خولة السعيد - قراءة في "راحلة عبدالرفيع الجواهري"

تسمع بداية الموسيقى فتطرب، وتجد أوتار صوتك تحاول أن تداعب نغمات عذوبة العزف والألحان، ليبدأ بعد ذلك صوت يصدح عبر " الميكروفون"، فتعرف أنه "محمد الحياني" المذهل بشاعريته، وآدائه، وبالقفلات الغنائية الصعبة، " وأنت قريبة" ، ثم فجأة يتلاشى الصوت مع ترديد بعض الكلمات، الراحلة في سماع الإبداع والكلمة الأنيقة.. هي القصيدة التي لحنها " عبد السلام عامر" بعبقرية، فتجلى حسن توظيف الوتريات والانتقالات اللحنية " وأنت قريبة.. وأنت قريبة .. أحن ( موسيقى) أحن إليك.. أحن إليك".
لقد أبدع الشاعر الغنائي " عبد الرفيع الجواهري" في نظم هذا النص قبل أن يزيد من تألقه اللحن والموسيقى وعذوبة صوت الفنان الذي غنى القصيدة.
ذاك الواو الذي يستهل به الشاعر تحسه يؤكد حنينه لمخاطبته حتى وهي قريبة منه ، ثم يعطف على الجملة الفعلية " أحن" جملة"أظمأ"، فيدرك المتلقي أن الشاعر عطشان ظامئ لكن ليس إلى ماء بل إلى أن يسقيه عطر وشمس في شفتي تلك التي يحن إليها، وفي ذلك كناية عن الإشراق والجمال اللذين تتميز بهما هذه الحبيبة فيجعلنا لا نرى الشمس إلا مرآة معكوسة من إشراقة شفتيها، وما العطر الجميل إلا عطر نابع من شفتي الحبيبة إن همست، بعد ذلك يخاطب الشاعر حبيبته: "وحين تغيبين" فيبدو لك كمتلقي أن لحظة غياب المحبوبة ثؤثر في الشاعر إذ يجعلنا نتساءل: " ماذا يحدث لحظة الغياب ؟"و " لماذا اختار لفظة " حين" بالذات؟" فقد كان بإمكانه أن يقول بدل " حين" " وقت" ، فنجد ذواتنا أيضا مشدودة لهذه " الحين" اللفظة التي تجرنا أحرفها إلى الحنين وإلى المحن، فمحنة الغياب تثير الحنين والشجن، وتجعله يحن للغائبة فيغرق قلبه في دمعاته، لقد جعل قلبه كأنه هو الذات ودمعه بحر غرقت به هذه الذات ، وهو لا يكون على هذه الحال بعد غياب حبيبته وإنما عندما تهم بالرحيل، دليل ذلك استعماله للفعل المضارع منذ بداية القصيدة مثبتا أن لحظة غياب الحبيبة وبعد الغياب يستمر الشجن، وتستمر الحركة ثائرة في حزن وشوق وأسى ( أحن؛ أظمأ؛ تغيبين؛ يغرق؛ يرحل؛ تضيع؛ يشحب؛ تبكي؛ يحادثني؛ ....) إن حنين الشاعر للغائبة يجعل قلبه غارقا في الحزن وفي الدموع، ويجعل الصبح بنوره مظلما فلا يرى الصبح إلا ليلا بعد غياب تلك التي يحن إليها، وقد استعار الرحيل للصباح فجعل المتلقي يتخيل أن الصباح قد جهز حقائبه و لمها ثم هم بالرحيل فرحل، وبذلك ضاعت حياة هذا الذي لم يعد يرى صبحا ، فامتقع الورد بعينيه، وشحبت الدالية، وها هو الشاعر يوظف من جديد صورة فنية معبرة عن حالته، فأن يمتقع ويشحب الورد بعيني إنسان وأن تشحب تلك الدالية التي لا يمكن تخيلها إلا كما هي عظيمة زاهية برفعتها أمر مهول، ولم يقل " الجواهري" : " عيني" ولكنه قال: " أعين" وكأن كل شيء فيه بوجود حبيبته يرى الجمال ويتملى به، ويتمتع بإشباع النظرات، فصار بهذا الغياب كل الجمال بنفس الأعين شاحبا، حتى إن العصافير رقت للشاعر وأحزنها أيضا فراق هذه الحبيبة فشاركته البكاء هي والساقيات التي بدأ ماؤها ينهمر بكاء فتخال أنها جفت لذلك.
لقد جعل الطبيعة تئن بعد أن لسعها تيار الحب، إنها الطبيعة قد فاضت مدامعها، ويحل المساء بعد رحيل الصباح فيدرك أن حمرة الشفق ليست إلا من لظى وجنتي التي إليها يحن وهي منه قريبة..
يراها أمامه لكنها صامتة وعيناها تشاركانه الحديث وتخبرانه بما لم يستطع لسانها النطق به، وتنظر إليه نظرة رغم ذبولها الحزين يراها جميلة حلوة، وما زالت العينان تحدثانه بأنها سترحل عن الحي، يجعلنا الشاعر هكذا نغرق معه تدريجيا في مشاعر الحزن، ثم يبدأ تساؤلاته:
" فهل يرحل الطيب من ورده؟ وهل يهرب الغصن من ظله؟ أحقا كما ترحل الشمس هذا المساء ترى ترحلين؟" نتلقى هذه التساؤلات فنرجو أن تظل حبيبة الشاعر معه، ونشعر نحن بالخوف مما قد ينتج عن الفراق خاصة عندما يقول:
" وفي لهباتي .. ولحني الحزين.. يموت انشراحي.. تنوح جراحي، وبالحي في كل درب سأرشف دمعي.. سأعصر قلبي وأنت بعيدة" فتحس بتوسلاته في هذه الكلمات وهو يرجوها أن تظل وإلا فهو وقبل أن تفارق الحي ولمجرد قرارها قد اشتعل لهيب بداخله يزيده لظى ذلك الحزن فيموت كل الفرح والانشراح بداخله، وتنوح جراحاته ، ليسقي الحي كله بدموع أحزانه...
ويختم شاعرنا قصيدته بمواجهة مخاطبته سائلا إياها: " لمن يا إلهة فني.. لمن سأغني؟"
قبل هذا أشار إلى اللحن والآن " أغني"؛ لم يقل: لمن سأنظم قصائدي؟ أو لمن سأكتب كلماتي ، فملهمته التي جعلها إلهة فنه جعلته هي يعتبر الشعر غناء وموسيقى تطرب لها القلوب وتشاركها المشاعر ..
إن هذا النص تحس برقيه من خلال الكلمات المنتقاة والمقتطفة من حقلي الحب والطبيعة، فلا نكاد نجد غزلا مائعا ، ولا نحس بأن الحب مفتعلا ، فالكلمات هنا لم تكن باردة جامدة بل كانت وهجا مشتعلا ملتهبا بمشاعر تتعاقب في اندفاعاتها ، يصف الشاعر ألمه فنتألم له، ونشاركه مع العصافير والساقيات الدموع ، ونستعد لسقي حي من تفكر بالرحيل إن هي رحلت، نقف على الطلل إن وقف، ونبكي إن بكى ونسعد معه إن عادت حبيبته وتراجعت عن قرار الرحيل، فقد شاركناه جنون القلب والعقل معا وهو يرى حبيبته قد همت بالرحيل، ومع ذلك يجاهد ونجاهد معه كي لا يفقد صوابه لنتوسل أيضا إلى تلك الحبيبة ألا تتركيه معتصر القلب، أبكم الأغنيات...

ولكم القصيدة:
و أنت قريبة…أحن إليك
و أظمأ للعطر.. للشمس في شفتيك
و حين تغيبين يغرق قلبي في دمعاتي
و يرحل صبحي… تضيع حياتي
ويشحب في أعيني الورد و الداليات
و تبكي العصافير و الساقيات
و هذا المساء…وحمرته من لظى وجنتيك
يحادثني صمته في مقلتيك
و نظرتك الحلوة الدابلة بأنك عن حينا راحلة
فهل يرحل الطيب من ورده؟
و هل يهرب الغصن من ظله؟
أحقا كما ترحل الشمس هذا المساء؟
ترى ترحلين؟
وفي لهفاتي ولحني الحزين
يموت انشراحي
تنوح جراحي
وفي الحي وفي كل درب
سأرشف دمعي
سأعصر قلبي
و أنت بعيدة …
لمن يا إلهة فني.. لمن سأغني؟​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى