشاركة الناس في افراحهم واطراحهم. كما تعطل الى حد بعيد نظام الدعم الاجتماعي بسبب التباعد والخوف من العدوى ومن ذلك الجوامع والنوادي وحتى المقاهي التي لا شك انها كانت امكنة توفر دعم نفسي واجتماعي غير مباشر للناس.
ومن تجربة شخصية كنت أجد نفسي عندما اذهب الى النادي والتقي مع الأصدقاء هناك وامارس الرياضة، قد عُدت الى المنزل وكأنني شخص اخر جديد، غير الذي دخل الى النادي منذ ساعات، وقد تخلصت من الكثير من الكدر والنكد والكآبة، والضغط النفسي، وتحصلت على حالة توازن بفضل وبفعل عمليات التفريغ التي تتم اثناء ممارسة الرياضة. وحتى هذه انقطعت عند معظم الناس خشية من الإصابة في النوادي او بفعل امور الاغلاق القصرية.
رغم كل ما قيل وما يمكن ان يقال في ظل هذه الظروف أرى بأننا يجب ان لا نستسلم للواقع المرير الطارئ. بل علينا ان نحاول استيعاب الضغوط، وإظهار اقصى درجات الوعي والمسؤولية في التعاطي مع تفاصيل الحياة اليومية، وان نتمتع بالمرونة النفسية المطلوبة في مثل هذه الظروف القاسية، وهذه المرونة تتمثل في تقبل الظرف والتعامل معه بعقلانية ووعي، وفي نفس الوقت الاستعاضة عن الحميمة المقطوعة، وانقطاع التواصل الوجاهي من خلال استبداله بالتواصل عبر وسائل الاتصال الاجتماعي. إضافة الى ضرورة احياء طقوس التكافل الاجتماعي التي اعتادها شعبنا اثناء الظروف الصعبة التي اختبرها زمن الانتفاضات ونتج عنها ظروف مشابهه الى ما نحن فيه.
وحيث ان الظروف فرضت واقعا جديدا علينا ان نتقن وبسرعة استخدام وتسخير التكنلوجيا والأدوات التكنولوجية الجديدة التي فرضها الواقع الجديد، وان نتدرب عليها ان كان هناك حاجة للتدريب، وان نتقبل هذا الواقع البديل الذي أصبح لا مفر منه ما دامت ظروف الجائحة قائمة، ذلك طبعا هو العالم الافتراضي، وان لا نظل مشدوهين نقف على اعتاب الحلول وعيوننا شاخصة، او ان نظل عاجزين او مترددين في تسخير التكنولوجيا لمصالحنا، ولتساعدنا على التعامل مع الظروف، وبما يخفف من الأعباء النفسية ويعوضنا عما فقدنا من دعم نفسي واجتماعي كنتيجة للجائحة وافرازاتها.
ولا شك ان شركات التكنولوجيا قد وفرت أدوات لتساعدنا على التعامل مع ظروف الاغلاق والانقطاع عن الناس، وحتى التجارة والحصول على مصدر رزق أصبح متاحا وممكنا عبر الانترنت.
فمثلا صار بإمكان كل شخص يتعامل مع وسائل الاتصال الاجتماعي الامن انشاء غرفة دردشة تمكنه من التواصل الدائم مع الاخرين وتبادل الرأي والتعبير عن مكنونات نفسه واحباطاته، وبالتالي تلقي الدعم النفسي من اقرانه في غرفة الدردشة.
وقد وفر الفيسبوك مثل هذه الغرفة التي يمكن اللجوء اليها وتسخيرها للتواصل الافتراضي والبديل، والتي يمكن ان تكون بديل مهم ومعتبر عن التواصل الوجاهي، حيث يتمكن الشخص من الاتصال مع من يشاء فتحدث عملية تفريغ نفسي ويتحصل الانسان على دعم اجتماعي لا يجوز ان ينقطع او ان يظل غائبا فيودي الى استمرار الضغوط النفسية، وربما تراكمها مما يؤدي الى عواقب غير سليمة، وغير مرغوبة قد تصل الى سلوكيات غير سوية او تنفجر على شكل اعمال عنف.
والمصيبة ان قطاع عريض من المجتمع يمكن ان يكون يتعرض بصمت لمثل حالات العنف هذه وعلى رأسهم شريحتي النساء والأطفال. فما نراه من اعمال عنيفة تهتز لها ابداننا ما هو الى رأس جبل الجليد حسب التعبير الفرويدي والمخفي أعظم وضحاياه يعانون بصمت.
ولا شك ان هناك طرق أخرى عديدة للاتصال والتواصل والمهم ان تتحقق الغاية في التفريغ وتلقي الدعم النفسي والاجتماعي، وان لا يتردد الانسان في طلب المساعدة النفسية في حالة شعوره بضغط هائل قد يأتي على شكل مشاعر كآبة وحزن ومشاعر سلبية أخرى.
كما تعتبر الرياضة والخروج الى الأماكن المفتوحة مثل الطبيعة من العوامل التي تحقق نوع من العلاج والتهدئة النفسية والتفريغ، حيث وكما هو معروف فان الرياضة تعمل على افراز هرمون السعادة في الدماغ، وهو بالتالي ما يجعل المرء عصيا على المشاعر الضاغطة التي قد تقوده لفقدان السيطرة وارتكاب الحماقات العنيفة.
ويعتبر الابداع او التعبير الإبداعي متنفس مهم في حالة الازمات، وغالبا ما تزدهر طرائق التعبير الساخر، فالسخرية من الواقع واحدة من اهم أدوات التغلب على المشاكل والواقع المرير.
وكذلك إيجاد هوايات بديلة تعيننا على قضاء الوقت بشكل ممتع وربما يعود علينا بالنفع الاقتصادي، وهو حتما يعود بالفوائد من النواحي النفسية.
الامر ليس هين، ومن المتوقع ان يكون لحرب الكورنا افرازات عديدة، وقد يتحول الضغط الهائل المصاحب لهذه الظروف الى حالات فقدان سيطرة وعنف مجتمعي. ولكننا لا يجب ابدا ان نستسلم، بل علينا ان نعي خطورة المرحلة على سلوكياتنا وان نتمتع بالمرونة للتعامل مع الواقع ونستخدم لذلك كل الوسائل المتاحة لتظل الأمور تحت السيطرة ويتحقق وقف إطلاق النار في هذه الحرب الشنيعة التي أصبحت تهدد حياتنا إضافة الى التهديد من الكورونا اللعينة.
ولنعلن وقف اطلاق النار فورا ودون مزيد من التأخير.

هذا النص

ملف
خليل حمد
المشاهدات
27
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى