حمادة عبدالونيس الدرعمى - (الشوكة والسكين والعصيدة) قراءة فى "وجه القصيدة" للشاعر الكبير والأديب الخطير الدكتور إيهاب عبد السلام .

الشعر يغلبنى ولست لأغلبه
وجميع أخباري لديك مسربة
ما كنت أحسبنى أشاهد مهجتي
فوق الصحائف تستجير معذبة
إنى لأخفى فى التراب مشاعري
فإذا نسيم الشعر يمحو الأتربة
تلك القصائد تستبيح سرائري
ويح القصائد كيف تحيا مذنبة
ما بال شعري لا يغادر مهجتي
إلا تبارت القلوب مرحبة
من لي بأشعار تموت بداخلى
أو لي بأشعار تلوح مكذبة؟
شعري قطوف الروح ينبض حرفه
ومن القصائد ما تكون معلبة
كم مرة آوى إلى النوم الفتى
فإذا بمن طرد المنام وأذهبه
وجه القصيدة حين يبدو مشرقا
يا ويله من بالتغافل أغضبه
ما أتعب الشعراء من إبداعهم
لم تخلق الأشعار إلا متعبة !


1- (العتبات )
العنوان عتبة النص وحامل أسراره وهو الطريق الموصلة إليه وشمس الأضواء المسلطة عليه وقد نجح الشاعر فى عنوان قصيدته أيما نجاح إذ جعل منها فى تشخيص فريد متكئا على أعلى درجات البيان استعارة صبية حسناء لها وجه صبوح إليه يصبو القلب وفى محراب جماله تهيم الروح !
ولا يخفى على شداة الأدب ما فى الوجه من قداسة وجمال؛إذ إن القصيدة أنثى والأنثى عند العرب مفدية محمية مصونة والوجه أشرف ما فى الإنسان حقيقة وأشرف ما فى الأشياء مجازا
ولا يخفى على مشتغل بالأدب أن القصيدة فتاة أحلام الشاعر تراوده عدد أنفاسه لا تزايله حبيبة يرنو إليها فيرى فيها الجمال المحض شاخصا وهى أول مولود له يمده بالحياة ويهبه الطاقة متجددة من أجل البقاء والمقاومة !
وقد يرى الشاعر القصيدة مدينة فاضلة يلوذ بها إذا ما ادلهم الخطب وغابت القيم وتاهت المثل العليا فى زحام الحياة !
2-(جدلية الحوار وانهزامية الشاعر أمام سطوة القصيدة )
تبقى الكلمة أشرف ما يميز الإنسان عن بقية المخلوقات عامة وتميز الشعراء خاصة لأن الشاعر رب الكلمة ومنطق حروفها سحرا وخيالا وحقيقة وهى ملعبه الذى لا يجارى فيه ولا يبارى وخصوصا إذا كان الشاعر موهوبا مطبوعا لا شاعر صنعة !فضلا عن كونه صاحب قضية يحيا من أجلها وغاية عليا يرنو إليها قاطعا ظهور كلماته فى مضمارها فارسا لا يشق له غبار وعلما لا تنطفئ له نار !
فقديما زاحمت الكلمة السيف فى ساحة الوغى وميدان الجهاد المقدس قاتل بها حسان ونازل بها ابن رواحة وكانت نشيد النصر على لسان علي الكرار رضى الله عنه وإني لا أكون قلت زورا أو ركبت غرورا إذا قلت إن قصيدة شريفة واحدة إذا صادفت جيشا يقدر للكلمة معناها ويحفظ لها مبناها لهى قادرة على قيادته نحو النصر دونما شك !
فى تقريرية مباشرة تجري على لسان الشاعر ماء نميرا :"الشعر يغلبني "يستسلم الشاعر أمام الشلال الهادر المزروع حدائق غناء بين جنباته فهو يتنفس شعرا وهذه سمة الملهمين أصحاب القضايا الكبرى مخبرا بالجملة الفعلية المجسدة للصورة راسما حركتها فكأنه والشعر فى ميدان مغالبة لكنها مغالبة من نوع خاص ينهزم فيها المحب أمام محبوبه عشقا وإيثارا لا قهرا وخوارا !
نافيا بالفعل الناقص الدال على تفوق سلطان الشعر على النفس الشاعرة فهل يصح أن نصف المشاعر والعواطف والمثل العليا بالميدان الفسيح الذى يقاتل فيه الشاعر فتغلبه القصيدة مرة بعد مرة لا يلبث متنقلا من غرض إلى غرض ومن قضية إلى قضية أخرى تحرمه ربة الشعر النوم أو الخلود إلى الراحة فالشاعر دائما فى فكر يقدح زناد الكلمات مستدعيا الصور والأخيلة يحيك منها ما يناسب الأحداث، و-الأحداث جسام -ونفس الحر تأبى الخنوع أو الخضوع أو الاستسلام !
متوجها إلى القصيدة ،حبيبته التى تمده بالحياة وتمنعه الراحة والسكون فى الوقت نفسه فهى نوره وناره، نوره الذى يضئ له الطريق وناره التى تحرقه حتى يصل إلى النور المنشود !
وهى مكمن أخباره وحاملة أسراره والكلمات تموت حين تقال لأنها كشفت السر ونقلت الأحداث نقلا مباشرا فكم من قصة حب ما عرفناها إلا من خلال القصائد أو القصص أو من خلال مذكرات المحبين ورسائل العاشقين !
والقصيدة هى لحن القلب المعزوف لوعة وأسى على أوتار الكلمات فهى صورة من الشاعر تمشى على رجلين تحمل إلينا حنينه وأنينه وتقرح جفونه واضطراب خواطره فى مشاهد حية مجسمة !
يعز على الشاعر -والشعراء أرق الناس قلبا -أن يكتوى بنار القصيدة مرتين فى وقت واحد يعالجها فكرا وتخالجه مواقف شتى ويراها فى ثوبها القشيب المخيط بدمعه و نشيج روحه قصيدة تلوح أمام ناظريه ترقص رقص الطير الذبيح فى مشهد درامي ينفطر لوقعه القلب الحى حزنا وكمدا !
ومهما حاول الشاعر إخفاء مشاعره ،يدسها فى التراب يأتي السلطان القاهر صاحب الغلب الشعر الجموح فيكشف المأساة ويظهرها للناس عروسا مجلية لكنها باكية داميةالعينين
وكأن القصائد قطعت على نفسها عهدا لا تنقضه ولا تنقصه أن تكشف سره وتذيع خبره "تلك القصائد "مشيرا لها تعظيما وتخليدا فهى حبيبته الأثيرة "ومهما تأمر القلب يفعل "!
مستخدما" ويح"المنصوبة على المفعولية سواء مطلقة أو غيرها فهو مشفق عليها لأنها شقيقة روحه وصنو فؤاده يستمطر الرحمات ،يستميحها عذرا ،خففى ولا تثقلى ،كيف تحيين مذنبة ؟!
إن الشعر بحق هو من يحترق فيه الشاعر أولا ثم يسويه على نار الروح موقدا عليه جمر القلب مازجا إياه بعبرات العينين سبكا وقوة وشيجة !
ثم يفند الشاعر كلام المتشاعرين الذين يكتبون الشعر سبوبة يحيون بها أو يصلون من خلالها إلى عمل أو منفعة واصفا شعرهم بالشعر المعلب وإذا كان الطعام المعلب يمرض الجسوم فإن الشعر المعلب يمرض العقول ويضعف الذائقة ويقتل اللغة فى مهدها ويجنى على العاطفة مخرجا إياها من نار الشوق الى برودة الجفاء !
إن القصيدة عندما تكشف عن ساقيها مراودة الشاعر لا يملك إلا الارتماء فى أحضانها مطلقا العنان لبنات الخيال يلعبن به يصغنها على عينه حرفا حرفا بيتا بيتا !
ثم يختتم الشاعر أبياته فى حكمة تنز ألما :"ما أتعب الشعراء من إبداعهم لم تخلق الأشعار إلا متعبة !
وعلى وجه الإجمال فقد وفق الشاعر فى رسم الصور والأخيلة تجسيدا وتوضيحا وتشخيصا مزاوجا بين الأساليب الخبرية والإنشائية ناسجا بين الأفعال الماضية والمضارعة دائرا فى فلك النفى والاستثناء ملبسا غير العاقل ثياب العاقل فى شاعرية مائية فذة وانسيابية محلقة على أفنان القول صابغا قصيدته بالحكمة المستقاة من نيران التجارب الملتحفة بملحفة المواقف فى سبل الحياة المفترقة .

حمادة عبدالونيس الدرعمى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى