أ. د. عادل الأسطة - عفاف خلف في "ما تساقط ": الفلسطيني في الرواية الفلسطينية

وأنا أكتب عن حضور الفلسطيني في الرواية العربية وصورته عقب المرحوم الكاتب محمد الأسعد على إحدى المقالات طالبا مني أن أتابع الموضوع وأكتب عن صورة الفلسطيني في الرواية الفلسطينية .
والحقيقة أن الموضوع طريف ولافت وقد درس في كتب ورسائل علمية وفي أثناء دراسة أبرز علامات الرواية الفلسطينية ، ولست متأكدا إن كان دارس تابع الكتابة فيه في الأدبيات الفلسطينية الصادرة في القرن الحالي ؛ القرن الحادي والعشرين ، ففي هذا القرن كتب روائيون عرب كثر في رواياتهم عن الفلسطينيين وتراوحت صورتهم بين الصورة الإيجابية والصورة السلبية ، وفي هذا القرن طرأ تحول لافت في سياسة كثير من الدول العربية إزاء الفلسطينيين ، ما ترك أثره على الموقف من الفلسطينيين .
التنوع في صورة الفلسطيني في الرواية العربية وازاه أيضا تنوع في صورته في الرواية الفلسطينية ، علما بأن من يبحث عن صورته في رواية القرن العشرين الفلسطينية سيلحظ هذا التنوع منذ توقيع اتفاقية أوسلو في ١٩٩٣ ، وهنا أشير إلى رواية أحمد حرب " بقايا " ١٩٩٦ ورواية أحمد رفيق عوض " مقامات العشاق والتجار " ١٩٩٧ .
كانت الصورة السلبية للفلسطيني في روايات كنفاني وجبرا وحبيبي موجودة ولكنها لم تطغ على الصورة الإيجابية عموما ، فصورة الفدائي المقاوم هي الصورة التي تسيدت وبرزت أكثر ، ثم صارت هذه الصورة الإيجابية تتراجع شيئا فشيئا لتتسيد الصورة السلبية ، حتى إذا ما انتهت انتفاضة الأقصى وانقسم الفلسطينيون أكثر فأكثر ، وتحديدا منذ ما حدث في قطاع غزة في ٢٠٠٧ وانفصاله عن الضفة الغربية تراجع تصور الفلسطيني لذاته ، وقد عبر عنه محمود درويش في قصيدته الشهيرة " أنت ، منذ الآن ، غيرك " .
لا يعني ما سبق أن التصور السلبي للذات وحضوره في الرواية الفلسطينية هو التصور الوحيد الذي أخذ يسود ويطغى لدرجة اختفاء أي تصور إيجابي .
في الأشهر الأخيرة قرأت ثلاث روايات تظهر صورا مختلفة للفلسطيني كان آخرها رواية عفاف خلف " ما تساقط " الصادرة في الشهر الماضي في عمان عن منشورات الفينيق ، وهي ما دفعني للكتابة ، علما بأن الفكرة بدأت تراودني أكثر فأكثر منذ اقتراح المرحوم محمد الأسعد . أما الروايتان الأخريان فهما رواية وليد الهودلي " فرحة " الصادرة في ٢٠٢٠ عن مركز بيت المقدس للأدب ، ورواية يحيى يخلف " الريحانة والديك الرومي " الصادرة في ٢٠٢٠ أيضا عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في الأردن.
يكتب وليد الهودلي عن فرحة والدة الأسير المناضل نائل البرغوثي وصبرها على معاناتها في زيارة أبنائها الأسرى وتحملها أذى الجنود ومضايقتهم لها وتفخر بأبنائها لتظل شامخة الرأس . إنها تذكر ب " أم سعد " في رواية غسان كنفاني التي حمل عنوانها اسمها - أي أم سعد . وفرحة نموذج إيجابي للأم الفلسطينية التي تحملت المعاناة منذ ثورة ١٩٣٦ إلى يومنا هذا .
ويكتب يحيى يخلف عن الفلسطيني المثقف المعشوق والمشتهى والمهذب من المرأة العربية . إن صورته تذكر بجميل فران ووديع عساف ووليد مسعود الفلسطينيين الثلاثة في روايات جبرا " صيادون في شارع ضيق " و " السفينة " و " البحث عن وليد مسعود " ، ومثل هذه الصورة برزت له - أي للفلسطيني ، في رواية الكاتبة العراقية إنعام كجة جي " النبيذة " الصادرة في ٢٠١٧ .
في رواية عفاف خلف تبدو الصورة مختلفة كليا وتطغى عليها الصفات السلبية طغيانا شبه كامل . لا تكتب الكاتبة عن نماذج سلبية حضرت في الواقع الفلسطيني واتسمت بالحياد أو العجز أو اللامبالاة أو البحث منذ بداية وعيها عن حل فردي لمشاكلها ، وإنما تكتب عن الثوريين والفدائيين وقياداتهم في تحولاتهم من ثوار ومناضلين من أجل فلسطين إلى لصوص وسماسرة قضية ووسطاء ينسقون مع الاحتلال ، هدف كل واحد منهم الوصول إلى السلطة حتى لو داس على المباديء والأفكار والصداقات والضحايا ، ولم يقتصر الأمر على مرحلة أوسلو وما بعدها . لقد كان هؤلاء كذلك في الأردن في ١٩٧٠ وفي لبنان في الحرب الأهلية حتى الخروج ، واستمروا كذلك منذ تأسيس السلطة . ولم يقتصر الحال هذا على الذكور فالنماذج النسائية الحاضرة ليست أفضل . النساء اللافت حضورهن يتحولن بعد أوسلو إلى تاجرات وعاهرات يوظفهن قسم من المسؤولين لإسقاط خصومهم .
السلطة والبحث عن السلطة ، والتفرد بها والدوس على الأخلاق والمباديء والآخرين ، حتى لو أدى ذلك إلى التعاون مع الاحتلال ، بل إن التعاون معه مباح وحاصل ، هو ما يطغى على تفكير بعض الثوار القدامى ممن ظلوا على قيد الحياة ولم يستشهدوا أو يغتالوا . وإن أحسنت القراءة والاستنتاج ، وأمل ألا أكون أحسنتهما ، فإن الثورة الفلسطينية وقياداتها مسؤولة عما لحق بها وبشعبها في الأردن ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة . أهي الحقيقة أم أنها المبالغة في جلد الذات ؟
تحولات الفدائي الفلسطيني هذه برزت في الرواية العربية ، وقد توقفت أمامها في رواية السوري فواز حداد " المترجم الخائن " . كان الفلسطيني فدائيا وكان مثالا للبطل المنشود ثم تحول إلى رجل بارات وقاتل لرفاقه القدامى .
الموضوع بحاجة إلى مساءلة وإلى تفكير أكثر وتعمق أكثر ، وما كتبته هو انطباع تشكل لدي وبقي عالقا في ذاكرتي بعد قراءة الروايات الثلاثة ، ولعل انطباعي انطباع خاطيء غير دقيق !!
الجمعة
٥ تشرين الثاني ٢٠٢١



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى