ميلود خيزار - مسار اليسار الجزائري

لم يكن ماركس مجرد "قارىء" لنظام اجتماعي فسحب بل كان فيلسوفا و مؤرخا و حقوقيا و عالم اجتماع و ناقدا كبيرا للاقتصاد السياسيّ و منظّرا لنظام جديد و من فكر منحدر من عمق ثقافـي و اجتماعي و اقتصادي بحجم "ألمانيا".
تاريخيا، تَدين الماركسية الجزائريّة بوجودها، إلى "الـحضن" الفرنسيّ، أثناء حقبة الاحتلال (الحزب الشّيوعي الفرنسيّ) و بدت كأنها "محاولة" لإدماج النّخبة الجزائرية الصاعدة و الـمنحدر "معظمها" من أوساط "ميركانتية" و "إقطاعية" (تائبة)، إضافة إلى حشود "شغّيلة" المهاجرين لطلب العيش بعد أن جفّف الاحتلال كلّ مصادره في الوطن الأم.
في هذا الحضن (الذي لم يتخلّص من إمبرياليّته)، "رضعت" طلائع "الشّيوعيّة الجزائريّة" "مبادئ" هذه الإيديولوجيا و معها، بالطبع، قواعده العنصرية: العداء لكلّ ما هو عربيّ (واعتباره غزوا) و إسلاميّ (و اعتباره رجعية)، و الحقد على كلّ ما هو تركيّ (لأسباب متعلّقة "بإرث الإذلال" العثماني لفرنسا، بما يعني أن الأمر يخصّ فرنسا وحدها) و التعلّق بكلّ ما هو فرنسيّ (كمرجع) و تملّق كلّ ما هو يهوديّ (صهيوني).
الطلائع الأولى لهذه النُّخب كانت تحمل "استعدادات" تاريخيّة و اجتماعيّة لتلقّي هذه الإيديولوجيا و تعاليمها "الفرنسيّة الطبعة" كبشارة "لدين" جديد "يهيّـئ" لها أسباب الانقضاض مستقبلا، على الدّولة "الناشئة"، عبر "التسلل" إليها، في الوقت الإضافي، من معركة الاستقلال. و هذا بالضبط ما يفسّر "تهافت" الكتائب الأولى للكتـاب و الإعلاميين و الأكاديميين و ضباط الجيش و النقابيين، على "دين الملك" بل و اشتغلوا كعرّابين له، فنشأت "الاشتراكية العُمرية" و"اشتراكية أبي ذرّ"(في اعنف مشهد لليّ عنق التاريخ و الفكر)، ثمّ "المنظمات الجماهيرية (و منها اتحاد الكتاب) و طبعا اشتراكية "الأدب" (فكانت القصيدة الميكانيكية" و الحبّ "العذري" لعرق الفلاحين).
و لكن "سموم" التعاليم التي تلقّاها الجيل الأول للاشتراكيين في "الحضن الفرنسي" ظلت تشتغل و لكن في "جسد النّخبة" الصاعدة و التي لم يكن "زادها المعرفيّ" وفيرا و لا ولاؤها الأول للأيديولوجيا و قيمها، بقدر ما كان و لاءً انتهازيا و متملّقا "لدين السُّلطة". و كان هذا من أهم "مقدّمات" نهاية "الحقبة الاشتراكية" للنظام الذي رفع "العلم الأبيض" تزامنا مع سقوط جدار برلين (ليتبنّـى نظام "الولاء للأقوى" بكل عنفه و همجيته و توحشه و نقمته على شعب يريد الحرية و العدالة) ... و لم يكن الشّيوعيّون، الغيورون على "مزاياهم لديه" ليتخلّفوا عن ندائه "الوطني" و نصرته.
لا أحد بإمكانه نكران بعض المزايا التي قدّمها النظام الاشتراكي للهامش الاجتماعي الجزائري فـي ما يخصّ التعليم و الصحة و السكن. كما لا يمكن لأحد نكران نشأة "طبقة انتهازية واسعة" من صلب هذا النظام الذي جاء قسرا و ذهب قهرا. ثم انتهى التاريخ بالاشتراكيين إلى صورة "القراد" الملتصق (بانتهازية كبيرة) بجلد السلطة، مهما كان شكلها.
و هو المسار ذاته الذي سلكه "الإسلاميون" في علاقتهم بالخارج و بالسلطة. و الذي سنفرد له مقالا في مناسبة أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى