أ. د. عادل الأسطة - الأدباء شباباً وشيوخاً: "فمن منا تنصل من ملامحه؟"

مرة كتب إليّ شاعر طالباً مني ألا أتعرض لشعره؛ لأنني اختصرت شعره في بعض قصائد كتبها في شبابه تسيء الآن إليه رجلاً كبيراً، ولأنني لم أدرس تجربته دراسة أدبية نقدية موسعة أبين ما فيها من ثراء.
الشاعر أنذرني قائلاً إنني أعرف سلاطة لسانه وإنني لن أسلم منه، ونظراً لصداقتنا القديمة فإنه اكتفى بتنبيهي وأصر على ألا أكتب ثانية عن شعره.
كنت كتبت عن حضور المدينة في شعره واستشهدت ببعض أبيات يتوجه فيها إلى أهل مدينته الذين يلومونه على ارتكاب المعاصي والجهر بها، مثل شرب الخمر، ذاهبين إلى أن سلوكه هو سبب احتلال مدينته وضياعها، وهو لا يرى ذلك، فما يحتسيه لن يهدم سور المدينة الذي إن هدم فسيهدم من الأحزاب الصهيونية الحاكمة. إن صعلكته وعربدته وترنحه، كل هذه لن تؤثر على السور.
والحقيقة أنني أكن وداً كبيراً للشاعر وصدقه في تعبيره عن تجربته وصراحته وقول ما يفعل، غير مختبئ وراء قناع يظهره شخصاً تقياً ورعاً في مجتمع من صفاته ارتداء قناع يجعل المرء مقبولاً اجتماعياً.
ما كان يفصح عنه ويفخر به شاباً ما عاد مناسباً لسنه، وربما يكون كف عن شرب الخمر، عدا أن مجتمعنا اختلف ظاهرياً كثيراً عما كان عليه في٧٠ و٨٠ القرن٢٠، وفوق ما سبق فإن كثيرين منا في ٦٠ و ٧٠ سني حياتهم يميلون إلى التدين ليختتموا حياتهم ممارسين ما يراه المتدينون الفضيلة.
عندما توفي راشد حسين كان في الحادية والأربعين من عمره، وقد توفي كما نعرف في نيويورك، وقيل إنه كان يفرط في الشراب. عندما نكتب هذا لا يعترض أحد من عائلته، ويخيل إلي أنهم ينظرون إليه باعتباره شخصية عامة يخص الشعب الفلسطيني، وربما هناك سبب آخر يتمثل في أن فلسطينيي الأرض المحتلة ١٩٤٨ أكثر تحرراً وتسامحاً قياساً إلى أهل القدس، وهو ما قرأناه في قصة توفيق فياض «أبو جابر الخليلي» من مجموعة «البهلول» (١٩٧٨) التي يظهر فيها تصور أهل القدس لأهل فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ عندما كانوا بعد هزيمة حزيران يذهبون إلى القدس لزيارتها لا للصلاة فيها. أبو جابر المتدين والمحافظ الحارس الليلي يورد فيهم الرأي الآتي:
«إن أهل الأرض المحتلة سابقا، نصفهم شيوعيون، وهذا يعني أنهم ملحدون، والعياذ بالله، والنصف الآخر جواسيس لليهود، ويعملون مع الاستخبارات الإسرائيلية..».
لم يكن الشاعر، في طلبه، في حركتنا الأدبية، حالة استثنائية، فكثيرون منا تابعوا ما كتبته طليقات بعض الشعراء عن علاقتهن بهم، وما باح به بعض الشعراء لأصدقاء مقربين منهم، وموقف أقارب الشعراء وأصدقائهم من هذه الكتابة التي قد تسيء إلى الشعراء.
أحد إخوة شاعر استاء مما كتبته عن أخيه في قضية أثارها مقال كاتب عربي وأراد أن يحوّل الكتابة إلى أمر شخصي لا أدبي، وابن أحد الروائيين تدخّل مرة في جدل أدبي بيني وبين أبيه وهددني بأنني أسأت إلى جدته، علماً بأنني لم أذكر جدته إطلاقاً، وإنما استشهدت ببيت شعر لجرير يهجو فيها أم الأخطل، فعده الابن والأب معاً تورية.
مجتمعنا الفلسطيني هنا وفي الدولة المجاورة ما زال يتعامل معي على ما كتبته في روايتي «تداعيات ضمير المخاطب» في ألمانيا، كما لو أنني ما زلت أتصرف هنا تصرف شخصية الرواية هناك، وهذا قلب حياة كثيرين وأقض مضجعي أيضاً. مجتمعنا لا يدرك أن هناك فرقاً بين هنا وهناك وبين المرء شاباً والمرء كهلاً عجوزاً وهن العظم منه واشتعل رأسه شيباً.
غير بعيد عن الموضوع ما كتبه إلياس خوري في روايته «رجل يشبهني» عن غياب الخمريات في الشعر العربي الحديث.
ولأنه جعل من الشاعر راشد حسين شخصية روائية فقد سأل أيضاً:
- لماذا لم يكتب راشد حسين الذي مات مخموراً، عن تجربته مع الفودكا والنبيذ؟
ومع أنه كتب أيضاً عن محمود درويش إلا أنه لم يناقش عدم كتابته في الخمر. هل كان إلياس وثيق الصلة بالشاعر ولاحظ أنه لا يشرب الخمر؟
هنا يمكن أن أتوقف أمام تجربة مظفر النواب؟
كتب مظفر في موضوع الخمر قصائد ورباعيات لا تقل فنياً عن قصائد «أبو نواس» ورباعيات الخيام، وفيها يعبر عن تجربته، وظل يقرأ قصائده، وهو في السبعين، غير متخل عنها على الإطلاق. لم يأبه لما سيقال عنه ولم يكترث لموجة التدين. هكذا أنا، وهكذا كنت، وهذا هو ماضيّ ولن أتبرأ منه. أما محمود درويش فعندما زار بيت أمه بعد غياب ٢٥ عاماً ورأى صورته القديمة على الحائط فقد تساءل:
« أأنت يا ضيفي أنا،
فمن منا تنصل من ملامحه؟».
«عالمنا تغير كله» والعبارة أيضاً له.




عادل الأسطة
2023-03-05

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى