أ. د. عادل الأسطة - القدس في كتابات كُتاب القصة القصيرة الفلسطينية

ترمي هذه المقاربة إلى معاينة حضور القدس في القصة القصيرة الفلسطينية، من خلال نماذج مختارة لقصاصين مختارين أيضاً، ذلك أن دراسة الموضوع دون اختيار وتمثيل تتطلب قراءة كل ما كتبه القصاصون الفلسطينيون في القدس، وهذا أمر يتطلب وقتاً زمنياً أطول، ويحتاج إلى تسويد عشرات الصفحات، ما يجعل تلبية شروط المشرفين على المؤتمر أمراً غير متيسر. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد درس بعض الباحثين موضوع القدس في القصة القصيرة الفلسطينية في رسائل علمية، وأبرز هؤلاء الباحث عبد الله الخباص في رسالته للدكتوراة: " القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن "، وقد ناقشها في العام 1989، وظهرت في كتاب مطبوع في العام 1995. وقد خصص الخباص للقصة القصيرة حيزاً من رسالته، بلغ حجمه 37 صفحة ( من ص 139-ص176).

ونظراً لأن الخباص درس الموضوع في الشعر والقصة والرواية والمسرحية، فإنه أحصى وذكر الخطوط العامة دون أن يفصل ويشرح ويحلل. طبعاً نحن لا ننكر قيمة كتابه، فهو أساس في هذا الموضوع، ولكنه لم يقل الكلمة الفصل، ولم يظهر الصورة واضحة، ما يترك المجال لباحثين آخرين كي يخوضوا في الموضوع، فيتوسعوا ويشرحوا ويحللوا، ويفصلوا في الحديث فيما لم يفض فيه هو.

سأتوقف في مقاربتي هذه أمام أربعة أصوات قصصية هي خليل السواحري وتوفيق فياض وأكرم هنية ومحمود شقير، وهم كتاب لهم باعهم في باب القصة، وقد أخلصوا لهذا الفن سنوات طويلات، وأصدر كل واحد منهم غير مجموعة قصصية، وشكل علامة مميزة في القصة القصيرة الفلسطينية.

القاصون وصلتهم بالمدينة:

للقصاصين الأربعة صلة بمدينة القدس تكاد تكون وثيقة. حقاً إنها ليست متقاربة ومتشابهة، إذ تختلف من قاص لآخر، إلا أن أياً منهم لم يكتب عن المدينة دون أن يعيش فيها أو يزورها. فخليل السواحري من منطقة السواحرة وهي من ضواحي القدس وقد عاش في المدينة حتى العام 1969، إذ أبعدته عنها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وعاد إليها في العام 1993، وإن لم يستقر فيها. ومحمود شقير أيضاً من قرية تقع في ضواحي المدينة، لكنه منذ وعى الدنيا لم ينقطع عن زيارة المدينة، حتى إنه غدا ظلا لها، وحين أبعد عنها في العام 1975 وعاد إليها في العام 1993، عاد ليستقر فيها، وأكرم هنية الذي ولد في رام الله، وهو لاجئ فلسطيني من قرية أبو شوشة، زار القدس في شبابه مراراً، وحين أنهى تعليمه الجامعي في القاهرة، وعاد إلى الوطن ليستقر فيه في العام 1988، عمل في الصحافة، وسرعان ما أصبح رئيساً لتحرير جريدة الشعب، ولم ينقطع عن المدينة، منذ 1979 حتى تاريخ إبعاده من أرض الوطن في العام 1986، إلا في فترات محددة فرضت عليه السلطات الإسرائيلية خلالها الإقامة الجبرية في رام الله. وتوفيق فياض من المناطق المحتلة في العام 1948، وقد زار المدينةمراراً ما بين 1967 و 1974 تاريخ خروجه من فلسطين، إثر عملية تبادل أسرى بين مصر وإسرائيل.

التمثيلات القصصية:

سوف أتوقف أمام بعض قصص " مقهى الباشورة "(1969) لخليل السواحري، باعتبارها تعطي صورة عن المدينة في إثر نكسة حزيران 1967، وهي بذلك تمثل مرحلة الستينيات، وقصة " أبو جابر الخليلي " لتوفيق فياض، إذ أنجزها في سبعينيات ق20 وظهرت في مجموعته البهلول (1977)، وهي بذلك تعطي تصوراً عن المدينة في بداية السبعينيات من ق20، وقصة أكرم هنية " بعد الحصار .. قبل الشمس بقليل "، وقد ظهرت في مجموعته الأولى " السفينة الأخيرة .. الميناء الأخير "(1979)، وهي وإن اقتربت زمنياً من قصة فياض، إذ تقعان في العقد نفسه من ق20، إلا أن ما أتت عليه لم يأت عليه فياض، وهكذا فإن مقاربة كل منهما للمدينة مختلفة، وكتاب شقير " ظل آخر للمدينة "(1998)، وهو كتاب نثري يلخص علاقة القاص بالمدينة منذ الستينيات حتى التسعينيات من ق20، وهو بذلك يتقاطع مع القصص السابقة، ويتجاوزها أيضاً لعقدين إلى الأمام.

خليل السواحري:

يعد خليل السواحري صوتاً قصصياً بارزاً؛ لافتاً ومهماً في حركة القصة القصيرة الفلسطينية، على الرغم من أنه لم يتفرغ لهذا الفن طيلة حياته. بدأ خليل يكتب القصة القصيرة، ولكنه، حين أبعد، التفت إلى فنون أدبية أخرى، كالمقالة والمقالة السياسية والترجمة، ولم يعد يكتب القصة إلا على فترات، كأنها لم تعد عالمه الوحيد. وعموماً تعد مجموعته الأولى " مقهى الباشورة " الأوفر حظاً من النقد فيما كتب، فقد التفت إليها أكثر مما التفت لغيرها. وإذا كان هناك كتاب يعد بيضة ديك لمؤلفه، فإنها هي بالتأكيد بيضة الذهب لخليل، إذ استقبلت في العالم العربي من النقاد استقبالاً لافتاً.

وتتكون المجموعة من تسع قصص قصيرة تجري أحداثها في مدينة القدس غالباً، وتتخذ من مقهى الباشورة في البلدة القديمة من القدس منطلقاً لأحداث القصص، فالمقهى هو المكون المكاني الأساس للقصص. ولم يرد ذكر القدس مكوناً مكانياً في العنوان إلا في قصة واحدة هي " في الطريق إلى القدس ". وعلى الرغم من هذا فإن المجموعة، بشكل عام، تعطي تصوراً للمدينة وحياة الناس فيها بعد هزيمة 1967، ومن خلال مقارنة ما غدت عليه الأحوال فيها بعد العام المذكور، بما كانت عليه قبله، يشكل المرء تصوراً عن التغيرات التي ألمت بالمدينة وأهلها في الستينيات وما قبلها، إذ قد يعود الزمن القصصي أحياناً، من خلال الذاكرة والمقارنات، إلى ما قبل العام 1948. ويلحظ المرء نوعين من التغيرات على القدس؛ التغير الذي طرأ على تشكل المدينة من ناحية عمرانية، والتغير الذي بدأ يطرأ على سلوك الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم. وهكذا يرصد قارئها صورة للمدينة خلال فترة زمنية محددة هي المذكورة آنفاً.

أولاً: التغيرات الطارئة على المكان:

مع أن مكون العنوان الفرعي يكاد يكون قليلاً، إذ يبرز في قصتين تقريباً هما " في الطريق إلى القدس " و " ومقهى الباشورة "، إلا أن القصص، سواء التي كان العنوان فيها ذا مكون مكاني أو تلك التي خلا عنوانها من مكون مكاني، تعطي تصوراً عن المكان والتغيرات التي طرأت عليه. يبرز ذلك في القصة الأولى " أول يوم "، وهي قصة، كما نلاحظ، يخلو عنوانها من أي مكون مكاني، إلا أنها ترصد التغيرات التي أجرتها القوات الإسرائيلية على القدس منذ أول يوم من أيام احتلالها لها.

يلم سارد القصة إلماماً بالمدينة، فهو يعرف أماكنها وأسماء شوارعها، ويأتي على التغيرات التي رآها في المدينة بعد رؤيته لها بعد احتلالها. عطا أبو جلدة ريفي يزور القدس بعد الاحتلال، فينتابه شعور ثقيل بالغربة والمذلة، ويحس وهو يعبر باب المغاربة أنه لا يدخل مدينة القدس التي كان يدخلها قبل أربعة أشهر " وهاله أنه يجد ساحة فسيحة كميدان السباق أمام حائط المبكى: يا الله! أين ذهبت كل تلك البيوت التي كانت تقوم في هذه الناحية .. "(ص31) وسيلاحظ عطا أيضاً انهيار السور الذي كان قائماً بين القدس العربيّة والقدس الغربية المحتلة منذ العام 1948، وهنا سيحدث نفسه بحزن:

" قديماً كنا نصعد المصرارة ونتمنى أن يأتي اليوم الذي يزول فيه هذا السور الكريه، واليوم صرنا نتمنى أن يعاد بناء هذا السور، با للعجب .. "(ص38).

سترصد هذه التحولات على المكان قصة أخرى هي قصة " مقهى الباشورة "، إذ تعطينا صورة عن الحي الذي يقع المقهى فيه والتحولات التي طرأت عليه في العام 1948 وما تلاه، والتحولات المقابلة لها التي طرأت عليه في العام 1967 وما تلاه. سنلحظ هذه التغيرات في الفقرتين التاليتين على طولهما:

" فيعد أن سقطت حارة اليهود بين العرب في حرب الثمانية وأربعين تحولت سوق المقهى بأكملها إلى باشورة، وانقطعت أفواج الذاهبين من وإلى حارة اليهود، وقد مرت فترة طويلة والحارة شبه أنقاض، حتى عادت إليها الحياة مرة أخرى عندما استوطنها اللاجئون وجعلوا اسمها حارة الشرف، ومع ذلك فقد ظلت أحوال المقهى شبيهة بأحوال دكاكين الخردوات تزدهر يوماً وتنتكس في أغلب الأيام.

إلا أن حرب حزيران جاءت فيما يبدو لتعيد مياه المقهى إلى مجاريها، فقد أصبحت حارة اليهود بين ليلة وضحاها مزاراً حاشداً، وعادت الأفواج تملأ الشوارع ... " (ص81).

ثانياً: التغيرات الطارئة على سلوك الناس في المكان

لا يرصد خليل السواحري، من خلال سارده وشخصياته التحولات الطارئة على المكان وحسب، وقد كانت هذه زمن كتابة القصص، ما بين 1967 و 1969، قليلة ومحدودة، وإنما نجده يرصد، أيضاً على لسان سارده وشخصياته، التغيرات الطارئة على سلوك الناس في القدس.

كانت القدس مدينة محافظة على الرغم من أفواج السياح الذين يقصدونها. هذا لا يعني عدم خروج عن المألوف وممارسة علاقات حب بين بعض سكانها وبعض السياح القائمين، لكن ذلك، إن تم، فقد كان يتم سراً لا علانية. وربما لم يجاهر بعض سكانها أيضاً بشرب الخمر وتناول المخدرات وممارسة الرذيلة علناً. وقد اختلف الأمر بعد احتلال المدينة.

ترصد هذه التحولات الطارئة قصة " مقهى الباشورة "، فقد كانت هذه أيام الحكم الأردني مقهى عادية يجلس فيها الرجال، يلعبون النرد والورق، ويحتسون المشروبات الساخنة والباردة، ويثرثرون. ولم تكن النسوة تجلسن في المقاهي. وسيختلف الأمر بعد النكسة، فقد أخذ اليهود، شباباً وشابات، يرتادون المقهى، ويدخنون الحشيش، وقد يمارسون الرذيلة، وهذا ما لم يرق لصاحب المقهى الذي رأى أن مقهاه تحول إلى محششة.

يورد السارد كلاماً عن الشلل التي كانت تزور المقهى قبل الاحتلال وبعده، فيعددها ولكنه يردف كلامه بكلام آخر عن شلل جديدة، حيرت صاحب المقهى أبا بلطة:

" إلا أن أمراً حير المعلم واستحوذ على كل انتباهه وتفكيره فقد أحس بخبرة صاحب المقهى المتمرس أن شللاً جديدة قد أخذت تغزو المقهى، ولاحظ أن بعض هذه الشلل يكون مصحوباً بالبنات وأن هناك أشياء تدور بالهمس فيما بينهم "(ص84) وحين يطلع أبو بلطة الأستاذ سعيد، وهو أحد رواد المقهى، على الأمر يجيبه الأستاذ " واحد من أمرين: إما نسوان أو حشيش "(ص84).

وسيراقب أبو بلطة هؤلاء الرواد، إذ يأخذ بما قاله له الأستاذ سعيد، وستظل عيناه ( عينا المعلم ) تتلصصان من بين أصابعه، وسيرى أحد الرواد يدس يده في جيب بنطلونه الخلفية، يخرج شيئاً يناوله للفتاة، وهنا سيفاجئ المعلم هؤلاء الرواد قائلاً:

" – ما الذي أعطيته لها؟ حشيش "(ص92) وسيحاول هؤلاء الرواد أن يسكتوا المعلم بإرضائه بالمال ليغض الطرف عما رأى. وسيتذكر المعلم ماضيه وأيام جدعنته، وسيرفض أن يحول مقهاه إلى ماخور. حقاً إنه أخذ يبيع البضاعة الإسرائيلية، بعد أن رفض، في الأيام الأولى للاحتلال، بيعها، إلا أنه يرفض أن يحولها إلى محششة وماخور، وحين يقترح عليه أحد الرواد أَخْذَ مبلغ من المال ليسكت يرفض، ويبدو هذا واضحاً في كلام السارد:

راود المعلم شعور ما بأن أيام الجدعنة التي كان يتحسر عليها قد عادت. أحس ذلك بصدق من نظرات الهلع ولهجة التوسل والرجاء التي كانوا يخاطبونه بها، وَهَمَّ إلى حين بأن يمضي معهم في هذه اللعبة القذرة حتى النهاية، ولكن إلى أين ستمضي هذه اللعبة؟ تحسر على أيام جدعنته الماضية وهو يرى نفسه الآن وقد أوشك أن يتحول حشاشاً وربما في النهاية مديراً لماخور "(ص93).

كانت التحولات الطارئة على المكان في بداية الاحتلال محدودة وملموسة، ولم تكن تشكل خطراً كبيراً، كما أخذت تشكل فيما بعد، ولقد كانت التحولات الطارئة على سلوك الناس، بخاصة الشباب، هي التي أرقت سكان القدس، وهي تحولات ناجمة عن اختلاط مجتمعين ببعضهما، أحدهما مغلق محافظ وهو المجتمع الفلسطيني، وثانيهما منفتح إلى حدود بعيدة هو المجتمع الإسرائيلي. وقد أبرز السواحري في قصصه المبكرة هذا.

توفيق فياض:

القصة القصيرة الوحيدة من قصص توفيق فياض التي تجري أحداثها في القدس هي قصة " أبو جابر الخليلي ". كان فياض أصدر مجموعتين قصصتين هما: " الشارع الأصفر "(1968) و " البهلول " (1977). وقد أنجز أكثر قصص الأولى قبل العام 1967، يوم كان مقيماً في الأراضي المحتلة في العام 1948، وأنجز قصص الثانية، وهي ثلاث فقط، بعد خروجه من الأرض المحتلة. وتجري قصص أكثر قصص فياض في الريف، وقليلة هي القصص التي تجري أحداثها في المدن مثل الناصرة والقدس. حقاً إن السواحري وشقير ريفيان مثله، لكنهما ريفيان قريبان من القدس، وقد كانت لهما مستقراً في النهار كله تقريباً، وربما كانت علاقة فياض بالقدس قليلة، ذلك أنه كان يقيم في فلسطين المحتلة في العام 1948، ولهذا لا عجب في أن كتابته عن القدس لا تكاد تذكر قياساً لما كتبه الآخران المذكوران.

وربما يتوصل المرء، بعد قراءته قصة فياض، إثر قراءة " مقهى الباشورة " للسواحري، إلى أنه قرأ السواحري وتأثر به، ذلك أن هناك تشابهاً واضحاً بين شخصية المعلم أبو بلطة في قصة السواحري وشخصية أبي جابر في قصة فياض. بل إن رصد التغيرات التي طرأت على سكان القدس إثر تأثرهم بالمواطنين اليهود الوافدين تبدو واضحة في قصتي الكاتبين، وما يبدو واضحاً أيضاً رفض الشخصية المحورية في القصتين لهذا التأثر، إذ أنهما رجلان أخلاقيان محافظان، فيم يتصرف المواطنون اليهود بانفتاح واضح. يعانقون الفتيات في الشارع، ويلبسون ملابس فاضحة، ويدخنون الحشيش، وهذا كله يؤثر على بعض المواطنين العرب.

مكون العنوان في القصة هو مكون شخصي " أبو جابر الخليلي "،والقصة قصة شخصية، لا قصة حدث أو قصة فكرة أو قصة مكان، لكن المكان الذي يتحرك فيه أبو جابر هو القدس قبل الاحتلال الإسرائيلي لها وبعده، ومن خلال معايشات أبي جابر ومشاهداته وتحركاته نعرف المكان وما ألم به من تغيرات، بل ونعرف حالة الطقس في المكان. والتغيرات التي ألمت بالمدينة، في القصة، هي تغيرات اجتماعية، لا عمرانية، فحتى تاريخ كتابة القصة لم يكن التهويد بدأ ونما واتسع. ربما كانت هناك بعض الأحياء اليهودية تُنشأُ حول المدينة، أما في البلدة القديمة فلم يكن التهويد يلاحظ، كما يلاحظ الآن، حيث شراء البيوت والسيطرة عليها ومحاولة ترميم ما استولى عليه منها، حتى بلغ الأمر مبلغاً خطيراً بالتنقيب والحفر قرب المسجد الأقصى.

قصة أبي جابر لا يرويها أبو جابر، فهناك راو عليم يروي قصة هذه الشخصية، ويأتي في أثناء رصده تحركات أبي جابر على أجواء المدينة، فأبو جابر يتدثر بالملابس " زيادة في الحذر من غدر البرد المقدسي القارس، في مثل هذا الوقت، والمخالف لكل تقويم فصلي، إذ ليس أبو جابر من يخدعه مزاج الطقس في القدس، وتقلباته المفاجئة، فهو يعرف مزاج الطقس في القدس أكثر من معرفته لمزاج أم جابر في آخر الشهر عادة، بل وحتى من الطقس نفسه، ويكفيه أن يطل بأنفه خارج نافذة منزله القديم في باب الأسباط، في أي ساعة من ساعات النهار، ليقول لك كيف سيكون الليل، وإذا ما كان عليك تمديد خدمة معطفك الشتوي لتلك الليلة أم لا، كي لا تصاب بنزلة صدرية في عز الصيف، والعياذ بالله ". (ص47، ص48).

ويفصح المقطع السابق عن علاقة وثيقة بين الإنسان والمكان، بين أبي جابر والقدس. إنها ليست علاقة عابرة. إنها علاقة عمر فقد أقام أبو جابر في المدينة وعمل حارساً فيها منذ سنوات طويلات. منذ حكم الأردن لها، واستمر في عمله منذ الاحتلال الإسرائيلي.

وتظهر القصة موقف عرب فلسطين المحتلة من القدس ورؤيتهم لها. كان عرب فلسطين يزورون القدس، لا ليصلوا فيها، بل ليزورها، وكان هذا يغضب أبا جابر، ذلك أنهم حين يتكلمون عن القدس يستخدمون الفعل نزور لا الفعل نصلي:

" ورغم أن " أبو جابر " كان يغضب عندما كان يسمع من أحدهم كلمة " تانزور " وليس " تانصلي "، وخاصة ممن ينزلون في فندق البتراء، إلا أنه كان يحس بحزن عميق لما وصل إليه أهل الأرض المحتلة سابقاً "(ص61).

وكان أبو جابر يتحاشى الحديث مع هؤلاء، فقد أخبره صاحب الفندق " أن أهل الأرض المحتلة سابقاً، نصفهم شيوعيون، وهذا يعني أنهم ملحدون، والعياذ بالله .. والنصف الآخر جواسيس لليهود، ويعملون مع الاستخبارات الإسرائيلية ... "(ص61).

يأتي السارد، وهو يصف المكان الذي يتحرك فيه أبو جابر، على تغيرات سلوك الناس في المكان، أيام الأردن وأيام الاحتلال، وهذه التغيرات ليست للأفضل، لأبي جابر وللمحافظين على أية حال، فأبو جابر رجل متدين محافظ. كان شارع صلاح الدين أيام حكم الأردن ليلاً عادياً لا يعكره شيء سوى التقاء من يسير فيه بأزعر أو اثنين " أما بعد الاحتلال، والعياذ بالله، أصبح لا يلتقي إلا شباب يعانقون الفتيات ويقبلونهن في منتصف الشارع "(ص64)، وإذا كانت صلاحيات أبو جابر أيام حكم الاردن تخوله الاعتداء على من يمارس الرذيلة، فإنها أيام الاحتلال لا تخوله هذا، فالقانون الجديد لا " يتيح له التدخل إلا في حالتين غير معقولتين، وهما: إذا استنجدت به الفتاة التي طلبت الشرطة، وثانيهما إذا كان الاثنان يمارسان الدعارة بمعناها الحرفي في الشارع ... "(ص64).

ويأتي السارد على وصف مفصل لشارع صلاح الدين وما فيه من محلات وبضائع، وما ألم بها بعد الحرب مباشرة، وما ألم بتجارها أيضاً. ثم والسارد يصف حركة أبي جابر في القدس يأتي على شارع الزهرة، شارع النوادي الليلية والمقاهي الفاخرة " حيث كان يزدحم بالسواح العرب والأجانب قبل الاحتلال، ولكنه ما كاد يمر على الاحتلال الإسرائيلي سنة واحدة، حتى انقلب إلى ماخور شبه رسمي، يتدفق عليه الإسرائيليون من القدس اليهودية وحتى من تل أبيب، يشربون ويرقصون حتى الساعات المتأخرة من الليل، ثم يعودون تاركين وراءهم المومسات وقواديهن، لكي يفرجوا كرب السكارى من أبناء القدس " اللي لا هامهم احتلال ولا هامهم فلسطين "، والذين كان يعتبرهم أبو جابر ليس فساقاً ومصيرهم جهنم وحسب، بل إنهم خونة وجواسيس لليهود .. " ( ص66، ص67 ).

ولكن هذا الشارع شارع مقاومة أيضاً فأهل القدس ليسوا جميعاً على الشاكلة التي أبرزها المقطع السابق. هناك مقاومون وفدائيون لا يروق لهم ما يجري ومن هنا يلقون القنابل على هذه النوادي .. المقطع اللافت في أثناء وصف شارع الزهرة هو ما يورده السارد عما يدور في ذهن أبي جابر حين يمر بشارع الزهرة:

" ولم يكن أبو جابر يخاف من أي مكروه أكثر من مكروه هذا الشارع، فلو بقي الأمر بالاحتلال فقط لهان الأمر، فالدبابات والجنود في شوارع القدس أهون عليه مصيبة من ذلك، ومصيرها أن تنسحب آجلاً أم عاجلاً .. أما أن يحتلوها بالمومسات والقوادين فهذا أمر خطير ما من بعده خطر "(ص67).

لم ينسحب الإسرائيليون، فبعد مضي ربع قرن على كتابة القصة لاحظنا العكس، إذ أن الإسرائيليين احتلوا المدينة بالاستيطان وبالتضييق على سكانها حتى يرحلوا منها، وبشراء منازل البلدة القديمة، هادفين من وراء ذلك تهويد المدينة، وتحويلها من مدينة عربية إسلامية إلى مدينة يهودية.

وربما تذكر المرء وهو يقرأ قصة فياض الشاعر العراقي مظفر النواب وما أورده عن موقف الحكام العرب من مدينة القدس، إذ أدانهم الشاعر لأنهم لم يفعلوا شيئاً من أجل تحرير القدس، ورأوها تستباح على مرأى عيونهم، علماً بأن خطابهم يجعل منها عروس عروبتهم.

يأتي السارد على ما يشاهده أبو جابر في الليل في شوارع القدس، حيث يمارس الشباب والشابات اليهود الحب ممارسة شبه علنية، وليس أمامه إلا السكوت، فالقانون لا يجيز له التدخل إلا إذا رأي الشاب يضاجع الشابة تماماً (ص68)، ويكاد يتورط بالإثم وهو يشاهد ما يشاهد، وهنا يخاطب أبو جابر نفسه قائلاً:

" طب انشاء الله ما حدا حافظ، ولا حدا تحشم، وأنا مالي انشاء الله يقلبوها كرخانة، إذا حكامها ما حافظوا عليها، تا يحافظ عليها أبو جابر!؟ ) "ص69).

لقد قلب الإسرائيليون القدس إلى كرخانة (ص72)، ما جعل أبا جابر الذي لم يكن يحب الملك حسين وحكمه، يحن إلى تلك الأيام ويترحم عليها.

وكما ذكرت فالقصة لا تشير إلى التغيرات العمرانية التي ألمت بالمدينة، إذ كانت هذه حتى بداية السبعينيات قليلة، ويبرز هذا في أحد مقاطع القصة، فبينما السارد يصف حركة أبي جابر في المدينة، في نوبة حراسته، نجده يأتي على اقتراب أبي جابر من الحدود الفاصلة بين شطري المدينة، ويشير إلى أنها بقيت على حالها.

" وغادر طريق نابلس إلى المصرارة، عبر شارع مظلم كان يكرهه لسبب لا يدريه، ويقطعه عادة بسرعة إلى شارع المصرارة، حيث كانت الحدود القديمة بين الضفة الغربية تحت حكم حسين، والأرض المحتلة عام 1948 تحت حكم إسرائيل، فإلى الغرب من هذا الشارع تمتد القدس اليهودية، وإلى الشرق تمتد القدس العربيّة، ولا يفصلهما عن بعضهما غير بعض الأطلال والأنفاق التي لا تزال على حالها، رغم احتلال القدس العربيّة وهدم الحواجز، ويستعملها المومسات والقوادون والمخنثون ... "(ص73).

ويعاني أبو جابر معاناة كبيرة في المدينة، إذ في أثناء حراسته يلتقي ببعض شباب وشابات يهود يمزحون معه، فيعطونه سجائر الحشيش ليدخنها ويمدون أيديهم عليه، ممارسين بذاءات جنسية، ولا يلفظ هؤلاء اسم المدينة بالعربية، بل بالعبرية، ما جعل أبا جابر يعقب على هذا:

" يا روشالييم قال .. الله عليك يا زمن، القدس صار اسمها يا روشالاييم ... "(ص81).

وثمة إشارة مبكرة إلى مطامع اليهود في القدس ورغبتهم في امتلاكها وطرد سكانها منها، فأحد الصبية اليهود (دورو) يقاطع أبا جابر في أثناء حديثه، ويشده من كتفه قائلاً:

" بس انتو فلستيني بعد بعمل خرب .. وبخط بمبا من شأن اخنا يهود بموت .. لازم انتو بروح من يروشلاييم تبع اخنا يهود بس "(ص83).

ولا يحتمل أبو جابر هذا كله ما يجعله يقدم في النهاية على قتل جندي إسرائيلي. هل كانت هذه القصة إشارة مبكرة لما سيؤول إليه الوضع في القدس وفلسطين؟

أكرم هنية:

أصدر أكرم هنية ست مجموعات قصصية منذ العام 1979، وقد كانت القدس مكاناً لبعض قصصه، ولم يخل أحد عناوين مجموعاته من دال القدس، وتحديداً المجموعة الرابعة " عندما أضيء ليل القدس "(1986).

كان هنية، كما ذكرت ابتداء، عمل في القدس ما بين 1979- و 1986، ولم ينقطع عن زيارة المدينة إلا في الفترات التي فرض عليه فيها الإقامة الجبرية في رام الله، وتحديداً في العام 1981.

ويمكن الإشارة إلى ثلاث قصص قصيرة كان للقدس فيها حضور لافت، الأولى من مجموعته الأولى " السفينة الأخيرة ... الميناء الأخير "(1979)، وهي قصة " بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل "، والثانية والثالثة من مجموعته الرابعة " عندما أضيء ليل القدس "(1986) وهما: " عندما أضيء ليل القدس " و " صلاة في المرحلة السادسة ". ولم يتخذ من القدس مكاناً لقصصه التي أصدرها في انتفاضة الأقصى " أسرار الدوري "(2001) و " دروب جميلة "(2007)، وربما يعود السبب في ذلك أنه ما عاد يرى المدينة ويزورها كما كان يفعل قبل العام 1986، إذ استعصت زيارة المدينة على أبناء الضفة والقطاع.

وسوف أتوقف أمام قصة " بعد الحصار ... قبل الشمس بقليل "، لأنها، من وجهة نظري، الأكثر دلالة فيما يتعلق بموضوع القدس في القصة القصيرة. حقاً إن قصتي " صلاة في المرحلة السادسة " و " عندما أضيء ليل القدس " مهمتان، ولكن ملامسة الموضوع في الأولى يبقى أكثر عدا أنني أنجزت مقالة موسعة موسعة عن قصة " عندما أضيء ليل القدس ".

تقوم القصة على حدث متخيل – الزمن الكتابي للقصة هو العام 1979، وزمن النشر هو العام نفسه أيضاً -. يصحو سكان المدينة، ذات صباح، ويكتشفون أن الصخرة انسرقت.

إن الصخرة ما زالت في مكانها حتى اللحظة، ولم تسرق في العام 1979. هل كان هنية يتنبأ بما يحدث الآن، وبما ستؤول إليه مدينة القدس إذا ما استمر احتلالها واستمرت الدولة العبرية بأعمال الحفر والتنقيب والتضييق على سكان المدينة العرب؟ هل سيأتي يوم يزول فيه الأقصى ويقام مكانه الهيكل، وبالتالي لن نرى الصخرة؟

أظن أنه يوسف إدريس الكاتب المصري هو الذي كتب قصة قصيرة أتى فيها على الأهرامات واختفائها، فهل تأثر هنية بإدريس، بخاصة أن هنية درس في مصر وقرأ أعمال يوسف إدريس.

أياً كان الأمر فإن ما يجري الآن في القدس لا يبشر بمستقبل آمن مطمئن للأماكن الدينية الإسلامية، ولعل نبوءة القاص في قصته قد يغدو حقيقة إذا ما واصل الإسرائيليون تهويد المدينة، وواصل العالم صمته، واستمر العرب في عجزهم. وعموماً فإن القصة تبين مكانة القدس في قلوب أهلها العرب، وهي تعني لهم الكثير الكثير.

يختار هنية أربع شخصيات عربية لها صلة قديمة بالمدينة، ويظهر، بعد أن لاحظت أن الصخرة سرقت من مكانها، ردود فعلها إزاء الحدث، ويبين ماذا تعني لهم مدينة القدس.

الشخصية الأولى هي آمنة، وهي امرأة ريفية تأتي إلى المدينة يومياً لتبيع الخضار والفواكه حتى تنفق على أبنائها، فزوجها الآن سجين لأنه قاوم الاحتلال. وتعود صلتها بالقدس إلى فترة طويلة سابقة، فقد زارت المدينة يوم كان عمرها سبع سنوات، إذ اصطحبها والدها معه في الجمعة الأخيرة من رمضان، ليشتري لها حذاء جديداً وثوباً مقصباً للعيد. وفي القدس تأكل الحلوى ... ولقد كانت تلك الزيارة زيارة فرح. وزارت آمنة المدينة ثانية مع ابن عمها الذي غدا زوجها، يوم عرسها، لينتقيا لوازم البيت. كان هذا قبل الاحتلال الإسرائيلي للمدينة، ولقد تغير بعده كل شيء. سجن زوجها وغدت تعمل حتى تنفق على أسرتها " وهي تدرك الآن أن القدس لم تعد بالنسبة لها مثلما كانت قبلاً "(ص156) وهي حين تبصر ذلك الصباح الناس في المدينة، صباح سرقة الصخرة، واختفاء المسجد، تتساءل: هل يحبون القدس مثل زوجي؟

الشخصية الثانية هي أبو فؤاد، وصلته بالمدينة تعود إلى أربعين عاماً خلت. إنه يؤدي أغلب الصلوات في الأقصى، وكان يحس بأنه يعرف كل حجر في الموقع، وحين كان يشعر بضيق كان يذهب إلى الأقصى مسرعاً يجلس تحت أشجار السرو الخضراء ويفتح القرآن ويقرأ. ويحس أبو فؤاد، حين يلاحظ اختفاء الصخرة والأقصى، كأن جذوره اقتلعت، وأن صلته بأشياء كثيرة انقطعت.

وأما الشخصية الثالثة فهي أبو مازن. إنه بائع صحف ومجلات يخرج يومياً مبكراً من منزله، وله طقوسه وعاداته، فأول ما يشاهد الصخرة يتمتم: يا فتاح يا عليم ... والآن سيضطر لتغيير طقوسه وعاداته. لقد تغير شيء ما في المدينة، علماً بأنه يدرك أن هذه التغيرات تمت منذ سنوات. لقد تغير هواء المدينة، وشوارعها تئن تحت أقدام غريبة ثقيلة، وغدا هو نفسه يشعر بأنه غريب عن شوارع هذه المدينة التي يعرف كل شبر فيها. وإذا كان هو لم يدافع عن القدس، مثل زوج آمنة، فإن ابنه الصغير دافع عنها وسجن لأجلها.

ويبقى سليمان، الشخصية الرابعة، لم يصل سليمان طوال حياته إلا مرة واحدة، ولكنه يشعر كم هو الحرم غال وعزيز عليه. حقاً إنه لم يصل فيه إلا مرة واحدة، لكنه منذ كان صغيراً كان يزوره ويتردد عليه، وكان يحمل له احتراماً وقدسية ويفتخر بأنه يسكن قريباً منه في المدينة القديمة. ويشعر الآن، حين لاحظ اختفاء الصخرة والأقصى، بأن شيئاً عزيزاً أساسياً من ماضيه قد اندثر وأن تفاصيل هامة من حياته اليومية قد ضاعت. وغدت القدس، الآن، غير القدس التي يعرفها.

هل كان هنية يحس بأن القدس في طريقها للضياع؟ وهل ما كان في القصة متخيلاً غدا حقيقة الآن؟

محمود شقير:

أنجز محمود شقير مجموعات قصصية عديدة هي " خبز الأخرين "(1975) و " الولد الفلسطيني "(1977) و " طقوس للمرأة الشقية "(1986) و " ورد لدماء الأنبياء "(1990) و" مرور خاطف "(2001) و " صورة شاكيرا "(2003) و " ابنة خالتي كوندوليزا "(2004) و " احتمالات حفيفة "(7/2006)، ومن الملاحظ أن أي عنوان من عناوين المجموعات يخلو من دال القدس، بل ومن دال المكان. هل كان شقير لا يلتفت في قصصه إلى المكان، بحيث يحضر هذا في ذهنه وهو يفكر في العنوان الأبرز من بين عناوين قصصه القصيرة، ليجعل منه عنوان المجموعة كلها؟ هل يعني هذا أن المكان لم يكن يشغله بالدرجة الأولى؟ وإذا كانت القصة القصيرة قصة حدث أو قصة فكرة أو قصة شخصية أو قصة مكان، فهل كان المكان غائباً عن قصصه أو إن حضوره كان أقل من حضور الحدث والفكرة والشخصية؟ ذلك أن عناوين مجموعات قصص شقير تتشكل من مكون حدثي وشيئي وشخصي – وإن كانت الشخوص غير محددة ( الآخرين، الولد، المرأة، الأنبياء ) إلا قليلاً ( كوندوليزا وشاكيرا )؟

ربما يكون - بل هذا شبه مؤكد - كتابه " ظل آخر للمدينة " هو أبرز كتاب أتى فيه على القدس. حقاً إن بعض قصصه لم تكن تخلو من ذكر المدينة أو الكتابة عما يجري فيها، بخاصة بعض قصص " خبز الآخرين " و " صورة شاكيرا "، إلا أن الحضور الأكبر للقدس كان في هذا الكتاب. إنه الكتاب الذي يأتي فيه على المدينة وتاريخها منذ عرفها شقير واقترب منها، بل إنه أحياناً يعود بنا إلى تاريخها في فترات زمنية قديمة، وإن كان هذا نادراً.

مكون عنوان الكتاب مكون شيئي وشخصي ومكاني معاً. إنه مكون يجمع بين شقير والقدس، فالمدينة هي القدس، وهذا ما يفصح عنه الكتاب من ألفه إلى يائه، وظلها الآخر هو الكاتب محمود شقير. حقاً إن الكتاب ليس قصصاً قصيرة، إذ هو كتاب سيري؛ سيرة الكاتب وسيرة المكان – بمعنى آخر سيرة المكان من خلال علاقة شقير به منذ وعي الدنيا. وهكذا نعرف، ونحن نقرأ الكتاب عن القدس في خمسينيات ق20 وستينياته وسبعينياته وتسعينياته، ذلك أن شقير زار القدس في الخمسينيات، وتردد عليها بكثرة في الستينيات والسبعينيات حتى تاريخ إبعاده في العام 1975، ثم عاد إليها في التسعينيات (1993)، ومن هنا أخذ يقارن بين مراياها المختلفة في أزمنة حكم مختلفة، وضمن رؤيته لها وعيشه فيها في فترات مختلفة أيضاً، وكان شاهداً على التطورات السياسية والاجتماعية والعمرانية فيها، كما أنه يكتب عن علاقته بها، وهو فيها، وعلاقته بها وهو بعيد عنها.

ويعد كتاب " ظل آخر للمدينة "(1998) كتاباً من أبرز الكتب التي أنجزت عن القدس، فهو من ناحية تأريخ للمدينة خلال نصف قرن من الزمان، وهو من ناحية ثانية صادر عن شخص عاش في القدس ونشأ فيها وأبعد عنها ثم عاد إليها، وكانت تعني له في وجوده فيها وفي بعده عنها الكثير،ما جعله، بعد عودته من المنفى، يؤثرها ويؤثر الحياة فيها على مدن أخرى كثيرة تبدو الحياة فيها أرحب، لمن لا يرغب أن يتحمل مشاق الاحتلال وتبعاته المتمثلة في التمييز والتضييق والاضطهاد. لقد كان بإمكان محمود شقير أن يظل في عمان أو أن يظل في براغ أو في دولة أوروبية من دول الشمال، وكان بإمكانه أن لا يرى الحواجز والمضايقات، وأن لا يتعرض للقذف بالحجارة، بل وألا يحيا لحظات رعب كاد يموت فيها، كما يرد في كتابه حين ضل ذات مساء الطريق وسار في حي يهودي يكره سكان العرب ويرشقون سياراتهم بالحجارة.

إن الكتابة عن القدس في كتاب شقير السردي هذا تحتاج إلى صفحات طويلات، ذلك أن الكتاب كله مخصص للكتابة عن المدينة وما شهدته من تغيرات على أصعدة مختلفة، ولكني سأوجز الكتابة ما أمكن، آملاً أن أقدم صورة للمدينة وعلاقة القاص بها ورؤيته لها، وهي صورة، فيما أرى، لا تختلف عن الصورة التي لاحظناها في قصص السواحري وفياض وهنية، ولكنها أوسع وأثرى، فهي عدا أنها تبرز الصورة التي أبرزوها، امتلكت مساحة زمنية أوسع، ولجأت إلى إجراء مقارنات بين ما كانت المدينة عليه وما غدت عليه بسبب الاستيطان والاحتلال. وإذا كان القصاصون السابقون أتوا على المدينة وعلاقة شخوصهم بها، فإن شقير هنا يأتي عليها وعلى علاقته هو بها.

يتكون كتاب " ظل آخر للمدينة " من أربعة وعشرين مقطعاً، يبدأ ثمانية عشر مقطعاً منها بتبيان علاقة شقير المؤلف الراوي بالمدينة، ونظراً لأهمية مفتتح هذه المقاطع، فسوف أوردها، لأنظر فيها فيما بعد:

3- لا أذكر متى دخلتها أول مرة

كانت تناديني كل فجر للذهاب إليها.

4- سأدخلها بعد انتهاء مراسيم التهنئة.

سأدعي أن المنفى علمني أن أفتح عيني جيداً لأرى أدق التفاصيل فيها.

5- كنت أراقبها والقنابل تنقض على أبنيتها. الأبنية الملمومة داخل السور ثم لا تلبث أدخنة كثيرة أن تنعقد في سمائها.

6- أبدأ من نقطة تحت السور، أهبط عدة درجات نحو المدخل، أختار بوابة السور التي تم العثور عليها أثناء الحفر تحت البوابة الحالية.

7- أعود إليها بعد كل هذا الغياب.

أبدأ العمل في صحيفة " الطليعة " الأسبوعية في حي الشيخ جراح.

8- أدركت أن أمراً فادحاً قد وقع.

لم نعد قادرين على الذهاب إلى القدس من جهة قصر المندوب.

9- تمتد الصلة بيني وبينها وتزداد غنى.

أصبحت طالباً في واحدة من أهم مدارسها، المدرسة الرشيدية الثانوية .. [ ص78: نزلة باب العامود لها رونق خاص ].

10- تنمو الأحزاب السياسية سراً في أزقتها.

وداخل سورها الذي ينطوي على مهابة ذات تاريخ.

11- ها هي الأزقة تطل برأسها.

شوارع المدينة القلقة تفصح عن ذلك على نحو صريح.

12- لم أغب عنها،

إلا بمقدار ما كانت تتطلبه مني ضرورات الحياة.

13- تفاجئني دايماً بكل جديد،

كنت لا أمل السير في شوارعها وأزقتها.

14- أدخلها بعد انقطاع قسري،

فأجد الحال غير الحال.

15- كان مجرد النظر إليها وهي ملمومة داخل سورها العتيق، عند الغروب أو في الصباح المبكر يثير اللوعة في القلوب.

وقعت هزيمة حزيران، وكان وقعها على نفوسنا مدوياً.

16- حينما عدت إلى القدس

لم أذهب في الحال إلى ذلك المكان.

كان لسجن المسكوبية سمعة مخيفة، ففي زنازينه استشهد عدد من المناضلين الوطنيين تحت التعذيب.

17- عند نهاية سوق باب خان الزيت يستطيع السائر في خط مستقيم أن يخطو عدة خطوات في فضاء مكشوف، ليجد نفسه في أول سوق العطارين. أما إذا انعطف ناحية البسار فسيجد نفسه في طريق عقبة السرايا.

18- حينما أضاءت اللوحة الألكترونية بعد ثلاث ساعات من الانتظار، اتجهت نحو الموظف الذي يضع طاقية المتدينين الصغيرة على مؤخرة رأسه. قدمت له مجموعة من الأوراق وفواتير الضريبة والماء والكهرباء التي تثبت أنني أقيم في القدس منذ عدت إليها.

19- أذهب إلى مكتب وزارة الداخلية في شارع نابلس، أقف في الطابور الطويل كما هي العادة في كل مرة،

أنتظر وقتاً غير قليل تحت وهج الشمس، ثم أجتاز المبنى إلى الداخل، وأدخل في انتظار آخر مديد.

20- أمضي إلى مكتب وزارة الداخلية في شارع نابلس

منذ ما يقارب الثلاثة أشهر وأنا أنتظر الحصول على تأشيرة السفر دون جدوى، ...

أجتاز كل الإجراءات الروتينية التي أصبحت مألوفة لي كلما جئت إلى هذا المكان، بدءاً من الانتظار الممض في الخارج تحت حرارة الشمس وعنجهية الحراس، وانتهاء بالخروج من المبنى بجواب غامض يضطرني إلى الانتظار فترة أخرى.

ولا شك أن المقاطع السابقة تفصح عن علاقته بالمدينة، وهي علاقة حب وعشق على الرغم مما أخذ يعانيه من مشاق بعد عودته إليها. القدس هي المعشوقة، وشقير هو العاشق، وثمة ما يفصل بين العاشق ومعشوقته، وهو الاحتلال الإسرائيلي الذي يضيق على سكانها. وعلاقة العاشق بمعشوقته تعود إلى فترة طويلة لا يذكر العاشق متى بدأت: " لا أذكر متى دخلتها أول مرة "، وقد تبدلت أزمان وأزمان، وتغيرت أحوال المعشوقة فيها، وأبعد العاشق عنها، وحين عاد ازداد بها وَلَهاً وَلها حُبا.

ولما كان هو العاشق، فإنه يعرف أدق تفاصيل هذه المدينة، وحين غاب عنها أخذ يقارن ما كانت عليه بما غدت عليه، وهنا يطلعنا على الشوارع والأبنية ومشاريع البناء، وعلى حياته فيها في أزمنة مختلفة، ولا يغفل بالطبع وصف عملية تهويد المدينة ( ص11، ص48، ص64، ص195 ) كما لا يغفل أيضاً الإتيان على وصف التغيرات التي طرأت على المباني ( ص18، 28، 29، 61، 196، 201 )، وفي نهاية الكتاب يأتي شقير على رؤيته للمدينة وللغزاة الذين مروا بها، ما يذكرنا بقصيدة تميم البرغوثي أيضاً " في القدس "، وما يجعلنا نثير السؤال التالي: لماذا لم يلتفت إلى كتاب شقير هذا (1998) علماً بأنه أسبق من قصيدة تميم؟

سأتوقف هنا أمام الصفحة الأخيرة من الكتاب وسأقتبس فقرة طويلة منه لأهميتها:

" هل يعقل أن يبقى هؤلاء الجنود المدججون بالأسلحة في المدينة ولا أبقى أنا! ( ....) في الأيام التي أعقبت عودتي إلى الوطن، جاء إلى بيتي مراسل إحدى محطات التلفزة الأوروبية، سألني عن موقفي إزاء القدس.

قلت: ثمة محاولات إسرائيلية لفرض وجهة نظر واحدة على مدينة انبنى تاريخها على أساس التعددية وتفاعل الحضارات.

قلت: هي مدينة السلام، وينبغي تكريسها مدينة للسلام. وقلت: إن تهويد المدينة مخالف لتراث المدينة، التراث الذي تناسل من عدة حضارات ثم تمت صياغته في القرون الأربعة عشرة الأخيرة على نحو جديد.

واصلت هبوط الدرجات المؤدية إلى باب العامود، والتمعت في ذهني فجأة تلك الظهيرة من أحد أيام شهر نيسان قبل ثلاث وعشرين سنة، وأنا أتعرض لأذى الجنود في الشارع القريب المحاذي لسور المدينة.

قلت: لن أنسى إساءاتهم التي تفوح منها روائح العنصرية.

اجتزت البوابة التي ما زالت تحتفظ ببهائها.

رغم ما شاب حجارتها من شحوب. وقفت لحظة تحت قوس البوابة، ورحت أستذكر من مروا من هنا عبر تاريخ المدينة الطويل. غزاة كثيرون مروا من هنا، ثم مضوا، قادة جيوش ومحاربون، علماء ومفكرون وقادة مجتمع مروا من هنا، أناس عاديون يبحثون عن الرزق الحلال مروا من هنا، نساء يبعن الفواكه والخضار، ونساء يبعن الهوى مررن من هنا، جنازات شهداء ومظاهرات صاخبة مرت من هنا، ما جد أبو شرار، فتحي الشقاقي، جدي لأبي، وجدي لأمي مروا من هنا، لوسي الرشيقة بقميصها الأبيض ومريولها المدرسي الأزرق مرت من هنا، الغزاة الجدد، يمرون كل يوم من هنا، شعب بأكمله، من الكنعانيين، ما زال يواصل، منذ آلاف السنين، المرور من هنا، وأنا، ابنها الذي لم يغب عنها إلا مضطراً، سأسعى جاهداً لكي أواصل المرور من هنا.

مشيت.

رحت أبحث عن مكان ظليل،

في المدينة التي نادتني ذات فجر بعيد، فبقيت مشدوداً إليها كأنها أمي التي ولدتني.

انعطفت يساراً نحو مقهى باب العامود.

كان المقهى وديعاً حد البكاء.

جلست أتأمل حركة الناس حتى ساعات ما قبل المساء، كان، ثمة حزن يخيم على ما حولي من بشر وأمكنة وظلال، ولم يكن في المقهى أحد سواي ". (ص202/203/204).

هل يتذكر قراء هذا المقطع الشعراء المسلمين الذين كتبوا شعراً في زمن الحروب الصليبية، حين كانت المدينة تسعين عاماً تحت الاحتلال؟ القدس أمه، وهو حزين وهي أيضاً حزينة، لأن الأخرين اليهود يصرون على أن تكون مدينة ذات لون واحد، خلافاً لما كانت عليه عبر عصور طويلة؟



المصادر المعتمدة في الدراسة:

- أكرم، طقوس ليوم آخر، قبرص، 1986.
- توفيق فياض، البهلول، بيروت، 1977.
- خليل السواحري، مقهى الباشورة، الكويت، 1969.
- محمود شقير، ظل آخر للمدينة، القدس، 1998.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى