أحـــمَـد الـمُـــؤذّن - رواية - جـاموكــا - مراهنة حضارية محفوفة بالخطــر !

تنطلق روح السرد عند الكاتب العربي السوداني إبراهيم أحمد الإعيسـر في اتجاه أفقي يختار من بداية الأحداث في روايتـه " النوفيلا - القصيرة " والتي عنونها بـ... ( جــاموكـــا ) وهو يتشعب في دهاليزها ، فهي لا تـزيد عن 68 صفحة على شكل كتاب إلكتروني ، جذبتني كي أكتشف عوالمها ، وهي فرصة طيبة كي نتعرف على المشهد الروائي السوداني بعيدًا عن هيمنة الأسماء و القامات الكبيرة المعروفة سلفـًا لجميع القراء و الكتاب على حـدٍ سواء .
فالأكثر أهمية بالنسبة لي " شخصيـًا " إيجاد هذه الطاقات الشابـة التي تتقـد بدواخلها شعلة الموهبـة ، على الصعيد المحلي أو العربي ، فكان هذا العمل الروائي ( جـــاموكــا ) هو ضالتي ، أعترف ... أن الكاتب الشاب الذي قام بخلط وطبخ مختلف العناصر التي خلقت هذا المزيج الجميل و اللذيذ الطعم لاشــك بأنه يعي مقدار منسوب النهـر الذي يسبح فيه وهو مقبل على ما أسميه بـ.. مراهنـة حضارية محفوفـة بالخـطر ، حينما كتب هذه الرواية .
الرواية كما هو واضح بأنها ربما تكون الإطلالـة الأولى لكاتبها ( الإعـسر) وبداية الطريق في عالم الكتابة ، لكني هنا لن أدخل في هذه الجزئية لأتركها تؤثر على معيارية حكمي على العمل ككل ، لكوني أؤمــن بالطاقات الخلاقة التي يمتلكها الشباب و الرؤى التي تصطـرع في عقولهم ، قادرة على خلق الإبداع و... شرارة واحدة كفيلة بأن تخلق مهجاناً من الألوان !
( الإعـيـسر ) دخل لعبة الكتابة وهو يحتضن هذه الشرارة الثمينة بين كفيه ، فروايته التي لم يتمكن من نشرها ورقيًا بحكم ظروفه الخاصة ، مرد ذلك ليس لأن الرواية سيئـة ،إنما لأن الكثير من دور النشر العربية " الدكاكينية " الموجودة على الساحة ، سيئة التعامل و لا تتنازل عن سلخ جلد الكاتب العربي ، تريده أن يدفع بفرض صيغ تعاقد مجحفـة و مكلفة من حيث القيمة المادية ثم تتفاخـر هي " دور النشر " بأنها تساهم في تنمية المشهد الثقافي العربي!
( الإعـيسر ) تجاوز مأزقه ولجأ إلى خيار النشر الإلكتروني المحفوف بالمجازفة نسبيًا ، خصوصًا عندما يصدر الكتاب بدون الترقيم الدولي المعياري و الذي يحفظ للمؤلف حقـه في مصنفه الأدبي ، حيث آثر إطلاق الرواية للجميع عبر منصة " فيس بوك " ، هي كخطوة تتيح للقراء سهولة الحصول على العمل ولكنها بمثابة مغامرة ، فالسرقات الأدبية لا تعدم الحيلة في الوصول إلى مبتغاها ، تسرق من هنا و هناك إبتغاء التفاخر بدخول عالم الأدب واكتساب الوجاهة الاجتماعية .

( بنيـة الرواية والبيئـة المكانية )
نواجه في بداية الأحداث بنية روائية رسم خطوط عرضها و طولها الكاتب إبتغاء إيصال رسالته ، حيث قام بمراوغة البنية التقليدية للرواية في شكلها المعهود ، أختار بطله الافتراضي ليكون هذا ( الآخـر ) المدعو ماثيو دانييل الجيولوجي الخبير في التعدين ، القادم من دولة إستعمارية كبرى هي فرنسا ، جاء منها يحدوه الأمل كي ينتشل أحلامه من حفرة الفشل ، وهو يراهن على نجاحه من خلال بؤس العالم الثالث في القارة السمراء – إفريقيا ، جاء مغامرًا يبحث عن ( الأنا الجشعة التي تسكنه ) .
إن عنصر المكان في هذه الرواية يتمتع بالأهمية ويتحد مع الإطار الشامل للعمل ككل ، ليس عبثًا أن يستمر مسلسل الأطماع الغربية في موارد إفريقيا كقارة أغلب دولها وكياناتها السياسية واقعة تحت خـط الفقر و تراجع التنمية و الغرق في الديون الدولية و الصراعات و الانقلابات العسكرية ، الكاتب يعي هذا المأزق الحضاري جيدًا كثيمـة مكانية مهيمنة ربما على قدر إفريقيا كما يريد " الغرب / الآخـر " في الغالب .
تشخيص سبب فشل ماثيو مع مسيرة حياته وقد بلغ الستين بالإضافة إلى اختلال البيئة السياسية و التنموية في دول إفريقيا ، جلها مؤثرات أجاد الكاتب سبكها في منظومة الأحداث التالية التي أتكأ عليها العمل حتى النهاية ، نعم فالكاتب حينما وضع الخطوط الأولية لروايته ، أماط اللثام مسبقًا عن هذا الراوي العليم ولم يكن يريده أن يقوم بأيما دور؛ هذا التصرف أوجـد مناخـًا سرديًا في بنية الرواية يميل إلى الطرافة وحس التجريب المبكر عند كاتبنا ، لكونه يعرف جزء من خفايا السرد ، قرأ الكثير من التجارب الروائية التي سبقته ، هو يعرف ومن منطلق معرفته السابقة يسعى لإنتاج خطاب روائي يتحرى خلق الجديد سعيًا لتكون لهُ بصمة في هذا العالم .
من الأمور التي طغت على بنية الرواية أيضًا شحنها بفائض معلوماتي جاء بلغـةٍ تقريرية لم تضف أي جديد لهيكلية الحدث ، أصبح تدفق المعلومات في تراتبية الحدث غير منظـم ، فشكل هذا عبئـًا على الحالة الفنية التي تحتاجها الرواية . بالنسبة لي لا أتوقف على اللغـة المباشرة وأعتبرها بمثابة عبء على أي عمل أدبي ، إنما أقيس درجـة جودتها في صدم القارىء وإدهاشــه ولكن حينما تكون هذه المباشرة مكتضة بالمزيد من المعلومات التقريرية فهذا ما يفسـد جزئيًا متعة قراءة العمل الروائي .
مع كل ما سبق طرحـه ، ( الإعـيسر ) لايزال يمتلك في رصيده المزيد من الدهشة ، يكفيه أنه نصب من هذه القطة ( جاموكـا ) بطلـة في أغلب أحداث روايته وأسبغ عليها هالة من القداسة والتبجيل فصارت الحاكم الأوحـد لبلد إفريقي مُتخيل " كابيتا " ، بلد مـزقته الحروب الأهلية وتاجر فيه الأغراب بتحويله لمجرد مورد اقتصادي للمواد الخام يعج بالتخلف و التراجع الحضاري والاقتتال الطائفي .
بناء الأحداث أستمد من المكان طاقة الحلم المستحيل ، ففي نهاية المطاف يمكن تجاوز المستحيل عندما يؤمن الكاتب أنهُ لاشيء يقف في طريق تحقيق المعجزات ، اعطى " جاموكا " طاقة جبارة من التخطيط الاستراتيجي والدهاء فتمكنت من تطوير هذا البلد الإفريقي ليكون مستقلا و مكتفيًا ذاتيًا عن بقية العالم بكل عزم وإصرار!

( إطار الفكرة و الجانب الفانتازي )
الزاوي التي تم اختيارها لبداية أحداث الرواية ، تشبه في انطلاقتها عمل مخرج سينمائي يعرف كيف يختار موقع التصوير وماذا يريد ، هذا يدل على أن الكاتب متشبع بالحس السينمائي في رسم صورته السردية ، عرف كيف يوجه طاقته السردية وهو ما أنعكس عليّ كقارىء ، يختطف احساسي من الوهلة الأولى لعالمه الروائي وبشكل جميل ، أستطيع القول معه .. أنني أمام كاتب يمتلك الموهبة ويعرف معالم الطريق .
الطريق التي يسير فيها الكاتب ( الإعـيسر ) أرادها أن تتجه للجانب الفانتازي من حيث المعالجة ، فشخصية " جاموكا " تذكرنا بالمبدع جورج أورويل في رائعته مزرعة الحيوان ، يأتي إستنطاق الحيوان ها هنا كخلفية للمشهد العبثي الذي يغرق فيه هذا العالم المجنون ، كاتبنا تلمس هذه الجزئية وأستثمرها بالشكل الصحيح ضمن إطار الفكرة العامة لروايته ، كان بالإمكان إعطاء الرواية زخمًا أكبر من حيث المساحة الكلية لعدد الصفحات وتشعب الأحداث وضخ المزيد من التفاصيل الحياتية لشخصياته بدل هذا الاختزال السريع ، لكن لا أدري لماذا استعجل الكاتب في انهاء روايته بهذه السرعة؟
رغم ذلك " جاموكـا " رواية تستحق تقديرًا أفضل من مجرد نشرها على شكل كتاب إلكتروني ، فهي عمل أدبي كُتب بشكل جميل ، ينطلق من وجع الواقع المعيش حينما يُهمش الغني الفقير في سلم التنمية الحضارية و تكون مكانته على رقعة اللعبة السياسية الدولية مجرد بيدق بأيدي الكبار وحسب ، وهذا ما يرمي إليه الكاتب ويصرح به على لسان " جاموكا " التي فضحت إزدواجية معايير " الآخر " في نظرته لشركائه الأفارقة ، والاستخفاف بهم لأن لهُ دمٌ أزرق من حيث الفوقية العرقية و الثقافية و التقدمية التي أعطته برجه العاجي !
هذه القراءة الانطباعية بلا شك لا تعطي " جاموكا " حقها ، لكوني لستُ ناقدًا ولكن من منطلق مرتبة القارىء المتواضع المتذوق للوجبة الروائية ذات الرائحة و الطعم اللذيذ فـأدليت بدلوي هنا، يهمني قبل أي شيء المراهنة على كاتبها الشاب كما لو كنت في مضمار الفروسية ، أعرف بإحساسٍ لا يخطىء كيمياء الفوز و تمازجها ما بين الفارس و الجواد في حمى الميدان ، (الإعـيسر) عنده مستقبلا الكثير مما يقوله ، نعم هو اليوم في عوالم الكتابة " عوده طريًا" و ستواجهه مصاعب و عقبات كثيرة تعترض حلمـه ولكن ... من يتسلح بالموهبة والإصرار و الكفاح فهو الأجدر بالبقاء فوق رقعـة اللعب ، يستطيع تنميـة لياقته الأدبية و العملية بلا كلل أو ملل، مسألة وقت فقط حتى يشتد عوده وتصبح الأرض التي يقف عليها صلبة بما يكفي لكي يعانق سماء النجاح بكل ثقـةٍ واقتدار.
همسة أخيرة ، شاب العمل بعض الهنات من أخطاء نحوية وإملائية علها بفعل حماسة الكتابة لا غير ولكنها بلا شك لم تقلل من جودة الرواية على صعيد فكرتها و الطاقة التجريبية التي أختزنتها ، لذا نعتبرها مرة أخرى وجبـة أدبية دسمة المضمون تم طهوها بفن تحمل نكهـة الساحة الثقافية العربية السودانية إنطلاقًا من مجتمعها الفتيّ المتسلح بالطموح والمعرفة و الحــلم .



أحـــمَـد الـمُـــؤذّن / المنامـة



1619466359168.png

1619466379301.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى