فهد العتيق - إيحائية المكان في روحها الموشومة به لأمل الفاران

تقدمت الكاتبة أمل الفاران بروايتها: روحها الموشومة به، حاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي، بخطوات هادئة وحالمة وعميقة إلى المشهد الأدبي السعودي، وسط سيل من الروايات متباينة المستوى . تقدمت بروايتها نحو أفق خاص واقتراحات جمالية وموضوعية ملفتة . في هذا العمل الروائي لسنا أمام حكاية تقليدية يغلب عليها افتعال الحكايات والأساطير، نحن أمام حالة نفسية طويلة وهموم حقيقية لأناس يعانون، والفن عند أمل يقدم هذه الحالات وهذه الهموم بلغة عالية وفن رفيع ، نحن إزاء بساطة وعمق في حركة المعاني، معاني مخاتلة وإيحائية تحرك شغف الكشف ورغبة التأويل، برؤية سردية حارة مليئة بالشجن، لكنها ترسم موقفا واضحا وحادا من خلال طرق أبواب الكثير من القضايا الاجتماعية الهامة، وتحديدا هم المرأة التي تعاني كثيرا وسط عالم شديد المحافظة والقسوة أحيانا. ولاحظنا هذا منذ كتابها القصصي الممتع : وحدي في البيت . في أعمالها ونصوصها لغة هادئة وفنانة وهموما إنسانية واجتماعية صريحة وجاد. فهي من الكاتبات الجادات والفنانات المهمومات صاحبات القضية في هذا الفن .
في البناء الفني للرواية نلاحظ أن أمل جسدت موضوعها داخل النص بهدوء كبير و بلا عناوين فصول وبلا مقدمات وقد عبرت الرواية عن ذاتها التي ترتكز على انكسار الحلم لدى البطلة, وتسعى البطلة على طول خط الرواية غير المستقيم, أن تجد تفسيرا للكثير من أحلام المنام التي دوخت رأسها وأربكت حياتها, سالكة الكثير من الخطوط الصغيرة التي تبعثرت داخل النص وشكلت جوهر موضوعه, وكان من بين هذه الخطوط المتفرعة طبيبتها وبعض صديقاتها لكي يساعدنها في البحث عن إجابات, وفي قيادة دفة النص بهذا الشكل ألحلمي الذي يحيل بدوره إلى الظروف الواقعية المؤلمة التي عايشتها البطلة مع زوجها ومع المجتمع الصغير إلي تعيش فيه, ومع الظروف الموضوعية المتناقضة التي أربكت روحها كثيرا, وإذا كانت الرواية ترتكز على شخصية واحدة فان هناك في النص العديد من الشخصيات التي أثرت النص بحياتها وظروفها المختلفة, كما إن انشطار شخصية البطلة إلى شخصيات أخرى أحيانا ما بين الحلم واليقظة أضفى أبعادا نفسية ثرية للنص, بالإضافة إلى تشظي الكثير من الأحداث الصغيرة داخل الرواية, فانطلقت الكثير من الأفكار والرؤى الأدبية والاجتماعية الهامة من عقال النص.
تبدأ الرواية بحالات ذهنية ترسم صورا متداخلة ومتقاطعة، وأحلاما تخرج من اللاوعي لتشكل أرضية الرواية، لكن هذه الأحلام تقع في المنطقة الوسطى، ما بين الهلوسة وبين واقع حقيقي، يتحول في كثير من اللحظات إلى واقع مشوش غير واضح المعالم:
(هذا حلم مهم جدا يا وسمية، الحلم الذي لست من أبطاله ولا تكونين حاضرة فيه حلم من أعلى طبقات الروح).
لكن ثمار الحلم لم تنضج بعد، الأحلام ليست كاملة لأنه يفترض أن تخفض رأسها حين تمر الريح، لهذا تحب والدها وتكره انتقاده لسلوكياتها الصادمة للسلطة أيا كان نوع هذه السلطة، مع حنين دائم إلى المرأة الصغيرة التي كانتها في طفولتها:
(في الليلة التي سبقت مجيئنا للرياض كنت أرتب أوراقا قديمة، بينها وجدت ظرفا ما إن تناولته حتى سقطت منه طفلة لم تتجاوز عامها الأول، عيناها المدورتان المفتوحتان بدهشة بيضاء استدارة وجهها الشعيرات الخفيفة المسدلة على رأسها محاولة بجهد خارق ملامسة حواجبها الكثيفة، ثغرها المرسومة عليه كلمة خاتلتها الكاميرا فالتقطت لها الصورة قبل أن تنطقها، كلها أثارت في حنينا لها لا يوصف. كانت تلك وسمية المطمورة تحت أنقاض الروح أريد أن أخرجها).
رواية مكان أسرية بامتياز أو لنقل رواية البيوت المتجاورة و المجتمع الصغير الذي يعبر عن المجتمع الكبير, إذ نلاحظ حضورا كبيرا لأفراد الأسرة, من أسرة بطلة النص, والدها, ولدتها, شقيقاها سعود وماجد, صديقتها علياء, زوجها السابق الذي كان مثل وشم لم تستطع التخلص منه, خطيبها الجديد الذي كان مثقفا غير حقيقي, ثم طبيبتها التي كانت مثل أستاذة تحاول أن تقارب أحلامها, ولهذا لم يكن هناك مجال لاختراع حكاية تبني عليها أرضية روايتها, باعتبار أن الفنان الحقيقي لا يخترع الحكايات, بل أنه ذاته حكاية صادقة وجميلة, ولهذا يمكن القول أن الصدق الفني هو ما يجعلك تواصل المسيرة مع هذا النص الجاد والمهموم إلى ما لا نهاية, فهذا الواقع المتناقض والصادم لمشاعر البطلة بزيفه وعنفه والذي قررت البطلة مواجهته بالأحلام ليس لكي تسلي ذاتها المكسورة, ولكن لكي تكشفه وتعريه, يوازيه واقع أخر متخيل, وأحيانا يتم استدعاءه من منطقة بعيدة في الحلم, ربما من أجل محاولة فهم ما يدور حولها, والذي هو محصلة وعي اجتماعي متواضع, تولد عنه هذا الواقع الشرس : (أريد أن أرفض لأن فكرة الأكل ألان تبعث على الغثيان، كنت أضعف من أن ارفض، واوهن من أن استجيب وأكل، فتحت فمي وتركته لها تحشوه بما تشاء).
لكن يمكن ملاحظة تكرر بعض العبارات غير المقنعة فنيا، على طريقة: (وأنا اصفعني بسؤالي: كيف لم تعلمني الأيام) . كلمات مثل، أصفعني، انشغالي بي، انسلخ مني، وجدتها نغمات ضعيفة داخل النص، بالإضافة إلى بعض العبارات الشعرية الطويلة، وجدتها مقصودة ولم تكن بمستوى عفوية النص. فالبطلة التي كسرتها تناقضات وشراسة واقع شديد القسوة، تلجأ للكتابة كخيار روحي ونفسي، ولمحاولة فهم حالتها تستدعي أيضا قراءاتها في الأدب، وحتى حكاية جورب راسكولينكوف بطل رواية الجريمة والعقاب للأديب الروسي الشهير ديستويفسكي, أشاعت جوا مخيفا في الرواية حين فكرت البطلة في القتل, لكنها في النهاية تقرر التركيز على ابنها لرعايته, سعيدة ببعض نتائج ها الفعل , الذي أضفى جانبا إنسانيا كبيرا للنص .

هذا النص

ملف
فهد العتيق
المشاهدات
49
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى