رشا الفوال - الكتابة الشذرية وتحريف الزمن في مجموعة ”الحور العين تفصص البسلة” للكاتـبة صفاء النجار

أولًا: الكفاية الشخصية وثقافة الصمت

إنطلاقًا من كون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه الإنفصال عن مجتمعه، نرى في قصة “أميبا” كيف أن الفتاة كانت لا تنشغل بقسوة أهلها ولا تفقد ثقتها بالرب الذي منحها جسدًا جميلًا حتى وإن كان وجهها دميم، فتقول الكاتبة عن بطلة قصتها أنها كانت” لا تكترث كثيرا لكلام زوجة أخيها وتدرك بحدسها أن الرب رغم مشاغله يدخر لها عينين تبصران فيها معجزته وتقدر وجهها القبيح وجسدها الكامل” والتي تتزوج أحد الرجال لينتقل(الصراع) بين الذات والموضوع من المسرح الخارجي إلى المسرح الداخلي في نفسها لتعاني من اضطراب العلاقة التي تهدف إلى التوفيق بين حاجاتها النفسية من ناحية وبين الواقع وأبعاده من ناحية أخرى، هنا يتضح(الإغتراب الزواجي) الناتج عن خفض الأفعال الإيجابية وزيادة الأفعال السلبية مع وجود مثيرات منفرة فتقول الكاتبة على لسان البطلة“ في مساءاتها كانت تنسحق تحت كرشه الضخم وتنبعج تحته كقطعة عجين”، فالإغتراب ينشأ نتيجة(وعى) الفرد بــ(ذاته) ككائن متميز، وبالتالي يتم انقسام الذات إلى(فاعل) و(موضوع) لأفعال الآخرين، و(ذات) تناضل وتسعى إلى التحكم في مصيرها، فنجد أنها لم تهتز ثقتها بنفسها وبالجسد الذي باركته يد الرب ونحتته في أبهى صورة، رغم تلقينها الفضائل النسوية كالخضوع والإنقياد لتنسجم أفعالها مع قيم المجتمع الذي يرى في الزواج حصانة اجتماعية وأن بقاء الفتاة دون زواج عورة، فتقول “ وبحدسها الذى لا يخذلها تصوب نظرة الى المرآة فى الوقت المناسب. ثدياها نافران. حلمتهما بارزة دون أثر لرضاعة عامين، بطنها قاع محارة تكتنز لؤلؤها وساقاها ومؤخرتها كما باركتهم يد الرب، ترتجف خلاياها، تخلع جلبابها، تسترجع صورتها، وحدها مع جسدها، يتبادلان حديثا سريا حميما ” ذلك أنه من المفترض أن تتسم العلاقات الحميمة بوجود قدر مرتفع من الإعتماد المتبادل فالمكافآت تعتمد على الأفعال وبالتالي فالإغتراب ينتج عن(الخسارة النفسية) وتكرار التهميش، والفتور العاطفي وعدم اهتمام كل طرف بالآخر وعدم مساندته نفسيًا، إضافة إلى أن (الإحباط) يدفع الفرد إلى إقامة(اتصالًا مشبعًا) بعيدًا عن الموضوع ليلصقه بموضوعات بديلة أو رمزية، فالإحباط والجوع الشديد للحب يؤدي إلى(الذاتوية) والإنسحاب الشديد من العلاقات الإنسانية، فنجد أن المرأة تطبعت على “عدم الإفصاح عن السلوكيات العنيفة للزوج”(1)، تقيدًا بقيم المجتمع السائدة، ذلك أن “درجة الإحساس بالإغتراب تختلف باختلاف الظروف المهيئة له”(2) فنحن هنا أمام أنثى ترفض قيم المجتمع رفضًا يحمل في ثناياه كثيرًا من التمرد، والعجب(النرجسي) بالذات، فالزوجة في حالة (انغلاق) على الذات تسمح لآدم بالخروج من الجنة لأنه لم يتقن محبتها.

نجد أيضًا في قصة “نبوءة” كيف أن سمات شخصية الشريكين تلعب دورًا هامًا في عملية (الإغتراب الزواجي)؛ كأن يكون أحدهما انبساطيًا والآخر انطوائيًا، أو أحدهما منفتحًا والآخر منغلق، فتقول الكاتبة“ لم يفهم أبدا حبها له، كان عاقلا جدا ومنضبطا أكثر من “توقيت جرينتش، وكانت هي سريعة الغضب”، وفي محاولة لفهم أسباب(الإغتراب) المسيطر على بطلة القصة هُنا، تدفعنا أحداث القصة إلى براعة الكاتبة في الإفصاح عن الآلية النفسية المتبعة وهى(الإعتماديةDependency) التي يقصد بها الإعتماد النفسي لشخص على شخص أو أشخاص آخرين لكى يجد التشجيع والطمأنينة والعطف، وهى ناتجة عن سلوكيات محبطة تتسبب في انخفاض القدرة على التعامل مع المواقف بطريقة إيجابية وتزيد من إعتماد الفرد على الآخرين، “وإذا رُبطت نظرة الإنسان للحياة بعلاقة مع شخص فهذا معناه أنه وقع في فخ الإعتمادية والإعتمادية عندما تزيد تصيب الإنسان بالإكتئاب”(3)، فتقول الكاتبة “ مل الحزن من صوتها فقطم حنجرتها وفقأت الوحدة عينيها فاستراحا من نحيبها وبلل دموعها لملاءة السرير التي يتناولان وجبتهما عليها، كان دقيقين في التهامها بما لا يسمح ببقاء أي فتات منها، غير أن نقطة واحدة من دمها فلتت من فم الحزن”،فنجد أن البطلة الوحيدة الحزينة التي تعاني من تجاهل الزوج وقعت في فخ(التعلق الخائف القلقAnxious Ambivalent Attachment) أى أنها أصبحت تنظر لنفسها بشكل سلبي وتنظر للآخر بشكل إيجابي وهذا يعرف بالتعلق (المتناقض وجدانيًا)، وفي قصة ” اكتشاف” نجد الإستمرار في الحياة أيضًا عبر (ثقافة الصمت) الناتج عن(الإحباط) الذي يرتبط بالشعور بالفشل والعجز، وازدياد حالات الكآبة الناجمة عن اليأس الذي ينتاب الفرد تجاه المواقف فتقول البطلة“هل كان عليها أن تغضب وأن يتحول هذا الغضب إلى سخط ومرارة أم أن ما كان لم يكن ليستحق أكثر مما حدث.. إحباط ليلة، وعلبتي مناديل غارقتين في الدموع تتخلص منهما في الصباح”، نجد كذلك الميل إلى الإعتمادية واضحًا في قصة “سيجارة وأربعة أصابع” ، فتقول البطلة “ تجذر غضبها واستماتت مخالبه فى معدتها فشعرت بتقلصاتها. أسرعت إلى الحمام حاولت أن تتقيأ. حاولت لكن خلاصها راوغها”(التعلق(Attachment هُنا نمط سلوكي انفعالي إجتماعي يتمثل في رغبة الفرد الشديدة في أن يكون قريبًا إلى حد الإلتصاق بشخص آخر له مكانة معينة عنده، و”يشمل التعلق (الإعتمادية)“(4)، ولا ننسى أن هناك علاقة بين(التعلق القلق) والشعور(بالوحدة) وانخفاض مستوى(تقدير الذات)، فتقول البطلة “فعندما تتجاوز البنت الثلاثين دون دبلة ذهبية فى أصبعها عليها أن تحترس كثيرا من أوضاع الصور التى تلتقطها لها عيون الآخرين”وفي محاولة لتفسير ذلك الشعور بالوحدة يرى “آدلر” أن “شعور الفرد بمشاعر الدونية وفقدان الإهتمام الإجتماعي يجعله عرضة لنقد ذاته سلبيًا”(5)، ولا ننسى أن(الكماليين) العصابيين الذين يتمتعون برغبة دائمة في العمل وبذل الجهد وتحقيق الذات لديهم “خوفًا هائلًا من النقد”(6) هنا تبرز لنا الكاتبة نظرة المجتمع للفتاة التي لم تتزوج وكيف يمارس عليها نوعًا من الوصم الذي يؤدي بها إلى الإحساس بالدونية، ومن ثم الرغبة في الحصول على القبول الإجتماعي استنادًا لرأى الآخرين، واعتمادًا عليهم، وفى (الإعتمادية) أيضًا نجد أن العالم الخارجي يلعب دورًا كبيرًا في عملية الإدراك فتقول الكاتبة عن الموظف الذي تمتلىء ذاكرته بكل أنواع القهر الإجتماعي والحاجات النفسية الغير مشبعة “ استرخى على الكرسي وتطلع إلى المكتب، ركز على السيجار المشتعل في الطفاية، سري في جسده خدر وعيناه لاتفارق مقدمة السيجار التي تتآكل بهدوء، تمتص النار روحها ويضيع زخمها في الهواء، يلتقط أنفه ، تسري الحرارة في جسده جزيئات الدخان المراقة هباء، تنهار مقاومته ينحني على المكتب” تضح هنا أعراض التفكير السلبي، التي من أهمها (اضطراب الذاكرةMemory dis)، حيث يتذكر الإنسان تفاصيل الخبرات التي مر بها والتي “تؤدي به إلى حالة من القلق والضيق”(7)، ولفعل(الإنحناء) هُنا دلالة نفسية على الرضوخ لسيطرة المادة، أيضًا يضطر الشيخ إلى الرضوخ لسيطرة المادة والخروج من حالة اللامبالة إلى حالة تمثيل الفضيلة والورع عندما يتذكر حديثه مع مدير القناة الذي أخبره أنه مازال يجرب وأن العقد قابل للإلغاء ” يفاجىء الشيخ الجمهور، يشير بعصاه، تلقف كل الحبال، يقبض على الصولجان، يتماهى مع العرش في أداء.. هادئ، سلس، انسيابي.. تماما كما تحب الكاميرا من النجوم المحترفين” كل ذلك تم عن طريق إزالة التنافر بين المعتقدات والإتجاهات بــ” التقليل من أهمية المعتقدات المتصارعة”(8)، ومن تجليات (التعلق التجنبيAvoidant Attachment) أن الفرد “ينظر بشكل إيجابي لنفسه وبشكل سلبي للآخر ويشعر بالقلق معه”(9)، فهاهو البطل بعد علاقة عابرة بإحدى الساقطات “ دخل الحمام، تساءل كيف يبذل الإنسان نفسه ويهدر خلاياه في آخر لا يعرفه؟؟

ثانيًا: الإغتراب وتزييف الوعي

الإغتراب في اللغة العربية مشتق من “الفعل(غرب، اغتراب، غربة) وتعني التباعد والتنحي” (10)، والإغتراب مفهوم مشتق من الكلمة اللاتينية Alienate والتي تعني(غير متطابق)، فالإغريق كانوا ينظرون إلى الإنسان المغترب على أنه الشخص” الذي تجاوز ذاته أى(فقد الوعي بها)” (11)، والإغتراب نفسيًا يصف حال الإنسان الواقع تحت هيمنة سُلطة ما تسلبه ذاته وماهيته، إنه يعني “فقدان الإحساس بالوجود الفعال “(12)، فتبدأ الكاتبة قصتها ” في انتظار ما قد أتىَّ” بجملة ” جاءنا الأمر فتجمعنا” لنجد أنفسنا أمام(الإغتراب) الذي ينصب على تنازل الإنسان عن حقه في السيادة على نفسه للآخرين، أى تنازله عن(استقلاله الذاتي) فتقول الكاتبة “قرر العالمون ببواطن أن يقام ، القابضون على صولجان الشرح والتفسير ، الأمور الستقبال في مكان مغلق حيث لا شمس، ولا غيمة، وأن يقتصر على الأقربين من الموسومين بالسمع والطاعة، وأن يخلو من العجائز اللاتي ليس بينهن وبين الله حجاب” ليتطور الأمر بعذ ذلك القرار إلى سيادة حالة من(اللامعنى Meaning Lessness) الذي يظهر عند الفرد الذي “لايكون لديه وضوح فيما يعتقد، والذي يرى الحياة رتيبة مع تعمق إحساسه بالفراغ”(13)، فتقول الكاتبة “وأصبحنا خارج الكادر موجودين لكن غير مرئيين” ليأخذ الموضوع شكلًا آخر من(العزلة الإجتماعية (Social Isolationالتي تعني إعطاء قيمة نفعية منخفضة للأهداف ذات القيمة الكبيرة، وهو “بعد يعبر عن تمرد الإنسان على البناء الإجتماعي المحيط به والرغبة في الإنسلاخ عنه”(14)، فتقول الكاتبة “وببعض من الغضب ودحرا لهم، خلعت معصمي، وفوجئت أكثر مما فوجئوا بوجود ريش على ذراعي” ثم تنتقل بنا الكاتبة إلى رصد حالة(الإغتراب الجماعي) في قصة ” في انتظار من قد يأتي” ، والقصة هنا ليس محركها الرغبة في البحث لكنه عدم المواءمة مع الواقع؛ ووقوع الإنسان في منطقة وسطى بين الأمل المعلق وحالة السعي إلى التفرد، فالميل إلى المثال ظاهرة اغترابية، والكتابة هُنا على المستوى السياسي والديني وذِكر العلاقات المذهبية أوضحت لنا أن كل من هُم خارج هذة العلاقات مغتربين، وكيف أن استفحال الظلم والعجز عن مواجهته يخلق حالة من اليأس ومن ثم ذيوع فكرة(المُخلِص) وربط خلاص المجموعة بالفرد، فتقول الكاتبة “استدعوه، صلوا من أجل أن يأتي، استجمعوه من يقظة ، من لقمة ، الأمهات المصلوبات على الكراس في ليلة امتحان الأولاد، من لقمة تتخرجها أم من فمها قبل أن يكمل طفل عباره وهو ينظر للطبق الفارغ إلا من آثار ملح وزيت: هي البطاطس خلصت؟ من قبلة يطبعها عامل على ظاهر كفه وباطنه بعد تناوله ثلاثة أرغفة وبجنيهين طعمية، من طقطقة عظام الشيالين في محطة مصر. استدعوه من غار حراء، من جبل الجليل، من البرية، وأدعية ، رتلوا صلوات ، من بطن الحوت ، من غياهب الجب المطر” هنا نقف وجهًا لوجه أمام الإغتراب كــ(تعويض) عن النضال ضد القهر.

وفي قصة ” الشبكة العنكبوتية” نرى كيف يتم(تزييف الوعى) عندما ينفصل الإنسان عن ذاته وعن ثرائه الداخلي، “فيمضى في حياته من خلال الخوف ويفقد القدرة على الإستمتاع”(15)، فتقول البطلة “ مازالت في جلستها تعرف أن العنكبوت لن تلتهمها لكنها ستلقي عليها مزيد من الخيوط التي تلفها ولا تستطيع منها فكاكا” وهو الأمر الذي يفسر لنا وقوعها في حالة من(اللامعيارية Normlessness) التي تعني “غياب النسق المنظم للمعايير الإجتماعية”(16)، وكيف أن المواقف لم يعد لها ضوابط، وفي قصة ” فيديو كليب” نجد أنفسنا أمام(اغتراب الذات) التي لاتملك إلا حُلمها الصغير والتي تحاول إيجاد مكانة لصوتها الخافت، والتي تمارس غوايتها سرًا وعلانية، فتقول البطلة “تخلصت البنت من مريلتها الزرقاء بعد رسوبها المتكرر وارتدت بدلا منها شكل عاملة مطبعة تنسخ أحلامها آلاف المرات، وتوزعها على كل من يتيح لها غياب صاحب المطبعة أن تختلس دقائق لتحدثهم من كتاب أغاني،..،ملحنين ،..مطربين ومع المساء يزدهر، جيب العاملة بعشرات الوعود والكروت والمواعيد وتأتى الصباحات التالية والبنت مازالت عاملة مطبعة“، فكل مايبدو لنا من مشاهد وأحداث في القصة يتعلق بتجارة الذوق واستبدال الفطرة بالصنعة دون هوادة، حتى تصبح غربة الروح ملاذًا أخيرًا في عالم من الدعاية العبثية، ويصبح قتل الزوج الذي بات باعثًا للتجني والإنتشاء المحظور على (المستوى اللاشعورى) هو الحل البديل؛ فتقول” تضع في الكاسيت شريط “كوكتيل” يصعد صوت المطرب الأول يتشنج العجوز وتهتز رأسه بعنف تعتقد العاملة أن العجوز يتمايل انسجاما فترفع صوت الكاسيت، تتفسخ أعضاؤه، يسقط ذراعه الأيمن، تصرخ البنت، تدور الأغنية الثانية، يتساقط جلد وجهه، وعيناه”؛ فالبطلة هنا سقطت بين الهالة الضوئية للشهرة وبين الغربة النفسية الناجمة عن التغاضي عن امتلاك زمام الأمور على(مستوى الشعور).

ونلاحظ(الإغتراب عن الذاتSelf_Strangment) في قصة ” قوس قزح” حيث “اللامبالاة وتجنب الفعالية الإجتماعية”(17)، ” ظل قوس قزح معلقا في الهواء مزهوا بألوانه منتظرا تهليل الأطفال وصيحات الإعجاب لكن شيئا من هذا لم يحدث، فقد كانت الأمهات العائدات من العمل في ذلك اليوم مشغولات بشراء مستلزمات العشاء “وربما كان لولع الكاتبة بالطبيعة الدور الأكبر في دفعها إلى أنسنتها وإظهارالعواطف التي تورث الألم؛ فنرى الطبيعة تنفعل نفسيًا كخلفية للمشاهد التصويرية في قصة” قوس قزح” وحث المتلقي على إدراك شكواها، والشكاية كما نعلم لاتصدر إلا من عاقل يقاسي لتصبح مفردات الطبيعة موازية للشخصيات الإنسانية في غضبها وحزنها، ذلك هو( الإسقاط النفسي) الذي أنزلته الكاتبة على الطبيعة، ويعتبر (الصراع) الذي سيطر على الناس بعد القرار الذي اتخذه قوس قزح هو جوهر القصة، لأن” نظرة العرب في القدم كانت تعتبر الكواكب والنجوم آلهة السماء”(18)

ثالثًا: ثنائية التدين/ الوحدة النفسية

لا يوجد اتفاق كامل بين الباحثين حول السِن التي يتبلور فيها الشعور الديني، إلا أن المتفق عليه أن الإنسان لايستطيع أن يميز بصورة واضحة بين الصواب والخطأ فيما يخص التدين إلا في مرحلة المراهقة(19)، ولأن(الوحدة النفسية) تتنتج عن وجود فجوة في العلاقات الإجتماعية للفرد مع الآخرين، نرى في قصة “العطية” (نجاة) تقول لأمها (سهاد) “شيء لا أعرفه يجذبنى إلى الأديرة البعيدة وأقرأ السور الثلاث التى أحفظها للصلاة: الفاتحة والمعوذتين، أصلى أستكين، أتوضأ، لكن ضوء السيدة الطاهرة يتراءى لى، يجذبنى وحنين اليها يتزايد”، يعبر ذلك عن رأى “كارل يونج” الذي كان يرى أن(التدينReligiosity) مكونًا أساسيًا من مكونات الإنسان، وأن وجوده دينامي وأن مجرد الإستناد إلى الدين يعطى للفرد قوة نفسية، ورأى “ايريك فروم” الذي كان يرى أن التدين “يعطي للإنسان إطارًا للتوجه وموضوعًا يكرس من أجله حياته”(20)، فهاهى ” نجاة ” تسعى للحياة في أحد الأديرة “دقت على باب الدير، استقبلها الرجل العجوز سألها هز رأسه، فأجابته : لا يمكن أنت مسلمة وصغيرة… وأهلك هل يعلمون؟ هزت رأسها، نهض مؤذنا بالانصراف، تعلقت بردائه يمكن أن أخدم الرهبان. هز رأسه – أقيم فى غرفة ولن أخرج منها”،وهذا هو المقصود بالتدين الجوهري الذي يعني أن يعمل الإنسان على خدمة الدين بوصفه الإطار الذي يمنحه المعنى ويعتبره فرصة للعطاء، يشعر فيها بمسئوليته عن رعاية شخص آخر، فالتدين من منظور علم النفس الديني “يشبع العديد من الإحتياجات النفسية لدرجة أن البعض قد جعله غريزة في النفس البشرية، كما أن التدين يقلل من شعور الإنسان بالوحدة النفسية”(21)، وتمتد جذور(الإغتراب) أيضًا إلى(اللاهوت) فالمعنى اللاهوتي للإغتراب يتمثل في انفصال الإنسان عن الله، كما في قصة ” الحور العين تفصص البسلة”، فنرى(الصراع) بين الرغبات المتعارضة وبين الحاجات التي لايمكن إشباعها مما يؤدي إلى(القلق)، فتقول البطلة “فالبنت التي تشبهني كثيرا حتى أنني أراها كلما وقفت أمام المرآة أصيبت بالعنوسة فوبيا رغم أنها وقعت في الحب عدة مرات” أى أنه صراع بين(الذات) وبين البيئة المحيطة بصورة تتضح في الشعور باللامبالة ومركزية الذات والشعور بــ(الوحدة النفسية)، وتتجلى مظاهر استسلام البطلة لقوة تعلوها في( التدين التسلطي(Authoritrian Religion الذي يتسبب في حالة من الـ(اضطراب الإنفعالي) بمعنى “إظهار نمطًا من التفكير غير المتناسب مع الموقف؛ فيقع الإنسان نتيجة لذلك في الأوهام”(22)، فتقول البطلة “ تنمو الخلايا رجلًا ذا لحيه زرقاء يتثاءب، ينادي على الوليدة الصغيرة التي ستصدقه وتقترن به ، يتمطى وتلهو بكل خزائنه عدا الحجرة السرية التي يمكن أن ترى فيها أشلاءها ومصيرها”.

وفي قصة ” فيلم لأمي” نرى علاقة الحرمان والجوع العاطفي وتوقع غياب العلاقات الحميمية بالإغتراب حيث فقدان(الأمن النفسي) وبالتالي مزيد من التباعد والعزلة و(الصراع) بين مكونات الشخصية و(نكوص) مبدأ اللذة إلى مراحل سابقة من مراحل النمو(23)، فيقول البطل “أندفع مجذوبا لعالمها مشدودا لمدارها الذي خلقته وبقي لي شرنقة. مستسلما لإغوائها تنمو ، خيوطا حريرية ، رحما دافئا رغباتي.. أوهامي. يتخلق عالمي في صالتنا ذات الضاءة الخافتة استعدادا دائما لعرض جديد” هُنا نستطيع أن ندرك مفهوم(معنى الحياة Meaning in life) الذي يراه البعض مفهوم وجودي، ويراه البعض الآخر مفهومًا فرديًا يختلف من إنسان لآخر ومن وقت لآخر عند نفس الإنسان، ويعتبرون أن نظرة الإنسان للحياة تنعكس في جلب العديد من الأفكار غير العقلانية مثل(التعميم) و(التقييم السلبي) وإرجاع الفشل إلى عوامل ذاتية، ذلك أن تقييم الإنسان لذاته يمتد على متصل طرفه الإيجابي(الإدراكات الإيجابية للذات) وطرفه السلبي(الإدراكات السلبية نحوها)

رابعًا: انعكاسات الذات المكتئبة

يشتق اسم(الإكتئاب) في اللغة العربية من الفعل الثلاثي(كأب) ويشير هذا الفعل إلى(الكآبة) التي تعني “سوء الحال والإنكسار والحزن”(24)، والإكتئاب يعبر عن المزاج المضطرب الناتج عن الإحباط، ويعبر عن الإحساس بالعجز واتباع ثقافة الصمت، ويعتبر الإكتئاب “أحد مظاهر الاضطراب الإنفعالي”(25)، ويرى أنصار النظرية المعرفية أن الاكتئاب ينتج من ميل الفرد للنظر إلى نفسه ومستقبله والعالم بنظرة تشاؤمية، وهذة النظرة المشوهة للنفس والمستقبل والعالم يطلق عليها(الثالوث السلبي)، تتلخص النظرة السلبية للذات في الشعور بالحزن والقلق والإستثارة السلبية ونقص الثقة والتردد والحيرة ونقص الدافعية، والنظرة السلبية للعالم تتلخص في فقدان الاهتمام، رغبات التجنب، والنظرة السلبية للمستقبل تتمثل في فقدان الطاقة واضطراب النوم والذاكرة والشراهة في الطعام، و(الأحلام) تنطوي على معان؛ لأنها ظاهرة نفسية وتمثل تحقيقًا لرغبة أو عدة رغبات، وليس أدل على ذلك من تلك الأحلام التي تتكرر عند كثير منا، وهذا يعني أن هناك (حتمية نفسية) تعمل وراء إخراج الحُلم؛ فالحُلم والهذيان ينبعان من مصدر واحد هو(المكبوت)، فتقول الكاتبة في قصة“الأيام التي لاتطيب” على لسان البطلة ” شهورا وأياما تنزف مستقبلها على الرصيف، مع ضربات مقص العمال،نضرة يتصاعد الإيقاع الحزين، يعيد لها صدى ذكريات نسيتها، أو تناستها، لكنها تطاردها كل ليلة.. تذكرها بنفسها في أحلام غير مكتملة، موعد دواء، شعلة بوتاجاز، تركتها مشتعلة، طعام يجب وضعه في الثلاجة، يتردد صدى الحلم في نفسها ما الذي كان عليها فعله ونسيته؟!، أية صفحة أهملتها من كتاب الكيمياء في الثانوية العامة؟!. يخايلها وجه غائم، لكن صوته واضح “حاولت أحبك ما قدرتش” من هذا الرجل؟” الحُلم هنا بمثابة المسرح الذي يمكن من خلاله التنفيس عن الطاقات المكبوته، ويمكن عبر صياغته إتاحة قدرًا من الإشباع للرغبات غير المشبعة، فنجد أن الإعتراف بالمكبوتات جاء على شكل ذكريات تفقد تأثيرها الإنفعالي وعلى ذلك يمكن استيعابها دون خوف من إثارة القلق، عبر عدة آليات، فالبطلة( كبتت الرغبة الجنسية) ومن ثم عاد المكبوت عبر الأحلام في صورة رغبات تتلمس طريقها للإشباع فتقول” ،يجتاح أذنيها نحيب طفلة وحيدة جائعة منزوية في ركن لا يرقبه أحد، يزداد الصوت وضوحا كلما بدأت في إعداد ،الطعام أو عندما تفتح الثلاجة وتعيد ترتيب رفوفها بما يسمح بتوسعة لعلبة جديدة تضاف لثلاجتها المكتظة، تتلفت بحثا عن مصدر الصوت “، وبعد كبت الرغبة الجنسية قامت لاشعوريًا بــ(إسقاط) هذة الرغبة على الجنس الآخر، فتقول“ من أحد القطارات يرتفع عويل المكلومين،لاتظلهم سكينة الموت بل تعصف بهم ريح الغضب فلا يكاد يستقر لهم مقام على الأرض، يقف قطارهم الذي لا يتحرك أمام رجل بهي الطلعة، ينزل الغاضبون يلتفون حول الرجل يسألونه: ندعو فلا يستجاب لنا، فيعيد الرجل الإجابة التي ذكرها لجدودهم من قبل، تقف السيدة حائرة، ، هل تلحق بالرجل ، هل تسأله تفسيرحلمها؟ لكنها مازالت نائمة هي فقط تتحرك وفق صانع أحلامها ، لا تمتلك إرادة حركتها ” ثم يأتي (تعميم) الرغبة على كل الرجال فتقول“ تنزف مستقبلها على الرصيف، مع ضربات مقص العمال، يتصاعد الإيقاع الحزين”، ليأتي بعد ذلك دور آلية (العزل) فتقوم البطلة الحالمة إمعانًا في نفي الجنس عنها بعزل الشهوة عن العاطفة(26)، فتصبح القطة كرمز لها هى المحبوسة في المنور والطفلة كرمز لها هى الجائعة، وللرموز في الحُلم دلالة على(الصراع النفسي) ” ولكل إنسان رمزية خاصة به تظهر في أحلامه “(27)، وفي الحُلم أيضًا تضعف المقاومة، ويغيب المعيار الزمني، وهاهو الحُلم في قصة “اللعنة” يعتبر “سجلًا للشخصية ووسيلة إسقاطية أصدق إنباءً من المذكرات التي قد يدونها الإنسان بنفسه عن نفسه “(28) فتقول البطلة “على العتبات أقف، أعترف لم أرك، وما اهتممت بشيء في هذا البيت، حين دخلته كانت روحي هناك، حيث عالم بعيد عن قدراتي وتصوراتي، عالم تخايلني روائحه وأطيافه في مناماتي فأطوف في نومي في مدارات مالها مكان في كوني، عالم من الهدوء والصمت والجلال والترانيم، عالم لا ينتمي لظاهر حالي” تلك البطلة صغيرة السِن التي تجد نفسها غير مهيئة لتقوم بدور زوجة الأب خاصة أن “سعاد” إبنة الزوج تقترب منها في العمر، لتتعامل مع التخييل وكأنه واقعًا فعليًا فهي تعاقب نفسها عن طريق الحُلم فتقول “في مناماتي كأني بكل تضرعاتي تتجمع في صرة تلقينها في وجهي، وتبتهلين للرب، أريد حقي منها. أبكي وأبكي” هنا يتضح أن الحُلم كما يتذكره الإنسان ليس شيئًا حقيقيًا؛ بل “هو بديل محرف يُستدعي به أفكارًا بديلة أخرى”(29)، والتحليل النفسي يرى أن(الإكتئاب) ماهو إلا تفاعل قائم بين الدوافع والعواطف، ويعتبر(الإكتئاب) فقدان(لـلأنا) على مستوى اللاشعور، وكشف “فرويد” في بحثه المسمى”الحداد والملانخوليا” عن أوجه الشبه بين الحزن العادي والإكتئاب، وأوضح أن الإكتئاب “نتيجة أساسية للشعور بالذنب الشديد، والحرمان العاطفي وضعف(الأنا الأعلى) وتعرض الإنسان للخبرات الصادمة، فتقول البطلة“ التعب الذي أعيشه يحاصرني، يأكل جسدي ينهكني، أتمنى أن أنام دون أن تباغتني الأرجل السوداء وتنشب مخالبها في جلدي”.

وفي قصة ” ومن أحياها “ نجد أنفسنا أمام ذاتية الحركة في مقابل سيطرة الــ(هو)على الـــ(الأنا)، أى سيطرة(ذات الفرد) على نمط إدراكه للحاضر ويتضح ذلك من خلال التفرقة بين علاقة الذات بالعالم وعلاقة الذات بالآخر أو بمدلولات الآخر الإنفعالية؛ لأنه في العلاقات الإنفعالية تكون الحدود بين الذات والآخر حدودًا هلامية، فمايؤثر على الآخر يؤثر على الذات من خلال خبرة التعاطف أو المشاركة الوجدانية في سبيل تحقيق(الكمالية Perfectionism) التي يراها “ماسلو” سمة لتحقيق الذات، وأنها ذاتية التوجه، وتشير إلى الميل والسعى الحثيث من أجل محاولة تجنب خبرات الفشل، و(الكمالية العصابية) هُنا ترتبط بــ(النرجسية)؛ لأن النرجسية تعتبر حيلة دفاعية لإقامة أنا مثالي، فتقول البطلة “ كتب التنمية البشرية قد تفيد أحيانا .. سأختار منها ما يناسب حالك لا ما يناسب حالي” هُنا تعني(الكمالية) عدم رضا الإنسان عن مجهوداته بالرغم من جودة الأداء، و”تكون الكمالية إما بالتوجيه الذاتي أو بتوجيه الآخرين”(30)، وانطلاقًا من كون (الاكتئاب) “خبرة وجدانية ذاتية تتبدى في أعراض الحزن والتشاؤم والشعور بالفشل والإنسحاب الاجتماعي والشراهة في الطعام والميل إلى الإنتحار” (31)، ولأن هناك علاقة بين الرضا عن الحياة والإكتئاب؛ فالأفراد ذوي نمط(التعلق القلق) يكونوا أكثر عرضة للإكتئاب، تقول البطلة في وصفها لحالتها قبيل الإنتحار “ في أيامك الأخيرة كنت تمهدين..لنومك.. تأكلين وتأكلين، تصمتين أصواتا جوعى تطلب المزيد وحينما قررت كان، ربما هذا هو القرار الوحيد الذي اتخذته منذ عرفت هذه العائلة.. طاوعك قلبك فانخفضت دقاته وانخفضت حرارة جسمك” هذا ويرجع” آدلر” (الشره العصبي) إلى “التعرض للإحباط الذي يدفع الفرد إلى الإفراط في تناول الطعام، ويرجعه أيضًا إلى الإحساس بالقلق من فقدان الحب والإنتقام من الذات”(32).

خامسًا: الصور السردية وتحريف الزمن

التحريفات يُحدثها السارد عندما يتوقف عن ذِكر الأحداث المسلسلة طبقًا لزمن الحكاية “بالإرتداد إلى الماضي(إسترجاعًا) أو بالتطلع إلى المستقبل(إستباقًا)”(33)، وفي مجموعة ” الحور العين تفصص البسلة” نجد الإرتداد إلى الماضي وتداخله مع الحاضر عبر آلية (الإسترجاع) في قصص “أميبا” فتقول الكاتبة على لسان البطلة التي تعاني من نظرة المجتمع التي وصمتها بالعنوسة “وكلما ضاقت بها الحياة استحضرت هذه اللحظة الفاصلة”، هنا(الإسترجاع) تم من أجل إحداث(التوازن) بين الحياة الماضية والحياة الحاضرة، ونرى في قصة ” في انتظار من قد يأتي” ربط فكرة المُخلِص باسترجاع الأسطورة الإغريقية وقصة وفاء “بينولوبى” لزوجها “أوديسيوس” فتقول ” سألوا “بنيلوب” أن تغزل صورته على نسيجها” وفي قصة ” الأيام التي لاتطيب” تم( استرجاع) الأحداث الماضية في صورة ذكريات وحُلم، فتقول“يتصاعد الإيقاع الحزين، يعيد لها صدى ذكريات نسيتها، أو تناستها، لكنها تطاردها كل ليلة.. تذكرها بنفسها في أحلام غير مكتملة” وفي قصة ” إكتشاف” جاء(استرجاع) الأحداث لــ(تبرير) رغبة البطلة في العمل ككومبارس وعدم موافقتها على زواج ابنتها واعتراضها على ارتداء الحجاب وكدلالة على تمسكها بحلم الشهرة حتى وإن تحقق في إبنتها “ولكن أيام وقبل أن تحقق حلم أمها كان لديها رأي آخر، جذبها ابن الجيران الذي بدأت لحيته تنبت، فارتدت الإيشارب وبدأت تتردد على الزاوية المجاورة في المنطقة وتحفظ القرآن لا يوجد ما تقوله، رتبكت الخطة ماذا تفعل ،في الحياة” ، وفي قصة ” اللعنة” كان إستخدام آلية(الإسترجاع) كوسيلة لاشعورية لعقاب الذات فتقول “التعب الذي أعيشه يحاصرني، يأكل جسدي ينهكني أتمنى أن أنام دون أن تباغتني الأرجل السوداء وتنشب مخالبها في جلدي” لنصبح أمام حالة من(الإنكار الذاتي) تقوم فيها البطلة بمحاولات للتخلص من القلق عن طريق الدين، الإنكار هُنا وعقاب الذات يعتبر(المخرج الروحي)، فتقول “ كنت أدفع ثمن ذنوبي بصمت الخطائين المقرين بذنوبهم اللوامين المرددين لأنفسهم ،كله حق، أنا اللي استاهل. لكني تعبت .. فهل من توبة؟ وهل من مغفرة؟”.

وفي قصة ” فيديو كليب” تم(استرجاع) أحداث الطفولة التي لم تنتهي ليدرك المتلقي مأساة القاصر التي تتزوج معلمها لرسوبها المتكرر في الدراسة ولأنه الوحيد الذي كان يتسم باللطف في معاملتها، والتي تتخلص منه لاشعوريًا بسبب جموده الفكري وفرق السٍن الذي لم تدركه إلا بعد فوات الأوان، فتقول“ فحادثة معلمها العجوز صارت بداية لمقبرة مفتوحة، ولم يعد الرجال المسنون يموتون على أسرتهم وحولهم أبناؤهم وأحفادهم، وابتسامة تكسو وجههم المتغضن، بل صارت وفاتهم انهيارات مفاجئة” وبرعت الكاتبة في تحريف الزمن عبر آلية(الإستباق) فاستخدمت كلمات مثل(ستتخذ/ وسيكون/ ستخسر/ سيحاسب/ كنا نعرف/سيملأ الدنيا/سيعطيه الله/ سأختار منها/ ستدركين/ و ستعلمين/ تتمنى لو أنه يخف/ ستوبخ/ سيعرفون/ سأمول هذا الفيلم/ سترى أمي غريمتها/ تستعد البنت للنزول/ ستحميها من تطاول الراقصات) ونلاحظ أن(الإستباق) جاء في صورة تطلعات الشخصيات وأمانيهم وخيالاتهم ومايدور في أذهانهم، وجاء منبئًا لما سيحدث، وكانت(المشاهد) في القصص معبرة عن الأحداث المهمة من وجهة نظر الكاتبة، بحيث يقترب حجم النص من زمن الحكاية أو يطابقة ويتضح ذلك من خلال الحركة والحوار، ومن أمثلة المشاهد الحوارية ماجاء في قصة“ في انتظار ما قد أتى “ والحوار هنا يتسم بالصمت أو باتباع لغة العيون “فزعت ومن الفزع نظرت إلى جاري، فكان وجهه مثبتًا على حركة”أنا أعرف” ، نظرت في عينيه رأيت مشتلا صغير” وكذلك استخدام (المناجاة) في ” ضغط الحر جعل سيدة من المسنات، تفر من الوضع انتظار وتناجي خالقها ” يا رب غيمة.. غيمة يا رب” واستخدام (الديالوج) في قصة “في انتظار ما قد أتى” “ كانت كل الأسئلة خارج ما أعرفه من أرسلك إلى هنا – أنت عميلة للكفرة؟ – من يمولك؟ كلمة واحدة كنت أرددها: لا لا لا” وفي قصة “العطية” “أم نجاة.. أم نجاة . لو ليا خاطر عندك . وكان لها كل الخاطر لديه. ويسألها – . يعنى ما هربتيش معايا علشان خاطري ه ربتى علشان أختك؟ ذ فتضع رأسه على فخ ها – يا . عبيط هربت معاك علشان خاطري“، وفي قصة ” ومن أحياها” “سأختار منها ما يناسب حالك لا ما يناسب حالي”، وفي قصة ” اكتشاف” وجهها مريح جدا فيها شيء مختلف ،الحمد لله هي دارسة إيه ؟ معهد متوسط – كويس”، وفي قصة ” اللعنة” “امه شعري فيه حاج ؟ – كانت تدير وجهي عن الشال الأبيض الذي تضعه على ظهري وتقول بحزم – أبدا شعرك زي الفل”، وفي قصة ” الحور العين تفصص البسلة” نرى إنسحاب الكاتبة وتركها للشخصيات تعبر عن نفسها “إه.. إه.. إه.. إه.. إه.. – لماذا تبكين الآن؟! أليست ابنتك في أمان؟ – إه.. إه.. إه.. وما ذنب هؤلاء المسكينات؟ – فعلا.. ما ذنبهن؟! لو أنك رأيتهن وهن يدرن حول الوليدة وجوههن، مجامرهن الدر، أجسادهن الحرير، النور – مجامرهن؟ ماذا تعنين؟ – ألم تريهن؟ – يا إلهي!! .. ماذا تقصدين؟ – اخفضي صوتك سيعرفون أنك مازلت موجودة – من سيخبرهم؟ الممرضات مشغولات،وإنهن لسن ممرضات. – طبيبات؟ – لا. لا. اقتربي.. إنهن المسكينات.. . الحوريات – المسكينات؟ ألا تقصدين نزيلات العنبر؟”، واستخدم في (المونولوج) في“ يتردد صدى الحلم في نفسها ما الذي كان عليها فعله ونسيته؟!، أية صفحة أهملتها من كتاب الكيمياء في الثانوية العامة؟!. يخايلها وجه غائم ، لكن صوته واضح “حاولت أحبك ما قدرتش” من هذا الرجل؟ ابن الجيران؟”، كما نجد أن المجموعة ثرية بــ (الصور السردية) التي تعرض الأشياء المتحركة، و”تكون الصور السردية ناتجة عن تداخل الوصف مع السرد”(34)، فالنص القصصي ينقسم إلى مقاطع وصفية ومقاطع سردية فضلًا عن الحوار، فالمقاطع الوصفية تناولت الأشياء الساكنة بينما تناولت المقاطع السردية تمثيل الأحداث المرتبطة بالزمن، ونرى الكاتبة وظفت الزمن النفسي) في الأوقات الحزينة فقط موضحة الأزمات التي تعرضت لها الشخصيات، فالزمن النفسي هو ” الزمن الذي ينتج بعد تحويل الذات له بحيث يصير الطويل قصيرًا والقصير طويلًا في فترات الشقاء”(35)، فالكاتبة سعت إلى تقليص الزمن وتحويله إلى نقاط لحظية زاخرة بالإنفعالات

خـــاتـــمــة

إنطلاقًا من كون الإبداع صورة (مرآوية للذات) فلايبقى من الأعمال الإبداعية سوى أقدرها على الإقتراب الصادق من قلب الإنسان، فالكاتبة حدثتنا في مجموعتها عبر لغة(الرغبة) لتضعنا أمام لغة الإنسان بما هو راغب في مقابل لغته بما هو عارف، فهاهى تصدر لنا عنوانًا لايرتقي إلى منزلة المفهوم لتجعل من المتلقي رهينة في يد الهامش السردي، فنحن جميعًا نعرف الحور العين لكننا لم نراهم، وكلنا يعرف أن النساء يقمن بأعمال إعداد الطعام ومن ضمنها مثلًا تفصيص البسلة، إلا أن المقاربة هنا حدسية تندمج فيها المعطيات الذاتية(كون الحور العين يتسمن بأنهن سيدات ) والموضوعية التي(تعتبر الدال مجرد مظهر للمدلول) بحيث تعطي للمدلول طابع الخلود، كما أن معظم الشخصيات في القصص بدون أسماء وكأننا إزاء آدم وحواء، الرجل والمرأة عبر الزمان والمكان، والشخصيات النسائية ترفض التصور الذكوري للأنوثة فنجد نمط الأم/ والإبنة/ وزوجة الأب/ والمعلمة/والتلميذة، والمرأة المهمشة التي لانعرف هل هى مطلقة أم أرملة، لنفهم أن المرأة في قصص”صفاء النجار” لازالت الضعيفة المغلوبة على أمرها المُتبعة لثقافة الصمت، فالزواج غير المتكافىء أدى إلى(صراع واغتراب زواجي) في قصص” أميبا” و“نبوءة” و(إغتراب جماعي) في قصص “في انتظر ماقد أتى” و” في انتظار من قد يأتي” و” الشبكة العنكبوتية”، ناجم عن انعكاس ظروف التنشئة على الشخصيات النسائية التي لاحظنا أنها في حالة تأزم دائمة مما يدفعها إلى الهروب من الحاضر المؤلم في صورة حُلم أو ذكريات أو حديث ذاتي كانعكاس(للإكتئاب) كما في قصص “الأيام التي لاتطيب” و” اللعنة” و” ومن أحياها”، كما برعت الكاتبة في توظيف(الرمز) في كثير من القصص ومزجه بالواقع كما في قصة “الأيام التي لاتطيب” حيث يأتي ذكر فروع الأشجار العارية من الأوراق إشارة إلى الخريف والجفاف” أى حزن يضرب الروح لمرأى الأشجار عارية في سبتمبر”، وفي قصة “سيجارة وأربعة أصابع” نجد التماهي مع قصة “موسى” عليه السلام واستلهام مضامينها وابراز مافيها من حركة ” يفاجئ الشيخ الجمهور، يشير بعصاه، تلقف كل الحبال، يقبض على الصولجان، يتماهى مع العرش”، وكذلك توظيف(الأسطورة) في قصة “في انتظار من قد يأتي” “سألوا “بنيلوب” أن تغزل صورته على نسيجها” ، وفي قصة ” قوس قزح” حيث قامت بتضمين المعتقد الأسطوري في أن الكواكب والنجوم أرواحًا غير منظورة ، تؤثر وتتأثر شأنها في ذلك شأن الإنسان، “_انتظر قوس قزح وانتظر حتى قاربت الشمس على المغيب أثار هذا التجاهل قوس قزح فقرر الرحيل عن المدينة وسحب ألوانه “، كما استخدمت الكاتبة أسلوب السرد المباشر وربطته بالحديث الداخلي(المونولوج)، ونلاحظ محاولاتها المستمرة في اصطناع أحداث مفتعلة من أجل تبرير سلوك الشخصيات، (الكتابة الشذرية) التي اعتمدت عليها الكاتبة منفصلة في صورتها وشكلها ، فكل مايحدث في القصص يرتكز على قيمة الدلالات، ورغم أن المرأة في معظم قصص المجموعة مغلوبة على أمرها إلا أنها ليست أداة للهدم داخل النصوص، وإنما هى أداة للتشكيل وتحقيق التناغم من خلال الوعى، وقادرة على جعل المتلقي متصلًا بالعالم غير المرئي فدائمًا النصوص تخترقها حركة خارجية أو بواعث داخلية وفي ذلك يقول “نيتشة” أن الفيلسوف يسعى لأن يردد في داخله كل الأصوات المتناغمة ولا يخرجها في صورة مفاهيم”



الـــمـــراجــع

1_ منير كرادشة(2009)،” العنف الأسري، وسوسيولوجية الرجل العنيف والمرأة المعنفة”، عالم الكتب الحديث، ط1، الأردن، صــ113

2_ عادل عبد الله محمد(2000)،” دراسات في الصحة النفسية: الهوية والإغتراب والصحة النفسية

3_ محمود السيد أبو النيل(1985)،” علم النفس الإجتماعي”، دار النهضة العربية، بيروت،صـــ470

4_ مفيد نجيب حواشين،وزيدان نجيب حواشين(1996)،” النمو الانفعالي عند الأطفال”، دار الفكر للنشر والتوزيع، ط2، عمان، صــ57

5_ صالح الخطيب(2008)،” الإرشاد النفسي في المدرسة”، دار الكتاب الجامعي، العين

6_ نوال محمد الموسى(2008)،” الكمالية(السوية والعصابية) وعلاقتها بأساليب التنشئة الوالدية المدركة لدى طلاب وطالبات جامعة الملك سعود”، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة الملك سعود

7_ Munro(2004)The Fifth Annuall Irish Educational Users Conterence,DCU

8_ محمد فراج(2006)،” التفكير الناقد وقضايا المجتمع المعاصر”، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، صــ54

9_ معاوية محمود أبو غزال(2006)،” نظريات التطور الإنساني”، دار المسيرة، ط1، عمان، صـــ24

10_ ابن منظور (2003)،” لسان العرب”، دار مكتبة الحياة للنشر والتوزيع، بيروت

11_ Kolb,W(1969).A dictionary of Social Science, New York, the Free press

12_ سمير عبد السلام(2003)،” مفهوم الاغتراب عند هربرت ماركيوز”، دار المعرفة الجامعية للنشر والتوزيع، القاهرة

13_ Skelr J(1977).The Measurement of Adolescent Alienation.Dissertation Abstract,37(8),536-69.A.

14_ أحمد عمر(1989)،” دراسة مقارنة لبعض أبعاد الشعور بالإغتراب لدى متعاطى الكحوليات وغير المتعاطين من طلاب الجامعة”، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة طنطا، مصر

15_ Maslow,A(1962)Toward Psychology Of Being,New York: Van Nostrand

16_ السيد شتا(1997)،” الإغتراب في التنظيمات الإجتماعية”، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنيه، الإسكندرية

17_ فايز حديدي(1991)،” الإغتراب وعوامله لدى طلبة الجامعات الأردنية”، أطروحة دكتوراة غير منشورة، جامعة عين شمس، مصر

18_ محمود سليم الحوت(1955)،” في طريق المثولوجيا عند العرب”، بيروت، صــ91

19_ عبد الرحمن العيسوى(1978)،” النمو الروحي والخلقى والتنشئة الإجتماعية في مرحلة الطفولة والمراهقة”،عالم الفكر، وزارة الإعلام، مج7، ع3، صـــ19

20_ إريك فروم(1989)،” الإنسان بين الجوهر والمظهر”ن ترجمة:سعد زهران،مراجعة وقديم: لطفي فطيم، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،ع140، الكويت، صــ143

21_ محمد فريد وجدي(2000)،” من معالم الإسلام”، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صـــ209

22_ محمود غانم(1995)،” التفكير عند الأطفال”، دار الفكر، ط1، عمان

23_ أحمد خيري حافظ(1980)،” سيكولوجية الإغتراب لدى طلاب الجامعات”، رسالة دكتوراة غير منشورة، جامعة عين شمس، مصر

24_ مدحت أبو زيد(2001)،” الاكتئاب دراسة في السيكوباثولوجي”، دار المعرفة الجامعية، مصر، صــ21

25_ عبد الحميد الشاذلي(2001)،” دراسات في الصحة النفسية وسيكولوجية الشخصية”، ط2، المكتب الجامعى ، الإسكندرية،صــ137

26_ صلاح مخيمر(1979)،” المدخل إلى الصحة النفسية”، مكتبة الأنجلو المصرية، ط3، القاهرة، صـــ135

27_ نجيب يوسف بدوي(1960)،” الأحلام النموذجية ودلالاتها التنبؤية ، العدد رقم 9 من سلسلة مكتبة الثقافة الشعبية، دار المعارف، القاهرة، صـــ194

28_ عبد المنعم الحفني(1988)،” التحليل النفسي للأحلام”، الدار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة، صــ 123

29_ سيجموند فرويد(1978)،” محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي”، ترجمة: أحمد عزت راجح، مكتبة الأنجلو المصرية، ط4، القاهرة، صــ113

30_ آمال باظة(2002)،” استبيان الميول الكمالية”، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة

31_ حسن على فايد(2000)،” دراسات في الصحة النفسية”، ط1، المكتب الجامعى الحديث، صـــ85

32_ عماد الدين سلطان(د.ت)، ” الطب النفسي”، دار النهضة العربية، القاهرة

33_ جيرار جينت(1997)،” خطاب الحكاية”، ترجمة: محمد معتصم، وعبد الجليل الأزدي، وعمر حلمي، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، صـــ47

34_ سيزا قاسم(1984)،” بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ”، الهيئة المصرية العامة للكتاب

35_ عبد الملك مرتاض(1998)،” في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد”، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 240،صـــ51



رشا الفوال

الثلاثاء 9إبريل 2019م
المنصورة



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى