محمّد مباركي - قراءة عاشقة للمجموعة القصصية "عبور" للقاصّة آمال الحرفي

كان لا بدّ للقاصّة المغربيّة "آمال الحرفي" التي نشرت أعمالها القصصيّة في عدّة منابر ثقافيّة من "عبور" جسّدته في باكورة أعمالها التي جمعتها بين دفتي مجموعة قصصيّة من عشر قصص قصيرة أصدرتها أخيرًا ضمن منشورات "رونق" وقدّم لها القاصّ المغربي "محمد الشايب". اختارت لها "عبور" كعنوان جاء عن دراسة وتروٍّ عميقين. هو "عبور" وجدانيّ عبر الحرف والكلمة. وقد مثل خيطًا ناظمًا بين قصص المجموعة؛ لأنّه هو "عبور" بين الأعمار، من الصّغر إلى الكبر ومن الكبر إلى الصّغر. و"عبور" بين الشّرائح الاجتماعية المختلفة التي عايشتها القاصّة في حياتها وهي تلميذة وطالبة وسيّدة. و"عبور" بين العادات والتّقاليد المغربيّة الغنيّة. و"عبور" بين الأمكنة التي عاشت بها الكاتبة وطاب لها المقام بها فاندمجت في حناياها. أمتعتنا "آمال الحرفي" بتلاوين هذا العبور عبر الذّاكرة المتّقدة من خلال قصص مجموعتها حتّى إنّها جعلتنا نحسّ أنّ للعبور غوايته عبر المكوّنات المذكورة؛ لأنّه ناتج عن رغبة واستعداد قبلي لممارسته بغية الوصول إلى جدّية الأشياء المعبور إليها والمعبور منها وتغيّر النّظرة إليها. العبور والبدء صنوان متناغمان. وتبقى مرحلة الصّغر هي البدء التي يليها ذلك الشّوق في العبور إلى ما هو أحلى وأرشد. يمكن للقارئ أن يتوصل إلى أن الكاتبة "آمال الحرفي" متحت في قصصها من حياتها الخاصّة وحيوات من عاشرتهم من خلال الإهداءات في كلّ قصّة قصّة، فكانت صادقة في نقل بعض من سيرتها بطريقة فنيّة ترغمنا من خلالها على القراءة بين السّطور والكلمات التي تختارها بعناية بلغة جزلة تعززّها أحيانًا بأمثال من تراثنا الشّعبيّ المغربيّ الغنيّ. والجميع يعلم ما للأمثلة من أهمية، فهي نتاج تجارب عميقة مصاغة بتركيز وتكثيف بلغة سجعيّة سلسة تسهّل حفظ المثل.​

مع قصّة "اختلف الأمر": هناك عبور عبر الزّمن من الكبر إلى الصّغر في توثيق أحداث عاشتها الكاتبة تلميذة بالابتدائي لأحداث دامية عرفها شمال "المغرب" في ثمانينيات القرن الماضي. سمعت عَرْعارَ الصّبيان في تلك الانتفاضة المَأْيَمَةِ المَيْتَمَةِ. وثقتها المبدعة "آمال الحرفي" باعتبارها "شاهد عيان"، بقيت تلك الأحداث متجذّرة في دواخلها لكونها انحفرت بأزاميل الألم. نسجل هنا حضور الذّاكرة بقوّة بأسلوب إبداعي بعيد عن التّقريرية التي تقلّل من سموّ الإبداع. تحضر الذّاكرة مع قصّة "شربة ماء" أيضًا من خلال السّاردة الطّفلة وهي تحاور ابنها الذي صام يومه الأوّل منتظرًا أذان المغرب. إنّها البداية اللّذيذة، فصوم اليوم الأوّل عند الأطفال نشوة يحق لهم التّباهي بها وسط الأتراب، حتى إنّ العائلة المغربيّة ومن فرحها ببناتها مثلًا تلبسهن أفضل لباس وأجمل حليّ ويطاف بهن في الحيّ وربّما في المدينة لإكرامهنّ والدّعاء لهنّ بالدعوات الصّالحات. تقول السّاردة: "بينما أنا مستغرقة بالحديث مع صغيري، رأيتُ الطّفلة التي كنتها قبل سنوات... تشبهني هذه الصغيرة كثيرًا...)(1). تستروح السّاردة شذا البراءة من الطّفلة التي كانت. ويحقّ لها ذلك. سؤالي لماذا وقفت السّاردة عند تينك العنصرين الأساسيين من جمال الصّغيرة؛ الشّعر والعينين السّوداوين؟ هل كانت ترغمنا على تدقيق النّظر في تينك العنصرين اللّذين تغنى بهما الشّعراء والكتّاب على السّواء من الصّورة التي زيّنت مطوية الدّفة الأولى للكتاب؟ الطّفلة حزينة والسّاردة أحزن؛ لأنّها غافلت الجميع وارتشفت رشفة بريئة من ذلك اليوم الأصلع حيث رمت الشّمس بأسياخ من الجمر. كان الله في عونها، لم تقتنع بأنّ دين الله يسر. الطّفلة التي أرادت أن تعبر إلى كاعب وتتحدّى زميلاتها بالصّيام. انتقلتالسّاردة من الحديث عن ابنها إلى الحديث عن نفسها بسلاسة لا تشعر القارئ بذلك العبور. تقول لنا إنّها ما تزال طفلة مهما كبرت، بل إنّها تحدد لنا العمر الذي كتبت فيه القصّة بثلاثة عقود مع إضافة عمر طفلها الذي يكون في حدود خمس سنوات أوستّ. أرجو أن لا أكون مخطئًا في تقديري. مع قصّة "عبور": عنونت القاصّة بعنوانها مجموعتها القصصيّة. كان لهذه القّصّة وقعها في دواخل القاصّة "آمال الحرفي" دون شكّ؛ لأنّها أبانت عن جرأة في مقاربة بعض القضايا الإنسانية والمجتمعية بفنية بعيدة عن التّقريرية. كانت جرأة كبيرة في حديثها عن الطّمث وما تعانيه الفتاة خلال أيّامه العصيبة وما يرافق ذلك من خوف يصل مع الجهل إلى الرّعب. تحيلنا السّاردة على أمر هامّ جدًّا هو وجوب توعية الفتيات بالأمر قبل حدوثه خاصّة وأن عمرهن حينها يكون باعثًا على القلق من أدنى الأشياء وأتفهها، كالخوف من فقدان "أعز ما يطلب". وقد ربطت السّاردة الأمر بالشّرف وفقدان بنت الجيران لشرفها. تحضر الأمّ في القصّة التي كان عليها توعية ابنتها بالأمر قبل أن تجد الفتاة نفسها بين مطرقة الهلع وسندان الخوف من المحظور. الجميل هو طقوس الاحتفال بالبلوغ التي هي بمثابة طقوس عيد تجميل الأمّ لابنتها بمَخَاضب حِنّائها والمساحيق التي كانت ممنوعة عنها، بل ممنوع عليها لمسها حتّى. طقس تجهز مائدة الطّعام على شرفها. طقس الإطلالة على الزّقاق وتحديد مدّة الطّمث من خلال ما تراه الفتاة المحتفى بها. كنتُ أنتظر أنا القارئ شيئًا آخر غير الذي ذكرت السّاردة، كنتُ أنتظر مرور شابّ وسيم مثلًا كفأل حسن. يحضر تماهي السّاردة بالأمّ. هذا التّماهي الذي هو "سيرورة سيكولوجيّة في بناء الشّخصيّة، تبدأ بالمحاكاة اللّاشعوريّة وتتلاحق بالتّمثيل ثمّ الاجتياف (الاستدخال أو التّقمّص) للنّموذج"(2). مع قصّة "شيء ما تحت الطّاولة": تتضمّن القصّة تصويرًا رائعًا لتلك المقابلة بمقصف المعهد بين السّاردة والشّاب مشروع مهندس. وكيف أنّ الحالة المتشنّجة التي يكون عليها المرء جرّاء التّحضير للامتحانات مثلًا تجعله لا يتحكّم في تصرّفاته، فيمكن أن يتصرّف برعونة وهو يعتقد أنّ الآخر هو من يتصرّف كذلك. كتبت القصّة بلغة سهلة باستعارات جميلة تجعل القارئ يقرأها ويعيد قراءتها. لينفجر ضاحكًا مع القفلة. مع قصّة "اختيار": استعملت القاصّة "آمال الحرفي" تقنية التّقابل بين المتسولتين الإفريقية والسّورية. كان وصفهما جميلًا. ويبقى الحرج في الدّرهم الوحيد الذي مثّل العقدة التي لم تجد حلًّا. حضور لغة الاقتصاد في الحديث عن الدّرهم الذي كان "بطل المشهد"(3) حيث إنّ قيمته قد ارتفعت بارتفاع مدى حيرة السّاردة واستمرار إلحاح السّيدتين على الظّفر به في تلك اللّحظة القصيرة بين ضغط انتظار الضّوء الأخضر وصفّارة شرطي المرور ومنبّهات السّيّارات من الخلف. مع قصّة "عرس الذيب": استطاعت المبدعة أن تتصيّد الذيب الرّجل السّتيني. صوّرته لنا كيف أنّ ظاهره كان أنشر من باطنه. مستعملة التّقابل مرّة أخرى والذي ظهر جليًّا في تقابلات عّدة. حضور الأمثال الشّعبيّة التي قلت إنّ المبدعة "آمال الحرفي" عارفة بها وبتصنيفاتها ومواطن استعمالاتها. حضور التّحرش الذي يعاقب عليه القانون ممثّلًا في الذيب / الشّيخ الممعن في التّصابي والخلاعة. كنتُ أنتظر أن تلحّ عليه السّاردة بالعذل والتّأنيب، لكنّها رمت بالمهمّة إلى المثقّفة حتّى تمتلك نفسها وتخفّف من تموّرها. رغبتُ وأنا أقرأ القصّة أن لا تقف السّاردة موقف المتفرّج بل وددتُ أن تجعل الذيب فرجة لعباد الله، لكنّها لم تفعل. ولماذا لم تفعل؟ هل كانت القاصّة "آمال الحرفي" تريد أن تقول لنا "هذا حال مثقّفينا لا يذبّون عن أنفسهم ذبابة؟". مع قصّة "فوضى": صورت لنا القاصّة المعاناة التي تعانيها ربّات البيوت مع فوضى أطفالهن وأزواجهنّ، فما تنصح به اليوم تعيده غدًا لاستعصاء ذهنيات المحيطين بها من أفراد الأسرة كأنّهم يوزعون العمل بتلقائية بينهم وبين الأمّ والزّوجة، فهي محكوم عليها بتتبّع الفوضى التي يشيعونها بالبيت عن قصد أو عن غير قصد، فحتّى الأزواج يتواطؤون مع الأبناء عن قصد أو عن غير قصد أيضًا، وإذا كانت الأسرة بذلك الشّكل من الفوضى فلا لوم على المجتمع إذا سادته الفوضى، لكنّ القّصّة تنتهي بتصوير قلب الأمّ الرّحوم وكيف تضعف إلى درجة الذّوبان في ذوات أفراد أسرتها بتقديم تضحيات جسام. ذكّرتني القصّة بكتاب "التّخلف الاجتماعي سيكولوجية الإنسان المقهور" للدّكتور "مصطفى حجازي". مع قصّة "حمّام على غير المعتاد": هي القصّة الأطول في المجموعة. كانت المبدعة "آمال الحرفي" صادقة حين قالت إنّه حمّام على غير المعتاد. تجسّد القصّة أمرين اثنين: الأمر الأول تتقاسمه مع باقي القصص السّالفة ألا وهو العبور عبر الذّاكرة إلى يوم زفاف السّاردة، الأمر الثّاني هو طقوس الحمّام بين السّاردة الطّفلة يوم الحمّام الذي هو يوم احتفال. الحمام هو النّظافة القصوى في "المخيال الاجتماعي". ذكر الحمّام التّركي وربطه بأستاذ التّاريخ الذي قال إنّ المغرب هو الوحيد الذي صدّ العثمانيين. هي إشارة إلى القارئ المغربي الذي عليه أن يفخر بمغربيته وبتاريخ هذا الوطن الذي يعيش بين أحضانه. إشارة "الطيّابة" إلى السّاردة أن تعطي الوقت لنفسها. هل معنى ذلك أن طقوس الحمّام تفسخت؟ تدخلالسّاردة القارئ في ذلك الصّراع بينها وبين شيطانها حتّى تصدمه بوقوف ذلك المعتوه أمامها وهي في مرحلة غسل شعرها الكثيف وما يرافق ذلك من جهد. شرّقت القاصّة "آمال الحرفي" في هذه القصّة بالقارئ وغربت حتّى جعلته لا يكتفي بقراءة واحدة للقصّة. مع قصّة "انقطاع": مكانها المسجد في الشّهر الأبرك بجناح النّساء. تصور لنا السّاردة الحالة العامّة لصلاة التّراويح، الإشارة إلى مخاوف المصلين من سرقة نعالهم وأحذيتهم. وجود لافتات تنبه كلّ من دخل المسجد أن يضع حذاءه أمامه وحتّى الذي يفعل ربّما لن يسلم، فقد حكى أحد الدّعاة أنّ مصليًّا سجد، فشعر بيد لصّ تحاول سرقة حذائه من أمامه، فترك الصّلاة واستردّ حذاءه من اللّصّ. وإنّها والله معرّة أمام أنفسنا وأمام الأجانب الذين يقرأون تلك اليافطات "ضع حذاءك أمامك". محاورة السّاردة حذاءها الذي أخفته في كيس بلاستيكي وهي حيلة يلجأ إليها للتّخفيف من حدّة سرقة الأحذية. هذه السرقة التي طالت حتى ساعات المسجد وزرابيه وكلّ شيء فيه...

على سبيل الختم أقول إنّ القاصّة "أمال الحرفي" متحت في مجموعتها "عبور" من حياتها الخاصّة وحيوات بنات جنسها بدافع الصّدق وكأنّي بها في الكثير من المحطّات تستسقي سُلافةَ المودّة من الطّفلة التي في دواخلها؛ الطّفلة التي آلمها مكابدات المرأة المغربيّة في مجتمع ما يزال يحمل الفكر "البطرريقي". الطّفلة التي آلمها ذلك الأب الذي انقلب إلى كرامة الله وعفوه مبكّرًا.

لا يسعني إلّا تشجيع القاصّة "أمال الحرفي" القادمة من عالم الإحصاء والأرقام الجافّة واللّغة الدّقيقة الصّارمة التي لا تقبل التّأويل إلى عالم السّرد حيث يرقص القلم على القراطيس.

*****

هوامش:

- (1): ص: 18. من السطر 20 إلى 23.
- (2): سليمان أبو عيسى: موقع الألوكة) رابط الموضوع: شبكة الألوكة - موقع الاستشارات
-(3): ص: 39 السطر: 12

محمّد مباركي

وجدة في 19/11/2021



جريدة كواليس الجزائرية:

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى