د. محمد العدوي - كتاب في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين

من أشهر الكتب التي يتم الاقتباس منها للدلالة على تطور الفكر كتاب في الشعر الجاهلي تأليف عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين حيث تجد الكثيرين وهم يتداولون عبارات منه أو يضمنون عنوان الكتاب في مقالاتهم ولا أدري إن كانوا بالفعل قد أتموا قراءة الكتاب بتمعن أم مجرد نقل عن الآخرين .. وسبب ذلك أن الكتاب يحوي الكثير من المغالطات التاريخية التي ترقى لدرجة التدليس من خلال منهج الشك الذي اتبعه المؤلف قاصدا الطعن في المرويات وفق نظرة أحادية يمكن تفنيد بعضها في الآتي :
أولا : لجأ المولف إلى التشكيك في الوجود التاريخي الفعلي لعدد من شعراء العصر الجاهلي مثل امرىء القيس والمهلهل وعلقمة والحارث بن حلزة وطرفة بن العبد حيث تناول الروايات الأسطورية التي أحاطت بحياتهم وفي نفس الوقت سكت عن غيرهم من الشعراء الكبار من أصحاب المعلقات مثل عنترة والنابغة الذبياني والأعشى وزهير بن أبي سلمى حيث كان الإنصاف يقتضي ذكرهم وذكر أشعارهم لكنه تغافل عنهم لأن وجودهم التاريخي ثابت في كل مراجع التاريخ التي استقى المؤلف منها كل اقتباساته وبالتالي سوف تنهار نظريته .. وبالنسبة للشاعر عمرو بن كلثوم فقد ظل يراوغ في صفحات كثيرة لكنه في النهاية أقر بوجوده التاريخي بسبب وجود ذريته وقبيلته حتى وقت متأخر رصده المؤرخون في تلك العصور ومنهم أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني ..
ثانيا : طعن المؤلف في شعر امرىء القيس الذي روي بلغة العرب التقليدية وليس بلغة حمير المختلفة عنها رغم أن الشاعر من قبيلة كنده اليمنية والمفترض في رأيه أنها اللغة التي يجب أن تروى بها أشعار قبائل اليمن بل وكل قبائل قحطان خارج اليمن أيضا .. وفي هذا خلط واضح لأن لغة حمير قديما وحديثا خاصة بفروع محدودة من قبيلة حمير وحدها وليس كل اليمن ولا كل قحطان بل كانت لكل قبيلة لهجتها مثل لهجة سبأ التي يتكلم بها أبناء قبيلة همدان من حاشد وبكيل أما مذحج وكندة فقد كان يطلق عليهم اسم أعراب سبأ تمييزا لهم عن سائر اليمن .. ولا أدري هل كان المؤلف جاهلا بقبائل العرب وتقسيماتهم أم أنه تعمد ذلك الخلط ليكرس لفكرة معينة .. وعموما فقد أثبت علم السلالات الجينية الحديث خطأ وجهة نظر المؤلف حيث إن غالبية قبائل اليمن تتصل بعرب الشمال ..
ثالثا : ثلث الكتاب يتناول مسألة انتحال الشعر عند كل الأمم خاصة في اليونان القديمة وعدد أسباب ذلك والتي تنوعت ما بين سياسية ودينية وغيرها وأفرد صفحات كثيرة للأشعار التي تداولها المهاجرون والأنصار بعد الإسلام أثناء الصراعات السياسية ودلل على ذلك بالتشابه بين قصة حياة امرىء القيس والثائر الكندي عبد الرحمن بن الأشعث للدلالة على صناعة السير الشعبية في زمن متأخر لخدمة الأغراض السياسية لقبيلة بعينها رغم أن سيرة أي منهما لم تكن متداولة على الصعيد الشعبي مثل سيرة عنترة بن شداد مثلا والتي استقرت في التراث رغم أن قبيلة بني عبس كانت بعيدة تماما عن الصراعات السياسية والمذهبية ..
رابعا : كل النتائج اليقينية التي وصل إليها المؤلف بدأها بعبارات من قبيل : (وأظن .. ويغلب على ظني .. وأغلب الظن .. ويبدو لي .. ربما .. إلخ) أو يعلق على قصيدة ما بقوله إنه ليس فيها طابع القدم وهو أمر نسبي بحت حيث يضع المؤلف وجهة نظره باعتبارها نتيجة مؤكدة رغم وجود تناقض كبير في ترتيب الأفكار .. مثلا ساق صفحات كثيرة لنفي الوجود التاريخي لامرىء القيس لكنه في موضع آخر يثبت له أشهر قصيدتين وهما (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل .. ألا أيها الطلل الباكي) وهما تحويان أشهر أبياته وتعبيراته .. وهو يعيب على عنترة أنه لم يتناول في شعره الأحوال الدينية في عصره لكن في موضع آخر يعيب على أمية بن أبي الصلت اهتمامه بالشؤؤن الدينية ويلمز في شعره أنه منتحل بعد الإسلام ..
خامسا : يخلط المؤلف بين اللغات واللهجات وينتهي إلى فرضية أن كل شاعر يجب أن يقرض الشعر بلهجة قبيلته وليس بالعربية القياسية حيث لا يوجد اختلاف بين شعراء المعلقات وهو احتمال أدرجه المؤلف لكنه ضعفه ورجح الاحتمال الثاني وهو أن الشعر كله منحول بعد الإسلام وسيادة اللغة العربية .. والحقيقة أن الفوارق في اللهجات بين معظم قبائل الجزيرة العربية قديما وحديثا هي محدودة للغاية ومعظمها في لكنة بعض الحروف عند النطق وليس في أصل اللغة ولا ألفاظها ومشتقاتها .. رغم أن المؤلف في موضع آخر يؤكد على استحالة معرفة الزمن الحقيقي لنشأة اللغة العربية القياسية المعروفة بلغة قريش ومن ثم أقر بصعوبة تتبع اللهجات وتنوعها ومعرفة متى ظهرت الفواق بينهم ..
سادسا : يصف المؤلف شعر المهلهل بن ربيعة بقوله إنه مستقيم الوزن مطرد القافية يلائم قواعد النحو وأساليب النظم لا يشذ في شيء وهذه هي حجته في عدم إثبات الشعر للعصر الجاهلي لكنه في نفس الموضع يرى أن شعر المهلهل مضطرب ومختلط ولذلك فهو منحول بعد الإسلام على يد شعراء من قبيلة تغلب .. وهو يرى أن قصيدة عمرو بن كلثوم الشهيرة سهلة الألفاظ لا تخلو من جزالة وفيها معان حسان وفخر لا بأس به وتمثل إباء البدوي للضيم واعتزازه بقوته وبأسه وبذلك هي تتفق مع البيئة العربية في ذلك العصر لكنه في نفس الوقت يرى أن القصيدة فيها من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيرا على أقل الناس حظا من العلم باللغة العربية في هذا العصر الذي نحن فيه وبالتالي لا تنتمي للماضي !!



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى